عن رحلة هروب وبحث عن حياة جديدة هادئة، تكتب زينب خضور قصة قصيرة رائعة، تبدأ مع الشتاء والحرب، وتنتهي عند الحرف العربي ولقمة المكدوس.
تمضي حياتنا في غفلةٍ عما يخبئه المصير، نقتات على فتات الأيام ونحن نقتفي أثر أملٍ واهٍ في حياةٍ أفضل. وحين تزمجر الحرب وتقرع طبولها، يسقط القناع عن الجميع؛ الحرب في جوهرها مقامرة خاسرة تخوضها الشعوب نيابةً عن سادتها. الضحايا، على اختلاف خنادقهم، هم وقود هذه المحرقة، بينما يراقب المحركون للمشهد من بعيد، بدمٍ بارد، كيف تزداد أرصدتهم وتنتفخ سطوتهم فوق ركام أرواحنا، دون أن يخدش الموتُ في عالمهم أي طمأنينة.
داهمنا الشتاء، وحلّت معه الحرب. في تلك الأيام، تشظى أبناء الحي الواحد إلى جزرٍ من الكراهية، وتولدت تسمياتٌ لا ترحم؛ صار الجار يرمي جاره بتهمة «الخيانة»، ليرد الآخر بلقب «الإرهاب». ضاق الرغيف، اتسعت الفوضى، وغابت حنجرة فيروز الصباحية ليحل محلها عواء الرصاص. استحال السعي نحو المستقبل ترفاً مستحيلاً، بل صار الوجود كله مجرد محاولة بائسة للنجاة.
داخل بيتنا، تمدد الخوف كاللبلاب في عينيّ أبي وأمي؛ خوف مسكون برعب الحكايات عن الخطف والقتل المجاني على الهوية، حيث تُنزع الروح بلا أدنى رحمة. صار الموت يتربص بنا في كل زاوية، فقررنا استثمار مدخراتنا التي حصدناها لزمنٍ غدر بنا حتى قبل مجيئه لنمنحها لذاك الذي ذاع صيته بوصفه مهرب الأرواح عبر المتوسط.
آمنا، في ذروة يأسنا الوجودي، أن ابتلاع الأمواج لأجسادنا أهونُ بكثير من الموت غدراً على يد إخوة الوطن.
وصلنا إلى الشاطئ الموعود، هناك حيث ينتظرنا ذاك القارب المطاطي المهترئ، يترنح فوق الماء كأنه تابوتٌ يتهيأ لاستقبال نزلائه. احتشدنا فوق ظهره، أجسادٌ غريبة رصفتها الأقدار جنباً إلى جنب. في تلك اللحظة، تعانقت اللهجات السورية؛ كان الحمصي يواسي الديري، والشامي يشدّ أزر الساحلي بكلماتٍ بدت في عتمة البحر كأنها تراتيل أخيرة. تبادلنا الأحاديث بلهفة مفرطة، كأننا نحشد ما تبقى من هويتنا في مخارج الحروف قبل أن تذروها رياح الاغتراب، أو كأننا نحاول ترميم أرواحنا المتهالكة بلغةٍ ألفناها قبل أن نقابل غطرسة المجهول. فوق ذاك «البلم»، سقطت التسميات الجارحة، وتلاشت تهم «الخيانة» و«الإرهاب» التي فرقتنا في الحي، وتوحدنا جميعاً في حالةٍ من الذهول المشترك أمام هول الغياب.
وسط ذاك الزحام الخانق فوق المطاط، انبعثت ضحكة مفاجئة كأنها شروخٌ في جدار الرعب. حدث ذلك حين طلبت أمي من شابٍ يجلس بجانب المحرك أن يمد يده إلى حقيبتها ليخرج «الخاشوقة»، كي تتمكن من قياس جرعة دواء الإقياء التي تكاد تنسكب من يدها المرتجفة. نظر إليها الشاب بذهولٍ تام: «خاشوقة؟ ما الخاشوقة يا خالة؟». انفجر أحد الشباب الديريين ضاحكاً وهو يصحح له بلهجته الواثقة: «تقصد معلقة يا خوي»، ليدخل حمصيٌ على خط الحوار من زاوية القارب: «خاشوقة، الخاشوقة يا رجل».
