كيف انتقلت المشاعر من الإعجاب إلى الفتور ثم النفور، وكيف انتهى كل شيء، قصة قصيرة جديدة لهبة خميس، تتأمل فيها العلاقات بين الناس في المدن الغريبة.
تأملت قدمي على ساقيه العاريتين بهدوء، ظل يبرر الكثير من الأشياء التي لم أنتبه إليها قط. ثبتت عينيَّ على ساقه النحيلة بشعرها الكثيف. فركت كعبي على ساقه الأخرى، لم يغير من وضعها. كل ما أردته في تلك اللحظة اسكاته. مددت يديَّ لأداعب كتفيه العاريتين. فترت رغبتي تمامًا لكنني لم أعلم ما الطريقة المثلى لإسكاته الآن. ظل يدافع عن نفسه مثل رجل يخفي عرجًا، تخيلت ساقيه الآن عرجاوين. جسده الصغير ظل يتضاءل أمام عيني، تركت كتفيه المنكمشتين وقبلت عنقه بصمت قبلة خفيفة، فصمت أخيرًا.
وحشتني.
ظل يرمقني غير مصدق أنني أنهي النقاش تمامًا الآن. يدرك أن تلك خدعة مني، ظل متحجرًا منتظرًا رد فعل آخر. مثل عاهرة اعتادت حفظ فمها لحبيبها، خشي تقبيلي.
اقترب ثانية وسحبني بين ذراعيه ثم قبل رقبتي وأذني وكل جزء مني إلا فمي. هل يخشي المرض لتلك الدرجة؟
قبل أن يأتي أخبرته أنني أعاني من الزكام كما يظهر على صوتي، سألني إذا كان يجب عليه تأجيل زيارته، وبعدها قرر المجيء، كنت أعلم خوفه الشديد من المرض لكنني طمأنته قبلها.
– نزلة برد خفيفة.
كنت أختبر أول شتاء لي في تلك المدينة الباردة، أكره البرد منذ سنوات وأتجنبه، لكن منذ وطأت قدمي مطار تلك المدينة صار البرد رفيقًا لي. تاه صوتي بين نزلات البرد المتكررة والزكام حتى تغير وأصبحت به بحة جعلته مثيرًا. أخبرني صديق في الليلة السابقة بأن صوتي أضحى كذلك، كأن البرد يحول الدفء في صوتي لشيء آخر.
في المرة الأخيرة التي التقينا فيها التهم شفتيَّ على باب المنزل من شدة تعجله واشتياقه مثلما أخبرني بعدها، كانت علاقة غير مخطط لها منذ البداية. التقينا في كافيه ممل على الميدان المصمت بجوار الجاليري، ومنذ اللحظة الأولى تابعت لمعة عينيه وأنا أحكي بشغف عن الأشياء التي أحبها في الحياة. ظلت عيناه مثبتتان عليَّ من دون أن ترمشان، منذ اللحظة الأولى أدركت فارق السن بيننا، بدا أشبه بصبي بشعر كثيف ولحية خفيفة، لكنه جاهد لإثبات عكس ذلك.
تحركنا من الكافيه للجاليري الواسع الذي دخلته للمرة الأولى، توقفت أمام لوحة كلاسيكية وقعدت على المقعد المواجه لها فقعد بجانبي. كانت اللوحة لأميرة من العصر الفكتوري برداء قرمزي، يغلب عليها الوله بشخص ما لم يظهر في اللوحة. تأملتها وحكيت له عن وجهة نظري في الحب، فاقترب مني ولمس يداي بخفة ثم سألني لم هما بتلك النعومة، لم أرد وأكملت حديثي عن الحب.
أكملنا اليوم مثلما يحدث في الأفلام، مشيٌ بلا نهاية وحكيٌ لا يتوقف. في الليلة التي سبقت لقائنا الأول على تطبيق للمواعدة، أخبرني أنه سيأتي في الغد. لم أصدقه وحذرته من نفشة شعري الغريبة بسبب الرطوبة العالية، لكنه لم يهتم. وحينما رآني للمرة الأولى علق على شعري ومد يده ليلمس خصلاته الكيرلي.

اقترب بجسده مني وظل على موقفه، جسدانا العاريان ملتصقين، أحك قدمي بشعر ساقيه، يمتص فراشي عرق جسدينا بينما يضغطني للأسفل. أود الانتهاء فأفتعل النشوة كما اعتدت. سألني بعدما انتهينا إن كنت سعيدة أم لا فكذبت. انتهينا على عجالة، ثم هاجمنا الجوع فقررنا تناول الطعام في مطعم مجاور، تمتلك المطعم عائلة صينية تشتهر بأطباق الأودون والحساء. تناولنا طعامنا في صمت. على سطح الحساء تسبح قطعة من كعك السمك البيضاء، أتأملها وأعود لتأمله وهو منهمك في تناول طعامه بنهم. أمتص تلك الملامح جيدًا وصوته الهاديء، بدا مطمئنًا مثل طفل، شعرت بالذنب تجاهه فجأة.
تذكرت جولاتنا بجوار النهر، مناقشاتنا ووعوده القاطعة لي، انتقد كل قصصي السابقة ووعدني بقصة جديدة معه، لكنني الآن أمتص الخيبة نفسها معه مجددًا. أتذكر كل الرجال الذين غادروني، وذلك الذي بقي أمامي الآن. يباغتني الحزن مجددًا.
أبتلعُ الحساء بصعوبة وأترك قطعة كعك السمك البيضاء، أتابعه وهو ينهي عمله عبر الهاتف. بدا غاضبًا فجأة، عاد ليشكو من عمله وصعوبات حياته وهو يكمل طعامه. أتذكر طلبي منه في السابق بعتقه من كل ذلك، أردت تحريره وفك أسره، سألته عن خطته فذكرني بوعده لي. أتذكر تلك القبلة التي رفض منحها لي فانتابني الغضب لكن وجهي بدا هادئًا للغاية، متفهمًا كل تلك المشاكل التي ظل يسردها عن عمله.
حينما أنهينا طعامنا كان متعجلًا للحاق بقطاره للندن، يكره مدينته وبيته ويومه، ويرتاح لتلك الساعات التي نقضيها معًا، يستقل القطار في الفجر كي يصل صباحًا، ثم يعود مجددًا في الليل. كل تلك المسافات التي يضطر لقطعها وفي اللحظة التي يضمني فيها يحضر عمله وخوفه في ذهنه ليقف عازلًا بيننا. جدار عازل يحيط به ليملأ رأسه بتلك المخاوف وبالتهديد الذي يواجهه عندما يعود إلى مدينته.
في الليل، وقبل أن يستقل قطاره هاتفته، انهيت كل شيء على عجالة.
– أريد شخصًا يفقد عقله معي، يكون لي مثل معطفي.
أفكر الآن في تلك القبلة التي سيحلم بها مطولًا ولن يذوقها، أتخيله الآن في فراشه الضيق يحلم بفراشي الواسع والقبلة التي ضيعها، يعيد عقله انتاج المشهد مرارًا.
عاريان على الأريكة الضيقة، بينما تستقر قدمي على ساقيه، في حلمه لم يستطِع إبعاد شفتيه عن شفتيَّ، جسدانا متداخلان، نبدو من بعيد كشخص واحد يستقر على أريكة دافئة بينما تمطر في الخارج كالمعتاد.

