رواية تاريخية عن أمية بن أبي السلط، الشخصية المعروفة بين العرب، حيث يحظى باحترام كبير ويعامل كنبي، ولكن عندما يحاول محمد نفسه غزو الطائف، يبدأ في الجدال مع شياطينه حول النبي الحقيقي، هو أم محمد.

كانت غداةَ حزنٍ وشؤم، أُلبِسَتْ فيها عبسٌ المصيبة، وفي أذيالها سائرُ غطفان وبطون قيس، أُنبِئنا فيها أن نبيَّ مُضرَ قد مات، وهو حكيم القوم وقاضيهم إن اختلفوا وملاذهم إن جزعوا ومعطيهم إن سألوا ومفتيهم إن حاروا.
مات خالدُ بن سنان، صاحب المعجزات…
كان رأسًا في قومه، له سياحةٌ ودرايةٌ ومعارف وأسرار. خاصَمَ أصنامَهم وخََمْرَهم، وهو مع ذلك كان أبقى لودِّهم وأحفظَ لذمَّتِهم. وَعَظَ غطفان كلها وأثناهم عن كثير من الشطط والزلل، وابتنى لهم قببًا من الأخلاق يستظلون بها ويُنَشِّئون تحتها ذراريهم.
كنتُ حدثًا لا أعرفه، لكن أبي قد ملأ روافدي بمدحه مذ خرجنا من ديارنا حتى بلغنا نزل بني عبس. اجتمعت يومها وجوه هوازن وغطفان في جنوب نجد وقد غلب القومُ بني كندة على القِيعَة. وكان بعضهم قد حضر عائدًا للنبي يفوز منه بحكمةٍ وبصيرة، بيد أنه عاجلهم بموته.
يتمتم الجمعُ ويتهامسون وقيس بن زهير والربيع بن زياد وأقرانهم من بني عبس يُضِيِّفون الناس ويأمرون العبيد والموالي بإحسان الرفادة وإكرام السائل.
ثَوىَ خالدٌ بين صدًى لوجوهٍ تلطم وجيوب تشق وحسرة ورثاء.
مادت الشمسُ عن كبد السماء وانحطَّ حَرُّها، وأبي وصاحبُه مسعود بن معتب يتذاكران خالدًا وهو يمنع قومه من التَّمَجُّس، وقد شبَّت نارٌ في حَرَّة أشجع فلم تنطفئ بل دامت وحميت، ففُتِن الناسُ وسوَّلَت لهم أنفسُهم عبادتََها كفارس، فزجرهم خالدٌ ودخلَ فيها فانطفأت وخرج منها سالمًا.
قد كنتُ أسمعُ كلامهما فأراه ساحرًا أو كاهنًا، لكنهما يؤكدان أنه نبيٌّ مؤيد تجري على يديه الخوارق.
لم أستطع التسليم لما سمعتُه منهما، ولكن.. ذلك الجمع الذي رأيتُ، وتلك الوفود التي قطعت الفلوات، واستواء الغني والفقير والقوي والضعيف والنسيب والبعيد على صعيدٍ واحدٍ تبكي حصباؤه خالدًا وتذكر مآثره.. كَبُُرَ الأمرُ على النكران، وصدَّقَ الحالُ المقالَ، فوقعت في قلبي نبوته، وأُلقي في روعي صدقُه.
قطع حديثَهما قدومُ عنترة بن شداد ومالك بن زهير، وقد جفت أعينهم لتذراف الدموع على نبيهم. وقد بدا لي أنهما أقربا القوم لخالد.
قال مالكٌ لأبي باكيًا مستبكيًا: مات خالدٌ يا أبا الصلت… صحيحٌ أننا لا نعلم نبوةً ولا نبيًّا، وانقطعت أحبالنا بجدنا إسماعيل وضربتنا السنون بالانحراف والتبديل، لكنه لم يكن مثلَنا، والله ما رأيتُ رجلًًا يُساميه خُلُقًا، وقد خالفناه في أمورٍ فلم يفارق، بل نصح وأخذ.
