يمر سلامة بتجربة غير عادية بالنسبة إلى رجل بالغ، مع ذلك، يشعر ويتصرف بما يتوافق مع التجربة ذاتها وليس مع كونه ذكرًا، مقتطف من أحدث روايات محمد عبد النبي.
عندما دقَّ جرسُ المُنَبِّه في السادسة صباحًا، موعد استيقاظ سلامة المعتاد منذ سنوات، حتَّى في أيام الجمعة. شيءٌ ما في جوفه انتبهَ معه وهمسَ له بصوت مُترع بالنُّعاس أن يواصلَ النوم قليلًا، وإن كان لا بدَّ فيمكنه أن يتصل بالبنك بعد ذلك ويطلبُ من رئيسه فوزي المزاجنجي يومًا أو اثنين إجازةً مِن رصيده، لن تنهدَّ الدُنيا.
لم يتبيَّن سلامة إن كان مَن يُحدِّثه هو ذلك الدخيل الجديد أم أنَّه هو الذي يحدث نفسه، فكيفَ لذلك الشيء أن يعرف فوزي المزاجنجي ورصيد الإجازات؟ غير أنَّه انصاع للصوت الموسوِس وسحبَ الغطاء الذي لا يتخلَّى عنه حتَّى في عِز الحَر واستردَّ النومَ من جديد، لأوَّل مرَّة في حياته تقريبًا.
لم يأخذ إجازة منذ سنوات، وطالما أثار هذا سخرية زملائه وفخر رؤسائه، يقولون إنه لو بيدِه لَحضرَ إلى البنك حتَّى في أيام العطلات الرسمية والأعياد. كان يشاركهم الابتسام في خجل، مخفيًا في نفسه حقيقة أنه يفتقد روتين يوم العمل في مثل تلك العطلات التي ينفتح فيها فمُ النهارِ الشاغِر على آخِره يكاد يزهق روحه فراغًا وضجرًا.
ماذا قد يفعل هو بيوم إجازة؟ يكفيه الجمعة، ينتهي فيه من كل ما يخصُّه، حتَّى الزيارات العائلية. وفي نهاية السنة يقبض بدل الإجازات مبلغًا معقولًا مع المكافأة السنوية. الآن وقت الانتفاع بمدخَّراته. لا بدَّ أن يزور طبيبًا. إلى أي طبيبٍ يجب أن يذهب؟ طبيب أمراض نساء أم طبيب أمراض عقلية؟ لا يعرف إلَّا مستشفى السيد جلال، وفيها كل التخصصات التي احتاج إليها هو وأهله قبل هذه المصيبة الجديدة. سيكون عليه أولًا أن يجد سومة. لكن ماذا سيطلب منها؟ وفي أي الأقسام سيكشف؟ وماذا سيقول لهم في المستشفى إن سألوه: مَن الأب يا سلامة؟ وإذا كنتَ أنت الأب فمن أمُّه يا سلامة؟ وهو لا نامَ مع امرأة ولا مع أي مخلوق طوالَ حياته.
لم ينم إلَّا مع نفسه، كما هو الآن، في حضن نفسه، أو في حضن المخدة، ويقذف، أولًا بأوَّل، لبن العصفور في الحمَّام ويفتح عليه المياه. فكيف يمكن للواحد أن ينجبَ من نفسه؟ هل هي سَهلة كأنه يُكلِّم نفسه؟
قديمًا، أحسَّ وهو طفل أنه يُكلّم نفسه في سِره فَظنَّ أنَّه مجنون. حتَّى وهو ساكت يُكلّمه عقله مِن غير صوت. كأنَّ شخصًا آخَر في داخله ينتهز فرصة وجوده بمفرده ويَفتح حوارًا، يطرح أسئلة أو يبدي ملاحظات وانطباعات أو يتمنَّى شيئًا لم يحدث بعد أو يُعدِّد مخاوف وهواجس، فيجد سلامة الصغير نفسه مُضطرًّا للتجاوب معه، سواء بصوت أو من غير صوت.
تجرَّأ وأخبرَ جارهم الشيخ عمران خادم مسجد سِيدي الشعراني بأنه يكلم نفسه مِن غير صوت. طمأنه الرجل الطيِّب الذي يعطف على اليتيم قائلًا إنَّ هذا دليل إيمان، وهذا صوت ضميره ما دامَ لا يدفعه لارتكاب المعاصي. أمَّا إن كان الصوت يوسوس له فهو إبليس الشيطان الرجيم أو أحد أبنائه وأعوانه ممَّن يريدون أن يضلوا المؤمنين.
