مقتطف من رواية ألعاب وحشية

عمر الشوباشي، "الألعاب".

ماجد وهيب   By • 27 APRIL 2026

تبدو حكاية إبراهيم عادية؛ يقع في الحب ويهاجر إلى المحبوب، لكن خلف ذلك عالم واسع من الأسئلة والإجابات والدموع.

إبراهيم

1
كل شيء يبدو طبيعيًّا، وخلف ذلك تطبخ الحكاية نفسها على مهل.

2
دخلوا في وقار يتقدمهم دهشور الصُبيحي. استقبلتهم امرأة في حوالي الأربعين من عمرها. رحبت بهم: أهلًا يا عُمد، وهي تتنقل ببصرها بينهم. جلس الأب على مقعد قرب الباب، وضع ساقًا على ساق، أشار بطرف عصاه إلى الأبناء فجلسوا على كنبة تتوسط الصالة وعيونهم تنطق باللهفة، ثم غابت المرأة دقائق وعادت ومعها أربع بنات. أومأ دهشور برأسه إلى الأبناء فاختاروا. بقيت واحدة، ظنت صاحبة المكان أنها قد صارت هكذا من نصيب الرجل الكبير، فأشارت إليها بأن تتقدم نحوه، لكن الصبيحي أوقف البنت بإشارة من يده وهو يقول: أنا، لا. ظنت المرأة أن البنت لا تعجبه، فقالت: عندي غيرها، وقبل أن تمضي عنه إلى الداخل، أوقفها بقوله: ولا غيرها، لو أردت فهي تفي بالغرض.
وأضاف وهو يفرج عن ابتسامة: كبرنا، البركة في العيال. اقتربت المرأة وقالت وهي تربت على صدره في دلال: فشر يا عمدة، الدهن في العتاقي. تبادل الأبناء النظرات فيما بينهم في ابتسام حَذِر، وتجاهل الصبيحي الرد على المجاملة التي يعرف أنها قيلت لجر رجله مكتفيًا بضحكة، ثم مدَّ يده إلى صدريته وأخرج محفظته. سأل عن المطلوب، ثم دفع، وخرج وهو يحكم عباءته على جسده.
نزل وانتظرهم في مقهى قريب يعرفونه. جلس يدخن الشيشة مادًّا بصره إلى المارة والطريق. امتلأ سمعه بضوضاء الشارع: أصوات الباعة وزبائن المقهى وسائقي الكارو. والتقطت أذناه من بعيد صوت غناء يقول: ماليش في حكم القلب عمل. أمضى وقته في المقهى صامتًا، وذكوره الثلاث يمتعون أنفسهم على مبعدة أمتار منه، وأصغر الأبناء تمنى ألا ينتهي الوقت وهو مع البنت التي اختارها. الشقيقان انتهيا من فعلهما وهو لم ينتهِ. قالت صاحبة البيت إنه تأخر جدًّا وهذا له حساب آخر. طرقت الباب وأخرجته وهو يلقي على الفتاة نظرة لم يلمح أحد ما فيها من هوى. خرج من حضرتها كما يخرج النائم من حلم جميل. ضحك منه الشقيقان، ظلا يضحكان حتى وصلا إلى أبيهما. سأل الأب عن سبب الضحك والتأخير، فقال الابن الأكبر: إبراهيم أعجبته البنت، أخذناه منها بالعافية. ابتسم أبوه وسأله: كانت حلوة إلى هذا الحد؟ منذ وقت قليل كان ملتحمًا بها بكل ما فيه، وفي التحامه أحسَّ أنهما ليس غريبين. للمرة الأولى يقترب من أنثى ولا يشعر أن جسمه فقط هو الذي يدخلها، فشعر في اللحظة التي سأله أبوه عن مدى حسنها، أنهم صاروا جميعًا غرباء عنه وصارت هي القريبة، فلم يحب أن يتكلم عنها واصفًا جسمها.

