في بلاد النوبة القديمة، يصل رجل إنجليزي إلى قرية قديمة، ويتسبب وصوله في تغير كل شيء. فصل من أحدث روايات سمر نور.

ابتسمت الجدة آشا وهي تمد بصرها تجاه النهر، ولم يكن ثمة مخلوق هناك!
فتحت أبواب الونسة والنميمة حتى أجذب بنات أعمامي فلا يلتفتن إلى نظرات آشا، فيخفن ويبتعدن عن النهر. كان لزامًا علينا أن نملأ الأواني ونتحمم قبل أن تفرد الشمس أشعتها على كل الأماكن. في هذا الوقت يعرف الرجال أن هناك نساءً على الضفة ولا يقتربون، فيمكننا أن ننهي مهمتنا فلم أرغب في أن يعطلنا شيء، خاصة وأن شمس اليوم تصب حميتها علينا منذ أول خيوطها، ويبدو أنه سيكون يومًا شديد الحرارة.
حاولت أن أقنع آشا بالتحرك معنا إلا أنها تسمَّرت في مكانها مع شبح الابتسامة، وتعلقت بها ابنتي الصغيرة نفيسة، كما أن ابني سليمان لا يترك جدته أبدًا، فأشرت لسيدات العائلة كي نترك الأطفال معها، ونتجه نحو النهر.
مدَّت الجدة يديها في اتجاه النهر، فاستغربن حركتها وهي التي ظلت سنوات كجثة هامدة، وتشككن في وجود شخص ما هناك، إلا أني جادلتهن فيما رأين، وبدأن في الاختلاف حول صحة ما لاحظن. تركنا الجدة عند النخلتين العاليتين، وأكملنا الطريق تجاه النهر، تركت الطفلَين المتعلقَين بالجدة، ورافقت عمات طفلَيَّ وبنات أعمامي، وزوجتَي عمهما محيي.
لم يكن تصرف آشا غريبًا بالنسبة لي، فزوجي داوود يشبهها، حين كنا أطفالًا، كان يتحدث إلى مخلوقات خفية لا يراها سواه، وأخواته البنات يخفن ويبكين، لكني لم أكن أخاف أبدًا، قالوا إني أشبه خالتي نفيسة، التي كانت توبخ ابنها داوود حين يتصرف بغرابة، وتقرأ آيات القرآن، حفظت الآيات والأوردة، أنا أيضًا أفعل مثلها، وأرقيه منذ تزوجنا في كل صباح ومساء، وهو لم يعد يرى مخلوقاته الخفية، وصار حافظًا لكتاب الله.
لم يمنع كل ذلك قلبي من الانقباض كلما اقتربنا من الضفة، لكني تصرفت بقوة، وحثثت الفتيات على النزول إلى النهر، تمثلت شخصية خالتي نفيسة، أحاول أن أكون في ثباتها وحكمتها. نزعت الجرجار ونزلت بجلبابي الملون، وبحذر فعلن مثلي، لم تجرؤ أيٌّ منا على نزع جلبابها، وظلت خيالات آشا مسيطرة وإن لم نبُح بذلك.
الهواء ثقيل من حولنا، وشعور عميق بأن هناك مَن يراقبنا، بل هناك مَن يحيط بنا.
تشاغلنا بحالة من الثرثرة والمرح، وقذفنا بعضنا بالماء، وانطلقنا في النميمة والحكايات الفكاهية، وبعدنا تمامًا عن حكايات زينب كوتود التي قد لا تخلو من الأمن دوجر والإركبي والجن، وسائر مخلوقات الأساطير المخيفة.
ونحن فتيات صغيرات، كنا نتنافس على الاقتراب من الجدة زينب الجالسة على مصطبة بيتها لنملأ المكان حتى الباب، أو نتحلق حولها حين تجلس القرفصاء في الساحة الكبيرة لنسمع حكاياتها، يقولون إن الفتاة التي لم تسمع حكاياتها لن تتزوج، لذلك كانت تزورها البنات غير المتزوجات من كل قرى النوبة، وكنا نتفاخر بينهن بأن الراوية الشهيرة ابنة قريتنا، ولن تبقى فتاة من «الشباك» دون زواج ما دامت بيننا الراوية صاحبة الكرامة.
سُميت لابن عمي داوود منذ طفولتي، لكنه وقع في غرام فتاة غريبة.
كانت الغريبة تسكن جزيرة بعيدة، وأبوها كان ساحرًا، بكيتُ حظي السيِّئ لكني أعددتُ الخطة.

أعرف أن الجدة كوتود تحب الهدايا، وتقرب منها الأطفال الذين يمنحونها الحلوى، وتتركهم ليناموا على فخذها أثناء الحكي، وتقرب منها الفتيات اللاتي يمنحنها العطور والمضغة. فجمعت العدة، وجلست بجوارها قبل جلسة الحكي، ومزجت الرماد بالملح بالعطرون والقرنفل والفحم وأوراق نباتات حارة ونعناع بري ودخان، حتى صار كعجينة كورتها وقدمتها للجدة التي ابتسمت فظهرت أسنانها البنية من كثرة استخدام هذه الخلطة، ووضعتها بين أسنانها ولثتها السفلى، وربتت على كتفي بحنو، ودعت لي وهي تسند رأسها على الحائط وتستمتع بخلطتي السحرية، وتستعد لقدوم المستمعين لحكاياتها.