وظلَّ سلامة طويلًا ممزقًا بين صوت ضميره وأعوان إبليس. وسوف تمر سنوات قبل أن يدرك أنَّ الناس كلها تكلم نفسها طوال الوقت، بصوت أو من غير صوت. وأنَّه مثلهم جميعًا، أحيانًا يكون تفكيره سليمًا مؤدَّبًا محترمًا، وأحيانًا ينكمش الضمير وينتشر البتاع، فيجد سلامة المراهق نفسه في الحمَّام جالدًا خرطومه كأنه يعذبه حتَّى يبكي دموعًا بيضاء يسمِّيها لبن العصفور، تخرج منه مندفعة مثل نار الله الموقدة التي تنتظر العُصاة والكافرين في الآخِرة.
وعندما كبر قليلًا عرف، باستنتاجاته الخاصة ممَّا يسمع من أنداده العيال وبعض الكبار، أنَّ هذا الماء هو ما يتسبب في ولادة الأطفال بعد أن يسكبه الرجال بطريقة عجيبة ولذيذة في بطون النساء، عن طريق إدخال خراطيم الرجال في فروج النساء. هكذا جاء سلامة وهكذا جاء جميع الناس.
السيدة مريم هي الوحيدة التي أنجبت بلا رَجل وبلا خطيئة، نفخ الله مِن روحه في فرجها كما وردَ في القرآن الكريم وأرسل إليها الملائكة تبشِّرها بالسيد المسيح. لكنها كانت صبية عابدة تقية صالحة، وكانت هي وابنها معجزة في كل الأديان، أمَّا أنتَ يا سلامة! على الأقل لستَ عابدًا ولا صالحًا. أستغفر الله العظيم، أين أنا مِن ستّنا مريم؟
اختلطت أفكاره ورأى بخياله صورًا مفككة وقد عاد للنوم ولم يكن قد أفاق تمامًا منه. ثُمَّ صحا في المرة الثانية مَفزوعًا وجائعًا، مثل مَن فاته موعد القطار الأخير إلى الجنَّة، ومِثل مِن فاتته أيضًا وجبة الفول اليومية التي يحرص على تناولها واقفًا أمام عربة في ميدان باب الشعرية، وتسند طوله حتى يخرج من العمل.
رمى الغطاء عنه وقام واقفًا بسرعة، فأحسَّ بدوار واستند إلى الحائط وجلس على حافة السرير مرة أخرى. هو مريض، لن يكذب. المهم ألَّا يكون مريضًا بِعقله. لم يجد في نفسه الهِمَّة ولا الدافع لكي يعدّ شايًا أو يدعبس في الثلاجة عن لقمة. غسل وجهه وارتدى ثيابه وخرج. لم يسمع حِسًّا ولا خبرًا من جوفه، فاستبشرَ خيرًا وتمنَّى أن يكون ما في داخله قد اختفى في سواد الليل مثل سائر ما نراه ونحن نائمون، سواء أحلام حلوة أو كوابيس.
مِن محل صغير يسمَّى سِنترالًا، ويبيع أيضًا موبايلات ولوازمها، اتصل على رقم فوزي المزاجنجي رئيس قسم الصيانة والنظافة في البنك. اقتربَ موعد خروج ذلك الرجل العابث على المعاش، وأصبح منذ أشهر يتعامل بتخَفُّف الراحلين. يحب جميع الناس ويسخر من جميع الناس، مثل مَن مات وضمن الجنة ولم يعد يكترث لشيء. عندما عرف أنَّ سلامة متعب ويريد أن يأخذ إجازة يومين أو ثلاثة، استغرب وقال إنَّ هذه من علامات الساعة.