4
عاد إبراهيم إلى أسيوط وهو يفكر فيها، ظلَّ طول الطريق صامتًا يسترجع وقته معها، يبتسم حين يستعيد ضحكتها. ينطق اسمها بصوت خفيض: تفاحة، فيسأله أحد الشقيقين بماذا يهمس، فيهز رأسه قائلً: لا شيء. يصل إلى أسيوط شاردًا. يتهامس الشقيقان عليه قائلين: الولد مخه طار بسبب البنت. كانت موجودة في المرات الثلاث السابقة التي جاء فيها مع أبيه وشقيقيه، لكنها لم تجذب نظره قبل ذلك، ولا نظر أحد أخويه، وجذبته هذه المرة، كأنها امتلكت الحسن فجأة.

5
اشتاق إليها بعد العودة إلى بلده بأيام قليلة، ولأن الحنين إلى هؤلاء النسوة محرم، وكذلك الكلام عنهن أو تذكرهن بعد أن ينتهوا ويلتقوا بأبيهم على المقهى ويسألهم إذا انبسطوا ورفعوا رأسه أم لا، فلم يجد إبراهيم، أمام النار التي اشتعلت في كيانه، غير أن يقول لأبيه إنه يريد السفر لزيارة الحسين لأنه زاره في منامه. شيء لله يا سيدنا الحسين، قالها الأب وأذن بالسفر.

6
ذاقها ثانية. ظنَّ في التكرار إطفاء للجمر، لكنه ازداد. طلب منها تذكارًا، فنظرت إليه في استغراب. أصرَّ، حتى لو يدفع ثمنه، فأعطته منديلًا، قبض عليه بيمينه ورفعه إلى وجهه وأخذ يشمه ويقبله. أحسَّت بفرحة وراحة وهي ترى ما يفعله. همست تطلب منه أن يحضنها، يحضنها فقط، فنهض عن السرير وجذبها إليه حتى وقفا على مقربة من الباب. أخذها في حضنه، فتركت نفسها لبراح أحسته وهي بين يديه، ثم راحت هي أيضًا تحكم ذراعيها حوله. قالت وهي تتأمل وجهه بإعجاب: وجهك جميل، والنمش به
يزيده جمالًا. في ذروة تمنيهما ألَّا ينتهي الوقت، خرجت من الحضن فجأة، وطلبت منه، وهي تتراجع إلى السرير، أن يخرج لأن وقته انتهى. رمقها بنظرة حزينة، تلومها على أنها أخرجتهما بكلامها من لحظتهما الجميلة. رأت عتابه في عينيه، لكنها تجاهلت وأدارت وجهها بعيدًا، فألقى عليها نظرة أخيرة، ثم خرج في صمت.

7
عاد من القاهرة مهووسًا بها. تقلب في فراشه رغبة فيها واشتياقًا. إنها تملكه أو تحتله بسحر غامض، تغلبه بسلاح لا يعرف ما هو. ليست أجمل النساء، وجرَّب قبلها أجمل منها، لكن بشيء، يشبه أي سر خفي في الكون لا يعرفه عابد، تسكنه وتحيط به مثل حدود جسده. ظنَّ أنه إذا تزوج سينساها، فقال لأبيه، وهما جالسان تحت ظل نخلة يتابعان أنفارًا يفلحون الأرض، إنه يريده في أمر ما. اعتدل له دهشور وطلب منه أن يملأ البرَّاد ويعمل شايًا لهما وللأنفار أولً. بعدما شربا جاء دور الكلام، فقال في خجل إنه يريد أن يتزوج. رحب أبوه. بحثوا له عن العروس المناسبة، حتى وجدوا فوقية بنت الحاج خالد الخيَّاط. كانت مليحة فأعجبته.

