عن البحر المتوسط، كمساحة محفزة للتأمل، كجسر، كمقبرة هائلة، تكتب زينب خضور قصة قصيرة مؤثرة.
بأصابع حذرة، انتشل أنيس من خلفِ صورةٍ عائلية معلقة في صدرِ غرفة المعيشة، قصاصةً قديمة تحمل اسم «ماركو»؛ سحبها من وسط الإطار الذي نهشت الرطوبة أطرافه، ودسّها في جيبه كتميمة. رأى في هذا الرجل مخلّصًا يملك عينًا تخترق ضباب الميناء.
فوق الرصيف الإسمنتي، وبينما يقشّر الملح اليابس عن أصابعه كأنّه يزيل بقايا حياة منتهية، عاش أنيس حلمًا واحدًا: الخلاص من رائحة الديزل والفقر للوقوف بجانب ماركو، ومشاركته سرّ القبض على اللحظة، واختزال العالم كلّه في لقطة واحدة.
ساعتان قبل الانطلاق. في قبوٍ يختنق برائحة الجدران المبللة، جلس أنيس أمام شاشة في مقهى إنترنت متهالك ليرسل كلماته الأخيرة. وجه الرسالة إلى ماركو؛ بريدٌ إلكتروني كتبه بكلماتٍ متعثرة: «أنا أنيس، من تلك الضفة التي تظهر في صورك كهوامش منسية. أنا قادم، لا لأهرب فقط، بل لأتعلم منك كيف يتحول هذا القبح إلى جمال. عملك هو ما جعلني أصدق أنّ للبحر وجهًا آخر غير الغرق». أرفق بالرسالة صورةً كاملةً لجسده النحيل وهو يقف بمحاذاة الشاطئ، وأضاف في ختام بريده اعترافًا صغيرًا: «لقد بحثتُ طويلًا في أسواق البالة حتى وجدتُ حذاءً مستعملًا يشبه ذلك الذي ترتديه في صورك؛ انتعلتُه لأشعر أن خطاي تقتربُ من خطاك». ثم ضغط زر الإرسال بيقينِ من يرمي حبل نجاةٍ لنفسه قبل أن يلمس الماء.
ها هو أنيس الآن فوق الرصيف، يراقب قوارب الصيد الخشبية وهي تهتز فوق ماءٍ عكر، كأنّها أجساد ترتجف من حمى دائمة. يمد يده إلى جيبه، يلمس الورقة المطوية التي لا تحمل سوى رقمٍ يتيم؛ هو صلة وصله الوحيدة بوعود العبور عند منتصف الليل. يمشي باتجاه البيت، الأزقة تضيق كلما ابتعد عن الميناء، والجدران تشرب الملوحة لتخرجها بقعًا خضراء تشبه الخرائط التائهة. يدخل الغرفة، يرى والده «الريس صالح» يجلس في الزاوية، يحدق بعينين يغطيهما بياض يشبه الغيم، يمسك راديو قديم ينبش في صدى المحطات البعيدة عمن يطمئنه. «أنيس؟» ينطق الأب الاسم بنبرة هامدة، «البحر اليوم يزأر.. أسمعُ صوته من هنا». يقترب أنيس، يضع يده على كتف أبيه النحيلة كغصنٍ يابس، لا يجيبه؛ يذهب ليضع في حقيبته قميصًا وعلبة دواء نصف فارغة. ينزل السلم بسرعة، لا يلتفت وراءه، يتجه نحو الشاطئ الرملي البعيد حيث ينتظر القارب المطاطي الأسود.
على الضفة الأخرى، وفي قلب «نيس»، يعبر ماركو الرخام بخطواتٍ واثقة، تحت ضوءٍ صُمم خصيصًا ليمنح المأساة بُعدًا مخمليًا. هنا، تتحول الفاجعة إلى قطعٍ فنية، ويصبح الموت خلف الزجاج تحفةً تثير إعجاب المترفين الذين يتأملون زرقة الموج وهم يرتشفون النبيذ، ويتبادلون ثرثراتٍ باردة عن جماليات التكوين.
