قصة قصيرة للحسين الصعيدي: الورشة

صفوان دحول، "حلم 283".

الحسين الصعيدي   By • 8 JUNE 2026

يستعيد حليم ذكريات رائعة، تساعده على مشي ما تبقى من خطوات قليلة في حياته، بلغة مرهفة يكتب الحسين الصعيدي أول قصصه القصيرة.

مات حليم. في لحظاته الأخيرة، عُرِضَ عليه أن يسترجع إحدى ذكرياته الفائتة ليحياها مرةً أخرى.
وجد نفسه واقفاً في بهو دارهم القديمة التي تربَّى فيها مع أسرته حتى بلغ العشرين، ثم ارتحلوا عنها وتفرقوا بعد وفاة والده. كان البهو الشاسع مضاءً بإنارةٍ مائلة للصفار، يختبئ خلف بوابةٍ حديدية ذات لونٍ داكن لامع، منقوشة بزخارف على شكل ورودٍ ذهبية مُفرَّغة الثنايا، تتشابك فوقها خطوطٌ معدنية كأغصان شجرٍ معقود، التَفَّت حول نفسها من دون أن تحجب عين الناظرين من التسلل عبرها، لتطل من ورائها على الشارع العمومي المزدحم بأضواء السيارات وأجساد المارة ولافتات المحلات البارزة في المساء.
ومن خلفه توارت درجات البيت المتهالكة، المزينة بقِطَع الفُسيفساء شديدة الصغر بألوانها الحجرية وأحجامها المتباينة. وعلى يمين الدرج كان باب الورشة مفتوحاً للزائرين، تعلو مدخلها لافتة باهتةِ الإضاءة، رُسِمَت عليها يدويًّا بفرشاةٍ مبللة بالبوية الحمراء عبارة “محل إلكترونيات” بخطٍ عريض. اعتاد والده أن يمكث فيها من بعد العصر حتى قِبَالة صلاة الفجر بقليل.
دَلَف إليها حليم فوجد كرسي والده المعدني الدوَّار ذا الإسفنج البالي المهترئ خالياً، ينزوي خلف طاولة خشبية ذات واجهةٍ بُنّية متقشرة، تشبه الزورق العريض. استقام عليها تلفازٌ رماديٌّ هائل الحجم، كالصندوق المخروطي، يَصدُر من أناته صوتٌ خافت يكاد لا يكون مسموعاً. عُرِضَت على شاشته المُقَعَّرة نشرةُ أخبارٍ لإحدى القنوات العربية. وبجواره عُلب من البلاستيك زرقاء اللون، تشبه حاويات شحن البضائع المُصغرة منزوعة السقيفة، بداخلها عدة أكياس نايلون شفافة صغيرة بحجم الجيب، وعلبٌ أخرى مِثلُها ممتلئة بالكروت المستطيلة المصنوعة من الكارتون الأبيض، كان والده يستعملها في تدوين الملاحظات وكتابة العناوين والأسماء للزبائن.
عَبَر حليم من خلف الطاولة وخلال الصالة، ثم اتجه يساراً نحو الطُرقة الطويلة الممتدة إلى أعماق الورشة. وبينما كان يتقدم نحو الغرفة المختبئة في نهاية الطُرقة، تَسرَّبَت إلى أُذنيه تدريجياً أصوات وَقْعِ خُطوات صندل والده، التي طالما اعتاد حليم أن يُصغي إليها من نافذةِ الدرج المطلة على المَنّور عند عودته إلى المنزل في الظهيرة من دوام المدرسة.
لما دخل حليم الغرفة، رَنَّت في أذنيه زَنَّةٌ رتيبة هادئة، قادمة من إضاءة الـ”ليد” المتأرجحة من أعلى سقف الغرفة المتشقق،
ورأى والده محني القامة، ممسكاً بجهاز الكوي الحراري، منهمكاً في فصل أجزاء الترانزستور النحاسية عن دائرة كهربائية عتيقة من وسط كُومَةٍ من الدوائر الأُخرى المتكدسة أمامه على طاولة خشبية بيضاوية الشكل، تقبع في ركن من أركان الغرفة الضيقة. تحمَّس حليم عند رؤية أبيه، وكاد أن يُحييه تحيةً حارة، لكنه تراجع عن ذلك في اللحظات الأخيرة حتى لا يُزعجه أو يعكِّر صفوه أثناء إتمامه العمل.
وقف يراقب أباه من بعيد في ذهول، يتذوَّق في حَنينٍ أيام الماضي القديم. وبعد مرور فترة من الزمن، لاحظهُ أباه واقفاً يتأملُه بطرفِ عينه، ثم ابتسم لحليم ابتسامةً مُرحبة، وحَيَّاه بصوت رخيم، مُمَازِحاً إياه ببعض الكلمات، ثم طلب منه الانتظار قليلاً ريثما ينتهي من العمل الذي بين يديه.
تَجول حليم كغريبٍ مسافر عبر الزمن، يتفحص الحجرةَ بعينٍ تواقة مشتاقة. يُمرر أناملهُ بين الأرففِ الحديديةِ المُرَشقةِ بالذكريات العابرة، على خزاناتٍ رُصَّتْ على سطوحها كتب وصناديق قطع الغيار الإلكترونية، المُغَلَّفَةِ بطبقةٍ رقيقة من تراب الماضي. نَشَعت فيها رطوبةٌ عابقة برائحةٍ أثريةٍ غابرة، تَغَلْغَلَتْ في ثنايا الورشةِ حتى النخاع. ثم انتقل إلى أقصى الغرفةِ بجوار أبيه، حيث كان يوجد شباك فتح عن آخره، يُطِلُّ على سورٍ خشبيٍّ خفيض المستوى يحِدُّ أرضاً طينيةً نَبَتَتْ فيها أعواد نعناع قصيرة.

