وصف تفصيلي للمصابين في حادث حافلة، حيث نشاهد كل مصاب يتذكر ويتأمل حياته وما يشغله في لحظات قصيرة، مقتطف من رواية بديعة لأسامة زيد.

يرتطم جسد آدم بزيادٍ الجالس عن يمينه بعنف، كأنما قذفته يد خفية. يحاول التشبث بأي شيء تطاله يده المرتعشة، أصابعه تتلمس الهواء بحثًا عن ملاذ، لكنه يفشل ويرتد جسده إلى الوراء. فتصطدم مؤخرة رأسه بالزجاج الخلفي بقوة.
يشعر بوخزٍ شديدٍ وألمٍ حادٍ يخرق رأسه وكتفه الأيسر، فيحيط رأسه بساعديه في محاولة يائسة لحماية نفسه من هول ما يحدث. ومن خلال ثغر بين ذراعيه، يلمح وجه زياد تكسوه الدماء.
يتفاقم الألم وينتشر في أنحاء جسده كلها كنار تستعر، يمتلئ فمه بالغبار المتطاير، ويغشي عينيه ستار كثيف. يغمضهما بقوة، آملًًا أن يكتشف عند فتحهما من جديد أنه مجرد كابوس تسلل إليه في غفوته.
يجاهد لالتقاط أنفاسه اللاهثة، صدره يعلو ويهبط بسرعة، بينما تتسارع دقات قلبه. تومض حياته أمامه كشريط سينمائي متقطع، لقطات من ماضيه تتراقص أمام عينيه المغمضتين. يصرخ في أعماقه مستغيثًا، فيتردد صوته الباطني في رأسه كصدى في كهف مظلم. مش دلوقت، ما ينفعش أموت دلوقت!
***
ينتفض صلاح حين تخترق صرخة السائق المذعور أذنيه، ويشعر بالحافلة ترجف في اضطراب. يخفق قلبه وهو يثبت قدميه بقوة في صف المقاعد أمامه، دافعًا جسده الضخم للخلف بكل ما أوتي من قوة. ثم يَفرد ساعديه المفتولين جانبًا كطائرٍ ضخمٍ، ليحيط بأجساد من على يمينه ويساره، محاولًًا منعهم من التحليق بعيدًا عن مقاعدهِم.
تصل إلى مسامعه صرخات راضي المستغيثة، وتلتقط عيناه لمحة خاطفة من جسده النحيل في المقعد الأمامي. يراه يرتطم بالنافذة بقوة مع انقلاب الحافلة المفاجئ، ثم يرتد كالكرة المطاطية ليصطدم بالسائق المذهول. يميل للأمام مادًا يمناه محاولًًا الإمساك به قبل فوات الأوان، لكنه يضطر لسحبها مرة أخرى حين يشعر بالراكب الجالس عن يمينه ينزلق من تحتها.
***
يحاول راضي في المقعد الأمامي التشبث بحزام الأمان بجواره حين يرتطم جسده بالنافذة. لكن قبضته تخونه، وينزلق الحزام من بين أصابعه. يا رب! يا رب! يصرخ بصوت مخنوق، وعيناه مغمضتان بإحكام خلف نظارته المعوجة. كلهم مالهمش غيري.
تتقلب الحافلة، وتتقلب معها أحشاؤه. لم يخطر بباله في تلك اللحظات العصيبة سوى صور أسرته الكبيرة التي يعولها. وجوههن القلقة تطفو أمام عينيه كأشباح. يرى أمه العجوز بعينيها اللتين فقدتا البصر، طفلته ذات الأعوام العشرة وابتسامتها التي لا تفارق وجهها، زوجته الشابة قليلة التعليم والحيلة. وأخواته الثلاث اللائي قاربن سن الزواج. كلهن يعتمدن عليه، وكلهن ينتظرنه، فلا سند ولا عائل لهن سواه. يهمس لنفسه وقلبه يخفق بصوت سمعه أعلى من كل الضجيج: أهلي يا رب.. أهلي..
***
يستند مهاب بجسده الضخم إلى باب الحافلة الذي جلس بجواره، محاولًًا الثبات في مكانه. لكن مع كل انعطافة حادة وتقلب للحافلة، يميل جسده الممتلئ بشكل لاإرادي فوق الجالس عن يساره. ثم يرتطم رأسه بقوة بسقف الحافلة المعدني. يغمض عينيه للحظة متوقعًا ألمًا حادًا، لكنه لا يشعر بالكثير. ورغم ما يحدث، يبتسم لنفسه ابتسامة ساخرة، معترفًا بأن بدانته التي طالما انتُقد عليها مرارًا، هي من ساعدته الآن وخففت من وقع الصدمات.
