حماد عليوة   By • 23 FEBRUARY 2026

يرسم حماد عليوة صورة بانورامية للقاهرة في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، ما بين التوماي وحديقة الأزبكية وعمر أفندي، نرى كيف عاش سكان القاهرة في ذلك الوقت.

رواية عمر أفندي من إصدارات الرواق، 2016.

لن ينسى المصريون يوم 12 أغسطس من العام 1896؛ يوم تسيير التروماي الكهربائي في شوارع القاهرة بشكل رسمي، وقد سبق ذلك اليوم إعلان في جريدة المقطم يقول: غدًا سيحتفل عموم المصريين بتسيير التروماي الكهربائي في شوارع القاهرة بحضور الأمراء والأعيان، وفي مقدمتهم «حسين فخري باشا» ناظر الأشغال، ومحافظ العاصمة، وقناصل الدول الأوروبية، والمسيو «لاهو» مهندس التروماي.
وفي اليوم المشهود أقامت شركة التروماي احتفالًا كبيرًا في ميدان العتبة بعد أن قامت بتزيينه بالكامل، ومنذ الصباح بدأ الناس يتوافدون ويتجمعون في الميدان؛ كان المسيو «لاهو» في استقبال الأمراء والنُّظَّار مرتديًا بدلة متواضعة من طراز العصر الفيكتوري: معطف طويل له رفيل عريض بصفين، وبنطلون ذو خطوط بُنية، معتمرًا قبعة إنجليزية عالية مصنوعة من جلد الماعز، وقد بدا مبتهجًا وهو يستقبل المدعوين، وقد لاحظ المسيو «لاهو» أنه لا فرق بين اندهاش الأعيان والفقراء؛ فالجميع مترقب ومبتهج، فيما كان بعض الأوروبيين مبتسمين وهم يتفقدون الميدان ولحظة انطلاق التروماي، كما لو أنهم ينتظرون مشاهدة فيلم جميل.
اصطف الناس على الجانبين وهم يترقبون هذه اللحظة الاستثنائية، تحرك التروماي وهو محمل بعشرات الأشخاص؛ عندئذٍ صفق الجميع بحرارة وهم يطلقون صيحات وصفارات في مشهد لم تره القاهرة منذ نشأتها، كان المشهد عظيمًا خُلِّد في عقول المصريين الذين عاشوا عقودًا يستخدمون الحمير والبغال في التنقل، فضلًا عن عربات «الأمنيبوس» التقليدية.
كانت الليلة جميلة حيث امتد الاحتفال لمنتصف الليل.. كان الأطفال يركضون في الشوارع من فرط السعادة بالأجواء المبهجة،
والرجال يجلسون على المقاهي يتحدثون باندهاش عن تلك الكتل الحديدية التي تجري على الأرض، فيما كانت النساء يقفن في الشرفات ويتابعن الاحتفال بسعادة غامرة؛ كانت الأجواء جميلة يغمرها مزيج من الألفة والحميمية، ومنذ تلك الليلة عرفت القاهرة معنى السهر لمنتصف الليل، بعد سنوات طوال من النوم مبكرًا عقب أذان العشاء.
وفي الصباح امتلأت صفحات الجرائد بصور التروماي وهو محمل بعشرات من الركاب، وصور أخرى للنظار، فيما تصدرت صورة المسيو «لاهو» الصفحة الأولى لجريدة المقطم وكُتب تحتها: المسيو «لاهو» مهندس التروماي.. وفيما تلا من أيام ومع اختفاء الحمير والبغال شيئًا فشيئًا بدت الشوارع جميلة بعد أن فقدت عشوائية المرور، فبدأ الناس يمشون فوق الطوار؛ حرصًا على حياتهم، وبدأ النظام يسود الطرقات التي يمشي فيها التروماي.
بيد أن بعض الناس ظلوا يستخدمون البغال في التنقل، متحاشين التروماي الذي تسبب في أول عهده في حوادث كثيرة؛ فلم يكن من السهل أن يتقبل الناس هذا «العفريت» الذي يسير في الشوارع بسرعة فائقة؛ هكذا كانوا يطلقون على التروماي الكهربائي؛ نظرًا لهتاف الأطفال الذين كانوا يركضون خلفه مهللين: العفريت أهو.. العفريت أهو. لم تستطع عقول بعض البسطاء قبول الفكرة؛ فكيف لكتل حديدية أن تمشي بهذه السرعة على قضبان ممدودة أمامها، وأسلاك منصوبة فوقها؟! كان الحدث أقرب إلى أسطورة لا يمكن أن تُصدق؛ حتى إن الريفيين الذين شاهدوا التروماي عندما كانوا يعودون إلى بلادهم ويحكون عنه، كان البعض يعتقد أنهم مجانين.
