علاقة يصبغها صراع داخلي، حيث يرى المصور الموديل بنظرة تقليدية، وتراه هي بنظرة مختلفة تمامًا، قصة قصيرة جديدة لمنصورة عز الدين.

تزورني ماريز مرة على الأقل أسبوعيًا. تغلق محل الهواتف المحمولة الكائن في الطابق الأرضي قبل موعده المعتاد، وتنقل بضع كراتين إلى مخزن تؤجره على السطوح، وإن وجدت الفرصة سانحة، تتسلل إلى شقتي التي أترك بابها مواربًا في انتظارها. حين يضيق صدري بها، أتحجج بانشغال مفاجئ، أو أكتفي بإحكام قفل بابي دون مبررات أو حجج. لا تجرؤ في هذه الحالة على طرقه، خوفًا من لفت نظر الجيران المتحفزين دومًا للحفاظ على الأخلاق ومنع أي تجاوزات يرتكبها جارهم المستهتر. هكذا اعتبروني منذ انتقلت للسكن في هذه البناية، وهو ما ناسبني تمامًا، فأن يُنظَر إلي كشخصٍ متعدد العلاقات النسائية أمر مفيد لي. رغم هذا، لم أرغب قط في أن تُضبَط ماريز عندي، فأنا في غِنى عمّا قد يتبع ذلك من لغط وتعقيدات. الإيحاء هو ما أبتغيه؛ محض دخان متطاير لا يمكن الاستدلال على النار المسببة له.
كلما تجاهلتها، توقعتُ أن هذا آخر عهدي بها، لكنني أفاجأ بوجودها عندي في الأسبوع التالي. دائمًا خالية البال، مستبشرة، كأن عالمها لا يعرف الأحزان والمشاق. ولولا علمي بظروفها، لصدقت هذا فعلًا. نادرًا ما تتكلم، ولا تبدو مهتمة بمعرفة أي شيء عني. لا تسأل عن سبب سكني وحدي، ولا عن الصور الكثيرة المعلقة على الحوائط، ولا عن الغرفة المغلقة دومًا في نهاية الممر الموصل إلى الحمام. حتى عندما تطوعت بالحكي لها عن عملي كمصور فوتوغرافي لإحدى الصحف، بدت ضجرة غير مهتمة، لكن ضباب الملل واللامبالاة ينقشع عنها ما إن تدور الموسيقى، فتفور حماستها وتبدأ في رقص لطالما بدا لي بلا نهاية. أطلقتُ عليها لقب «راقصة المعبد»، وربطتُ بينها وبين سالومي، رغم افتقار رقصها إلى الفتنة. لا يساورني الشك في أنها راقصة ماهرة، ورغم هذا لا يجذبني رقصها، بل يثير انزعاجي ويملأني بالتوتر، ولم أصل إلى سبب هذا حتى التقطت لها، وهي ترقص، صورًا عديدة بالأبيض والأسود.
وحيدًا في الغرفة المحظورة على غيري، حيث أقابل نفسي دون أقنعة ولا أكاذيب، جلست أتأمل نسخة ماريز المتجمدة في الزمن، فوضعت يدي على سبب انزعاجي المبالغ فيه من رقصها. بدت لي في الصور كأنما تريد التخلص من الجسد. رأيتها طفلة لاهية تتوق لتحويل جسدها المكتنز إلى سائل مطواع تعيد تشكيله بلا انتهاء، وما السرعة والبلهوانية سوى وسيلتها لتغييبه.
في فن يقوم على الإيحاء لا التصريح، على الغواية المعتمدة على الهمس والوقوف على الخط الفاصل بين العري والاحتشام، تبوح ماريز بأكثر مما يجب، ولا تنشغل سوى بالخفة والتكنيك. لذا لا ينطوي رقصها، رغم إبهاره، على إغواء أو غموض، ولا يتسم بحسية كافية، فقط نزعة استعراضية لا تجيد التخفي والتعدد، وعصبية تمنع الارتياح في الجسد والتناغم معه وإطلاق العنان له ليسيطر ويعلن عن رغباته وقوته إيحاءً وغمزًا لا تصريحًا وصراخًا.