بعد تلك الكلمات الواضحة، نظرَ إليَّ مالكٌ متعجبًا، ثم اصطنعَ لي ابتسامةً ثقيلةً ناءت بشدقيه، واقترب من أبي وظلََّّا يتناجيان فلم يُسمعْ منهما إلََّّا همسًا!
كان ذلك أول الأمر يا حُرّ، فما تركتُ ديار عبسٍ إلََّّا وقد امتلأ ما بين جنبي بنبوة خالد بن سنان، وكنا في الطائف لا نؤمن بنبيٍّ ولا كتاب، فأبتُ إليها مخالفًا منكرًا، وكانت سني صغيرة، لم تختمر نفسي بعدُ بصبغة القوم.

كنت في تلك الأيام أختلف مع أترابي إلى أبي ضبيعةَ وهو شيخٌ ثقفيٌّ ضريرٌ يدري الأخبار ويطربنا بالقصص وأحاديث الأولين وأيام العرب… أنا وعروة بن مسعود وكنانة بن عبد ياليل وغيلان بن سلمة.
وكان الضريرُ مُقلًًّّا في ذكرِ اللََّّات، كأنَّه يبطنُ في نفسه أمرًا. ذكرتُ عنده خالدًا وموته فانتحبَ واستغلقَ عليه الكلام! فلمََّّا استجمع، خَلَطَ الأزلام وحكَى لنا طَرَفًا من يوم غَمْرِ ذي كندة.
ولقد كان حديثه في ذاك هو الذي جعلَ أبي يروي لي بداية أمر ثقيف في الطائف، إذ سألتُه عن يوم غمر ذي كندة الذي قصَّ علينا الضريرُ من قصصه، وكان أبي يكره حكايات العجوز لما فيها من تسفيهٍ للعادات وإغفالٍ للََّّات، لكنَّ أمي ذلك النهار دلَّت عليه فتصبََّّر لي. لم أرَ قَط رجلًًا يحبُّ صاحبته كأبي، وقد اعتدتُ رؤيتَه يثني عطفه ويقول مومئًا إليها: هذه رقية بنت عبد شمس، أجمل وأكرم نساء المكَّتين.
أخبرني يومها أن بني عامر قديمًا كانوا يصيفون في وجٍّ ويشتون بأرضهم في نجد، وكانت مساكن ثقيف حول وجٍّ، فأعجبهم نباتها وطيبُ ثمارها، وقد كانت هذه الأرض أجملَ أراضي الحجاز، وكان لغزوان ما ليس لغيره من البردِ وطيبِ النسيم. وكان العربُ قديمًا يقولون إن هذه الأرض قد اقتُطعت من الشام لشدة تماثلهما في البهاء وكَرَمِ النبت. وكان بنو ثقيف أهلَ زراعةٍ لا ضرعَ لهم، وبنو عامر أهل ضرعٍ لا غِراسَ لهم، فلمََّّا رأت ثقيف هذه الأرض، قالت لبني عامر: إنَّ أرضنا هذه لا تصلح للزرع، وإنَّما هي أرض رعيٍّ، وأرضكم تصلح للزراعة ولها ما ليس لغيرها، ونراكم قد آثرتم الماشيةَ على الغِراس، ونحن أناسٌ ليست لنا مواشٍ، فهل لكم أن تجمعوا الزرع والضرع بغير مئونة، بأن تدفعوا إلينا أرضكم هذه فنثيرها ونغرسها ونحفر فيها الأطواء ولا نكلفكم، فإذا كان وقت حصادها، كانَ لكم النِّصفُ ولنا النِّصف بما عملنا؟
فرغب بنو عامر في ذلك، وسلَّموا إلى ثقيف أرضهم. فنزلت ثقيفُ وجًّا واقتسموا البلاد وزرعوها من الأعناب والثمار، حتى صارت وجٌّ جنَّةَ الحجاز كله، وحسدت العربُ ثقيفًا على ثمارهم.
