قصة قصيرة ليوحنا وليم: لولا

محمود دايوب، "مخلوقات جميلة طاردت أحلامي السعيدة".

يوحنا وليم   By • 30 MARCH 2026

بين كلبته العجوز لولا وطفولته في مصر، يعيش مهاجر مصري في باريس، وربما يسعى للتصالح مع ما حدث، والتأقلم مع ما يحدث الآن.

منذ انتقلت إلى باريس وأنا لا أكف عن الجري. لا أعرف مم أهرب أو في أي اتجاه، لكنني أفعل. أتدافع مع الناس عند أبواب المترو. أصدم أحدهم من دون أن أدرك بحقيبة ظهري خلال انتقالي من خط إلى آخر في هذا المترو المصمم على مستوى الطالب المعقد. حين ألمح السلم المفضي إلى النور/الشارع آخذ السلمة في اثنين كي أبلغه في أقصى سرعة قبل الجميع، كإنني في سباق، إن لم أصل أولًا ستنتهي حياتي. لا أجد تفسيرًا لتلك الحالة أبدًا. يخبرني صديقي الفرنسي أن ذلك هو طبع الباريسيين، فأطمئن؟
***
أعود من عملي لأجد لولا في بيتها نائمة، ترفض الخروج منه طيلة بقائي في البيت منذ نهرتها ليلة أمس. أتذكر أيام كان أبي يحرمني من الخروج فيحدد إقامتي في غرفتي. أتكور على فراشي مفكرًا في سبب تلك الحبسة. لعله الحماية من أصدقاء السوء والسرمحة بين السيبرات كما يقول، أم لأنه كان “يستطيع” فقط على التحكم في حركتي، ربما لم يكن يرغب في زيادة همومه بخروجي من البيت والابتعاد عن ناظره.
أضع اللجام سريعًا حول رقبتها، ألقي بحقيبتي لننزل كي أكتشف معها الحي الذي أسكنه. تتبرز بمجرد بلوغنا بهو البناية، أسعد لأنها احتملت حتى خروجنا من البيت. أمرر يدي على جسدها الهزيل ثم أقبلها غير عابئ بنظرات السكان. أتمنى أن يكون تشجيعي كافيًا كي تنهي المتبقي من أمورها، أتوقع ألا نطيل التمشية كي تتبول. أحاول عبثًا السير مع لولا بإيقاعها، أضع السماعات في أذني كي لا أسمع صوت أنفاسها، لن نعود قبل انفراج مثانتها، فليس عندي طاقة للتنظيف بعد يوم عمل طويل.
تمطر فوق رأسينا. أجذب اللجام كي نقترب من المنزل قبل أن يزداد المطر غزارة. ألعن خطواتها البطيئة إثر ضعف صحتها، لا أحتمل هشاشتها. أفهم لماذا كنت مثيرًا لأعصاب عائلتي، لعلي كنت مثلها بطيئًا، ضعيفًا، هشًا. أعلم في داخلي أنني لن أكون يومًا الابن الذي تمنوه، مثلما لم ترقَ لولا لمكانة الكلب الذي رغبت في اقتنائه يومًا.

محمود دايوب، “مخلوقات جميلة طاردت أحلامي السعيدة”، كولاج على قماش، 130 × 100 سم، 2020 (بإذن من @mahmouddayoub_art).

