قصة قصيرة لمالك رابح: شيلَّاه

طارق عطوي، "الانجراف".

مالك رابح   By • 16 FEBRUARY 2026

مجموعة من الأصدقاء في رحلة قصيرة إلى السيد البدوي، ليس بغرض طلب شيء منه كما يفعل الناس عادة، لكن ربما بلا غرض على الإطلاق.

الأمل قشر برتقال، من إصدارات وزيز، 2026.

تعوَّدتُ أن أنكِّت على الموضوع. لم يكن السيد البدوي هدفي، في الواقع لا أعرف الكثير عنه، لكن حقيقة أن لي صاحبًا يحمل الاسم نفسه شيء رائع، طلعتها من عِبِّي ورشقتها في وجه الغرباء لتسليك الوقت، أو رميتها كعلبة السجائر على الترابيزة لدحرجة الليل الطويل. وعلى عكس الرجل الكبير في مقامه، كان صاحبي بلا بركات متداوَلة، إلا لو، وهذا ما أصدقه، اعتبرنا البَرَكة امتلاكه مكانَ لَهْوِنا لسنوات. ذلك المكان -غرفة خارجية ملحقة ببيت العائلة- حافظ على التصاقنا معًا، نحن أصحابه دون أسماء مميَّزة، بصورة عجيبة تعرَّفنا عليها لاحقًا ومتأخِّرًا، ولا أودُّ أن أقول بعد فواتِ الأوان. جده، والذي سُمِّي صاحبي على اسمه، وهكذا، حسب كلام صاحبي نفسه، نُقل سبق الإصرار والترصد من حِجر الأب إلى حِجر الجد الأكبر، وربما لهذا الاتصال المباشر بالذات، كانت له بَرَكة أو بَرَكتان يشهد عليها الناس، في غزل شبه أسطوري، للقديم والغامض والمتمدِّد. في أي عائلة، دائمًا هناك رأس يمضي في الخانة ويغطي الحضور في هذا القسم، الفارق الوحيد أن الجد امتلك الاسم؛ ممَّا ضاعف رصيده. شيء لله يا سيد يا بدوي، كنَّا نقول له. وأخمِّن أن صاحبي السيد البدوي كان يستمتع سرًّا بالأمر، رغم كونه لا يُحتمل أحيانًا. كان هناك موصِّلو الطلبات وشكواهم الدائمة من طول المسافة إلى طنطا، وكان هناك المدرِّسون المتسائلون عن حضوره إلى المدرسة أثناء المولد، وآخرون متمسِّحون ببَرَكته ووداعته في الرّاحة والجايّة. والنكتة المفضَّلة عنده، أن الرَّبَّ كريم، اقتصَّ من أيام ميلاده (وُلِد صاحبي في ٢٩ فبراير)، وأعطاه بدلًا من ذلك أسبوعًا كاملًا.
وعلى النقيض من المنتظر منه، لم يَزُر صاحبي السيد البدوي. كانت أمامه الفرصة لكنه اختار ألَّا يعقِّد الأمور. زار طنطا مرات عديدة، كما زار تقريبًا كل مدينة وقرية في الوجه البحري؛ كعب دائر مُلحَق بمكتب محاماة، تناديه الأوراق من كل اتجاه. لم يدفعوا له الكثير، لكنه أحبَّ الوظيفة، لأنه يصحو على مزاجه ويطوف في البلاد، يتكلَّم كثيرًا مع الناس، ويكدِّس على هاتفه المحمول صورًا لليافطات التي ترحِّب بالسادة الزائرين. في سياحته الداخلية هذه، توصَّل إلى نظريات -كنَّا، ساخرين، نُسمِّيها فذلكات- عن الناس في البلد، عن شكل القرى والمدن، والتقاطعات التي لا نراها. وفي جلساتنا في الليل، كان يشاركنا نظريات، أقل ما يقال عنها إنها جامحة، لكنها كانت في أكثر الأوقات، وبطريقة غريبة، منطقية. كنَّا ضاربين حتى العمى كي نتذكَّرها فيما بعد، وإذ تذكَّرناها في يوم العمل العادي قلنا مثالية. وضحكنا. ما الذي تعنيه يا سيد حين تقول إنَّ كلنا على الأرض دي واحد وكل واحد مشتاق لحضن أخوه أكتر من أي شيء تاني بس ناسيين ومش عارفين؟ ماذا تعني يا سيد أن هذا البلد بيت مسكون بأرواحٍ في قبوه تبحث عن خلاصها من أول عمود ضُرِب فيه، ولأن لا أحد يستجيب لها تطلع العفاريت للساكنين وتركب ميتينهم؟ ماذا تعني لمَّا تنظر مطوَّلًا للواحد منَّا وتطلق تلك البَسَّة الخفيضة من شفتيك وتقول إن الأمل قشر برتقال، وماذا يعني الأمل قشر برتقال يا صاحبي؟ تقول لا أعرف، لكنِّي أحسُّه في عظامي وكل حتة في جسمي، ويكون كل ما أفكر فيه أن الأمل قشر برتقال، طيب يا سيد الأمل قشر برتقال وبعدين؟ ثمة ما كان يتكوَّن في داخله، ومع أنه لم يكن يحسن التعبير عنه، كان يحاول أن يضعنا على نفس الطول المَوْجيِّ كي نحسَّ به. لم يكن الموضوع بمزاجه؛ انتبه فقط لما يحدث، وبدت الأشياء الأخرى، التي يسعى إليها آكِلو العيش، ضئيلةً بالمقارنة. أخبرنا مرَّةً أن حلمه الوحيد هو أن يَخيط كل هذه الأرض السمراء بقدمين حافيتين، وكما قلت، كنَّا ضاربين كي ندرك أنه يتكلم بجد. ما الذي كان ستنتهي عليه الحكاية لو قُدِّر له أن يكمل في مساره؟
لم يعجب الأب أن يظل الابن هكذا، بلا شغل حقيقي أو مستقبل مضمون. عاطل في الغرفة الملحقة ويصاحب شِلّة صِيَّع يعلو نباحهم في الليل. كانت معركة طويلة، استنفد فيها الأب كل ما في ترسانته من سخرية لاذعة وأحاديث عن خيبة أمله الكبرى. كان الأب بارعًا في استغلال طرق تهييج محتويات خزَّان الذنب الأبدي، تجاه الآباء والأمهات اللي عارفين مصلحتنا، واللي عاوزين يشوفونا أحسن ناس، استهلك مناورات رضا الوالدين وعقوق الوالدين، والهدف الذي خَلَقنا من أجله ربنا، والهدف الذي هو أنت من زمان وأهمية تقفيل اللعبة مثل الجميع والعودة إلى حجر القَدَر. حافظ السيد البدوي على موقعه، باستبسالٍ يليق بالقدِّيسين، لكن سلسلة من العثرات الاقتصادية والأمنية ووعكات صحية صغيرة نزلت بالأب، حلبتها وفندقتها وهوَّلتها العائلة، حتى العمَّات بلا أسنان، أجبرت صاحبي على التقهقر. وكما لو أن العجلة كانت في انتظار إعلان استسلامه طول هذا الوقت، حصل السيد البدوي، الذي حدثنا يومًا عن كيف وجد الرب في قرية صغيرة في المنوفية وهو يسمع أغنية لسيد درويش، على عَقد عمل في السعودية. ورحل.
ربما لم يحمل صديقي البَرَكة إلى هناك (قبل كل شيء أتخيَّل غُربَته في أرضٍ ليست أرضه)، لكنه بالتأكيد سحب البَرَكة من هنا. هذا ما فكَّرتُ فيه.