شكره سلامة متجاهلًا سخافته، فنصحه فوزي بأن يبحث عن امرأة وينام معها وسوف يتعافى تمامًا، فهذا هو سبب تَعبه، فإن كان لا يعرف كيف يمكن لعمِّه فوزي المزاجنجي أن يساعده ويحضرها بنفسه لحدّ عنده في البيت، ليس هذا فحسب بل وأن يفتح له السكَّة قبله لكي يسهّل عليه الأمور. تغافلَ سلامة عن سخافاته المعتادة، إلَّا أمرًا واحدًا، فَقبلَ إنهاء المكالمة، قال المزاجنجي جملة أخرى من جمله النابية لكنَّها هذه المرة رشقت في ظهر سلامة مثل السهم المسموم. قال إنه مثل المرأة التي تشتهي النيك لكنها تخاف من الحَبَل، وطمأنه لأن وسائل منع الحمل كثيرة وسهلة، وحتى لو حصل يمكن إنزاله بعملية بسيطة. هل هذه أيضًا علامة مِن علامات الساعة؟ أن يصيب فوزي المزاجنجي بمزاحه الهدفَ الخفيَّ المخيفَ في جوف سلامة؟
انتهى الاتصال بعد دقيقتين مرَّتا مثل ساعتين، وظلَّ سلامة حائرًا لبرهة، نعم هو يشتاق من سنين للنيك، ولكن مع امرأة، وهو لا يخشى الحبل، لأنه رجل، فهو رجل من زمان، هكذا خلقه الله، فكيف يحمَل؟ وما هذا الشيء الذي كلَّمه من بطنه ليلة أمس؟
أخرجَ الرقم المكتوب على ظهر ورقة نتيجة واستسمحَ الولد الذي في السنترال أن يطلب له هذا الرقم على التليفون الأرضي. كان الهاتف خارج الخدمة، وخمَّن الشاب في السنترال أنَّ النمرة ناقصة رقم. شعرَ سلامة أنَّ عزيزة خدعته. خمَّن الولد الرقمَ الناقص بناءً على الرقمين الأخيرين، واتصل فسمعَ جرسًا لكن أحدًا لم يرد عليه. هنا شعرَ سلامة بالجوع، فقال له إنه سوف يجرب الاتصال في وقتٍ لاحق من اليوم. حاول الولد أن يقنعه بشراء موبايل بالتقسيط، لكن سلامة شكره وذهب، ولهفَ بضعة طلبات فول وطعمية وباذنجان وخلافه على عربة في الميدان، أكل نحو ستة أرغفة هو والشيء، ثم شربَ ماءً باردًا من كوز ألمونيوم ثمَّ تجشَّأ وحمدَ الله.
صحا شيء في داخله الآن وقال له ببساطة وألفة:
– ما رأيك أن نتمشَّى قليلًا يا سلامة؟
فأجابه سلامة بغير اندهاش:
– تعالَ يا سيدي!
سارَ سلامة ناحية الموسكي، وكانت الشمس في هذا اليوم حلوة، في أواخِر الصيف. بعدَ دقائق وصل إلى ميدان العتبة، ولم يعرف إلى أين يتجه، لكنه كلَّما تردد عند أي ناصية أو منعطف كان شيء جاهزًا باقتراحِ اتجاهٍ ما، كأن يقول له: قف هنا قليلًا. تعال نشرب عصير قصب. خذ يمينك يا سلامة. اجلس على هذا المقعد في الشمس. انظر إلى هذه الشجرة وتلك العصافير، الله!
شعرَ سلامة أنه يصحب طفلًا في نُزهة، لكنه طفل خَفيّ، لا يستطيع أن يراه ولا أن يسمعه حتَّى لكنه يفهم مُرادَه بطريقةٍ ما، وخاف مِن جديد أن يكون عقله قد راح والعوض على الله. جلسا في الظِّل في حديقة عند قصر عابدين وراقبا بعض الأطفال يلعبون.

بعد أن استراحا وشبعا من مشاهدة الشجر والعصافير والناس نهضا لمتابعة المشي مرة أخرى.
اعتادَ سلامة المَشي وفضَّله على متاعب المواصلات العامة والاختلاط بالناس ومشكلات لَمِّ الأجرة والباقي والفَكَّة والتلاصُق والنشَّالين والمشاجرات. حينما يمشي يستيقظ جسمه ويغفو عقله، يتحرَّك آليًّا كأنه منوَّم، لكن خياله يرمح به يمينًا ويسارًا. لا يغفل مع هذا أبدًا عن حركة الناس والعربات من حوله، وتفادي المارَّة المسرعين أو المرور بخفة بين الباعة على الأرصفة أو راكبي الدراجات.