يومها، حكت عن البطلة كُرِي التي اشتق اسمها من الحلوى، بطلتي المفضلة التي تمردت على أمها وقريتها مع ستة من رفيقاتها وغادرن القرية ليخُضنَ مغامراتهن، واجهت الكو والإركبي وسائر المخلوقات الخرافية، وانتصرت البطلة عليهم جميعًا ثم تزوجت الملك.
لم أغادر القرية من قبل مثل أولاد عمي، لكني أعرف أن بإمكاني أن أكون بقوة كُري، مثل الخالة نفيسة التي تقود الجميع وهي في صحن دارها، لم أحارب مثل كُري وأواجه الصعاب، ولم يخدعني أبدًا القمر في عليائه مثل الفتيات في مقتبل العمر، كنت أرى داوود مكان القمر في السماء وأتمنى أن يعود إليَّ ولا تخدعه الساحرات.
حين انتهت ليلة الحكي للراوية المرحة، نادتني أمي لتنقل إليَّ الخبر السعيد؛ تحدد موعد زفافي مع داوود بالفعل، يقولون إن خالتي نفيسة هي التي أجبرته على ذلك، لكني أثق أن السبب في تركه الفتاة التي سحرت له والزواج بي هو سماعي حكايات زينب كوتود ورضاها عني.
بالأمس كان القمر «أون ديب»، قرصًا مكتملًا كرغيف طازج يزهو بجماله في عالمنا، وليس ناقصًا وسارحًا في عالمه، وكنت مستلقية في الحوش السماوي تحت القمر، لا أخافه ولا يشغلني.
حين كنت صغيرة، كنت أخاف من النوم في ليالي «أون ديب» تحت القمر كما حذرتنا الجدات، فالبدر شاب جميل مختال بنفسه في عالمنا الدنيوي، يبحث عن الجميلات على أرضنا ليعبث بهن هذا الفتى السماوي ذو الوجه الصبوح، فعلها من قبل مع ابنة خالتي عزيزة، كانت ترى نفسها ابنة القمر، ولا تخشاه، فأذهَبَ عقلها حتى ذوت وماتت، لم تعتبر من قصته مع الشمس التي عشقها وتقدم لخطبتها وتركها، لم يستوقفها هروبه من زفافه على الشمس كل شهر وانتقاله من عالمهما واكتماله في عالمنا، ليشاغل جميلات الأنس بدلًا من ابنة عمه الشمس، التي لن يلتقيها إلا حين تقع الواقعة، ويلتقي عالمهما مع عالمنا، ويظهران معًا في السماء.
في تلك اللحظة، وأنا سارحة مع أفكاري، شعرت بيد قوية تدفع سمانتي، تجمدت لوهلة، حتى بدأت الفتيات من حولي في الصراخ، هناك مَن يدفعنا من تحت الماء، كأنه يطردنا من النهر، وقبل أن نتمالك أنفسنا، هزَّ المكانَ صوت قوي، قادم من ناحية النخلتين العاليتين، لحظة صمت، ثم الصوت القوي من جديد، يشبه صوت تلك النيران التي خرجت من قطعة الحديد التي حملها محيي في فرحي على أخيه داوود، ونهره عمي قاسم، ومنعه من إخراج قطعة الحديد العجيبة التي أطلقت هذا الصوت، وعرفت أنه يمكنها أن تصيب البشر بالأذى، كما تستخدم لصيد الحيوانات.
لم أفكر إلا في طفلَيَّ فصرخت وخرجت بسرعة من النهر وخلفي باقي السيدات والبنات، وضعنا الطرح السوداء على ضفائرنا، وتركنا الجراجير على الضفة، ولا تسترنا سوى جلاليب ملونة ومبتلة الأطراف، وهرولنا في اتجاه النخلتَين العاليتَين.
حين وصلنا، كان أهالي القرية في حالة من الهرج والمرج، يحاولون الصعود في اتجاه البيوت، بينما الجدة آشا جالسة في مكانها عند النخلتَين العاليتَين، على جانبيها أطفالنا يبكون. حدقتا آشا كانتا مفتوحتَين على اتساعهما، ناظرتَين إلى رجل بوجه أحمر وعينَين زرقاوَين، واقف في هدوء، ومحاط برجال بشرتهم قمحاوية أو آخرين بشرتهم سمراء، وبعضهم قد سودت الشمس وجوههم تمامًا، يحملون أسطوانات حديدية طويلة، أطول بكثير مما كان يحملها محيي في زفافي.
صرخت في وجه الرجل الأحمر، الذي يحول بوقفته المتعالية بيني وبين طفلَيَّ، خُيِّل إليَّ أنه سيتحول إلى دوجر، ويخطفهما إلى عالمه السفلي، فجن جنوني وكدت أنزع سيفًا قصيرًا معلقًا في غمد حول خصره، المزين بحزام عريض مشدود بإحكام، كالغجريات اللاتي يطُفنَ في موسم الحصاد، لم يكن يشغلني سوى حماية طفلَيَّ حتى لو قتلته وقتلني جنوده، حتى نطق حامل الأسطوانة الحديدية بلسان عربي!
شاب أسمر في منتصف العشرين من عمره يحمي دوجرًا أحمرَ خمسينيًّا ويتحدث بلسان عربي يشبه لسان الحلب الذين يأتون إلى القرية للبيع والرقص على الأحصنة في مواسم الحصاد. بشرته قمحاوية داكنة تميل إلى السمار الناضج بفعل الشمس، وعرقه سائل على الجبهة والعنق، ملامحه الساكنة تحمل تعبًا قديمًا، لكنه بدا في تلك اللحظة كأمن نتو، تلك المخلوقات النهرية الطيبة التي تحمينا من الأشرار.