***
كانت القاهرة في حاجة ماسة لهذا المشروع العظيم، الذي ساهم بشكل كبير ليس في الحياة الاجتماعية فحسب، وإنما في الحياة التجارية أيضًا.. في هذا الوقت كانت «ديبورا» لم تتجاوز السابعة من عمرها، ما إن انتهى الاحتفال حتى عادت إلى البيت بسرعة؛ فقد أحست على نحو ما أن التروماي عندما تحرك انطلق نحوها وكاد أن يصدمها، وما إن جلست والتقطت أنفاسها حتى حكت لأمها عما شاهدته، كانت أمها بحكم وجودها في مصر لسنوات طويلة قد اكتسبت الروح المصرية؛ ومع ذلك لم تكن تتحدث اللغة العربية بطلاقة، على عكس زوجها وأبنائها الذين كانوا يتحدثون العربية بإتقان؛ لذا ضربت على صدرها وقالت بالإيطالية:
– أنتِ تزعجيني بتصرفاتك الحمقاء، لا تمتثلي لأصدقائك المصريين؛ إنهم يتصرفون بعشوائية قد تودي بحياتهم.. من الآن يجب أن تتصرفي بحكمة؛ التروماي ليس له عيون.. لذا يجب أن تكوني يقظة وأنت تسيرين في الشارع.
لم تكن مدام «كليمنتي» وحدها هي من تحث ابنتها على عدم ركوب التروماي؛ كان جيرانها أيضًا في «درب الجنينة» يحثون أبناءهم على الحذر منه وعدم ركوبه.
لقد عاشت مدام «كليمنتي» سنوات طويلة تكافح لتربي ابنتها وابنها، بعد أن مات زوجها ذات ليلة رعدية، بعدما خرج من فندق
«شيبرد» حيث كان يعمل عازفًا في صالة الطعام؛ يقول الشهود إنه أسند آلته إلى حائط الفندق المواجه لبحيرة الأزبكية، ثم تطلع إلى السماء؛ وما هي إلا لحظات حتى سقط مغشيًا عليه فوق مياه الأمطار التي أغرقت الشوارع المفروشة بالحصى، فتناثر الطعام الذي كان يحمله معه ليكون من نصيب الكلاب الضالة.. بعضهم قال إنه أُصيب بصعقة برق؛ لكن المؤكد أن قلبه توقف فجأة.
نزل عليها الخبر مثل جبل هوى فوق رأسها؛ فقد كان «كليمنتي» رجلًا حنونًا رقيقًا يحب أطفاله وزوجته، ويعتني بهم جيدًا؛ لدرجة أنه طلب من مستر «بليك» ألا يتناول عشاءه في الفندق، وأن يسمح له بأن يأخذه معه ليتناوله مع أسرته.. كان مستر «بليك » رجلًا يقدس قواعد العمل؛ لكنه ولوهلة شعر بثمة تعاطف نحوه، ليقول في نفسه: إن ما يميز الإنسان عن غيره هو مدى ارتباطه بأسرته.
– لا بأس، شريطة أن تخرج من الباب الخلفي المخصص لخدم المطبخ؛ حتى لا تتسبب في إحراجي. هكذا قال له وهو يربت
على كتفه بود.
كان «كليمنتي» الذي فقد والده في حفر قناة السويس، يشعر بشيء يربطه بهذه الأرض؛ فهو يتحدث العربية بطلاقة بلكنة مصرية صحيحة، وكان حريصًا على أن يعلم أبناءه أساس المبادئ الكاثوليكية؛ لذا ألحقهما بمدرسة «الفرير» في «الخرنفش». وفيما تلا من أيام ورث ابنه «ألفريدو» مهنته، وسرعان ما أخذ مكانه عازفًا في صالة الطعام، ليدخل بعد ذلك في نوبات من البكاء كانت لا تخمد بسهولة؛ فما إن كان يعزف على آلة البيانو حتى يجد نفسه سارحًا في وجوه الجالسين، تاركًا أصابعه الطويلة تعبث بمفاتيح الموسيقى دون شعور؛ إذ كان يفكر في والده كثيرًا، وذات ليلة دعاه المستر «بليك» إلى مكتبه للفت النظر؛ حيث قال له بعد أن خلع قبعته:
– يأتي إلى مطعمنا كل ليلة بعض الزوار؛ إنهم يريدون أن يتناولوا طعامهم في هدوء.
– أنا ألتزم بعزف المقطوعات المنصوص عليها في صالة المطعم و…
وهنا رفع المستر «بليك» يده قاطعًا حديثه:
– أنت شاب وأنا أُقدِّر عملك جدًّا؛ ولكن يجب أن تعلم أن الهدوء من الممكن أن تقطعه نظرة حادة أو نغمة شاذة.. تخيل أن رجلًا يجلس مع زوجته وهناك من ينظر لهما؛ أليس هذا شيئًا مزعجًا؟
هز رأسه في أسف بالغ، ثم قال بلكنة إنجليزية ركيكة:
– سألتزم بالهدوء يا سيدي.
– حسنًا تفضل.