توقف ماركو أمام صورته الفوتوغرافية. الزجاج الذي يغلّفها ليس وسيلة حماية، بل كان جدارًا عازلًا، صمام أمان يمنع رائحة الموت والملح من إفساد هواء الصالة المشبع بالعطور الفاخرة. لقد هذّب ماركو البحر في صوره، روّضه، صفاهُ من بقع الموت وفضلات البشر، ليُقدم للنخبة طبيعةً صامتة لا تخدش ضمائرهم.
وسط هذا الزخم، أضاءت شاشة هاتفه. انسلّت رسالة أنيس كخيطٍ من الوحل فوق سجادةٍ بيضاء؛ كلماتٌ لصبيّ من الهوامش يظن أنّ الفن طوق نجاة، وصورة لوجهٍ أسمر يفيض بأملٍ ساذج. رمق ماركو الرسالة ببرودٍ مهني، لم يرَ فيها صرخة استغاثة، بل رأى فيها مشروعًا أو ربما مجرد إشعارًا مزعجًا يقطع خلوته بجمهوره. أغلق الشاشة وخرج إلى الشرفة ليواجه البحر الحقيقي؛ هناك حيث يشتد الريح ويستحيل الأفق شفرةً تقسم العالم إلى نصفين: نصفٌ يملك ترف الوقوف للتأمل، ونصفٌ يغرقُ في جوف المحاولة.
رائحة البنزين تنهش الأنوف الآن، تختلط بعرق الأجساد المتراصة. تحوّل أنيس إلى زحامٍ ساكن داخل كتلة بشرية ترتجف فوق مطاطٍ يوشك على التمزق. يلطم الموج مقدمة القارب بضراوة، والماء المالح يغمر الثياب، يقرص الجلد كأنّه مسامير من ثلج. التفت أنيس وراءه؛ لمح أضواء مدينته تتآكل، تذوب كبقعة زيتٍ ضائعة في المحيط.

«اخفضوا رؤوسكم!».. صرخة الربان كانت القول الأخير. أطبق أنيس جفنيه، استدعى وجه ماركو؛ ذلك الرجل الذي ظنه مرفأً آمنًا. سعل المحرك لمرة واحدة، ثم توقف نبضه. فجأة، ساد فراغٌ مريب، يسبق الارتطام النهائي. سقطت اللغة، غابت الكلمات، وبقي فقط عواء الريح واصطدام الماء بالقارب. وسط الهذيان، رأى أنيس ماركو يقف بعيدًا، يراقبه عبر عدسة باردة من فوهة زجاجية. أدرك في تلك اللحظة حقيقةً واحدة؛ أنّه ليس تلميذًا، بل حكاية مهملة في لوحةٍ جديدة. همس بشفتين زرقاوين: «نحن مجرد صور»، قبل أن يطبق الرذاذ على أنفاسه ويغلق البحرُ المشهد.
ينحسر الليل عن «نيس» ببطءٍ مجهد. يقف ماركو على الشاطئ الصخري، مجردًا من آلة تصويره، لا يحمل سوى عينين متعبتين واضطرابٍ ينهش معدته. البحر اليوم لا يمنحه صورًا، بل يلفظ قذارته في وجهه؛ أعشابًا طفيلية، وزجاجًا محطمًا، وبقايا غريبة لا تنتمي للماء. ينحني ماركو ليلتقط فردة حذاءٍ قماشية، مبللة، ومنكمشة كجثةٍ ضئيلة بين يديه. تسمّرَت نظراته فوق ملمسها الخشن؛ إنه الحذاء ذاته، تلك المحاولة البائسة التي انتشلها أنيس من أسواق البالة ليقترب من خطى ملهمه. هنا، سقطت الأمنيات التي قرأها في الإيميل، وغابت العدسات التي تنمق القبح، وتلاشى الزجاج الذي يحمي الحواس من رائحة الموت.