تتسارع دقات قلبه وهو يتشبث بمقعده، متمنيًا بكل جوارحه أن تنتهي تلك اللحظات العصيبة على خير. يملأ وجها ولديه الصغيرين البريئين خياله. يتخيل مصيرهما لو حدث له مكروه، ويشعر بغصة في حلقه. لا يستطيع تحمل فكرة أن يعيشا في فقر أو ذل وعوز، أو أن تضطر زوجته الحبيبة للعمل، أو لمد يدها للآخرين.
***
تواصل الحافلة تدحرجها المحموم، يتعالى الصراخ والأنين ممتزجًا بصوت تحطم المقاعد، وتتطاير من فوقها الأجساد المتلاحمة كَدُمىً من قِماشٍ. ينقلب آدم رأسًا على عقب، فيحاول التشبث بأبوالمجد الجالس عن يساره. ولكن يسراه تقبض على حافة النافذة، فتخترق شظايا الزجاج المهشم باطن يده. بلا حول يتعلق، بيد مرتعشة، في حافة النافذة في انتظار ارتطامٍ جديدٍ.
تَزِلُّ قدم صلاح عن المقعد أمامه، ويَرتفعُ جسده الضخم في الهواء، قبل أن يَرتطم رأسه بالسقف، ثم يََحُطُّ فوق الجالس بجواره بكل ثقله.
يَسمعُه يصرخ بألم، صرخة مكتومة تختلط بضجيج الحادث، فيدفع نفسه ليبتعد ويخفف من وطأة جسده على رفيقه، محاولًًا السيطرة على حركاته وسط الفوضى المحيطة.
يُقذف جسد راضي خارج الحافلة في إحدى دورات تقلبها العنيفة، ويسقط على جانبه مرتطمًًا بالرمال الخشنة، التي تملأ فمه وأنفه. يشعر للحظة بألم حاد يخترق جسده كله، قبل أن يغرق في ظلام دامس.
يزداد الألم على مهاب مع كثرة التخبطات والانقلابات، جسده يرتطم بكل سطح صلب في الحافلة. يشعر وكأن عظامه تتكسر واحدة تلو الأخرى. فيصرخ مستغيثًا بصوت مبحوح، ممزوج بالخوف والألم: الحقونااااا.
***
تستمر الصرخات المستغيثة مع استمرار تقلب الحافلة كأرجوحة تتلاعب بأرواح ركابها. صرخات الرعب تمتزج بصوت تحطم الزجاج وتمزق المعدن. والأنفاس المحبوسة تكاد تخنق أصحابها.
عيونهم مغمضة بقوة، وقلوبهم تخفق بعنف. ثم فجأةً، وكأن الزمن قد توقف، يَسكن كل شيءٍ. تخفت الضوضاء، ويََحل هدوءٌ مخيف، ثقيل كالموت نفسه. لا يعي الركاب كم مضى من الوقت. ساعاتٌ طويلة أم لحظاتٌ خاطفة، جعلها انتظار الهلاك أو النجاة دهرًا كاملًًا.
لكن المرج وصخب الركاب يعود من جديد، كموجة هادرة تكسر حاجز الصمت. أصوات الأنين والتأوه تملأ الفضاء، مع حركة أجساد متألمة تحاول التحرر من أسر الحطام. يتلمسون أطرافهم بحذر، ويحاولون استجماع قواهم للخروج من هذا الكابوس الحديدي. أيادٍ ترتجف تدفع الأبواب المعوجة، وأقدام متعثرة تحاول الوقوف على أرض غير مستقرة. رائحة الوقود والدخان تملأ أنوفهم، محفزة إياهم على الهروب.
