عن ذكريات المراهقة في حي عين شمس، يكتب ميسره الدندراوي بلغة مرهفة؛ عصير القصب والدراسة الجامعية والحب الأول.
أكادُ من فرطِ الجمالِ أذوبُ
أحد أيام صيف 1996
اليوم، أتمُّ عامي السادس عشر…
نعم، وُلدت في شهور الصيف شديدة الحرارة، والتي على الرغم من أنها كانت ولا تزال وستبقى أيامًا حارة رطبة، حتى وإن اختلفت بتتابع الأيام وبفعل الاحتباس الحراري، فإنها تظل كما هي.. أيامًا حارة.
ولكن قبل أن أتم عامي السادس عشر، ربما تريد أن تعرف القليل عني…
اسمي مازن، مازن محمود عبد الله الراوي، ولدت في إحدى ليالي أغسطس من عام 1980، وُلدت بِكرًا لمدرس في مدرسة الحرية الإعدادية للبنين في حي عين شمس، ومدرسة في نفس المدرسة، وُلدت لرجل وامرأة لا يملكان من الدنيا سوى راتبهما الذي لا يكفي ولا يسد رمقًا، وُلدت في شقة صغيرة في أحد الشوارع الجانبية الواقعة في نطاق عين شمس، ونشأت وكبرت في نفس الحي.
ولأن أبي، مثل الكثيرين من جيله، قرر أن يمنحنا حياة أفضل، فقد صحبنا معه أنا وأخي الأوسط -ونحن بعد نتعلم الكلام والمشي- إلى الخليج، ليمنحنا حياة أفضل تقوم على أموال البترول؛ الأموال التي حاول أن يحصل منها على شيء ما، فعاد بعد خمس سنوات وأمي تحمل على ذراعها أخًا ثالثًا، وانتهى بنا الحال إلى الانتقال من شقة صغيرة في شارع جانبي، إلى شقة أكبر قليلًا في شارع رئيسي، لكننا لم نبتعد يومًا عن عين شمس.
وعندما جاء الوقت، ودقت أشباح الثانوية العامة المخيفة أبواب منزلنا، كنت أنا أول مَن فتح لها الباب، وفي ذلك اليوم من صيف عام 1996، كنت أحاول أن أتعايش مع هذه الأشباح، وأن أصادقها، وأن أحصل منها على ما يكفي لكي أكون مهندسًا.
كنا في أيام أصبح تحصيل درجات الثانوية العامة فيها شبيهًا باللاعب الذي يركض خلف قطع الذهب في لعبة فتى أنفاق المترو الشهيرة، حتى يحصل على أكبر قدر منها، قبل أن يمسك به الشرطي الشرس؛ أيام التحسين، والـ101%، وكليات القمة التي أصبحت كأميرات القصص، يتطلب الوصول إليها التضحية بكل ما هو غالٍ ونفيس!
صيف بلا مصيف، صيف مليء بالاكتئاب والرطوبة وقلة التسلية، وآلام الرقبة والظهر.
وأنا في وسط كل هذا، مراهق في السادسة عشرة، يمشي على غير هدى في شوارع عين شمس، يتشمم الهواء الصيفي الشحيح، ويجاهد كي يُبقي على قواه العقلية في قلب هذا الجنون، ويتشبث بخيوط واهية من محاولات التسلية.
ربما حملته قدماه إلى مكتبة الوفاق، إلى صاحبها ومديرها -كما كان يطلق على نفسه- الأستاذ علي المليجي، فيستعير كتابًا صغيرًا من سلاسل الجيب، ليدسه بين دفتَي الكتاب الدراسي، وهو يدَّعي أنه غارق لأذنيه في الاستذكار، بينما هو غارق لأذنيه في عوالم الخيال، ينتظر ماذا سيفعله أدهم صبري، أو اللغز الذي سيحله نور الدين محمود وفريقه، أو آخِر ما سيواجهه رفعت إسماعيل من أشباح ومسوخ…
أو ربما قادته قدماه إلى ملعب مؤسسة الرعاية الاجتماعية الترابي، مرتديًا حذاءً رياضيًّا تمزَّقت نعلاه، وبنطا الًا رياضيًًّا اشتراه منذ عامين من «التوحيد والنور»، ليمارس الرياضة التي مارسها كل أبناء جيله؛ كرة القدم فوق ملعب ترابي.