8
رقص مع الرجال ليلة الحنة ويوم الفرح، ولم تأتِ بنت القاهرة في البال. سبقته الداية إلى جسد فوقية، ففضت له بكارتها، وخرجت بالمنديل عليه دم عذريتها، ثم اقترب هو. انتصب عضوه عليها ودخلها. تأوَّهت وتأوَّه. تسللت صورة بنت القاهرة وسط التأوهات الناعمة ووجدت طريقها إلى الخيال. العروس على السرير تحت جسده تتوجع ولا تدري أن ملامح أخرى أزاحت ملامحها وارتسمت على وجهها، وبفضل هذه الملامح عجن نفسه فيها بنهم ولهفة. لم تهدأ النار. صورة بنت القاهرة لم تغِب، زيارتها لم تكن عابرة. انتظر الموسم. جاء اليوم المرغوب. كاد أحد شقيقيه يفسد كل شيء ويحرمه اللقاء المنتظر لما طلب من أبيهم أن يذهب بهم إلى بيت آخر من باب التغيير. لم يدرِ إبراهيم بنفسه إلا وهو يرد معترضًا في حدة على اقتراح أخيه. تبسم له الحظ فرفض دهشور تغيير المطرح، وتبسَّم له أكثر فوجدها في البيت لم تغيره. اختارها، رغم كثرة زبائنها وجدها تتذكره. قبل أن يفعل أي شيء أخرج من جيبه خاتمًا من الذهب. ألبسها إياه بنفسه وقال إنه يتمنى ألَّا تخلعه، أو تبيعه وتفرط فيه. أخرج المنديل الذي أعطته إياه. أقسم بالمصحف إنه لم ينَم ليلة واحدة طول العام دون أن يقبِّله كثيرًا وهو على سريره، فابتسمت له، ومدَّت يدها إلى طرف شال يتدلى حول عنقه، سحبته في هدوء فتركه لها مبتسمًا، حتى صار في يدها، ثم طلبت أن تحتفظ به كما يحتفظ هو بمنديل لها.

9
عاد إلى القرية وزوجته التي لم تحبل بعد. قال لأبيه إنه غير مستريح مع فوقية. الطلاق لم يحدث سابقًا في عائلتهم، لكنه غير مستريح، فطلَّقها. على انفراد قال لأبيه إنه أحبَّ. ابتسم له الأب في رضا، وردَّ عليه: لهذا طلقت يا لئيم، من هي؟ قال: تفاحة. لم يعرف دهشور أي تفاحة يقصدها، فاستفهم. يعلم إبراهيم تأثير ما عنده من كلام، يعلم أنه سيقذف كتلة نار من فمه، ولولا كتل من نار أشعلها الهوى في قلبه وصارت تأكله أكلًا، ما فتح فاه بمثل ما ينوي عليه، فصمت ممسكًا عن الرد. لمَّا كرر دهشور سؤاله، ابتلع ريقه وأجاب في تلعثم: بنت من مصر. ما يقصده أبعد من أن يأتي في خيال دهشور، ربما لو قال إن جنِّية تظهر له وأحبها لفهم أبوه وصدق، لكن بنت من مصر! جملة ناقصة، لم يفهم الأب منها شيئًا ليرضى أو يغضب. نظر دهشور إليه في حيرة واستغراب، سأله: من أين لك أن تعرف بنتًا من مصر؟ وأردف في سخرية: نحن لا نعرف هناك إلا البنات البطَّالة. حانت اللحظة ولا مفر، فقال إبراهيم في خوف، وبصوت واهن، خافضًا بصره: هي واحدة منهن. رمى القنبلة وفجَّر السر، فانقلبت الدنيا، والحجرة التي أُغلق بابها عليهما شهدت أولى العواقب. الأب الحنون تحول بجملة واحدة سمعها إلى وحش. لم يرَ أمامه، نزل على ابنه بالكفوف، شاطه بالقدم في مؤخرته، ثم جذبه وأعاد الضرب حتى نزف الابن دمًا من أنفه. على صوت الصراخ تجمع أهل
البيت، دفعوا الباب ودخلوا. بصعوبة خلَّصوا الولد وأخرجوه وهو يرتجف ويبكي. سألوا عن سبب كل هذا الضرب، فلم يقُل أحدهما شيئًا. صاح دهشور في وجوه الجميع وهو يخرج مشتعلًا بالغضب: هو أدرى بذنبه، لا أريد كلامًا من أحد. قالها بحسم. كانت كافية ليضع كل من في البيت لسانه في فمه ويسكت، لكن على انفراد حكى لابنيه عن السبب، فلم يلتمسا لأخيهما أي عذر. قالا إنه يستحق تكسير عظامه. هزَّ دهشور رأسه في موافقة، ثم تركهما ومضى إلى دورة المياه.