يتحامل آدم على آلامه الحادة ليخرج بصعوبة من الزجاج الخلفي الذي تحطم تمامًا وحوَّلَ ظهر قميصه إلى أشلاء ونفذ بشظاياه الحادة إلى جسده. ينشب أظافره بقوة في الرمال الساخنة ويجذب جسده المتيبس والمثقل بالألم خارج حطام الحافلة. يحاول فتح عينيه، لكن الرمال تغطي وجهه وتملأ فمه وأنفه، ويحول الغبار الكثيف المتصاعد دون رؤيته أي شيء سوى ظلال باهتة. يجول بنظرات ضائعة قلقة بين الوجوه الفزعة من حوله، باحثًا عن صديقه سامر الذي كان يجلس في صف المقاعد الأوسط بجوار النافذة اليسرى، لكنه لا يلمح أي أثر له بين من تمكنوا من الخروج من الحافلة أو ما زالوا يصارعون للنجاة. يصرخ مرتعبًا وقلبه يخفق بعنف، فيخرج صوته واهنًا متقطعًا كهمسات مختنقة وسط الضجيج:
– سامر. سامر. سامر فين؟
يساعد صلاح الركاب المحاصرين داخل الحافلة المقلوبة على جانبها. يدفع أحدهم بقوة، محررًا إياه من الحطام المتناثر. يتلفت حوله بحثًا عن المزيد من المحتاجين للمساعدة. يلمح مهاب وهو يصارع للتحرر من مقعده الملتوي. يزحف نحوه، متجاوزًا المقاعد المهشمة والزجاج المتناثر. يشعر بوخز الشظايا تحت يديه وركبتيه، لكنه يتجاهل الألم.
-هات أيدك يا مهاب.
يصرخ فيخرج صوته أجش من الغبار والدخان. يمد ذراعه ويساعده على الخروج من النافذة الجانبية التي أصبحت الآن سقفًا.
يسمع أنين مهاب وهو يجاهد للتحرك، ويشعر بثقل جسده وهو يدفعه للخارج. يتأكد من عدم وجود أي راكب آخر محاصر. ثم بأنفاس لاهثة، يستند إلى المقاعد المتكسرة، ويتشبث بحواف النوافذ الحادة. ويشد جسده الثقيل إلى أعلى محاولًًا الخروج. ثم يلقي بنفسه فوق الرمال الساخنة. فيصطدم جسده الضخم بالأرض، مثيرًا سحابة من الغبار حوله.
يميز آدم جسد سامر ملقى على الأرضِ بلا حراكٍ بين غيمة الغبار الكثيفة التي تلف المكان. يحاول النهوض إليه بصعوبة بالغة، جارًا ساقيه المتيبستين حارثًا بهما الرمال. يخشى أن تكون تلك هي النظرة الأخيرة لوجه صديقه الأقرب، يشعر بقبضة باردة تعتصر قلبه. تخذله ساقاه المتخشبتان فينكفئ على وجهه. يتكئ على ساعديه الواهنين ويجاهد ليقف ويكمل المسير، متحاملًًا على نفسه بكل ما أوتي من قوة.
تسري رعشةٌ عنيفة في أوصاله وهو يقترب من سامر، ويرى رأسه مشجوجًا، والدماء القانية تتدفق منه بغزارة، فتغطي وجهه الشاحب، وتخضب الرمال حوله. يهزه بيدين مرتعشتين كي يفتح عينيه، لكنه لا يتحرك، فقط يئن في ألم مكتوم يمزق نياط القلب. يجثو على ركبتيه بجواره، عاجزًا عن مساعدته، ولا يتحمل سماع أناته الخافتة أو رؤية رأسه المهشم. لو كان قد اختار الجلوس بجانب صديقه عند صعودهما الحافلة، لربما تمكن من إنقاذه من ذلك المصير. أو لو أنه أسرع الخطى وسبقه بخطوتين ليعتلي الحافلة قبله ويستقر بجوار النافذة، لكان رأسه هو الذي تهشم الآن عوضًا عن رأس رفيقه. غير أنه لم يفعل هذه أو تلك، وآثر الجلوس في الصف الخلفي من المقاعد، مسندًا رأسه على الزجاج ليغفو في سلام. لم يدرك حينها أن لحظات النوم القليلة تلك ستكلفه غاليًا.
يفرك ندبة جبينه الغائرة بسرعة عل قلبه الوجل يهدأ، لكن من دون جدوى. يجول بعينين زائغتين تغشاهما الدموع بين الوجوه المضطربة والأجساد الملقاة حوله. مديره راضي ملقى على الأرض، ممسكًا بكتفه اليمنى بقبضة مشدودة، ومطبقًا جفونه في ألم واضح يرتسم على وجهه. وزياد كبير المهندسين بجواره بوجه دامٍ، يرجع رأسه للوراء محاولًًا إيقاف نزيف أنفه الغزير الذي يسيل على قميصه الأبيض.