في هذه الأثناء كانت «ديبورا» قد كبرت وتعلمت، وصارت فتاة جميلة وقد اكتسبت الملامح الشرقية، على عكس ملامح الأوروبيين المعروفة؛ فعيناها كانتا سوداوين تحفهما رموش طويلة جميلة، يعتليهما حاجبان شديدا السواد، وكانت تعتني بنفسها جيدًا؛ فتحرص على دهن شعرها المجعد الغزير بفازلين ماركة «روبرت تشييزيبرو»، وتستخدم طلاءً للشفاه أحمر داكنًا ماركة «جيرلان»، وأيضًا مرطبًا مصنوعًا من مادة بيضاء ماركة «فيكتور»، اعتادت أن تستخدمه للبشرة كل صباح.. وهكذا كانت تبدو جميلة؛ فما إن تظهر في الشارع حتى ينظر لها الناس بإعجاب، وكانت متأكدة من أنها مختلفة ومميزة عن الجميع؛ فدائمًا تحس في نفسها أن الرب منحها تلك القدرة على التطور في بيئة لا تزال تستخدم الجاز للعناية بالشعر.. وبفضل عملها في «عمر أفندي» استطاعت أن تواكب الموضة العالمية؛ فكانت ترتدي فساتين مصنوعة من الدانتيل والحرير، وكذلك الكتان.
***
في صباح هذا اليوم كانت قد أتمت عامها الأول في «عمر أفندي»، وبفضل مجهوداتها فقد أضحت مسؤولة عن قسم مصبوغات
التجميل. خرجت من منزلها في «درب الجنينة» بعد أن جلست أمام المرآة كعادتها ساعة كاملة وهي تقوم بوضع المساحيق بدقة وتركيز عالٍ، كما اطمأنت على أن رائحة إبطها جميلة؛ فقد قالت لها صديقتها «فردوس» إن جمال المرأة يكمن في رائحتها، فأوصتها بأن تداوم على إزالة شعر إبطها والعناية به باستخدام زيت الصندل ذي الرائحة الخشبية الدافئة.. ولم تكن تخرج من البيت قبل أن تقوم بوضع القطن بين أصابع قدميها؛ إذ إن هذه الحيلة تريحها جدًّا، ولا تشعرها بألم أثناء ارتداء الحذاء لفترات طويلة.
نزلت من البيت قاصدة شارع «عبد العزيز» دون أن تستقل أي وسيلة مواصلات؛ فلم تكن تستغرق أكثر من عشر دقائق حتى تكون أمام باب «عمر أفندي»، أما في هذا الصباح تحديدًا فكانت تنوي ركوب عربة «الأمنيبوس» للحفاظ على مظهرها، إلا أنها فضلت المشي كعادتها؛ لتحظى بنظرات الإعجاب التي كانت تتلقاها من المارة، وكأنها تلميذة سعيدة بمريلتها في يومها الدراسي الأول؛ فقد كانت ترتدي قبعة ذات حواف عريضة ومزدانة بالريش، وفستانًا طوي الًا من الدانتيل ملفوفًا بشريط أحمر من المنتصف، ومغلقًا من عند الرقبة بإحكام، ويصل طوله حتى الكاحل، وتنتعل حذاءً يشبه إلى حد كبير أحذية الكنيسة التي يرتديها الرجال؛ لكنه مصنوع بلمسة أنثوية، تلك الأحذية المزخرفة ذات الكعب الرفيع، والتي تهتم بأن تشتريها من محل «بولص بركات» في شارع «كلوت بك»؛ لسببين: أولًا لأنها رخيصة ومريحة بالنسبة لها خاصة وأنها تُفضل المشي، وثانيًا وهذا هو الأهم أنها تعطي انطباعًا لمن حولها بأنها متدينة. وهكذا ما إن وصلت إلى منتصف شارع «عبد العزيز» واجتازت ورشة «تاتري» لتصليح العربات، حتى لمحت «دومينيك» يدخل من باب «عمر أفندي».
في البدء لم تكن تهتم بـ«دومينيك»؛ ما إن شاهدته أول مرة حتى استنكرت سلوكه، فهو يتحدث بنعومة بالغة، ولا يترك المنديل الحرير من يده أبدًا؛ فدائمًا ما يستخدمه في مسح قورته الحمراء أو رقبته، دون أي داعٍ، غير أنه انطوائي، لا يقبل السهر معهم بسهولة، وعندما يسهر معهم يتحدث بكلمات قليلة، ويظل شاردًا يرتشف من النبيذ في هدوء كما لو أنه يراقب شخصًا ما؛ قالت لها مدام «شالون»: إنه شاذ، لا تحاولي معه؛ هو يحب الرجال أكثر من أي شيء. كانت أول مرة تتعرف على تلك الميول التي تعتري بعض الناس؛ وهنا أحست لوهلة أنها اجتازت مرحلة المراهقة بألف عام، فهي بصدد حالة تستوجب عقلًا كبيرًا لا يتناسب مع سنها الصغيرة، ومن ثم شعرت أنها امرأة مسؤولة تعرف ما لا تعرفه الفتيات الصغيرات، شعور كان غريبًا ومصحوبًا بتقلصات في فُم المعدة، وكأنها في مواجهة معركة حتمية لا تعرف نتائجها؛ عندئذٍ قررت أن تراقبه. لذا ذات ليلة وما إن انتهت من العمل وخرجت من الباب الرئيسي حتى توارت بعيدًا خلف عربة «أمنيبوس»؛ حينها كان «دومينيك» قد خرج، واندفع