عمر الشوباشي، “الألعاب”، زيت على قماش، 120×80 سم، 2024 (بإذن من @omar_elshoubashy).

10
النار التي تأكل إبراهيم لم تجد من يفهمها، لكنها بقيت، وكتم في داخله رأيه بأن أباه هو السبب، هو الذي أدخله البيت، هو الذي قاده إلى الطريق، أدخله البستان، وسمح له بأن يقف أمام شجرة، ثم قطف له ثمرة وقال له: كُلْ، والشجرة طيبة وثمارها حلوة وشهية، فلماذا يغضب الأب إذا هو أراد أن يأكل من الشجرة في كل وقت؟! طبطبت عليه أمه. سألته عن السبب الذي جعل أباه يضربه هكذا، فلم ينطق. فقط كان يبكي كالأطفال، وبينما هي تربت على ظهره وتضمه إليها، صوَّتت زوجة الابن الكبير، فانتزعت صرختها الأم من حضن ابنها، وانتزعت الابن من حضن أمه. مات دهشور في نفس الليلة. بعدما تبرز وهو مقرفص، وقبل أن تصل يده إلى الماء ويملأ الكوز من الجردل ليغتسل، مال بجسمه وهو يتأوَّه بصوت خافت، ثم ارتمى على جنبه الأيمن قاطعًا النفس. سمعت زوجة الابن الكبير صوتًا أصدره اصطدام رأسه بالأرض، فركضت دون تفكير. رأته وقد ارتفع الجلباب عن ساقيه، تخشبت مكانها للحظة، ثم صرخت، وعلى صرختها تجمعوا.

11
قيل لم يضرب أحدًا من أبنائه طول حياته فلمَّا فعلها مات، ولأن لكل شيء سببًا، والضرب كان سببه ما قاله إبراهيم، حمَّلوا إبراهيم الذنب، وإبراهيم قال ما قاله بتأثير الحب، والحب دخل ولم يخرج، فلم ينسَ تفاحة، رغم الحزن على الأب، والحزن على أنه قد مات غاضبًا منه، ورغم الكسرة أمام الأهل لأنه تسبب لأبيه في الموت، بقيت في قلبه وعقله، وانقضى عام على وفاة الأب لم تهدأ فيه النار، فجدد الكلام مع أخويه. صاح أحدهما في وجهه بغضب شديد: تريد أن تتزوج شرموطة وتجلب لنا العار! والله أموّتك بنفسي وأرميك لكلاب السكك.

12
ركبه الهوى ودلدل رجليه، فلم يعد يملك من أمره شيئًا. وصوَّر له الحب أن الدنيا بلا تفاحة فراغ، فاستغل غياب أمه في ساعة عن البيت، وتسلل إلى حجرتها في حذر ممسكًا بلمبة جاز يهتدي بنورها إلى الطريق. تغلب على ارتباكه، وفتح خزانة الملابس. وقع البصر على المراد، ابتلع ريقه، دون تردد مدَّ يده وأخذه. أغلق الخزانة، خرج وبصره يحوم يمينًا ويسارًا. عاد إلى حجرته، دار في الأركان يفكر أين يخفي ما أخذه، أخيرًا وضعه تحت السرير. لم يأتِه نوم، وقبل الفجر نهض. لملم ما له من ملابس. أخذ ما تحت السرير. خرج في صمت، وخفة يكاد معها لا يدوس بقدميه على الأرض. خرج وقلبه يخفق بشدة، وهزم اضطرابًا كاد يُرجعه عن الطريق ويعيده عمَّ نوى عليه. تأسَّف في قلبه للأهل على هذا الهجر، وألقى بصره على البيت، في حزن وحسرة، ثم شقَّ طريقه في حذر، تحتشد في روحه كل عاطفة ونقيضها. في الصباح لم يجدوه في البيت، فتشوا عنه في القرية كلها ولم يجدوه، ولم تجد الأم صندوق ذهبها.