وربما بعدها، قادته قدماه المتسختان من أثر تراب الملعب -وقد أحال حذاءَه الماءُ المتساقط من مبرد المياه القريب من مسجد الحق إلى حذاء طيني- ووجهه المغسول بغير عناية من نفس المبرد، وذراعاه اللتان تجلط الدم عليهما فوق كوعيه من آثار الصدمات والسقوط؛ ربما قاده كل هذا إلى ناصية تقاطع صعب صالح مع إبراهيم عبد الرازق، عند تلك النقطة السحرية التي تحتلها بناية شاهقة ذات طوابق عشرة، قلما وُجد مثلها في حيِّنا العامر، ويحتل طابقها الأرضي ذلك المكان الساحر.. إنه محل عصير ملك الفراولة.
ورغم الاسم الذي يبدو مُعبرًا للوهلة الأولى، فإنه سرعان ما يكتشف مازن الراوي ابن السادسة عشرة أنه ليس ملكًا للفراولة..
إنه ملك لذلك السحر المقطر، المستخرج من عود صلب شبيه بالأخشاب، مصبوبًا فوق قطع ثلج غير منتظمة حتى تبقيه باردًا، ثم يُقدََّم لك في كوب زجاجي شفاف ناصع.
إنه السحر مجسمًا، شراب الجنة كمان كان يسميه الشيخ مصطفى. كانت قدماي تقودانني إلى هناك، فأُخرِج ورقة الربع جنيه الزرقاء من جيب البنطال، وأضعها أمام المعلم حربي، صموت اللسان حاد الملامح مفتول الشارب، فيلقي إليَّ بقطعة بلاستيكية زرقاء يسمونها «المارك» لأحملها بين أصابعي وكأنها جنيه ذهبي، ثم أتقدم بخطوات سريعة نحو المنصة المعدنية التي ابتلت بماء يخرج من فتحات صغيرة ليبقيها نظيفة دومًا، وأضع القطعة البلاستيكية فوقها، فيرفع عوض عودين من القصب نحو الوحش المعدني النائم، ثم يعطيه إشارة البدء، فيبدأ في مضغ القصب بلا رحمة، وينساب شراب الجنة بلونه الأخضر الفاتح المختلط برغوة بيضاء، وبعد لحظات، ينزلق الكوب الزجاجي الشبيه بأكواب البيرة البريطانية.
وعندما يلامس هذا الرحيق شفتيك، وينساب إلى حلقك ومعدتك، ساعتها فقط ستشعر بأنك تُبعث من جديد.. كأن روحك رُدَّت إلى جسدك المرهق المتعب.. كأنك لم تكن يومًا عطشان أو مرهقًا أو محبطًا. وعندما تنتهي تلك اللذة، تسمع صوت الشيخ ياسين التهامي وهو يشدو من جهاز كاسيت ناشونال قديم مربوط بحبال غسيل من الخيش:
«أكادُ من فرطِ الجمال أذوبُ».
فتهتز روحك مع صوت الإيقاع، مختلطةً بلذة ذلك الرحيق الأخضر، وأنت تلعق الرغوة من فوق شفتيك وعيناك المراهقتان المتلصصتان تراقبان الشارع أمامك.