اقتربت مرة من زيارة مزار السيد البدوي. اقتراح مفاجئ من أصحابي على القهوة، شرعوا في تنفيذه دون تخطيط في الليل. أردتُ أن أقبض معهم على التجربة الجديدة من قفاها، وغالبًا بسبب حماستي الزائدة، انزلقت قدمي على سُلَّم العمارة بينما كنت أصعد مُسرِعًا لجلب محفظتي. التوى كاحلي وبَعُدَت الشُّقَّة. فكَّرتُ، ماذا سيحدث لي إذا ذهبت؟ لن تسوء الأمور أكثر. ربما هي بهدلة المواصلات فقط. آه، اقترب منتصف الليل وفرصة أن تجد ما يُخرِجك من البلدة تقريبًا معدومة. وماذا بعد البلد؟ قها، طوخ، سندنهور، الشُّمُوت، بنها؟ سلسلة من الأسماء القديمة الفرعونية إلى طنطا، ومن طنطا إلى الله أعلم فين داخلها. ارتديت قميصًا مكويًّا وبعد مشقة البنطلون وتمدَّدت على السرير. عقلي على تردُّده، وفي النهاية، استيقظت على صخب العصافير ورصَّة رسائل وڨيديوهات من أصحابي على الواتساب عن ليلة أمس.

طارق عطوي، “الانجراف”، عرض التركيب، 2023 (صورة توماس لان، بإذن من غاليري شانتال كروسيل).

أخبرني أصحابي أنهم لم يجدوا مشكلة في المواصلات. أوصلهم واحد معرفة بسيارته إلى الطريق الزراعي، وعلى الطريق الزراعي النائم تقريبًا، كان هناك في الجنب أوتوبيس. كالمبخرة والله يا صاحبي، ناقص بس حد يهزّه من فوق، قال محمد مصطفى. نادى سائق الأوتوبيس من النافذة السيد البدوي، السيد البدوي. لم يستطيعوا تصديق الأمر. أنوار زرقاء تلفُّ الأوتوبيس من الداخل وصوت ياسين التهامي يجلجل من الكاسيت. سألوا الحاضرين في تشكُّك هياخدنا ده للسيد البدوي بجد؟ كانت علامة في منطقة يتعذَّب الواحد ليجد مواصلة لشبرا الخيمة، قال أحمد محمد. وأضاف محمد أحمد، وقتها عرفت إن السيد البدوي حاجة كبيرة فعلًا. شاهد أصحابي من زجاج الأوتوبيس رجالًا في ملابس متباينة يخرجون من الحقول والحارات المعتمة ويعبرون جماعاتٍ كالأشباح الطريق الزراعي مُهلِّلين وذاكرين الله، والسيد البدوي، وأي حد داوى مريضًا أو جبر مكسورًا حزينًا، بصوتٍ عالٍ، ونساء يرتدين الجلابيب الملوَّنة تخطِّي الواحدة منهنَّ في تؤدة وهي تسحب عيِّلًا أو تحتضن جسدًا مُغطًّى بشالها وتهمس على ما يبدو رأسه بكلمة حنينة. كنت أحسُّ أننا في فيلم سوريالي، أوضح لي أحمد محمد. ولما امتلأت المقاعد وكذلك الممر، صرخ أحد المريدين جايّينلَك من بعيد يا حبيب، آه والله من بعيد. قال راكبٌ لأصحابي، بقى جايين للسيد البدوي، تعرفوا إيه عن السيد البدوي؟ ردَّ عليه چورچ ملاك نعرف كتير، ده صاحبنا من زمان يا جدع. ألقى السائق، قائد الرحلة، كلمات قليلة وما بدا كتعليمات غائمة، اتَّضح السبب منها لاحقًا.
أغلق التَّبَّاع الباب أخيرًا. أخرج السائق سيجارة بانجو ضخمة من يده، وبينما كان يطلع بالأوتوبيس من رقدته، زعق التَّبَّاع وهو يهزُّ لفافة حشيش، سبحان الذي سخَّر لنا هذا، وردَّ عليه السائق وهو يُشعِل سيجارة البانجو، وسبحان الذي سخَّر لنا هذا.
من هذه النقطة لبعدين، كل واحد عنده قصته. أحمد محمد عنده قصته، محمد مصطفى عنده قصته، وچورچ ملاك عنده قصته. بذور في البداية. لكنَّ البذور كبرَت مع الوقت لتقترب القصص من الخرافة، بتفاصيل جديدة، أصدِّقها ليس لأنها صادقة، أصدِّقها لأنها جميلة. كانوا يعودون إلى رواية القصص كلَّما وجدوا الفرصة، وكنتُ أحثُّهم على هذا، بمرارةٍ حاولت إخفائها. فكل واحد عنده قصته، ما عدا محمد أحمد.
امتلك محمد أحمد صدرًا واسعًا، وفمًا لا يسأل، طول الطريق يرصُّ السحابة فوق السحابة، ورغم وجوده الطاغي في الصور والفيديوهات، وعدم اختلافه عن البقية، فإنه لا يتذكر أي شيء على الإطلاق. لكنهم يتذكرونه هو بالذات. الطريق الزراعي لم يبدُ بلا نهاية، بل أسوأ: دائري، نلفُّ على نفس الأماكن ونفس المباني، دون أن تتغيَّر. يقول محمد أحمد للسائق ما تغيّر الشريط، كده مش هنوصل لسيد وهو بينام بدري. يسرح بعيدًا عنهم في المدينة الغريبة، وعند التعب يرتاح عند نَصْبة شاي لسِتٍّ عجوز، تقول عرَضَت عليه بنت حكاية قال مش مزاجي يا أمي ونام على حِجري. حضروا جلسة ذِكر، ناس في الأحمر والأخضر يتمايلون، زحام وزعيق وضرب على دفوف وأضواء خضراء وصفراء أرهقت العين، وميكروفونات وشيخ يذكر الله بين أنفاس الحشيش، يقول للناس اقتربوا سأخبركم سرًّا، ربنا في كل واحد فينا، فيسعل محمد أحمد بكل طاقته. يعيدون عليه كل هذا فيقسم أنه لا يتذكر. لا يتذكر كيف وصل إلى المقام، وأمسك فيه بيديه وأسنانه، وقال للناس ما تقلقوش صاحبي طيِّب لسه راجع البلد، صح النوم بقى يا سيد الناس كلهم هنا.