13
لم يهدأ عقله طول الرحلة، ولم يهدأ قلبه. لا يستقر به شعور يريحه فيمضي مطمئنًا غير خائف وغير مهتم بما ترك، أو آخر يبكِّته فيرجع عائدًا إلى الأهل. وبجوار النافذة، وهو يتأمل البلاد والحقول التي يمر بها القطار، راودته فكرة أنه من الممكن ألا يجد تفاحة في البيت، ربما غيَّته ولا يعرف لها طريقًا، وربما ماتت. عند ذكر الموت وجد نفسه يهمس بكل حب وخوف عليها قائلًا: بعد الشر عنها. ووصل به القطار إلى مصر، فنزل واتجه إلى البيت الذي تعمل فيه مباشرة. لم يزَل خائفًا، لكن كبر داخله شعور بالفرح لاقتراب التلاقي. كانت مع زبون سبقه إليها فانتظرها قابضًا على صندوق الذهب وجمر اللهفة. لدغته جملة أنها مع زبون آخر كما يلدغ العقرب عقب الرجل، والوقت الذي مرَّ وهو ينتظرها كان ثقيلًا. تخيلها وهي في حضن الزبون فغلى الدم في عروقه.
كاد ينهض ويقتحم الحجرة، وينتزعها من تحت الزبون قائلًا له إنها حبيبته وسوف تكون زوجته، وزوجته لا يلمسها رجل غريب. ارتطم قلبه بحقيقة مهنتها كما يرتطم الرأس بحجر، لكن هوَّن على نفسه أن اليوم سيكون آخر يوم لها في الدعارة. تذكر الأهل، تخيلهم وقد اكتشفوا غيابه، فأشفق على أمه وتأسَّف لها، تخيلها تسأله: من أجل هذه، التي تفتح رجليها الآن لرجل آخر، تتركنا؟! فأجابها محدثًا نفسه بصوت كالهمس: هي التي أحببتُها، وليست سيئة من نفسها، قلبي يقول لي هذا، وغدًا ستليق بابنك، والله غفور رحيم.

14
تذكرته تفاحة فور أن وقف أمامها. رأى الخاتم في يدها عندما اقترب منها، ففرح وقال في نفسه إنها تستحق ما نوى عليه. اقترب أكثر وقال إنه لم يأتِ للنوم معها وإنما للزواج بها. ضحكت، لكنه أعاد الكلام بنبرة جادة. تعمل في مهنة تلحق بصاحبتها العار والمذلة واحتقار الجميع، فكيف يكون كلامه جادًّا؟ حلف إنه صادق، وصدقه وصل إليها، شهدت بريقه في عينيه. سألها عن رأيها، فقالت: من ترفض أن تتزوج وتعيش مستورة! لكنه باع الأهل من أجلها، فحلف بالله والمصحف أنه سيقطع لحمها بأسنانه كما يقطع الجزار اللحمة بالسكين إذا هي حنَّت يومًا إلى مشيها البطَّال، فحلفت مثله، بالله والمصحف وزادت بالكعبة ورحمة والديها، إنها من اليوم ستكون له وحده وسيشهدها أشرف زوجة في الدنيا وخير من ترعاه وتحفظه وتحفظ عرضه. لم يزِد حرفًا ولم تزِد، فما هي إلا دقائق قليلة حتى خرجا من الحجرة ممسكًا بيدها. لم تصدق صاحبة البيت أذنيها وهي تسمع تفاحة تقول لها إن ربنا تاب عليها وهذا آخر يوم لها، وغدًا ستكون زوجة محترمة لرجل ملو هدومه، فقال هو: اليوم وليس غدًا.
صدَّقت المرأة حينئذ ما كانت تسمعه عن الحب وأحكامه، وما تسمعه عن الناس الذين يزعق لهم نبي فتتبدل أحوالهم في غمضة عين. زغردت وباركت لهما. توقع إبراهيم أن شقيقيه سيأتيان في عقبه إلى القاهرة، فأوصى المرأة أن تحفظ سرهما وتنتبه في الجواب إذا سأل عنهما أي شخص، ثم نزلا من عندها قاصدين المأذون.
كتب كتابهما ومضيا إلى بيت تفاحة، وخوفًا من أن تضعف صاحبة البيت أمام شقيقيه، إذا هما أغرياها بالمال، فتدلهما على العنوان، قال لزوجته: لن نبقى في البيت لأكثر من الوقت الذي تحتاجينه للم حاجاتك.