بينما يمشي يجد أفضل فرصة ليسبح مع أحلام يقظته. حدث هذا في البداية عفوًا، على الرغم منه تقريبًا، وبمرور الوقت والتكرار صارت عادة يومية انضمَّت إلى ترسانة عاداتٍ راسخة يتشكَّل منها يومه الوحيد المُتكرر بلا انقطاع منذ سنوات. وقد ينقضي مشوار كاملًا وهو مستغرق في فيلم خيالي ارتجله من الألف إلى الياء.
مثلًا، يتخيَّل نفسه وقد اطَّلع بالمصادفة على مؤامرة تُدبَّر لسرقة البنك. يرى نفسه يُفرِغ محتويات بعض السلال في كيس كبير بأحد الأركان، عندما يسمع أحدهم متحدثا في هاتف محمول. هذا الرجل الغريب يدبِّر مع شركائه عملية سطو مسلح على البنك، يحدِّد معهم موعدًا ويشرح لهم طريقة الدخول والاقتحام والخروج. يدرك سلامة أنَّها فرصته ليثبت للجميع مدى إخلاصه للبنك واستعداده لحمايته والتضحية في سبيله ولو بحياته.
يحاول سلامة أن يخبر الآخرين بالمؤامرة التي تُحاك للسطو على البنك فَلا يصدقه أحد ويضحكون منه. يطلب مقابلة مدير الأمن أو مدير البنك أو أي مدير، دون أن ينجح في ذلك. يحاول أن يشرح الموضوع لبعض أفراد الأمن، لكنَّ أحدًا لا يعيره أذنًا، ويتعامل معه الجميع كأنه معتوه لا يصح الاعتماد على كلامه. وحينئذٍ يقرر سلامة مواجهة العصابة بمفرده.
يتسلل من خلف أحد ضبَّاط الحراسة وهو واقف أمام المبولة في الحمَّام. يهاجمه ويضربه على مؤخرة رأسه بعصا خشبية ضربةً تفقده الوعي دون أن تقتله، ثم يسحبه إلى إحدى كبائن دورة المياه غير المستخدمة لأنها معطوبة، ويغلق عليه بالمفتاح بعد أن يجرده من ثيابه وسلاحه، بحرص بالغ حتى لا يتسخ هذا الزي الثمين الجميل. يخلع زيَّ عامل النظافة، ويرتدي زيَّ رجل الأمن، يشد حزام البنطلون ويطمئن على موضع المسدس على خصره.
الآن يستطيع مواجهة اللصوص، ما هي إلَّا ساعات ويأتون، حسب الموعد المتفق عليه والذي سمعه في المكالمة، سيأتون بوجوه ملثمة، لا تظهر منها إلَّا الأعين، لكن سلامة سيكون بانتظارهم بوجه مشكوف ظاهر لا يخشى شيئًا، وسوف تسجِّل كاميرات المُراقبة معركته مع الأوغاد. يضع سلامة شريطًا لاصقًا على فم فرد الأمن الغائب عن الوعي، ثم يغلق عليه دورة المياه من الخارج بقفل. هو طيب لكنه لن يتضرر كثيرًا، وسوف يطلب العفو عنه، ومع هذا فهو يستأهل ما جرى له؛ لأنه لم ينصت، مثلَ الآخرين، إلى تحذيرات سلامة.
يكمن سلامة في انتظار وصول العصابة، يكمن ساعات وعينه على عقارب الساعة، ينتظر ويطول انتظاره، ومسدسه في يده، وعينه مثبتة على المدخل المحدد لهم، ينتظر طويلًا طويلًا، وتثبت الصورة على هذه الحالة. لا يسعفه خياله بأكثر من هذا، لا يبتعد كثيرًا عن هذه النقطة، ولعلَّ خوفه من التصدّي لجماعة اللصوص بمفرده، وجهًا لوجه، وإن كان مُسلَّحًا وإن كان في الخيال، يحول بينه وبين التمادي. ومع ذلك، فإنه يقفز فجأة فوق الأحداث إلى مشهد اكتشاف الجميع أنه أنقذ البنك من عملية سطو مسلح كبيرة، فيكرِّمونه ويمنحونه مكافأة ويعرضون عليه منصب مدير أمن البنك، لكنه يرفض ويعود إلى وظيفته وإلى زملائه في قسم النظافة والصيانة بتواضع ونزاهة يُضرَب بهما المَثَل.