تعالت الضحكات المكتومة وتسابقت اللهجات لتثبت حضورها الأخير؛ فبين من يناديها «معلقة» ومن يتمسك بـ«الخاشوقة»، كانت تلك الأداة البسيطة تحاول جاهدةً أن تحمل دواءً يهدئ اضطراب الأمعاء التي عجزت عن احتمال غثيان الأمواج. ضحكنا كأننا نتشبث بآخر خيوط الألفة التي تربطنا بالأرض، وكأن هذه الكلمات المتباينة هي تعاويذنا التي ستحمينا من الانهيار. كانت «الخاشوقة» في تلك اللحظة وطناً صغيراً نتراشق به الود، وسيلةً لترميم ما انكسر فينا قبل أن نواجه عجزنا اللساني في بلادٍ لن تفهم من حكايانا سوى أرقامٍ في سجلات اللجوء.
راقبتُ أختي، وراقبنا معاً أمي وهي تصرّ على بعث مفردات قريتها البعيدة في تلك المساحة الهشة، تحاول أن تخلق من بقايا اللغة وطناً بديلاً؛ كأنها في ذروة الذعر الوجودي تسترد بتلك الكلمات تعددنا الأصيل الذي سُلب منا قبل الرحيل. كانت «الخاشوقة»، وتلك اللهجات القروية، محاولتها الواعية لترميم جسور الود في مواجهة رعب العدم، ووسيلتها لصدّ مسّ الحنين الذي ينهش الذاكرة قبل الغياب. في تلك اللحظة، خُيّل إليّ أنها تحاول خلق جو من الطمأنينة والألفة، علّنا نصير نحنُ المحشورين بين الموج والسماء ذاك الوطن الذي مزّقه تراشق التهم الجاهزة.

مرت الساعات ونحن في عرض البحر، يرافقنا إيقاع الأمواج الرتيب وعتمة الليل التي استوطنت الآفاق. في تلك العزلة المائية، انفتحت سرائرنا؛ تبادلنا الحكايات بصدقٍ مباغت، وباح كلّ منا بوجعه المكتوم. هناك، أدركنا بذهولٍ مرير أننا عشنا سنواتنا الطويلة غرباء تحت سماء واحدة، وأن التجييش الممنهج هو من زرع في نفوسنا ذعر «الآخر».
حدثنا الشاب الديريّ بشغفٍ متقد عن جمال مدينته الغافية على ضفاف الفرات، وعن رغبته العميقة في إعداد «الثرود الديري» لنا فور وصولنا إلى ضفة النجاة. استقبل أغلبنا الاسم باستغراب، فاسترسل يشرح لنا بزهوٍ وتفصيل كيف يمتزج الخبز بالمرق واللحم ليصنع وليمةً تجمع الشتات. كان في تلك اللحظة يرممُ انكسارات ذاكرتنا الجماعية، مبرهناً أن مائدةً واحدة قادرة على هدم ما بنته سنوات التحريض. كنا نلتهم كلماته في تلك العتمة، كأننا نقتات على بقايا وطنٍ أضعناه في الزحام.
أدركتُ رغبة أمي في تعطيل الوصول؛ أرادت لنا البقاء هكذا، كتلةً بشريةً واحدة قبل أن يطحننا الفرز في مراكز اللجوء. كانت تسترقُ من الزمن وقتاً لتشبع من هويتها، ولتعرف عن شركاء الوطن ما حجبته عنها جدران الخوف والعزلة.
في زاوية القارب، استكان شابٌ من درعا، يلفه شرودٌ طويل. مالت عليه أمي تحت ضوء القمر، واخترقت سكونه بسؤالٍ مباشر: «حدثني عن درعا، أختي درست هناك وفارقت الحياة هناك، وبقيت في ذاكرتي مدينة غريبة». حاولت تحريك ركود حديثه: «تحدث إلينا». تبرأ الشاب من انزوائه متذرعاً بحياءٍ يسكنه، ثم بدأ يختبرنا بمفرداتٍ حورانية أصيلة؛ سألنا بابتسامةٍ خافتة عن معنى من «طلع باللوح»، وحين تاهت منا الإجابة، أوضح بزهوٍ أنها تصف من يتجاوز حدوده. ثم أردف بسؤالٍ آخر وسط ضحكاتنا عن حال من يكون «طاق اللصمة»، ليفسر لنا أنها تصف غضباً يحثّ المرء على إخفاء وجهه.