15
رآها تجمع ملابسها، فطلب منها ألَّا تأخذ أي ثوب من ثيابها. أنا معي فلوس كثيرة، وسأشتري لك ملابس غيرها. إنه يريد حياة جديدة، ليس فيها حتى ثياب كانت تخلعها أمام زبائنها، وتنام فيها بعد قيامهم عنها وفي جسمها رائحتهم. لم يكن عندها شيء آخر يستحق أن يؤخذ، فتركت كل شيء. نزلت معه بأحلامها وقلبها الذي مست نبضه الفرحة. اقترحت منزل صديقة لها تمتهن نفس المهنة وتعيش وحدها، يمكن أن تستضيفهما ليلة أو ليلتين حتى يستأجرا مطرحًا لهما. خاف على صندوق الذهب الذي معه فرفض. اقترح لوكاندة، فأخذت تقنعه ببيت صديقتها قائلة إنه أكثر أمانًا من لوكاندة تجمع بشرًا من كل صنف ولون، وختمت: أنا أضمنها برقبتي. استسلم للاقتراح، ومضيا إلى العنوان بخطى واسعة تضحك للدنيا. غنت تفاحة في فرح بصوت خفيض، فنظر إليها إبراهيم مبتسمًا. قبض على يدها وهو يعبر بها الطريق.
استقبلتهما الصديقة بترحاب شديد. زغردت فَرَحًا بهما. فتحت لهما حجرة وأدخلتهما وهي تقول في خجل: ليست من مقامك يا سي إبراهيم، فقالت تفاحة في دلع وهي تهز عمدان السرير وتضرب على المرتبة: المهم أن يكون السرير بخير ولا يقع بنا، فابتسم إبراهيم في خجل. خرجت الصديقة من الحجرة وهي تقول في داخلها بحسرة: إوعدنا يا رب.

16
ذاقها من جديد، لكن الطعم كان مختلفًا. لم يحس بلسعة النار في كيانه بعدما قام عنها كما كان يحس في كل المرات السابقة، أحس بدفء لا بحريق. كانت مختلفة بالنسبة إليها هي أيضًا، فأحست بنعومة تتسرب إليها، براحة المريض والحمى تخرج منه ويسترد عافيته. سألته هل يعرف ما هو أكثر شيء يسعد المرأة ويرم عظمها. هزَّ رأسه علامة أنه لا يعرف، فقالت: حضن رجل يحبها بصدق، ورمت نفسها بين ذراعيه، فأحكم عليها حضنه. بدت صورتهما وهما متعانقان كأن ليلً يعانق فجره، وكأن تعبًا يرمي تعبه ويحضن راحته. مرر أنفه في نشوة على خصلات شعرها الطويل النائم في سمرة شديدة، فهمست: كأنك جددت لحمي وجلدي وعظمي. أراد أن يسأل مع من تمتعت أكثر، معه أم مع زبون سابق، لكنه كتم ذلك، وطلب منها أن تحكي له عن حياتها.
فهمت أنه يقصد كيف وصل بها الحال إلى أن تمتهن هذه المهنة. بدأت الحكاية قائلة: أنا لم أرِد أن أكون هكذا، لم أختَر، لا دور لي في حياتي غير أني صبرت عليها، وأنت مكافأة صبري، وإن كنت.
صمتت فجأة. سألها أن تكمل، فأردفت: وإن كنت لا أصدق، حتى هذه الحظة لا أصدقها، وأظن أنني أحلم.

17
نظرا إلى الدنيا بعيون جديدة، كأنها جاءت فورًا إلى الحياة، عيون لم ترَ قط أي مشهد يحرك دمعًا أو نفورًا. وبالحب ارتدى كل شيء أمامهما لونًا أبيض، وغاص القلب في فرحة، صاد منها اللآلئ، حتى صارت الدنيا كلها مغارة كنوز، الحب كلمة سرها.