تراقبان ذلك الشاب متضخم العضلات، الذي خرج لتوه من إحدى صالات الجيم التي كانت تُسمى وقتها صالات الحديد، والتي بدأت تغزو حيَّنا المزدحم. تراقبانه وهو يجرع الكوب واحدًا تلو الآخر، ليمنح روحه طاقة جديدة. تراقبان تلك الفتاة المليحة ذات الوجه المستدير والعينين الساحرتين، وهي تشرب من الكوب الذي منحتها إياه يدٌ عملاقة لشاب أسمر أجعد الشعر، ثم تراقبان كف يده وهي تتلصص نحو كفها الحرة، فتقبض عليها لتبث فيها أو تلتمس منها حرارة الحب الوليد، بينما صبيان أبيه يحملون أقفاص المانجو نحو المخزن الكائن بجوار ملك الفراولة، ليحولها إلى عصير مانجو لا تقل حلاوته عن حلاوة تلك الفتاة.
تراقبان ذلك الشاب الذي يرتدي النظارة الملحومة من نقطة التقاء العدسات، والذي يحمل في يده كتابًا من تلك الكتب التي اصفرت أوراقها وتجعَّد غلافها، وهو يجرع الكوب الكبير في جرعة واحدة، وتفاحة آدم تتراقص صاعدة هابطة، بينما نُقش صليب أزرق فوق باطن ساعده الأيمن.
تراقبان ذلك الرجل.. كث الشارب، متسخ الثياب، الذي تمتلئ يده بخواتم فضية تحمل أحجارًا ملونة، وبجواره ولده الذي يشكل نسخة مصغرة منه، والذي بدأ شاربه ينمو كما شارب والده.
تراقبان الرجل الذي يرتدي حُلة من زمن قديم، استحال لونها الأسود إلى ما يقرب اللون الرمادي، ونظارته المستديرة المنزلقة دائمًا فوق أنفه، وبجواره زوجته التي لطخت وجهها بالأصباغ الرخيصة، والخيوط الملونة تخرج في مشهد غير منتظم من طرف تايُّورها البني، كاشفةً عن قلة ذوق وقلة مال.
عيناي تراقبان كل هذا، وأنا أجرع الرشفة تلو الأخرى من الكأس التي تحمل شراب الجنة.
عيناي تراقبان ولا تعرفان أنهما سوف تراقبان كل شيء حدث وسيحدث في هذا الحي…
وأنا أكادُ من فرطِ الجمال.. أذوبُ.

خمسة أسباب تُبقيك سعيدًا
13 نوفمبر 1999
«خمسة أسباب تُبقيك سعيدًا».
هذا هو عنوان ذلك الكتاب، الذي يقرؤه ذلك الفتى حليق الرأس داخل عربة قطار المترو المتجه بقوة إلى حلوان.
لماذا أذهب إلى حلوان؟ الكثيرون يذهبون إلى حلوان في الواقع.. بالتحديد بعد أن أصبح الثعبان الأزرق طليقًا فوق قضبانه المعدنية.
أعتقد أن السؤال يجب أن يكون: لماذا أذهب أنا تحديدًا إلى حلوان، خاصةً إذا كنت من سكان عين شمس؟! حسنًا، إن لهذا قصة طويلة، ملخصها أني طالب في كلية الهندسة بالمطرية التي تتبع جامعة حلوان، رغم أن موقعها ومبانيها في عين شمس، فإنها تُدعى كلية الهندسة بالمطرية، لماذا تُسمى بذلك؟ حسنًا، لهذا قصة طويلة أخرى، لكنها ليست موضوعنا الآن.
أنا ذاهب إلى الجامعة في صباح السبت الثالث عشر من نوفمبر عام 1999.. حينما كانت كل المصالح تعمل في أيام السبت، وحينما كان نوفمبر في تلك الأيام السعيدة شهرًا من شهور الشتاء.. أرتدي فيه ذلك البلوفر الشبيه بكيس الخيش، وبنطال الجينز ذا الرجلين الواسعتين، حليق الوجه عدا تلك اللحية القصيرة أسفل الفم التي كنا نسميها «سكسوكة»، ورائحة عطر التركيب الذي اشتريته من عطور «السلطان» تعبق عربة المترو بالكامل.