أخيراً، ألقى بحزورةٍ بدت كأنها شيفرة: «أحد يعرف شو يعني شق اللفت؟». برقت عينا أمي بذكاءٍ مباغت، وانفجرت فرحاً وهي تصرخ: «البياض الناصع!». عمّت ضحكةٌ غامرة أرجاء القارب، وبدت أمي في تلك اللحظة كأنها استعادت جزءاً من روحها المفقودة. غدت تلك المفردات الوتد الذي يربطنا جميعاً بالتراب، قبل أن تقتلعنا الرياح نحو المجهول.
وطأت أقدامنا اليابسة، فتبادلنا نظراتٍ نهبت ملامح الوجوه؛ كانت العيون تتشبث بالعيون، ترجو أن تجود الغربة يوماً بلقاءٍ مباغت مع رفاق الموج الذين تقاسمنا معهم ملوحة الخوف. استقر بنا الفرزُ في منزلٍ بطابقين، نقتسمُ جدرانه مع عائلةٍ أفريقية. كانت الإنجليزية لغتي ولغة أختي، لكنها غدت جداراً يحجبُ أبي وأمي عن محيطهما. غرقا في وجومٍ موحش، وصارت أمي تخرجُ كل صباح، تطوفُ حول بيوت الجيران، ترهفُ سمعها لعلّ نبرةً ديرية أو حورانية تقطعُ وحشتها، لعلّ صدفةً تعيدُ إليها وجهاً من وجوه القارب يعيدُ لها صوابها القديم.
مضى الشهران وأمي تذبل، تجاملنا ببسمةٍ مصطنعة بينما يسكنُ الذهول عينيها. تضخّم شعوري بالذنب، وعاتبتُ نفسي بمرارة على أنانيتي حين وافقتُ على جلبها إلى هنا؛ أنا أملكُ مرونة التأقلم، بينما هي جذعٌ اقتُلع من أرضه قسراً. خرجتُ ذات صباحٍ أجوبُ الشوارع، يملؤني هوسٌ بأنني سأعثرُ بين الوجوه الباردة على ذاك الديريّ أو الدرعاويّ أو الحمصيّ علّني أعيدها ولو قليلاً لربوع وطنها، لكن الشوارع ظلت صمّاء، فعدتُ أجرّ خيبة بحثي نحو عتبة البيت، وقبل أن أفتح الباب، تهيّأ قلبي لمواجهة حزن أمي المعتاد، لكن المشهد في الداخل كان قد سبَق توقعاتي، وبدد كل كآبتي؛ وجدتُ أمي تفرشُ المائدة بـ أواني المكدوس التي صنعتها هنا، في قلبِ الغربة، من اللا شيء. طافت الأسواقَ هنا حتّى جمعت شتات المكونات؛ فجاءت بالباذنجان والجوز والفلفل والزيت، ثم سكبت في المرطبانات حنينها ومرارة البعد حتى استوى المكدوسُ بيديها قطعةً من بلادنا. كانت تصنعُ لقمة لكل فردٍ من العائلة الأفريقية، وتُعرّفهم بذاك الباذنجان الصغير المحشو بالجوز والفلفل والمحفوظ بخلّية من زيت الزيتون، ثم تُحاصرهم بإصرارٍ أموميّ حتى ينطقوا «مَكدوس» بلهجتهم المتعثرة. كانت تستدرجُ ألسنتهم لمشاركتها هويتها، ومن ينجحُ في تهجئة الاسم، تدفعهُ لخوض غمار المكونات: فلفل، جوز، زيت.
انهمرت دمعتي رغم الابتسامة التي غلبتني؛ ففي تلك اللحظة تجلّت لي الحقيقة؛ اللغة هي الأمّ، الملاذ والرحم، هي ذاك الرابطُ السريّ والعجلاتُ التي تُسيّر قاطرة الأيام رغماً عن وعورة المنافي. كانت أمي، بلقمةِ مكدوس وحرفٍ عربي، تزرعُ هويتها في حناجرهم، وتغرسُ انتماءها في صدورٍ لا تعرفنا، لتشيّد من حطام الكلمات وأشتات اللغات وطناً بديلاً يتسعُ لنا ولهم؛ وطناً لا يحتاجُ إلى جواز سفر، بل إلى قلبٍ يعرفُ كيف يرى ملامح أهله في وجوه الغرباء.

