يفقد الأب حيوانه الأليف القريب، فنتعرف على مدى ذلك القرب الذي يتجاوز المعتاد، قصة قصيرة رائعة لأحمد فؤاد الدين.

من زاوية مفتوحة في الباب الخشبي لحجرة أبينا شاهدناه يبكي، مات كلبه الوحيد اليوم، بقي طيلة النهار تقريبًا يداعب الكلب الذي توقف عن الأكل منذ أيام. حاول أبانا إجباره على الأكل، لم يقاوم الكلب لكنه لم يأكل، استسلم في الساعات الأولى من نهار اليوم، وجلس في بقعة الكلب المفضلة تحت شجرة جميز خارج البيت، يمسد على ظهره، ويغني له أغاني الأطفال، ثم نادى، بصوتٍ غليظ خالٍ من المشاعر، أصغرنا أن يجمع متعلقات الكلب فورًا.
مات الكلب، جلس أبونا على الحصيرة ضامًّا وجهه بيديه باكيًا من دون توقف.
منذ سنوات مات آخر إخوتنا – مات ثلاثة، وبقينا ثلاثة – كان رضيعًا احتضنته أمنا وبكت، ودخل أبونا الغرفة فسحب الرضيع من يدها، وخرج من المنزل حتى وصل إلى الجبانة، وأكبرنا معلقًا في يده، جره ومشى مسرعًا، جاهدًا حاول إبقاء قدميه على الأرض، أو حتى قدمٍ واحدة، في بعض الأحيان لم يفلح، وطارت قدماه في الهواء، وصلا المقبرة، فتحها أبونا، وقد جهزها بالكتان والفخار وبعض الحبوب، لفَّ أخانا الرضيع، وفتح تابوتًا صغيرًا، ووضعه فيه، ورحلا.
نادت أمنا أحدنا فانتبه أبونا، ونظر من زاوية الباب فرآنا، هربنا سريعًا من الممر خارجين نحو ساحة البيت، سمعنا صوته ينادي أن يجلب أحدنا ماعزًا من الحظيرة، خرج أبونا وفي يده جوال من القماش وضع فيه أواني فخارية على ما يبدو، تركها خارج المنزل، ثم عاد يجمع سكينًا وحبلًا وإناءً صغيرًا فارغًا.
لم تصرخ الماعز، كانت وديعة للغاية، لديها أذن باللون الأسود، ومعظم شعر جسدها بالأبيض، كنا نلعب معها كل يوم، تركض خلفنا، خاصة أخانا الصغير، نركض أمامها موزعين البذور والورق لتأكل، ومهما ركضت لم تتعب قطُّ، كانت عيناها جميلتين، وتسلُّقها للأشجار مذهلًا، طالما أغاظت كلب أبينا بقدراتها ورشاقتها، مربوطة الآن في وتدٍ مزروع في الأرض، بضربة واحدة نحرها أبونا، تلوَّن جسدها بالأحمر، لم نسمع صوتها، أو ربما حاولنا ألا نسمع.
انتظر أبونا قليلًا بعد أن ذبح الماعز ليسلخها ويقطعها لأربع، ثم أمرنا أن نجلب الذبيحة معه، ثم نادى أوسطنا فارتعدنا، أمره أن يحمل الكلب الميت، يضعه فوق رأسه، ويحرص عليه، ونتبعه جميعًا حتى الجبانة.
طريق طويل سنمشيه، أبونا في المقدمة يحمل الأواني الفخارية، وكيسًا آخر لا أعلم ما فيه، والأكبر خلفه يحمل الذبيحة، والأوسط يحمل الكلب، والصغير يمشي ممتعضًا، لم يتوقف أبونا عن النظر ناحية الكلب، يرمقنا جميعًا بنظراتٍ غاضبة، ثم يعنِّف أوسطنا إذا مال جسد الكلب قليلًا.
تلسعنا حرارة الشمس، الشعر القصير للكلب يثير عنق أوسطنا، نرى رجلَيه الأماميتين يكسوهما اللعاب فيكاد الكلب يسقط منه، يضحك أصغرنا، وينكز أوسطنا حتى يسقط الكلب من على ظهره، فيحاول حامل الكلب أن يستعيد توازنه. كنا نضحك ضحكات مكتومة، حتى سقط الكلب على الأرض، فاندفع أبونا نحونا، ودفع أوسطنا ثم أكبرنا، لكن أصغرنا تراجع إلى الخلف خائفًا؛ فلم يقترب منه.