بالطبع، تجد داخل عربة المترو كل ما يمكن أن يثير خيال أي روائي.
كيف يثير خياله ما أراه الآن؟!
ربما يثير خياله ذلك الملتحي الذي يقرأ كتابًا عن أسباب السعادة، والذي دائمًا ما يُباع في المترو، وتكون وهبة الكتاب -وهي كلمة مقنَّعة لسعر الكتاب- خمسة جنيهات.
ربما يثير خياله ذلك الموظف المقهور دومًا منذ أن خلق الله الأرض ومَن عليها -الذي يتحدث إلى نفسه المقهورة أيضًا منذ أن خلق الله الأرض ومَن عليها- ويحاول أن يفسر لنفسه كيف أن كل ما تبقَّى من مرتبه يوم التاسع من الشهر عشرون جنيهًا فقط لا غير! وكيف سيطعم أبناءه الأربعة، ويشتري لهم كراسات المدرسة وخبز الفينو والجبن الأبيض، ويصلح رتق المريول الخاكيَّة البالية ونعل الحذاء القماشي المتآكل؟!
ربما يثير خياله تلك الفتاة الرقيعة التي لا تكف عن مضغ اللادن والضحك بلا سبب، وتحريك رموشها التي رسمتها فرشاة ملمع رموش رخيص، وادعاء الأنوثة المفرطة بحمالة الصدر المحشوة الرخيصة، وكأنها هند رستم في أوانها!
وربما يثير خياله تلك المجموعة المتباينة من الموظفين الذين يقرؤون جريدة المساء في شغف وكأن العالم سينتهي بعد لحظات نعم، جريدة المساء، فلا خطأ هنا في التوقيت ولا شبهة لأي افتعال.
إن كنت من رواد المترو المستديمين ستعرف أن العدد الأسبوعي الضخم من هذا الكوكتيل الصحفي الرخيص، المطبوع على ورق يصلح لصنع قراطيس الفلافل والترمس، يصدر في السابعة من صباح يوم السبت، وعندما يحل المساء التوقيتي -الذي يبدأ في الثانية عشرة ظهرًا منعًا للحذلقة- يكون قد نفدت منه كل نسخة!
جريدة المساء قبل المساء…
أبتسم لهذا الخاطر، بل وتتسع ابتسامتي عندما أشاهد ذلك الموظف وهو يخرج قلمه الجاف من جيب بذلته المهترئة، ويثني الجريدة على نفسها ثلاث مرات.. ثم يبدأ في الحل فورًا.
3 رأسي، نهاية مسيرة احترافية..
الاعتزال..
كما ينادي ذلك البائع الذي يمر محاو الًا لفت نظر ذلك الموظف، أو نظر تلك السيدة، مخبرًا إياهم أن بضاعته الثمينة لن يوجد مثلها في أسواق العالم، وأنه يحطم الأسعار لأنها الصفقة الأخيرة.
قبل الاعتزال..
4 أفقي، عكس عبوس..
يرسم الموظف على وجهه ابتسامة باهتة، ثم يخط الكلمة فوق المربعات.
أتنقل ببصري بين عنوان ذلك الكتاب -الموهوب بخمسة جنيهات- وبين وجه الفتاة المحملق فيَّ كهدف محتمل. الثعبان الأزرق السريع يزحف ذاهبًا إلى أقصى جنوب القاهرة، وأنا ذاهب إلى الجامعة للاشتراك في ذلك المعسكر ذي الخمسين جنيهًا، والذي سيتجه إلى جنوب سيناء في إجازة نصف العام كالعادة.
لكن منذ متى كان السبب فقط يتعلق بالمعسكرات؟ المرء يحب دائمًا أن يزور جامعته الأم، حتى ولو كانت كليته تبعد عنها بما يزيد على ثلاثين كيلومترًا.
8 أفقي، مكان يذهب إليه الطلاب.. مبعثرة..