تلمع سترة نجاة برتقالية بين الصخور، احتجاجٌ برتقاليٌّ صارخ في وجهِ فجرٍ مطفأ. يخرج هاتفه، لا ليلتقط صورة، بل ليكتب اعترافًا: «المتوسط ليس بحرًا، إنّه مقبرة نبيع تذاكرها كمنتجعات». يلمح ورقةً عالقة بقطعة خشب، سال حبرها حتى غدت الكلمات دوائر زرقاء مبهمة؛ رسالةٌ آثرت الانتحار قبل الوصول. في تلك اللحظة، يسقط وهم المسافات؛ أدرك ماركو أنّ ما يفصله عن الغرقى ليس آلاف الكيلومترات، بل هي تلك النجاة الزائفة التي اشتراها بحيادِ عدسته.
تُطفأ أضواء الصالة في نيس. يرتفع الصندوق الزجاجي إلى الشاحنة؛ بضاعةٌ باهظة تُغادر إلى وجهتها. ماركو في غرفته الآن، ينسلّ من قميصه أمام النافذة. يداه نظيفتان، بياضهما يحرّض الغثيان. يدرك أنّ ترف البساط تحت قدميه، وسقف الغرفة الذي يحميه، ليسا سوى ديونٍ مستحقة من أعمارٍ فارقتها الحياة.
يجلس إلى مكتبه، يخطّ ريشة قلمه فوق شيك البيع؛ الحبر يجفّ بسرعة ليعلن اكتمال الصفقة. في هذه اللحظة، عاد إلى هاتفه. فتح البريد الإلكتروني مرة أخرى، حدّق في اسم أنيس وفي صورته التي رآها وسط الحفلة. «أنا قادم إليك لأتعلم..»؛ الكلمات التي قرأها ببرود هناك، تحولت الآن إلى صرخة خرساء داخل غرفته. نقل بصره بين الشاشة والحذاء الغريق الذي صار الآن بين يديه. ببرودٍ مهني، وضعه داخل تابوته الزجاجي، وأخذ يميلُ برأسه ليتأكد من زاوية سقوط الضوء فوق قماشه المبلل؛ لقد وجد أخيرًا العنصر الناقص الذي سيجعل معرضه القادم حديث الصالونات النخبوية. لم يَر في الحذاء صرخة أنيس، بل رأى فيه قيمةً إضافيةً ترفع سعر المزاد، وتحوّل الموت المالح إلى قطعةِ ديكورٍ يتبارى الأثرياء على اقتنائها. مسح ماركو الرسالة، ألغى وجود الإيميل بلمسةٍ آلية، لكنّ ارتجافة يده ظلّت تفضحه وهو يخبئ الهاتف في جيبه.
وعلى الضفة الأخرى، يقطع الريس صالح حبل الانتظار. يُطفئ الراديو الذي يبثُّ فحيحًا فارغًا، ويتحرك نحو المسمار الصدئ في الحائط. هناك، تتشبث ثياب أنيس بمكانها؛ قماشٌ خشن، يابس، يحرس رائحة عرقٍ قديم فشلت رطوبة البحر في غسله. يتجنب صالح البكاء، فالبكاء ترفٌ غريب عن بيوتٍ سُقوفها من ملح.
يخرج إلى الزقاق، يجد الشباب في أماكنهم، هياكل معطلة ينهشها الانتظار، يراقبون الأفق الذي يسرق الأبناء ولا يردُّ سوى الزبد. تشرق الشمس ببرودٍ يغمر الضفتين؛ تضيء السطح الذي يطحن العظام، وتلمع فوق العدسات التي تقتات على الوجع لتبيعه في صالات العرض. الزقاق يزدحم بوجوهٍ تنتظر غائبًا لن يعود، وعيونٍ أدمنت النظر إلى المجهول حتى جفّ فيها الرجاء.
البحر لا يعتذر، والريح لا تحمل الوداع. يُثابرُ الماء على طقسهِ الماديّ في هدمِ الشواهد، يلعق الحقيقة من فوق الرمال، ويُكمل مضغ ما تبقى من الحكاية في جوفه المظلم، تاركًا خلفه أحذيةً هامدة في الصناديق، وأرواحًا معلقة على مسامير النسيان.