بخطى سريعة ناحية شارع «كلوت بك».. كانت تمشي خلفه بحذر وهي تتخفى خلف البواكي، في تلك الساعة لم تكن حركة الشارع نشطة إلا من عدة عربات تجرها الخيول تحمل السياح في طريقها إلى فندق «شيبرد».. فجأة توقف «دومينيك» وانحنى على حذائه وقام بتلميعه، ثم استأنف سيره عدة خطوات، بعدها دخل بار «برتو».
***
لا تتخيل «ديبورا كليمنتي» حياتها دون العمل في «أورزدي باك» أو «عمر أفندي» كما هو معروف؛ فهو المكان الذي تشعر فيه بالطمأنينة؛ لذا تحب أن تتواجد فيه لأطول فترة ممكنة، فهي على عكس زميلاتها لا تنتظر ساعة انتهاء العمل حتى تنصرف لبيتها.
في ذلك اليوم استدعاها السيد «فليب باك» وهنأها بمرور عام على عملها، وثمَّن مجهوداتها، وكلفها بمواصلة البحث والاتفاق مع
المطرب «يوسف المحلاوي»؛ حتى يتمكنوا من تسجيل أغنيات له، تكون حصرية لـ«أورزدي باك». وعلى الرغم من سعادتها بمقابلة السيد «باك» وتهنئة العاملين لها، إلا أن قلبها لم يكن سعيدًا؛ فحبيبها «دومينيك» لم يهنئها كسائر العاملين، حتى عندما نزلوا للطابق السفلي حيث المطعم الخاص بموظفي الشركة تطلع نحوها وهز رأسه لها ببرود، وعاد ليمسح عنقه وقورته بمنديله الحريري.. كانت تلاحظ ذلك مدام «شالون»، التي كانت تجلس على نفس طاولتها تمسحها بنظرات طويلة، وفي نفسها إحساس عميق بالغيرة؛ فهي تحب «ديبورا»، تشعر نحوها برغبة جهنمية، رغبة لا يمكن أن تكشف عنها لأقرب صديق لها.
المهم ما إن انتهى موعد العمل وخرجت حتى وجدت مدام «شالون» تقف أمام الباب الرئيسي؛ لا لتركب عربة تقلها إلى بيتها في
شارع «نوبار باشا»، ولكن لسبب آخر تجهله؛ فلأول مرة تشاهد وجه المدام على هذا النحو، إذ تبين لها بوضوح تحت ضوء المصباح الذي تقف أسفله أن ثمة مصيبة حدثت لها؛ حينئذٍ تقدمت نحوها وهي ترفع فستانها حتى لا يتلوث بالتراب قائلة:
– مدام.. هل حدث شيء؟
– لا.. ولكن هل.. هل..
– مدام.. تحدثي، هل أنتِ متعبة؟
– لا.. ولكن لي رجاء عندك «ديبورا»؛ هل تستطيعين الذهاب معي إلى البيت؟ ابنتي مريضة وأنا في حاجة لوجودك معنا
لبعض الوقت.
– الحقيقة أن هذه الليلة بالذات عائلتي ستقيم احتفالًا صغيرًا لي بمناسبة ترقيتي.
– أتمنى لكِ ليلة جميلة مع عائلتك.. لا بأس، سأذهب أنا وأحاول رعايتها. هكذا قالت بمكر.
دخلت «ديبورا» في حيرة، ثم غلبها شعورها العاطفي نحو الأطفال؛ فقالت بنبرة رقيقة وهي تنظر في عينيها:
– لا سأذهب معكِ؛ أنا كذلك في حاجة لرؤيتها.
كانت مدام «شالون» تعرف أنها ستذهب معها؛ لإدراكها أنها إنسانة عاطفية، لكن الذي حيرها هو لماذا الآن بالتحديد قررت أن تصحبها للبيت؟ لماذا هذه الليلة بالذات اعتراها هذا الشوق الحارق نحوها، وهذه الرغبة العنيفة في لمسها وشم رائحتها؟ إنها تعرفها منذ عام، ولم تلفت نظرها إلا مرات قليلة عندما كانت تشاهدها تضحك، أو عندما كانت تلاحظ اهتزاز ثدييها أثناء صعودها السلم، ومؤخرًا عندما كانت تشاهد نظرات عينيها الطويلة نحو «دومينيك».
استقلتا عربة تجرها الخيول وانطلقت بهما إلى شارع «نوبار باشا»، كانت الشوارع في هذا المساء هادئة، باستثناء حديقة الأزبكية فكانت تعج بالعشاق، ويتردد في فضائها موسيقى عسكرية كتقليد كل ليلة، فيما كانت بحيرتها ممتلئة بالزوارق الصغيرة، ويعتلي جبلها الصناعي فتيات جميلات يمرحن فوقه. ما إن اجتازت العربة الحديقة ودخلت شارع «نوبار باشا»، حتى بدت بيوت الوطنيين متوسطي الحال جميلة لها واجهات بارزة مزدانة بوجوه إغريقية مصنوعة من الجبس، وأسفل كل بيت عمود إنارة مضاء بغاز الاستصباح.