ملأ التراب فمنا عدا صغيرنا الذي أنقذه تراجعه، للحظات فقط، فقد رماه أبونا بعرقٍ من الخشب وجده على الأرض، فصرخ الصغير وبكى، ومرمغ جسده في التراب، دهست قدم أبينا أوسطنا لا عن عمدٍ، بل عن سرعة، حين التقط الكلب من على الأرض واحتضنه وأمرنا أن نتحرك سريعًا، حمل الماعز والأواني والسكين وسرنا خلفه، ينظر بعضنا إلى بعض من دون أن نتكلم.
تدلَّى خطم الكلب من خلف ظهر أبينا فتذكرنا أنه شاركنا أمنا، شارك صغيرنا بالتحديد، بينما هو رضيع لم تفرِّق أمنا بينهما قطُّ، أرضعت أخانا الصغير، وأرضعت الكلب كذلك، تلك عادة ورثتها من عائلتها، وتعجب أبونا فور أن رأى ذلك، كان عائدًا بعد العصر من عمله عندما دخل وضحك وسأل أمنا أيهما ابنه، نتساءل الآن إذا كان قادرًا على التفرقة بين الكلب وبين أبنائه، أو هل وصل أحد منا أبدًا إلى مكانه الكلب في عيونه؟
عندما رأى الصغير الكلب يشاركه في ثدي أمنا بدأ يضربه، في المرة الأولى عرفنا من عويل الكلب الصغير المنبوح، وعندما دخلنا الغرفة لم نجد إلا الصغير والكلب، نظرنا إليه بتعجبٍ فبدأ في البكاء، دخلت أمنا واحتضنته، وظلت عينا الصغير معلقتين بعينَي الكلب، متحديًا أو غاضبًا، لم يكن قادرًا على التعبير بشكل كافٍ في ذلك العمر، لكن سريعًا سيضرب الكلب وهو أكبر.
تركت أمنا البيت ذات نهار بينما أبونا في عمله، دخل علينا أصغرنا بالكلب مربوطًا من ساقيه الأماميتين، لم يأبه لوجودنا، بدأ بضرب الكلب بالعصا، وسط عويل مبحوح يماثل تمامًا صوته عندما كان كلبًا رضيعًا صغيرًا للغاية، وعندما اقتربنا منه أعطانا العصا، وخرج يقف على باب الغرفة ليتأكد أن لا أحد قادم، لم نشعر إلا بأيدينا وهي ترتفع وتنال من الكلب الذي تغيرت ملامحه، ربما اعتاد ضرب أصغرنا، لكنه لم يتوقع أن نضربه نحن أيضًا.
تشاركنا في ضرب الكلب من وقت لآخر، كنا نشعر أنه أفضل مكانة عند أبينا منا، كان مجرد كلب مطيع، كنا ثلاثة أولاد أشقياء، حتى ولو تبدَّلت طباعنا، وتمايزت مع الوقت، كنا أقل اكتراثًا بطاعته من الكلب، جرَّب كلٌّ منا طريقته للتودد لأبينا، حاولنا مرات طاعته بشكل كامل، لم تفلح محاولاتنا لأننا لا نجيد كل شيء، جرَّبنا التمرد المنفرد، والتمرد الجماعي، لم يفلح أيضًا، كان العقاب جماعيًّا في كل الأحوال، حاولنا كثيرًا استغلال أمنا، لكن الأمر لم يفلح أيضًا، فلم تكن لأمنا مكانة كبيرة في قلبه.