صفوان دحول، “حلم 283″، أكريليك على قماش، عمل ثنائي الأجزاء، 200×420، 2025 (بإذن من “غاليري أيام“).

نَظَر مِن خلاله فَتَسَلَّلَتْ إلى ذهنه ذكرى قديمة من أيامِ الطفولة، يوم كانت والدته تسمح له على مضضٍ بأن يرافق أباه إلى الورشة لمساعدته في سِقايةِ أعواد النعناع. تذكر كيف كان والده يناوِلُه الخرطوم الثقيل بعد أن يفكَّ تشابكاته، ثم يمضي ليدير مقبض الحنفية. وكانَ الماء دائماً يسبقه ويتدفق داخل الخرطوم، فينفجر بقوةٍ من خلال فوهتِه، مُباغِتاً حليم الصغير، فيُفلِتُ الخرطوم من بين يديه الضئيلتين. وما إن يرى والده ما حدث حتى يسرع ويساعده في حمل الخرطوم وتثبيته من جديد. وفي تلك اللحظات، كانت تسكنُهُ سعادةٌ جارفة، ويعلو صوته بالضحك والقهقهات جراء ابتلالِه.
رقد بجوار أعواد النعناع ناووسٌ حجريّ مستطيل انتصف الأرض الطينية. أوصاه أباه ذات مرةٍ عِندَ سؤاله عنّه أن يدفنه فيه عندما يرحل عن العالم، لِيَلُمَّ شمل الأسرة ويظلوا دائماً مترابطين حوله دون أن تصيبَهُم فُرقة. ولكي يصير جسده غذاءً تقتات عليه شجرةُ الياسمين المنتصبة بجواره، تستمد منه قوةً فلا تذبل ولا تموت أبداً.
تلك الشجرة الفارعة تسلقت بغصونها إلى أعلى سور السطوح، وأزهرت زاهيةً بورد الياسمين الناعم العطر الصافي شديد البياض. ذات يوم، أنجبت أخت حليم الكبرى ياسمين ابنها البِكر، وقبل أن يزورها حليم في المستشفى أخذه والده من يده ليقطفا لها وردةً من الشجرة، وأملاه بأن يهمس لها في أُذُنِها وهو يهديها الوردة قائلاً: “لكِ ياسمينة، يا أحلى ياسمينة”.
بعد أن انتهى والده من مشاغله، رَبّت على كتف حليم الهائم، فاستفاق من أحلام اليقظة وسارا معاً إلى بدايةِ الطُرقة، ثم توقفا أمام المطبخ. عندما دخل والدُهُ المطبخ، حمل بيدٍ نحيلةٍ منتفضةٍ بالعروق براد شايٍ صدئ يُشبه المصباح السحري، من فوق عين بوتاجازٍ عتيق يتربَّعُ يمين المطبخ في أوله. وتوجَّه به إلى حوضٍ مُقعَّر متمدد أسفل شباكٍ من الألومنيوم يُطِلُّ على الجنينة. ثم فتح الحنفية ليملأ نصف البراد بالماء. وفي أثناء ذلك، سأل حليم بتشجيعٍ ما إذا كان يرغب في كوبٍ من الشاي، فأجاب حليم نافياً بأدب. ولَمعتْ عيناه كأنه قد تذكر شيئاً، فطلب من أبيه على استحياءٍ أن يُعِدَّ له ملعقةً من المشروب السحري. قابلَه أبوه بابتسامته العذبة المعهودة، وأخذ من المَطبَقِية المعدنية أعلى الحوض ملعقةً فضيةً صغيرة، غمسها في عُلبةِ السكر الخضراء البلاستيكية الموضوعة بجانب الحوض، ثم ناول الملعقة لحليم برِفق. وفي اليد الأُخرى، ناولَه قُلةً جلبَها له من وراء ضرفة الشباك الخارجية.
تناولَ حليم الملعقة الممتلئة بالسكر بحركةٍ واحدة، ثم تَبِعَها سريعاً برشفةٍ عذبة من مياه القُلّة الباردة. فشعر بحلاوةِ الانتعاشِ تملأُ جسده وفمَه بمذاقٍ طالما حنَّ إليه على كبره. وكان معتاداً في طفولتِه أن يَرتشف ذلك المزيج الغنيّ من يد والده كلما نزل إلى الورشة، يحسبه دومًا دواءً يقيه أي داءٍ قد يصيبه.