تضحك الفتاة ضحكة خبيثة وهي تغمز بعينيها، فيظهر جفنها المغطى بطلاء الجفون الأسود السميك.. فأضحك من داخلي بخبثٍ أكبر.
ساعة ونصف في عربة مترو، وزجاجة عطر كاملة، وبلوفر جديد، وحذاء لُمِّع بورنيش مستورد من أحد صبيان المعلم ملاك.
الحب قد يفعل المعجزات كما يقول أخونا، لا أذكر اسمه في الواقع، فقط أذكر أنه قال ذلك يومًا، لا بد أنه كان في طريقه على عربةٍ ما يعبر جب الًا نحو حبيبته.
في تلك الأيام السعيدة لم يكن هناك وجود للهواتف المحمولة إلا في أيدي الصفوة، قبل أن يحمل خليفة بواب عمارتنا محمولًا في أواخر عام ألفين وسبعة، لذا كان ترتيب الميعاد يتم قبلها بأسبوع على الأقل!
ولا بد أن أتصل بمنال لأنها حلقة الوصل بيننا، وأنتظر أن ترد بعد أن تكون قد اتصلت بسارة وأخذت كل الاستحكامات الممكنة.
يا لها من أيام جميلة متعبة!
نعم هي سارة..
سارة تسكن في أطراف مدينة نصر، وأنا أسكن في تقسيم مكة الكائن في الطرف الشرقي من عين شمس.
لماذا نتقابل في حلوان؟
لأنها طالبة في كلية العلوم التي تقع مبانيها في الجامعة بحلوان. أهبط في محطة عين حلوان، وأترجل حتى أعثر على ذلك الأوتوبيس ذي القروش العشرة، في ذلك الوقت أيضًا لم تكن هنالك محطة لجامعة حلوان، بعدها أصبح مدخل الجامعة سوقًا لبيع كل ما يُتقن الباعة الجائلون تسويقه، من أقلام الرصاص حتى الملابس الداخلية!
أخطو إلى الجامعة مارًّا بالبوابة العملاقة التي تحمل شعار الجامعة الشهير، وأمشي طريقًا طويلًا يربو على الكيلومتر، حتى أصل إلى المبنى الإداري العملاق، أصعد الدرج لأن المصعد مُعطَّل، أجلس في مكتب شؤون المعسكرات في رعاية الشباب، فقط ليخبرني الموظف وهو يبتسم في سماجة بأن الأماكن انتهت، مع أن الإعلان عُلق عندنا في الكلية منذ يومين، وباب الحجز فُتح صباح اليوم فقط، لا بد أن الجميع قد استيقظ باكرًا جدًّا وأنهى إجراءات الحجز قبل الثامنة صباحًا، لكن الرجل أخبرني بأنني لا بد وأني أعرف أن هذا المعسكر دائمًا محجوز لـ…
حسنًا، لهذا قصة طويلة سوف أحكيها يومًا ما.
أهبط من الدرج، وأمشي بين الأرصفة وقد اختفت رائحة العطر، وتكرمش الجينز المكوي، واتسخ الحذاء البني اللامع.
أجر قدميَّ ماشيًا نحو الكافتيريا، لأقابل سارة…
مَن هي سارة؟!
هي ببساطة.. سارة.
هي تلك الحنون الباسلة، التي تؤمن بذلك الفتى أسمر البشرة طويل القامة، الذي لا يجيد في حياته سوى حكِّ أظفاره في خشب المدرج أثناء محاضرة ميكانيكا الموائع، ورسم وجهها بالقلم الرصاص الخشن فوق دفتر المحاضرات ذي الغلاف الأسود، وهو جالس كالحمار يحمل أسفارًا في محاضرات الديناميكا الحرارية!
مَن هي سارة؟!
هي البدر في يوم تمامه، لو كان البدر يمشي على قدمين، ويرتدي حذاءً رياضيًّا أنيقًا وسروال الجينز الداكن.