في هذه اللحظة عرفت مدام «شالون» إجابة الأسئلة التي حيرتها، عندما هبت نسمة جميلة حملت معها رائحة «ديبورا» التي اخترقت أنفها فأنعشتها؛ نعم هذه الليلة تختلف عن كل الليالي السابقة، إنها تبدو مثل عروس ستُزف، إنها مهيأة تمامًا للحب؛ لذا كانت تغتنم كل فرصة تتعثر فيها العربة نتيجة التعرجات التي خلَّفها هطول الأمطار، خاصة وأن الشوارع كانت لا تزال مفروشة بالحصى، فتميل عليها، فتسنح لها فرصة لمسها، وكلما اقتربت من وجهها خفق قلبها، واجتاحتها رغبة عنيفة في أن تُقبلها من شفاهها التي تطليها بمهارة تدهشها دائمًا.. وهنا سألتها كأنما تريد أن تتخلص من هذه الرغبة حتى تصل إلى البيت:
– لقد كان مستر «كريكت» نجدة للقاهرة كلها؛ بالتأكيد تتذكرين مشكلة المجاري؟
– بالتأكيد.. كانت أيام مستحيلة؛ كم عانت أمي في نزح البراز كل ليلة من الغرفة السفلية أمام بيتنا القديم.
– لقد أنقذنا من هذه المعاناة بعد أن جاء بشركة نزح المواد البرازية؛ إن كثيرًا من النساء والرجال مدينون لشركته بالكثير.
هكذا قالت مدام «شالون » بامتعاض.
– نعم.. ومِن هؤلاء ماما.
وهنا وصلت العربة أمام بيتها في زقاق «الأمير شمس» من حارة «الجبروني»، فنزلتا وحاسبت الحوذي، ثم صعدتا إلى شقتها؛ أثناء ذلك كانت لا تزال تحكي عن مشكلة الصرف الصحي، لكن نبرتها اتخذت منحى وحش اًيًّ، فاندفعت تشتم في الحكومة والمصريين ببشاعة:
– إحنا هنا نعيش مثل الحيوانات، وكما تعلمين فإن زوجي مات إثر إصابته بوباء الكوليرا؛ هل تعرفين السبب؟
في هذه اللحظة اندهشت «ديبورا » من هذا التحول المفاجئ، فقالت بترقب:
– لا أعرف بالضبط.
– جراء تناول شربة ماء ممزوجة بالبراز؛ المصريون لا يهتمون بحياتهم، إنهم يشربون من المكان الذي يبولون فيه، تصوري هذا نتاج طبيعي للتخلف.. أنا أعاني في القاهرة «ديبورا»، إنني أكرهها جدًّا؛ لولا السيد «فيلب باك» لكنت الآن في إسطنبول.
– مدام لا بأس، نحن الآن في أفضل حال.
– «ديبورا» لنتحدث في الداخل؛ في هذا البيت سكان مصريون فضوليون جدًّا، إنهم يتجسسون عليَّ.
– حسنًا.
كانت الشقة مظلمة، وتستمد إضاءتها من مصابيح عتيقة معكرة بالهباب؛ لذا كانت الإضاءة ضعيفة وتكاد تكون معدومة.. وقد اتضحت فيما بعد محتويات الشقة التي لا تتناسب أبدًا مع مكانتها الوظيفية؛ إذ كانت تعيش على أثاث قديم: كنبة شرقية ومقعدين من الفوتيل المزركش، بالإضافة لغرفتين أسستهما منذ عشرة أعوام تقريبًا، وكانت لا تزال تحتفظ بخزانة مصنوعة من الصاج المحمل بجوار السرير، إضافةً إلى دولاب حديث مصنوع من خشب الزان اشترته المدام منذ عام تقريبًا من محل «ميالي دي لاتوري» بالموسكي.
وكأن المدام اجتازت مرحلة الخطر؛ فما إن دخلت الشقة حتى بدت في صورة أخرى.. خلعت برنيطتها وألقتها على المقعد، وكذلك القفازين، ثم تقدمت نحوها وقالت بنبرة رقيقة للغاية:
– حبيبتي، استريحي قليلًا حتى أبدل ملابسي.
استغربت «ديبورا» نبرتها، وكذلك تصرفاتها منذ أن تحركتا؛ وهنا جلست وضمت ساقيها، وسرحت في تفاصيل الشقة؛ إذ لفت نظرها اللوحات الزيتية التي تعلقها المدام في الصالة، فجميعها لإناث عرايا في أحضان بعضهن، ولم تجد أي لوحة لرجل، حتى لزوجها الذي قالت إنها تفتقده بشدة.
استغرقت المدام خمس دقائق حتى خرجت.. ما إن شاهدتها قادمة من الردهة حتى انقبض قلبها؛ فقد اتضح أن المدام ترتدي بنطلونًا رجاليًّا وكذلك قميصًا أسود، وقد لمت شعرها في ضفيره كوَّرتها على طريقة الكعكة ثم عقدتها في مؤخرة رأسها، وأزالت مساحيق وجهها، فازدادت قبحًا؛ إذ بدت شفتاها أشبه بشفتي رجل عجوز، واتضح أيضًا أنها مصابة – إذا جاز التعبير – بانكماش الثدي؛ فلم يظهر له أي بروز من وراء قميصها؛ لكنها كانت ممتلئة الأرداف، ولها سيقان مصبوبة حتى الكاحل.