وضع والد حليم البراد على البوتاجاز، ثم أخذ من جيب صدر قميصه المُقلم عُلبةَ كبريت، انتزع منها عوداً، أستوقدَ به عين البوتاجاز. ثم خرج مع حليم إلى الصالة. جلس حليم على كرسيٍّ خشبيٍّ قُبالةَ والده، وأخذ يراقبه بإمعانٍ وهو يُخرِجُ من جيب بِنطالِه الرماديّ الواسع كيساً شفافاً يضمُّ بداخله أعشاباً عطريةً ذات رائحةٍ زكية. انتقى منها حِفنةً ملأت ما بين أصابعه، وزاد عليها قليلاً، ثم نثرَها برفقٍ فوق مِبخرةٍ فخارية مستديرة، نُصِبَتْ بجوارِه على طاولةٍ حديدية منخفضة. جلس معتدلاً، أشعل عود ثقابٍ تحت غطائِها، ثم أغلقه مرةً أخرى برفق. وما هي إلا لحظات حتى تماوج من بين فتحاتِها خيطٌ من الدخان الأسمر المتصاعد، وانسابَ بعطرِه الفواح عبقاً ودفئًا، متسللاً إلى أنف حليم الهائم.
قطع شروده مرةً أخرى سؤال أبيه المستفسر مازحاً عن سرّ زيارته. فتردد على شفتي حليم رجاءٌ خجول ينمُّ عن رغبته بالاستماع إلى صوت المُقرئ الذي كان والده يصغي إليه في الكثير من الأحيان. ابتسم والده ابتسامةً عطوفة، وانحنى نحو الدُرجِ القابع داخل الطاولةِ الخشبية. وأخذ يُقلب محتوياته في تأنى، ثم أخرج من جوفِه حزمةً من شرائط الكاسيت القديمة. انتقى منها شريطاً، أدخلَهُ في علبةِ الكاسيت الزرقاء الموضوعة على الطاولة. سرعان ما بدأت البكرات بالدوران، وانبعث من عُروق الكاسيت صوت القارئ رخيماً هادئًا. وانزلق إلى صدر حليم إحساسٌ عذب، فاستسلم له في نشوةٍ صامتة.
***
على ما أتذكر، أنا أبلغ السادسةَ عشرةَ من عمري. كنت أنتظر صديقاً لي تأخر عن موعده. كنا ذاهبين معًا لمشاهدة فيلم في السينما. سئمت الانتظار في البهو، وقررت أن أمرَّ على أبي في الورشة. ولا أتذكر لماذا قررت ذلك بالتحديد. الآن سيتجاذب معي والدي أطراف الحديث، ويغدق عليّ بنصائح تحثُّني على ضرورة الاكتراث. سيحدثني عن علاقةِ وحدةِ الجسد بوحدة البشر، وعن جمال الروح التي ينفذُ بها المرء إلى عالم الخالق البديع. كنت حينها طفلاً لم أفهم كل كلامه المُعقد، لكنني التمست في مغزى حديثه صدقاً وحكمة. وعندما نضج دماغي قليلاً، وأخذت أحصِّل كل ما يُتاح لي من علم، صرت أحاول مراراً وتكراراً أن أستعيد تلك الكلمات، وأن أستدرك معانيها الدفينة. والآن، ها أنا أجلس أمامه في ذات اللحظة، وقد أخفض صوت الكاسيت، وبدء التحدث معي في تلك المواضيع. أصغيت بإمعانٍ خالص لنبرته الهادئة المحملةِ بالوقار والإجلال. أشخص النظر بتأملٍ وتركيز شديد في وجهٍ رجل عجوز، امتلأت ملامحه غامقةَ السمرةِ بقسماتٍ حادة، زادته طيبةً فوق طيبة. وشيبةٌ زينت حاجبيه الكثيفين وشاربه القصير البارز، وشعره المجعد المموج، فأكسبته وقاراً فوق وقار. ولما انتهى من حديثه وساد الصمت بيننا إلا من صوت القارئ الخافت، ضربني هاجسٌ طاغٍ جَثم على صدري، واعتراني قلقٌ هامس بأن الذكرى قد اقتربت نهايتها، وبأن الظلام المجهول سيحلُّ مطبقاً في أيّ وقتٍ الآن. تشبثت نَهِماً قدر ما استطعت، بكل تفصيلةٍ دقيقة، بكل إحساسٍ مباغت. ألتهم كل شبر، أستنشق كل لحظة، أغور بعينٍ جائعة في ثنايا الورشة.
أصابني الحنق، وكدت أنهار تحت وطأةِ ضغط يتجاذبني بين عشقٍ وألم. وانتابني حزنٌ دامغ اعتصر قلبي، وحبست في عيني الدموع. أردت من الزمن أن يتوقف ولو لبرهة، حتى أعيد الذكرى، لكنه لم يلتفت إلى استرسالاتي المكتومة، وأذعن لصراطه المعهود.
آخر شيءٍ أتذكرُه هو صوت صفير البراد يتعالى قادماً من المطبخ، حينها وقف أبي وذهب ليصبَّ الشاي.