وغريب مسؤول المشتريات الذي رافقهم لشراء ملابس العيد لولده الوحيد من القاهرة رغم أنه من أهالي السويس، واقفًا يتحسس جسده بحركات عصبية، كأنه لا يصدق أنه ما زال على قيد الحياة. بينما مهاب مدير إدارة الجودة بالمشروع جالسًا يبكي بصوت مكتوم بجوار الحافلة المحطمة، ممسكًا بساقه اليسرى التي تبدو ملتوية بشكل غريب.
مستندًا إلى إحدى عجلات الحافلة المحطمة، ينهض صلاح بصعوبة، جسده يرتجف من أثر الصدمة العنيفة. يتحسس رأسه الذي يدور به، ثم يهرع بخطوات متعثرة باتجاه أحد المهندسين الملقى على الأرض. رآه ممددًا على وجهه، صرخاته تشق صمت الصحراء. يجثو بجواره ويساعده برفق بيد مرتجفة، يخرج هاتفه المحمول من جيبه ليتصل بالشركة، لكنه يجده محطمًًا، شاشته مهشمة كقلبه الآن. يلتفت نحو غريب الذي يقف مذهولًًا كتمثال من حجر، عيناه زائغتان في وجهه الشاحب. فيصرخ فيه بصوت أجش:
– اتصل بنادر حالًًا! قول له إننا محتاجين إسعاف!
ثم يستدير فتقع عيناه على سيارة النقل الضخمة التي صدمتهم.
تقف بعرضِ الطريقِ في الجهة المقابلة، كابينة سائقها خاويةٌ وزجاجها الأمامي مهشم. وعلى بُعدِ خطواتٍ منها يرى جسدًا هامدًا ممددًا بين أشباح السراب فوق أسفلت الطريق غارقًا في بركة دماء. فيسرع لاهثًا نحوه.
تمر الدقائق ثقيلة حتى يصل نادر أخيرًا بعد اتصال غريب المذعور.
تتبعه ثلاث سيارات شرطة، تشق بصفارات إنذارها السكون الذي عاد ليخيم على الصحراء بعد خفوت ضجيج الحادث. يرافقها عدد من عربات الإسعاف، تنشر أضواء مصابيحها حولهم.
تتوقف إحدى سيارات الإسعاف بجوار سامر، وينقله المسعفون بسرعة إلى داخلها. يحاول آدم مستميتًا مرافقة صديقه، لكن المسعفين يمنعونه بحزم بعد فحص جسده المتألم وتضميد إصاباته النازفة.
يقف مشدوهًا، يرمق سيارة الإسعاف وهي تبتعد حاملة صديقه، بينما تتوقف سيارة إسعاف أخرى بجوار الجسد المسجى وسط الطريق.
يغطيه المسعفون بملاءة بيضاء سرعان ما يتعكّر لونها بالأحمر القاني، ثم ينقلونه بحرص إلى السيارة، تاركين إياه وحيدًا داخلها، محاطًا بأضواء الطوارئ المتقطعة التي تلقي ظلالًًا متراقصة على جدران السيارة، كأنها تودعه الوداع الأخير.
يعود صلاح إلى باقي رفقائه، ويقف بجوار آدم مطأطئ الرأس يحوقل ويتمتم:
– إنا لله وإنا إليه راجعون، عم أبوالمجد مات.

يقشعر بدن آدم لسماع الخبر، وكأن صاعقة سرت في جسده.
تتجمد من البرودة أطرافه حتى يكاد لا يشعر بها، يتسارع خفقان قلبه كطبول تقرع في صدره، ويعتريه شعورٌ غريب بالخدر، والانفصال عما حوله، يشعر كما لو أن روحه تغادر جسده، تاركة خلفها قشرة فارغة.
تدمع عيناه وهو يتذكر ما دار بينه وبين أبوالمجد قبل الحادث، كل كلمة وإيماءة تعود إليه بوضوح مؤلم. يتذكر لقاءهما الأول قبل ثلاثة أسابيع، عندما ترافقا في الطريق من محطة الحافلات بالسويس إلى موقع المشروع، في اليوم الأول لتسلمه عمله الذي ساعده صديق طفولته سامر في الحصول عليه.
واليوم قابله مجددًا للمرة الثانية عندما صعد أبوالمجد إلى الحافلة، كان وجهه متجهمًًا ونظراته حائرة. أخذ يدير نظره بين الركاب محاولًًا إيجاد مقعد خاو، فأشار إليه آدم مرحبًا، وبارك له بالعيد، ثم دعاه للجلوس في المقعد الشاغر بينه وبين زياد.