كان يضربها أحيانًا، بل كثيرًا، لكن نادرًا ما شاهدنا الثلاثة الضرب، كل منا يرى ويسمع ويحكي للآخر، إلا مرة واحدة، كنا جميعًا في البيت، وبدأ الضرب في غرفة نومهما، ثم خرجت تركض نحو ساحة البيت، فضربها، وكنا هناك الثلاثة نسرق بعض الحلوى التي خزنتها أمنا ووصلنا إليها، سقطت أمنا على الأرض، ركلها بقدمه، اندفع أصغرنا نحو أمنا ليطمئن عليها، دفعه أبونا، فاقترب أوسطنا منه، لكن أكبرنا جذبه من يده، هاج أبونا عندما رأى محاولتنا التهجم عليه، لم نكن نفعل ذلك، ربما فكرنا لكن لم نحاول، في كل الأحوال أخرج أبونا عصاه الطويلة، وبدأ يضربنا جميعًا، ويذكِّر أمنا أنها من أنجبت هؤلاء الحمقى عديمي الفائدة ناكري الجميل وعاقري الأب.
لم نكرر الوقوف في وجهه قطُّ عندما يغضب، تجنَّبناه في كل موقف، لم يتوقف عن ضربنا فرادى وجماعة، لسببٍ أو من دون سبب، لكننا كنا نجتمع معًا بعد الضرب، ونضحك على جروحنا وندباتنا ونستهزئ بضعفنا، ونختار أجبننا في كل موقف، قرَّبنا أبونا بعضنا من بعض، صرنا لا نتحرك إلا معًا، نعرف أسرارنا، صرنا واحدًا في ثلاثة أجساد، نحلم معًا، نصحو في الوقت نفسه، نتشارك طعامنا وحلوياتنا المسروقة، تعلمنا أن نعمل معًا، ندفع الباب الكبير لغرفة الحيوانات معًا كأننا رجل واحد بست أذرع، تماهينا في ذلك، وصار صوتنا واحدًا.
وصلنا الجبانة المخصصة للحيوانات، جهز أبونا واحدة للكلب، لم تكن كمثل جبانات البشر، بل كانت أبسط ومن دون نقوش تقريبًا، إلا من شاهد على القبر. رفع الحجر الكبير الذي يسد المدخل، بعد أن أزاح التراب من عليه، ووضع عصا خشبية غليظة لتظل المقبرة مفتوحة، كانت رائحتها عفنة ومزعجة، لكنَّ أبانا لم يأبه قطُّ للرائحة، انحنى بجسده، ودخل من الفتحة من دون أن تخطئ قدماه العصا الخشبية، تناول الكيس الصغير الذي جلبه، وأخرج منه المبخرة والمواد الصلبة، أشعل أبونا المبخرة، وأدخلها في القبر الصغير، كانت رائحتها زكية، استنشقناها بكل ما في صدورنا لنخفي رائحة القبر والذبيحة والكلب الميت.
رائحة كنسمة بين الأشجار، رائحة خشبية جميلة تداعبها من بعيد رائحة الياسمين والجوز، تختلط بها رائحة العفن في القبر فتثير الاضطراب.
كان الكلب في الخارج وحده، لا نعرف حقيقة من بدأ، بدأت بركلة صغيرة على جسده الملقى على الأرض، ثم تناوبنا الضرب، ركلات صغيرة في جسده، دسنا على قدميه الأماميتين فسقط أصغرنا على الأرض، بدأنا نضربه ونسخر منه، سقطنا جميعًا على الأرض، ومن تلك الزاوية التي شاهدنا منها السماء الصافية ظهر وجه أبينا غاضبًا، صرخ فينا وركلنا، حاولنا الابتعاد عنه لكن اختل توازن أكبرنا فوقع على الكلب، اتسخت ملابسه، رأينا الدماء عليها وسوائل لزجة أخرى لونها التراب، نظر أبونا إلى الكلب فعرف ما فعلنا، أو ربما لم يعرف، دفع أكبرنا على الأرض، حمل الكلب سريعًا ومسح جراحه، حمله نحو المقبرة الصغيرة، وفي هدوء دخل من الفتحة من دون أن يلمس العصا الخشبية الغليظة، كانت لحظات سريعة، مد أوسطنا يده إلى كبيرنا ليقوم، وفي يده الأخرى أصغرنا، تشابكت أيدينا، نفضنا التراب من على أجسادنا، نظرنا في عيوننا، نزعنا العصا الخشبية، وحملنا الذبيحة لأمنا لتطبخها لنا.