الحسين الصعيدي

الحسين الصعيدي الحسين الصعيدي، مواليد عين شمس، القاهرة ،١٩٩٦. نشر فى ٢٠٢٤ قصة قصيرة مصورة من تأليفه و رسوم حمزة الصعيدي بعنوان "جحيم حليم". عرضت في Cairo Comix النسخة التاسعة.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Fiction

قصة قصيرة للحسين الصعيدي: الورشة

8 JUNE 2026 • By الحسين الصعيدي
قصة قصيرة للحسين الصعيدي: الورشة
Fiction

قصة قصيرة لمروان عثمان: أزمة فنية

25 MAY 2026 • By مروان عثمان
قصة قصيرة لمروان عثمان: أزمة فنية
Fiction

قصة قصيرة لزينب خضور: عدسة الشمال ورئة الجنوب

4 MAY 2026 • By زينب خضور
قصة قصيرة لزينب خضور: عدسة الشمال ورئة الجنوب
Fiction

قصة لأحمد الفخراني: الطرق الغامضة التي اتخذها الشيخ سفروت للوصول إلى الله

20 APRIL 2026 • By أحمد الفخراني
قصة لأحمد الفخراني: الطرق الغامضة التي اتخذها الشيخ سفروت للوصول إلى الله
Fiction

قصة قصيرة لآية عبد الرحمن: قلة مندسة

13 APRIL 2026 • By آية عبد الرحمن
قصة قصيرة لآية عبد الرحمن: قلة مندسة

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

eighteen − eleven =

Scroll to Top