وحين تحرك أبوالمجد نحو المقعد في آخر الحافلة، قرر آدم الانتقال من مكانه إلى المقعد الأوسط ليجلس هو بجوار زياد، تاركًا المقعد الأيسر بجوار النافذة لأبوالمجد، ظانًا أنه بذلك يكرّمه لكبر سنه ويمنحه مقعدًا أفضل.
لكن أبوالمجد نظر إليه في رضوخ، وعيناه تحملان نظرة غريبة؛ مزيج بين الحزن والاستسلام. لم يعلق على المباركة بالعيد، وبدلًًا من ذلك، قال هامسًا بصوت مكتئب، وهو يجلس حيث قُرِرَ له ويشيح بوجهه بعيدًا:
– اللي يعجبك يا باشمهندس، ما هو الحلو ليكم والوحش لينا!!
دمعت عيناه حين تذكر تلك الكلمات الأخيرة، وتحول في أذنيه ما قاله أبوالمجد هامسًا إلى رعد يضرب سمعه بقسوة. شعر بالذنب يعتصر قلبه، وكأنه المسؤول عن موت الرجل. لو لم يجلسه في ذلك المقعد المشؤوم، لكان الرجل الآن بخير، وكان هو من تنقله عربة الإسعاف جثة هامدة لا حياة فيها.
ظل جامدًا في مكانه، عيناه زائغتان وقلبه يخفق بعنف، حتى حملت سيارات الإسعاف جميع المصابين. ودعهم بعينين مغرورقتين بالدموع، بعد أن رفض نادر وغريب بحزم السماح له بمرافقتهما للاطمئنان على سامر.
واستدعى نادر سيارة لتقله مع صلاح إلى القاهرة، فكلاهما لا يحتاج للذهاب إلى المستشفى رغم الكدمات والخدوش التي تزين وجهيهما. وعده نادر بالاتصال به في صباح الغد لطمأنته على حال سامر، والاطمئنان عليه.
***
يشعر صلاح بالألم ينخر عظامه، فيجلس محاولًًا فهم ما جرى. كانوا جميعًا قبل ساعة يضحكون ويتحدثون. أما الآن فقد تغير كل شيء، وانقلبت الدنيا رأسًا على عقب.
يمر كل ما حدث طوال اليوم أمامه في ومضات متسارعة مشوشة. تتداخل الصور والأصوات في دوامة مربكة. كان الجميع في الصباح إما يستعدون للسفر وقضاء إجازة عيد الأضحى مع أسرهم، أو ينكبون على مكاتبهم يحاولون إنهاء ما تبقى من عمل متراكم قبل وصول الحافلة التي ستقلهم من موقع المشروع النائي بالعين السخنة إلى صخب القاهرة وضجيجها. فيما راح هو يذرع أرجاء المبنى، متوقفًا أمام الحجرات واحدة تلو الأخرى، يحث كل من يصادفه بنبرة آمرة على سرعة الانتهاء والتجهز للرحيل. وحين وصلت الحافلة، وتوجه السائق ليتناول وجبة غداء سريعة في مطعم الشركة، قرر أن يشاركه الطعام. وبينما كان يأكل، دخل أندريا مدير المشروع إلى المطعم بغتة، ووجهه يتوهج بحمرة الغضب. توجه ناحيته في خطوات سريعة متلاحقة لا تتناسب مع جسده الممتلئ المترهل، وصاح بإنجليزية عكرتها لكنته اليونانية الثقيلة وصوته المبحوح:
– صلاح.. الرسوم الهندسية مليئة بالأخطاء. أريدك أن تعدلها الآن قبل مغادرة الموقع في إجازة العيد.
عاد متذمرًا إلى مكتبه، وقد علت وجهه علامات الإحباط والغضب. لم يكن يرغب في إعادة عمل ظنّ أنه قد أنهاه بالفعل.
أخبره مديره زياد أنه سيساعده في تعديل الرسوم، فأندريا لن يسمح لأي شخص بمغادرة الموقع قبل الانتهاء من تعديلها.
زفر بضيق وهو يجلس إلى مكتبه، ويلعن «أبو أندريا» و«أبو الرسوم الهندسية» أخذ يعمل لساعتين متتاليتين، يمر الموظفون بحجرة مكتبه كل بضع دقائق، يسألونه إن كان قد انتهى. وكل مرة يهز رأسه بالنفي، ليعودوا أدراجهم وهم يتبادلون نظرات الاستياء.