ماجد وهيب

ماجد وهيب ماجد وهيب، كاتب وروائي مصري، صدر له أربع روايات ومجموعة قصصية، من بينها رواية "آلام يهوذا" العام 2022، و"أخبار الأيام الأولى" العام 2024 عن دار المرايا، وصدرت له في العام 2019 مجموعة قصصية "العالم في حفلة تنكرية" عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، وأعيد نشرها الكترونيًا مع دار المرايا العام 2024.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Fiction

مقتطف من رواية ألعاب وحشية

27 APRIL 2026 • By ماجد وهيب
مقتطف من رواية ألعاب وحشية
Fiction

مقتطف من رواية مروان عثمان: وصفة الأدب النظيف

13 APRIL 2026 • By مروان عثمان
مقتطف من رواية مروان عثمان: وصفة الأدب النظيف
Fiction

مقتطف من رواية دعاء إبراهيم: فوق رأسي سحابة

30 MARCH 2026 • By دعاء إبراهيم
مقتطف من رواية دعاء إبراهيم: فوق رأسي سحابة
Fiction

مقتطف من رواية سمر نور: آشا

23 MARCH 2026 • By سمر نور
مقتطف من رواية سمر نور: آشا
Fiction

مقتطف من رواية هند عزت: عصفور أزرق

2 MARCH 2026 • By هند عزت
مقتطف من رواية هند عزت: عصفور أزرق
Fiction

مقتطف من رواية حماد عليوة: عمر أفندي

23 FEBRUARY 2026 • By حماد عليوة
Fiction

مقتطف من رواية ميسرة الدندراوي: أيام عين شمس

16 FEBRUARY 2026 • By ميسرة الدندراوي
مقتطف من رواية ميسرة الدندراوي: أيام عين شمس
Fiction

مقتطف من رواية محمد عبد النبي: شيء إلهي

9 FEBRUARY 2026 • By محمد عبد النبي
مقتطف من رواية محمد عبد النبي: شيء إلهي
Arabic

مقتطف من رواية محمد يحيى: نذير الطائف

19 JANUARY 2026 • By محمد يحيى
مقتطف من رواية محمد يحيى: نذير الطائف
Arabic

مقتطف من رواية أسامة زيد: مقعد أخير في الحافلة

12 JANUARY 2026 • By أسامة زيد
مقتطف من رواية أسامة زيد: مقعد أخير في الحافلة
Arabic

مقتطف من رواية إنعام كجه جي: صيف سويسري

22 DECEMBER 2025 • By إنعام كجه جي
مقتطف من رواية إنعام كجه جي: صيف سويسري
Uncategorized

مقتطف من رواية مهاب عارف: يوم لا ينتهي

8 DECEMBER 2025 • By مهاب عارف
مقتطف من رواية مهاب عارف: يوم لا ينتهي
Uncategorized

مقتطف من رواية ميرنا المهدي: قنبلة للاستخدام الشخصي

8 DECEMBER 2025 • By ميرنا المهدي
مقتطف من رواية ميرنا المهدي: قنبلة للاستخدام الشخصي
Books

مقتطف من رواية مجدي نصار: روح الله الفضل حبش

1 DECEMBER 2025 • By مجدي نصار
مقتطف من رواية مجدي نصار: روح الله الفضل حبش
Books

مقتطف من رواية عاطف سنارة: البرانسة

1 DECEMBER 2025 • By عاطف سنارة
مقتطف من رواية عاطف سنارة: البرانسة
Uncategorized

مقتطف من رواية مي المغربي: الخروج من غيط العنب

24 NOVEMBER 2025 • By مي المغربي
مقتطف من رواية مي المغربي: الخروج من غيط العنب
Uncategorized

مقتطف من رواية أمين صالح: كائنات المرايا الجميلة

17 NOVEMBER 2025 • By أمين صالح
مقتطف من رواية أمين صالح: كائنات المرايا الجميلة