لثوانٍ لم تستوعب «ديبورا» ما يحدث، لكن سرعان ما حضرت فكرة سريعة في عقلها، وهي أن المدام تفتقد زوجها ولا تجد سبيلًا لمعانقته سوى بارتداء ملابسه؛ لأنها تذكرت أن المدام قالت ذات مساء وهما تتناولان العشاء بصحبة الأصدقاء إنها لا تستطيع أن تنام دون أن تعطر الوسادة بالعطر الذي كان يستخدمه زوجها.. ومن هنا رجحت أنها بالفعل تشتاق له. لكنها على كل حال لم تستطع أن تتقبل شكلها على هذا النحو؛ إذ كانت تبدو قبيحة ومخيفة؛ لذا استنكرت فعلتها في نفسها.. ولكنها تمالكت أعصابها وحاولت أن تبدو طبيعية:
– أين ابنتك؟
– للأسف نامت، ولن أستطيع إيقاظها. ثم سرعان ما غيرت الحديث فقالت:
– ما رأيك أن نتناول كأسًا من النبيذ احتفالًا بكِ؟
– لا لا.. وقت آخر، سأذهب.. عائلتي تنتظرني.
هكذا قالت بعدما استشعرت جوًّا غريبًا ليس مريحًا على الإطلاق، فقررت أن ترحل؛ إلا أن مدام «شالون» التصقت بها وقالت بنبرة رقيقة:
– «ديبورا» أنا أحتاج إليكِ هذه الليلة؛ إنني وحيدة، وفي حاجة لإنسان جميل يحتضني ويربت على كتفي.. «ديبورا» أنا إنسانة
تعيسة، لا يغرك مظهري القوي في العمل؛ فالحقيقة أنني ضعيفة وهشة مثل الأطفال، لا أعرف لماذا تداهمني رغبة أن تعانقيني وتغلقي ذراعيكِ حول ظهري؟ أريد أن أتنفس من ثدييك، وأن أنعم بالراحة في حضنك.. «ديبورا» أرجوكِ.
تطلعت «ديبورا» برعب إلى سقف الشقة الكئيب، وبدأ جسدها يرتعش؛ خاصة عندما مسكت يدها وبدأت تقبلها وتلعقها بنهم؛
وهنا تجمد لسانها وفقدت القدرة على ردها بأي وسيلة.. ولما قامت وسحبتها إلى غرفة النوم أحست أنها تنساق وراءها دون وعي؛ إذ لم تكن تشعر بساقيها ولا ذراعيها، فلم تستطع أن تقاومها حتى بنظرة؛ كانت ساهمة تمامًا، فقد كان بداخلها معركة عنيفة ما بين عقلها وقلبها؛ فلمسات مدام «شالون» الدقيقة نحو جسدها حركت غريزتها، بينما كان عقلها يرفض ويقاوم تحت ضغط عصبي متصاعد.
وفي غرفة النوم استلقت على السرير دون أي مقاومة، وبدأت المدام تُقبلها من شفاهها بنعومة، فيما كانت يداها تعبثان في لحمها، وشيئًا فشيئًا تحررت المدام من ملابسها تمامًا فبدا نصفها العلوي ذكوريًا تمامًا: عروق نافرة تضرب في ذراعيها وكتفيها، وعظام صدر بارزة، وبضع شعيرات خشنة سوداء حول الحلمتين. ومع انفعال المدام وتصاعد وتيرتها الغرامية، بدأت تخوض مرحلة أخرى وهي نزع ملابس «ديبورا» بالكامل.. في هذه اللحظة بدأت تستوعب ما يحدث لجسدها، فبدأت تئن وتقاوم، مثل قطة صغيرة تُعذب، ومع هذه المقاومة بدأت المدام تتصدى لها، فنزعت فستانها من عند الرقبة فظهر لحمها أحمر شفافًا؛ وهنا شهقت المدام، وبدأت تضم ساقيها وهي تفركهما بعنف مع إصدار جمل لها معانٍ فاحشة؛ قالتها بنبرة عاطفية مثيرة: أنا أستطيع إمتاعك.. ادخلي في صدري حتى ترتاحي.. وكلما حاولت الهرب من تحت وطأة جسدها، كانت المدام تسدد لها لكمة في بطنها.. ومع توالي اللكمات أطلقت «ديبورا» صرخات ملتهبة، لكن المدام وضعت يدها على فمها؛ وهنا عضتها، فانفعلت المدام ولطمتها على وجهها الجميل وهي تتفرس فيه بحنو بالغ، ثم انسابت تمسح على شعرها وهي تردد:
– لا تجعليني أضربك يا حبيبتي.
– اتركيني. هكذا قالت «ديبورا» وهي تلهث من فرط الرعب.
– ليس الآن.
وهنا بدأت تركل الهواء بقدميها، فأحدث ذلك فوضى فوق السرير؛ مما دفع المدام للتراجع والاستسلام.. فقامت «ديبورا» واندفعت خارج الغرفة تبحث عن باب الشقة.