لا أحتمل صوت خرفاشتها على الباركيه. أرشدها إلى كرتونتها كي تنام، تطيعني. أدخل الغرفة، أستلقي على الفراش. أفكر إن كان نشاطها الليلي ينبع من رغبتها في التزاوج. لم يعلمني صاحبها الذي استأجرت منه الستوديو عن تاريخها المرضي أو إن كان لديها أولاد متفرقين في أنحاء فرنسا. لعلها قلقة، مثل أهلي في حديثنا الأخير حول عودتي إلى مصر. أعلنت بصرامة رفضي للفكرة نهائيًا، سألتهم عن جدوى عودتي إلى بلد سأحيا فيه من دون استقلالية أو حرية، وإن رغبت فثمنهما هو كل ذرة مجهود من أجل البقاء حيًا فقط. لا أحتمل العودة إلى قيود بيت العائلة حتى وإن كانت واهية.
أفزع إثر محاولة اقتحام لولا الغرفة عبر بابها الموارب دائمًا كباب غرفتي في بيت عائلتي. أسمع محاولاتها لأن تنبح، بصوت مشروخ كصوت أمي حين أعلمتها برغبتي، أتجاهله. أتقلب على فراشي واضعًا الوسادة على رأسي كي لا أسمع، تكرره. أعد من واحد إلى عشرة كي لا أخرج منفجرًا إليها مثلما أفعل في مشاجراتي العائلية، تسكت. أتنفس الصعداء وأغفو.
تحاول مرة أخرى. أتذكر ليلة مرضتُ حين التقطت عدوى من المستشفى التي أعمل بها، لم أقوَ يومها على نقلها إلى خارج الغرفة. ارتفعت حرارتي ولم يكن بالبيت خافض. نمت على صوت شخيرها، تخيلتها أبي ماكثًا بجواري، كما كان يفعل دومًا حين أمرض. لا يذهب إلى عمله ويبقى حتى أتحسن.
لم أعد في مصر، تبخرت عائلتي من حولي، أنتفض من فراشي، أفتح الباب، أنتشلها من على الأرض. يرتعد جسدها الهزيل في قبضة يدي مثلما حدث عندما كنت تحت يد أبي صغيرًا. أدخلها إلى دورة المياه، أجذب بابها في محاولة لغلقه، أدفع باب غرفتي بعنف، ينغلق. أرتمي على فراشي مرتعشًا من العصبية. ألقي برأسي على الوسادة، شاعرًا ببلل على وجنتي.
***
أشد قبضتي على لجام لولا مع ازدياد وتيرة المطر كي نبلغ المنزل في أسرع وقت. لا تستطع مجاراتي، أجذب أكثر. لم تتبول وقد ابتلت ملابسي. لم أستطع يومًا ملاحقة خطوات أمي أو أبي السريعة في الشارع، كنت أعدو ورائهما فصرت متعجلًا في مشيتي مثلهما حين كبرت. لا يوجد وقت للالتفات حولي، إن نزلت من بيتي فذلك لهدف ما، لا للتسكع.
لا تستسلم لولا لقبضتي، تتمرد. تجلس في مكانها، تزداد وتيرة المطر، أجذبها. ترفض الحركة. أتخيلني مكانها، لكنت نلت صفعة على وجهي كي أستمر في المشي، أو لعلي نلت العديد، فنحن عائلة تسير إلى الأمام. ربما الخوف من التوقف نابع من خوفهما من الموت حيث كل شيء ساكن.
نقف على الكوبري المطل على مدافن “مونمارتر”. أنظر إلى المدافن التي أطوفها يوميًا مع لولا بحثًا عن مقبرة داليدا المنتحرة. أقنع نفسي بأنه لا جدوى مما أفعله. أسمع أنفاسها المرتفعة المقاومة للموت. سبقت لولا أقرانها في العمر، فقدت خلال السباق نظرها وسمعها، لكنها مستمرة. أفكر فيما يدفعني للاستمرار، يبتل جلدي، لا أحتمل الوقوف. يضعني في مواجهة أخشاها. دومًا أفضل الطريق نحو الأهداف عن بلوغها، حيث السكون. أتحسس القضبان الحديدية للسور. أمسح دموعي سريعًا. أحمل لولا وأعود إلى ما أطلق عليه بيتي حاليًا.

يوحنا وليم

يوحنا وليم

يوحنا وليم، كاتب وصيدلي مصري من مواليد الإسكندرية 1996. صدرت له المجموعة القصصية "الفرار من حوض الاستحمام" ( هيئة قصور الثقافة 2023) كما حازت روايته الأخيرة @wyouhanna :في التجربة.." على منحة بيت التلمساني بالتعاون مع دار صفصافة بدعم من مؤسسة آفاق 2025. تفقد حسابه على إنستغرام

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Fiction

قصة قصيرة لمروان عثمان: أزمة فنية

25 MAY 2026 • By مروان عثمان
قصة قصيرة لمروان عثمان: أزمة فنية
Fiction

قصة قصيرة لزينب خضور: عدسة الشمال ورئة الجنوب

4 MAY 2026 • By زينب خضور
قصة قصيرة لزينب خضور: عدسة الشمال ورئة الجنوب
Fiction

قصة لأحمد الفخراني: الطرق الغامضة التي اتخذها الشيخ سفروت للوصول إلى الله

20 APRIL 2026 • By أحمد الفخراني
قصة لأحمد الفخراني: الطرق الغامضة التي اتخذها الشيخ سفروت للوصول إلى الله
Fiction

قصة قصيرة لآية عبد الرحمن: قلة مندسة

13 APRIL 2026 • By آية عبد الرحمن
قصة قصيرة لآية عبد الرحمن: قلة مندسة
Fiction

قصة قصيرة ليوحنا وليم: لولا

30 MARCH 2026 • By يوحنا وليم
قصة قصيرة ليوحنا وليم: لولا

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

sixteen + four =

Scroll to Top