Arabic

مقتطف من رواية أمل الفاران: بنت عطشى

17 NOVEMBER 2025 • By أمل الفاران
مقتطف من رواية أمل الفاران: بنت عطشى
Arabic

مقتطف من رواية عبد الله ناصر: هذه ليست رصاصة

3 NOVEMBER 2025 • By عبد الله ناصر
مقتطف من رواية عبد الله ناصر: هذه ليست رصاصة
Arabic

مقتطف من رواية ابتسام شوقي: إنهم حقًا رجال شرفاء

29 OCTOBER 2025 • By ابتسام شوقي
مقتطف من رواية ابتسام شوقي: إنهم حقًا رجال شرفاء
Arabic

مقتطف من رواية طلال فيصل: جنون مصري قديم

22 SEPTEMBER 2025 • By طلال فيصل
مقتطف من رواية طلال فيصل: جنون مصري قديم
Arabic

مقتطف من رواية «طرق متنوعة لقتل النمل» لمحمد الفولي

8 SEPTEMBER 2025 • By محمد الفولي
مقتطف من رواية «طرق متنوعة لقتل النمل» لمحمد الفولي
Arabic

مقتطف من رواية “هواء مالح” لهبة خميس

1 SEPTEMBER 2025 • By هبة خميس
مقتطف من رواية “هواء مالح” لهبة خميس
Arabic

مقتطف من رواية «الرحيل إلى الجنة» لمحمد النعاس

1 SEPTEMBER 2025 • By محمد النعاس
مقتطف من رواية «الرحيل إلى الجنة» لمحمد النعاس
Fiction

مقتطف من رواية أحمد عبد اللطيف: أصل الأنواع

18 AUGUST 2025 • By أحمد عبد اللطيف
مقتطف من رواية أحمد عبد اللطيف: أصل الأنواع
Literature

مقتطف من رواية: العام الأخير في عمر القاهرة، لأحمد إبراهيم إسماعيل

11 AUGUST 2025 • By أحمد إبراهيم إسماعيل
مقتطف من رواية: العام الأخير في عمر القاهرة، لأحمد إبراهيم إسماعيل
Arabic

مقتطف من رواية محمد سمير ندا: صلاة القلق

17 MARCH 2025 • By محمد سمير ندا
مقتطف من رواية محمد سمير ندا: صلاة القلق
Arabic

مقتطف من رواية مالك رابح: بيت الولد

10 MARCH 2025 • By مالك رابح
مقتطف من رواية مالك رابح: بيت الولد
Arabic

مقتطف من رواية أحمد القرملاوي: الأحد عشر

24 FEBRUARY 2025 • By أحمد القرملاوي
مقتطف من رواية أحمد القرملاوي: الأحد عشر
Arabic

مقتطف من رواية محمد الفولي: الليلة الكبيرة

24 FEBRUARY 2025 • By محمد الفولي
مقتطف من رواية محمد الفولي: الليلة الكبيرة
Arabic

مقتطف من رواية محمد عبد الجواد: الواقعة الخاصة بأموات أهله

17 FEBRUARY 2025 • By محمد عبد الجواد
مقتطف من رواية محمد عبد الجواد: الواقعة الخاصة بأموات أهله
Arabic

مقتطف من رواية حسن كمال: الرواية المسروقة

3 FEBRUARY 2025 • By حسن كمال
مقتطف من رواية حسن كمال: الرواية المسروقة
Arabic

مقتطف من رواية مصطفى منير الأحدث: الطوباوية

27 JANUARY 2025 • By مصطفى منير
مقتطف من رواية مصطفى منير الأحدث: الطوباوية
Arabic

مقتطف من رواية ليلى المطوع: المنسيون بين ماءين

13 JANUARY 2025 • By ليلى المطوع
مقتطف من رواية ليلى المطوع: المنسيون بين ماءين
Arabic

مقتطف من رواية نورا ناجي: بيت الجاز

30 DECEMBER 2024 • By نورا ناجي
مقتطف من رواية نورا ناجي: بيت الجاز

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

10 + 2 =

Scroll to Top