حماد عليوة

حماد عليوة حماد عليوة، روائي مصري من مواليد القاهرة. بدأ رحلته مع الكتابة في سن مبكرة، واشتهر بأعماله الأدبية ذات الطابع الواقعي وخاصة رواية المكان، صدرت له روايات: “من أجل البلوند”، “الحي الإنجليزي”، “أغسطس”، “جراچ الزمالك”، وتُعتبر “عمر أفندي” هي روايته الخامسة.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Fiction

مقتطف من رواية حماد عليوة: عمر أفندي

23 FEBRUARY 2026 • By حماد عليوة
Fiction

مقتطف من رواية ميسرة الدندراوي: أيام عين شمس

16 FEBRUARY 2026 • By ميسرة الدندراوي
مقتطف من رواية ميسرة الدندراوي: أيام عين شمس
Fiction

مقتطف من رواية محمد عبد النبي: شيء إلهي

9 FEBRUARY 2026 • By محمد عبد النبي
مقتطف من رواية محمد عبد النبي: شيء إلهي
Arabic

مقتطف من رواية محمد يحيى: نذير الطائف

19 JANUARY 2026 • By محمد يحيى
مقتطف من رواية محمد يحيى: نذير الطائف
Arabic

مقتطف من رواية أسامة زيد: مقعد أخير في الحافلة

12 JANUARY 2026 • By أسامة زيد
مقتطف من رواية أسامة زيد: مقعد أخير في الحافلة
Arabic

مقتطف من رواية إنعام كجه جي: صيف سويسري

22 DECEMBER 2025 • By إنعام كجه جي
مقتطف من رواية إنعام كجه جي: صيف سويسري
Uncategorized

مقتطف من كتاب أحمد عبد المجيد: بوب فيكشن

15 DECEMBER 2025 • By أحمد عبد المجيد
مقتطف من كتاب أحمد عبد المجيد: بوب فيكشن
Uncategorized

مقتطف من رواية مهاب عارف: يوم لا ينتهي

8 DECEMBER 2025 • By مهاب عارف
مقتطف من رواية مهاب عارف: يوم لا ينتهي
Uncategorized

مقتطف من رواية ميرنا المهدي: قنبلة للاستخدام الشخصي

8 DECEMBER 2025 • By ميرنا المهدي
مقتطف من رواية ميرنا المهدي: قنبلة للاستخدام الشخصي
Books

مقتطف من رواية مجدي نصار: روح الله الفضل حبش

1 DECEMBER 2025 • By مجدي نصار
مقتطف من رواية مجدي نصار: روح الله الفضل حبش
Books

مقتطف من رواية عاطف سنارة: البرانسة

1 DECEMBER 2025 • By عاطف سنارة
مقتطف من رواية عاطف سنارة: البرانسة
Uncategorized

مقتطف من رواية مي المغربي: الخروج من غيط العنب

24 NOVEMBER 2025 • By مي المغربي
مقتطف من رواية مي المغربي: الخروج من غيط العنب
Uncategorized

مقتطف من رواية أمين صالح: كائنات المرايا الجميلة

17 NOVEMBER 2025 • By أمين صالح
مقتطف من رواية أمين صالح: كائنات المرايا الجميلة
Arabic

مقتطف من رواية أمل الفاران: بنت عطشى

17 NOVEMBER 2025 • By أمل الفاران
مقتطف من رواية أمل الفاران: بنت عطشى
Arabic

مقتطف من رواية عبد الله ناصر: هذه ليست رصاصة

3 NOVEMBER 2025 • By عبد الله ناصر
مقتطف من رواية عبد الله ناصر: هذه ليست رصاصة