قلتُ لها مرة إن الرقص الشرقي شعيرة مقدسة، وأنه استمرار لعبادة المرأة قديمًا، ولطقوس الاحتفال بالجنس والخصوبة، فنظرت لي ببلاهة متحفزة. أضفتُ، متجاهلًا تعبير الخواء المرتسم على محياها، أنه أيضًا لغة للتعبير تمنح الجسد صوتًا يمنع تهميشه، فيصير نصًا مكتوبًا، يؤوله المشاهد وفقًا لخلفيته الاجتماعية والطبقية وعِرقه. لطالما تسليت بردود أفعالها على كلامي غير المفهوم لها، وأعجبني عدم إحساسها بأي حرج، بل على العكس، تسخر مني وتراني مثيرًا للشفقة، وتخبرني بهذا دون وجل أو تردد.
ترقص ماريز، فيشرد ذهني بعيدًا عنها، متخيلًا جسدًا غُفلًا يتمايل في الفراغ، فيغزوه ويستحوذ عليه. يُعلِن نفسه، ولو مؤقتًا، مالكًا لمحيطه، ويصبح صاحبه ربة وثنية أو كاهنة مقدسة تحتفي بالجنوسة والخصب والنماء. أنتبه من شرودي، فأراها تواصل استعراضها، وهي متحكمة في كل عضلة من عضلات جسدها، متمكنة من خطوات الرقص وتقنياته، ومازجة بين أنواعه المختلفة، لكن ينقصها رسوخ الربات وغموض كاهنات المعبد. شيء ما فيها يهمس بأنها في المتناول، بلا سر يضفي عليها مهابة مطلوبة. طفلة تلهو في فرح شعبي، تستدر نظرات الاستحسان، أو بهلوانة شارع تمارس انطلاقها وتمردها وتحتفي بقدرات جسدها وسحره بلا إغواء ولا شبق. يخطر لي أن أخبرها أنها سخية بلا حدود في مهاراتها وحركاتها، في فن لطالما اعتمدت الكبيرات فيه على التقتير والحركة المحسوبة والبعد عن العصبية والانفعال، لكنني أبتلع كلماتي قبل أن تنفلت من فمي.
لطالما أشعرني رقص ماريز بالتهديد. رأيت في قدرتها على تطويع جسدها سلطة غاشمة قد تُوجَّه ضدي في غفلة مني. كنتُ أتابعها تتلاعب به وتعيد صياغته وفق النغمة الموسيقية المرافقة، فيتجلى لي في صورة سلاح حاد مصوب نحوي. خطر لي أن في وسعها استخدامه لتغيير حياتها والترقي الطبقي، لكنها من المحكومين بأكواد العيب والحرام، والباحثين عن القبول الاجتماعي في لقاءات الأحد بالكنيسة، وبين زبائن محلها المحافظين، الذين لو عرفوا بأمر زياراتها لشقتي لقاطعوها، وسعوا لطردها من البناية نهائيًا.
سألتها مرة:
– ما بتفكريش تشتغلي رقاصة يا ماريز؟! ممكن تكسبي دهب.
– أهو ده اللي ناقص!
ونظرت إلي بلومٍ وتأنيب، كأنما أهنتها. اعتادت السخرية من الراقصات المعاصرات، خاصة الأجنبيات اللاتي لمعت أسماؤهن خلال السنوات الأخيرة. تقول إنها تشاهد مقاطع لهن على «اليوتيوب» يوم عطلتها، وتتسلى بتقليد أدائهن المتشنج، البعيد عن روح الرقص الشرقي. لم أخبرها صراحةً برأيي في رقصها، لكن من المؤكد أنها لاحظت أن متابعتي لها تفتقر إلى الاشتهاء، لذا لَمَّحت مرارًا إلى أنني «غشيم».
«مالكش فيه!».
لطالما استفزتني عبارتها المفتوحة على تأويلات غير مستحبة.