فوفَّت ثقيف بما شرطت لبني عامر حينًا من الدهر. وبهذا الوفاء كان بنو عامر يمنعون ثقيفًا ممَّن أرادهم من العرب وحُسَّادهم. ومَن في العربِ يستبيح جوار بني عامر؟!
فلمََّّا كثرت ثقيف وشرفت، وعزَّت وأثْرَت، وخافت العربَ على أرضها، تحصَّنت وابتنت سورًا طائفًا حول المدينة، فسمِّيت وجٌّ بالطائف، ثم منعوا بني عامر نصيبهم وغدروا بهم، فلم يستطع بنو عامر أن يظفروا بهم في حصنهم.
فلمََّّا أمنت ثقيف، فرغت بطونها بعضُها لبعضٍ يسوقهم الطمعُ والأثرة، حتى صارت كل بطنٍ تضغن الشرَّ للأخرى.
فلم يلبثوا أن تقاتلوا داخل طائفهم!
تمزقت الأرحام وانقسم القوم على فريقين، فريق الأحلاف، وفريق بني مالك. وفي غلبةٍ للأحلاف على بني مالك طمعوا في أرضٍ لبني نصر! فعدوا عليها وقاتلوهم ولجَّتِ الحربُ بينهم، فاغتنم بنو مالك هذه الفرصة وحالفوا بني نصرٍ على الأحلاف. وهكذا فشت الحرب خارج ثقيف فكادت تميد بقبائل هوازن فيها، فكانت بينهم أيامٌ مشهورة عرفتها العرب ومنها يوم «غمر ذي كندة» الذي ذكره لنا العجوز.
وليتهم اكتفوا بما أصابوا من بعضهم وسفكوا من دمائهم.
فقد خرج بنو مالك يريدون حلفًا مع قبائل دوس وخثعم على أبناء عمومتهم وأرحامهم، وكذلك خرج الأحلاف إلى يثرب يطلبون حلف الأوس والخزرج!
قال أبي: ولعمري لو احتلفوا، لأكلت الحربُ أهلَ الحضر.
لكنَّ أُحيحة بن الجلاح سيد الأوس لمَّا قدم عليه وفد الأحلاف وقالوا له: ألا تقاتل مع إخوانك يا أحيحة؟ ردَّهم وقال: ويلكم، إنما إخوانكم الذين تركتم وراءكم وقد أصبتم منهم ما أصبتم، ارجعوا إليهم فصالِحِوهم ولو بجدع أنوفكم، ولا تشمتوا بكم العرب إذ أنتم جميعًا لهوازن. فعاد الأحلاف وصالحوا بني مالك ومَن معهم، فوضعت الحرب أوزارها، وسكنت هذه الأحياء. وصارت على
حالها الذي نشأتُ فيه، مقصدَ العرب من كل حدب، يتفيئون ظلالها وينعمون بثمارها ويداعبهم نسيمها، وليس في بلاد العرب كنخيلها وأعنابها. كانت ثمرةً في فلاةٍ واسعة.
ذلك القصص كان أول عهدي بأن ثقيفًا قد أخذت أرضها مكرًا وغلبةً. وأنَّ بطونها تقاتلت. وأنَّ رجلًًا من بني قيلة هو الذي ردَّ القوم إلى رشدهم.
يا حُرّ، أمرُ الطائف تعرفه العربُ، لكنه حازَ في نفسي مكانة ومكان، فقد كانت تلك الواقعة التي دَرَسَ أثرُها وقلَّ ذكرها إحدى نُعُوت نبي العرب المنتظر التي ذكرها إبشو في كتابه لي!
وفي اليوم التالي لذلك اليوم سمعتُ أبي يفصحُ لأمي عن مناجاته ومالك بن زهير حين كنا في ديار عبسٍ، فلم أُحسِن سماع إلََّّا كلماتٍ قليلة فهمتُ منها أنَّ مالكًا كان يحذرُ أبي من أمرٍ سَيُلِمُّ بي، قد أطلعه عليه خالد بن سنان قبل موته، فلم أفهم شيئًا ساعتها!