تطل عليَّ بابتسامتها الحنون، النابعة من ذلك الوجه الذي يحيطه شعر أسود ناعم منسدل حتى خصرها، فلا ترى خصلة قد انبعجت أو رفضت الانصياع، تهتز الدنيا لاهتزازها في مشيتها الرقيقة الجريئة، كيف تُصبح المشية رقيقة وجريئة معًا؟ اسألوا سارة، فأنا لا أعرف!
تمد يدها ذات الأصابع الرفيعة الرقيقة لتصافحني حتى تكاد تحتضن يدي في شوق.
– وحشتني.
تكلمَت فصمتت البلابل، وامتنع الكروان عن الغناء، تكلمت فأصيب الحمام بعتهٍ، ودار حولها ملتمسًا قلي الًا من بهجتها.
– مش قد ما إنتِ وحشاني.
تتورد وجنتاها خجلًا، وتطل بلمعان عينيها نحوي فيبقى فمي نصف مفتوح، عاجزًا عن إخراج كلمات أو أحرف أو أنفاس، تضحك فأُصاب بجنون يضرب كل مراكز مقاومتي، فأسقط صريعًا لسحرها، تقترب مني ونمشي متقاربين في شمس نوفمبر الممتعة، عيناها تلتمعان ثانيةً فتذهبان بعقلي، تسألني عن أخباري وأفكاري وإحباطاتي، هي تعرف كم أُحبَط سريعًا، فأنا أُحبَط تقريبًا بمعدل مرتين كل يوم، أنا بطل العالم في الإحباط!
ضحكَت للفكرة حتى ظهر صف جواهرها مرسومًا بيد خالق لا يغفل ولا ينام، فأُردد في سري شكري للخالق على نعمه وأُثني على بديع خلقه.
تجرني دائمًا إلى الحديث عن تلك الأفكار التي أعتنقها مؤمنًا بها، تحب أفكاري وتحب أن تقترب منها، فهي قالت لي يومًا، ووجنتاها متوردتان كألف ألف زهرة، إنها تحب أن تشرب مني الأفكار.
أُحدِّثها عن أشعار أمل دنقل، عن أفكار جيفارا، عن كلمات صلاح عبد الصبور، عن كاميرا تارانتينو، عن ميارامار وعن الحرافيش، عن أخناتون والمبجلين وقصص سنوحي، عن السيرة الهلالية وكيف تاه يونس في عينَي عزيزة…
هي كما قلت لك، فتاة باسلة حنون، تستمتع كثيرًا بقصصي عن أخناتون، وسماعي وأنا أُلقي الشعر العامي على أذنيها، تضغط يدي حينما تشطح كلماتي علنًا عمن يحكموننا، وعن كيف يحكموننا، تضحك خجلًا من وصفي لذلك الكاتب المتحذلق بالأفَّاق.. بأنه مجرد قوَّاد يكسب رزقه من…
حسنًا، لهذا قصة طويلة لن أحكيها أبدًا.
لكنها في هذا اليوم، لم تتكلم.
لم تنهرني مطالبةً إياي أن أحبس لساني قليلًا.
لم تطلب مني أن أتوقف عن الكلام في السياسة ونحن في قلب الجامعة.
لم تفعل شيئًا سوى أن تنظر إليَّ.
عيناها تخترقان حواجزي، وتقفزان فوق أسواري.
عيناها تعلنان السيطرة.
ففي ذلك اليوم، نظرت في عينيَّ وقالت في خجل:
– مازن، ممكن أقولك على حاجة؟
أحاول أن أجيبها، لكن الكلمات تختنق في حلقي.
كل ما يصدر مني هو همهمة، أو أنفاس متلاحقة تشكلت على هيئة همهمة، بينما تخرج الأنفاس الشبيهة بنفحات المسك قائلةً:
– أنا بحبك يا مازن.
«خمسة أسباب تُبقيك سعيدًا».
عيناها، ضحكتها، لمسة يديها، كلماتها، وكلمة «بحبك» عندما تخرج من شفتيها.