تذكرني، وهي ترقص، بنعيمة عاكف. لا تملك قدرات الأخيرة في رقص السامبا والرومبا والكلاكيت، لكنها مثل نعيمة، ترقص ببهلوانية، هذا بخلاف امتلاكها أذنًا موسيقية لافتة، وإجادتها الوصول إلى تناغم وتزامن مدهشين مع الموسيقى. أكاد أعرف اللحن الذي ترقص عليه، والإحساس به، حتى مع غياب الصوت؛ فعبر حركاتها يمكن توقع الموسيقى، كأن جسدها يعزف موسيقاه الخاصة. يتوّج نفسه ملكًا، يقتنص السلطة، ويحول المرأة الغافلة إلى أداة تأتمر بأمره! تصير جسدًا خالصًا، مفكرًا وحكيمًا، آمرًا ناهيًا، حتى وإن لم يكن مغويًا مشتهى على طريقة تحية كاريوكا أو نعمت مختار أو زينات علوي.
تستعرض ماريز سيطرتها على جسدها، وقدرتها على التلاعب به وتشكيله وفقًا للنغمة الموسيقية المرافقة، فيستولي عليَّ شعور بالخطر ويتهدد كياني. في حضرة رقصها، أتحفز وأُستنفَر، وأتخذ وضعية الاستعداد لصد هجوم محتمل. يغمرني نفور عميق يشبه درعًا أحتمي خلفه. لا يمكنني فصل الرقص الأنثوي المنفرد عن رقصة سالومي ورأس يوحنا المعمدان المُقدَّم على طبقٍ من فضة. ليس في مقدوري تخليص لا وعييّ، الموشوم بالديانات الإبراهيمية، من ربط رقص المرأة بالخطورة والتآمر والانتقام، أو الكف عن المماهاة بينه وبين التضحية بنبي.
لن تطلب ماريز رأسي على طبقٍ من فضة ثمنًا لرقصتها، ولن تقدمه لأحدهم إنقاذًا لنفسها من خطرٍ محتمل. ومع ذلك، تشغلني الفكرة لبرهة، قبل أن ألعن ميلي للمبالغة والميلودراما، مُذكِّرًا نفسي بأنني أعيش في واقعي المضجر، لا في قصة توراتية.
لعلَّ ما أخافني من ماريز أكثر من غيره، لماحيتها الفطرية التي مكنتها من اختراق أسواري، والحدس بما لم تفهمه أخريات اقتربن مني أكثر، والتعبير عنه بعبارة تؤلمني بداهتها:
«مالكش فيه!».
لم تبدُ لي قط مجرد كلمات انفعالية للانتقام من برودي تجاهها، بل استبصارًا لسر تمحورت حوله حياتي، وانقسمت إلى ظاهرٍ مُعلَنٍ مرضيٍ عنه، وباطنٍ يضعني في مرمى النيران إن كُشِف. أتأملها وهي تنطق عبارتها تلك، فيما ترمقني بتحدٍّ لعوب، ألمح فيه دعوة منها كي أثبت لها خطأها، فأبتسم، وأعيد الرقص إلى قلب المسافة الفاصلة بيننا، قائلًا:
«خلاص يا ماريز، أنتِ أفضل من تحية كاريوكا».
تضحك، ولا ترد علي. تقف أمام المرآة الطولية في الصالة، تتأمل قوامها بفخر أنثوي، وترفع عن جبهتها خصلة من شعرها المصبوغ بأشقر لا يتلاءم مع بشرتها البرونزية، ثم تتشاغل بترتيب أرفف المكتبة ومسح غبارٍ وهميٍ عن الكتب، قبل أن تسأل بصوتٍ يخاصمه الفضول:
«يعني أنت قريت كل الكتب دي؟».
أجيبها بنفيٍ قاطع، فتتفرسني، قبل أن تلتقط حقيبتها وتوارب باب الشقة، متحينة اللحظة المناسبة للخروج في غفلة من الجيران. أحسب المدة الكافية لوصولها إلى مدخل البناية، وأضيف إليها بضع دقائق، ثم أحكم إغلاق بابي، مُراهنًا نفسي أن زائرتي سوف تمل قريبًا من لعبتها هذه وتتوقف عن زياراتٍ لا تحصد منها شيئًا.