هازلًًا، حاول راضي تقليد ما كان يفعله صلاح مع الجميع منذ الصباح. فوقف أمام الباب ناصبًا ظهره المنحني من مشكلة في عموده الفقري، متظاهرًا بسده بجسده الضئيل، مكررًا حثه على الانتهاء سريعًا. واضطر صلاح لابتلاع غضبه من تلك المزحة مرغمًًا، وهو يشعر بالدماء تغلي في عروقه حتى فرغ أخيرًا من التعديلات المطلوبة، وراجعها زياد كي لا تتكرر الأخطاء من جديد. ثم اتجهوا تباعًا إلى الحافلة.
بوجه متجهم وحركات عصبية، ساعدهم السائق، المتذمر بسبب التأخير الذي طال، في وضع الحقائب وتأمينها فوق الحافلة. وبينما كانوا يستعدون للتحرك أخيرًا، فاجأهم صياح شخص يركض ناحيتهم، ملوحًا بذراعيه في الهواء:
– استنى يا اسطى. لو عندك مكان خدني معاك. أوتوبيس العمال لسة عليه بدري.
أجابه السائق بابتسامة ضامًا أطراف أصابعه مشيرًا له بيده أن يتمهل ولا يجري:
– إزيك يا ريس أبوالمجد. تعالَ يا أبو العروسة. أيوة طبعا عايز ترجع بدري علشان الفرح.
رأى صلاح السائق ينظر إلى راضي مدير قسم الكمبيوتر الجالس وحيدًا في المقعد الأمامي، ثم لمحه ينظر في المرآة إلى الجالسين في الخلف، كأنه يستطلع آراءهم، رغم اتخاذه قرار الموافقة على ركوب عامل في حافلة المهندسين والموظفين خلافًا للمعتاد، ومن دون استئذان أي منهم.
***
بقيت سيارتا شرطة بجوار الحافلة المنقلبة، بينما لحقت الثالثة بعربات الإسعاف التي انطلقت مسرعة، صفاراتها تشق سكون الصحراء. بحث صلاح عن حقيبته بين الركام، أخرج منها كاميرته الفوتوغرافية بعناية، وراح يتفحصها ليتأكد أن عدستها لم تنكسر.
بعد أن اطمأن على سلامتها، دار حول الحافلة التي صارت دكًّا وسط الرمال، يصورها من كل اتجاه. ذهب حيث كان أبوالمجد راقدًا والتقط عدة صور للدماء على الأسفلت، ثم توجه نحو سيارة النقل التي صدمتهم، وكرر الشيء ذاته. بعدها عاد إلى حيث جلس آدم، وحيث رقد سامر. وبكلمات قليلة، طلب من آدم النهوض ليلتقط بعض الصور لدماء سامر على الرمال.
لم يدرِ آدم إن كان هذا من حب صلاح للتصوير، أم من أجل توثيق الحادث، لكنه بدافع غريب من الفضول أراد أن يكون جزءًا من هذا التوثيق. طلب من رفيقه أن يلتقط له صورة أمام الحافلة المنكوبة.
فتَسمَّر الأخير في مكَانه، واتسعت عيناه دهشة. هو ده وقته، قالها في سريرته مستنكرًا. ترك كَاميراته المعلقة في رقبته تتدلى فَوق صدره، ثقيلة بوزن الألم في الصور التي التقطها للتو. فتح فمه ليعترض، ليقول شيئًا، لكنه سكت وأومأ برأْسه موافقًا.
بحركة بطيئة، خلع آدم قميصه الممزق من شظايا الزجاج التي نثرتها الحادثة في كل مكان، وربطه على جرح رأسه كعصابة قماشية، ملطخة بالدماء التي بدأت تجف. ثم وقف بجوار الحافلة الجاثمة صريعة على جانبها، عاري الصدر، متكئًا على إحدى عجلاتها.
بينما اتسع شِدق صلاح وهو يرى من عين الكاميرا وجه آدم شاحبًا كالموتى، وعيناه وجلتان. ياللا، جنان بجنان بقى، ردد ذلك في باطنه، مشيرًا لآدم أن ينظر تجاه العدسة، وطلب منه أن يبتسم، ثم ضغط زر التصوير ليوثّق ذكرى لن تمحى.