Arabic

مقتطف من رواية ابتسام شوقي: إنهم حقًا رجال شرفاء

29 OCTOBER 2025 • By ابتسام شوقي
مقتطف من رواية ابتسام شوقي: إنهم حقًا رجال شرفاء
Arabic

مقتطف من رواية طلال فيصل: جنون مصري قديم

22 SEPTEMBER 2025 • By طلال فيصل
مقتطف من رواية طلال فيصل: جنون مصري قديم
Arabic

مقتطف من رواية «طرق متنوعة لقتل النمل» لمحمد الفولي

8 SEPTEMBER 2025 • By محمد الفولي
مقتطف من رواية «طرق متنوعة لقتل النمل» لمحمد الفولي
Arabic

مقتطف من رواية “هواء مالح” لهبة خميس

1 SEPTEMBER 2025 • By هبة خميس
مقتطف من رواية “هواء مالح” لهبة خميس
Arabic

مقتطف من رواية «الرحيل إلى الجنة» لمحمد النعاس

1 SEPTEMBER 2025 • By محمد النعاس
مقتطف من رواية «الرحيل إلى الجنة» لمحمد النعاس
Fiction

مقتطف من رواية أحمد عبد اللطيف: أصل الأنواع

18 AUGUST 2025 • By أحمد عبد اللطيف
مقتطف من رواية أحمد عبد اللطيف: أصل الأنواع
Literature

مقتطف من رواية: العام الأخير في عمر القاهرة، لأحمد إبراهيم إسماعيل

11 AUGUST 2025 • By أحمد إبراهيم إسماعيل
مقتطف من رواية: العام الأخير في عمر القاهرة، لأحمد إبراهيم إسماعيل
Arabic

مقتطف من رواية محمد سمير ندا: صلاة القلق

17 MARCH 2025 • By محمد سمير ندا
مقتطف من رواية محمد سمير ندا: صلاة القلق
Arabic

مقتطف من رواية مالك رابح: بيت الولد

10 MARCH 2025 • By مالك رابح
مقتطف من رواية مالك رابح: بيت الولد
Arabic

مقتطف من رواية أحمد القرملاوي: الأحد عشر

24 FEBRUARY 2025 • By أحمد القرملاوي
مقتطف من رواية أحمد القرملاوي: الأحد عشر
Arabic

مقتطف من رواية محمد الفولي: الليلة الكبيرة

24 FEBRUARY 2025 • By محمد الفولي
مقتطف من رواية محمد الفولي: الليلة الكبيرة
Arabic

مقتطف من رواية محمد عبد الجواد: الواقعة الخاصة بأموات أهله

17 FEBRUARY 2025 • By محمد عبد الجواد
مقتطف من رواية محمد عبد الجواد: الواقعة الخاصة بأموات أهله
Arabic

مقتطف من رواية حسن كمال: الرواية المسروقة

3 FEBRUARY 2025 • By حسن كمال
مقتطف من رواية حسن كمال: الرواية المسروقة
Arabic

مقتطف من رواية مصطفى منير الأحدث: الطوباوية

27 JANUARY 2025 • By مصطفى منير
مقتطف من رواية مصطفى منير الأحدث: الطوباوية
Arabic

مقتطف من رواية ليلى المطوع: المنسيون بين ماءين

13 JANUARY 2025 • By ليلى المطوع
مقتطف من رواية ليلى المطوع: المنسيون بين ماءين
Arabic

مقتطف من رواية نورا ناجي: بيت الجاز

30 DECEMBER 2024 • By نورا ناجي
مقتطف من رواية نورا ناجي: بيت الجاز

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

fifteen − 7 =

Scroll to Top