قلت مسألة وقت وأذهب إلى هناك. ولم يحدث. سألني قبل سنوات زميلُ عملٍ من التجمع عن بعض التفاصيل تخصُّ الرحلة إلى طنطا والسيد البدوي، وعرض عليَّ مرافقته. كان من حفريات التنوير والتَّبوُّل على ما وراء الجاموسة لكنها رغبة صاحبته المجريَّة ورغبته الأزلية في الصَّنفرة. وضَّحتُ له أني أعرف بنها وليس طنطا. قال هو مش كلكم حتَّة واحدة. وأظن أنه كان يعتقد أن الوجه البحري كله تزوَّج وقعد في بيت أبيه. قلت له لا أعرف طنطا. لكنِّي عرفتها لاحقًا. أو على الأقل بعضها حين دخلت في علاقة بعيدة مع بنت من هناك، تضمَّنت تبادُلًا من وجهة نظر ثقافية بحتة للزيارات. مرة اقترحتُ، ربما بتأثير سرد أصحابي لقصصهم، أن نذهب سوية إلى هناك. سخرت قليلًا مني، وأخبرتني أنهم لا يذهبون إلى هناك. ربما كان عليَّ أن أستشفَّ هذا، ففي موعدنا الأول قلت لها إن السيد البدوي صاحبي، ولم تضحك.
لكن إن لم أذهب إلى السيد البدوي -صاحبي وصاحب المقام- فهذا ليس معناه أن السيد البدوي لا يجيء إليَّ، وفي قريتي. كنت اتَّفقتُ مع محمد أحمد وچورچ ملاك على الذهاب إلى حفلة لباند متوسط المستوى من فترة مراهقتنا، في أحد المولات الضخمة البعيدة عن العاصمة. ارتدوا الچينز وچواكت الجلد وغنّوا أغاني جديدة، مَخصيّة بلا طعم لم نفهمها، والموسيقى كانت كما لو كَتَبَتها آلة. حتى الحشيش فشل في رفع المستوى. كنَّا عواجيز الفرح، رجعنا إلى الخلف ودخلت مع محمد أحمد في حوار عن الزمن -المفهوم وأغنية عمرو دياب- في حين، وكما يليق بشخص طويل لا يفتح فمه كثيرًا، نجح چورچ ملاك في الصيد. لوَّح لنا مودِّعًا واختفى في الصفوف الأمامية. لم يرجع معنا.
انتهت الحفلة متأخِّرًا أكثر ممَّا ينبغي. كان التنظيم سيئًا وقت الخروج، والمكان مقطوع. اكتشفنا أننا نسينا محفظتَيْنا بكل شيء في حقيبة ظهر چورچ ملاك، حاولنا الاتصال به لكن هاتفه كان غير متاح، وكانت فكرةً سيئة انتظاره عند إحدى بوابات الخروج. بسجائر معدودات وملاليم في جيوبنا، خرجنا إلى الطريق السريع بعد منتصف الليل، بأيادٍ مشرعة. بعد نصف ساعة توقَّفَت سيارة نيسان صاني وأخذتنا معها. السائق كان رجُلًا كبيرًا، تحدَّث عن العيال الخولات بتوع الحفلات اللي هيبوَّظوا البلد. كنت أنظر في المرآة إلى محمد أحمد في المقعد الخلفي، يكتم الضحكة بالكاد ويلفُّ سيجارة. نزلنا في مكان مظلم على الدائري، مع إرشادات عائمة لم نلتزم بها. كنَّا في تعب، توقَّف ميكروباص أمامنا، سمع محمد أحمد الوجهة خطأً. نزلنا أمام كشك متهالِك، اقتربنا من الرجل الواقف هناك في چاكيت شركة صيانة بترولية وتلفيحة. إحنا فين؟ سألناه. كانت قرية من قرى القليوبية. أخبرنا أنه لا توجد مواصلة مباشرة لوجهتنا، وأنه علينا أن نطلع إلى الدائري، والطلوع إلى الدائري يلزمه قطع القرية بالكامل إلى الناحية الأخرى والركوب من الموقف هناك. مكانش لازم تنزلوا هنا. شكرت الرجل وأخذت أتَّصِل بمن يقدر على مساعدتنا. طلب محمد أحمد أوراق بفرة من الرجل، وجلس في رُكنٍ ولَفَّ سيجارة ثانية. تساندنا، ومشينا في شوارع تشبه شوارع قريتنا، وبين بيوت تشبه بيوت قريتنا. الأضواء كانت نفسها، صفراء، وكذلك الصوت الساري في الليل، مكتوم كغناء طالع من بطن الأرض، كصدى لعُرس يحدث خارج القرية. يافطات المحلَّات حملت أسماء لم تفرق عن الأسماء عندنا، والمصاطب كُدِّست بعيال تكلَّموا نفس الكلام. وجه واحد يا رب، وجه واحد مألوف كان ينقصنا. وجه واحد فقط ونقف تحت إحدى البلكونات وننادي أن يحدف لنا أحدهم المفتاح، ونقول وصلنا، وصلنا أخيرًا. كل منعطف كنت أحسبه غرزة، غرزة سنطلع منها متطوّحين إلى ناصية شارع رئيسي في قريتنا نحيِّي اللعبة الحلوة ونقول آمين. كنت ألتفت إلى محمد أحمد، وكان محمد أحمد يلتفت إليَّ. أرجعنا التشابه المدهش إلى الحشيش، ولمَّا وصلنا إلى موقف الميكروباص، بدا وكأننا نغادر قريتنا.
رجعنا إلى الدائري، ومن الدائري إلى الزراعي، ومن الزراعي إلى تخريمة صغيرة بين الحقول. وقفنا على الطريق المقطوع المؤدِّي لقريتنا لساعةٍ تقريبًا. انتشلتنا بيچو سبعة راكب في اللحظة التي قرَّرنا فيها أن نمسك اليم ونمشي إلى البلد. لم يكن ما معنا يكفي للأجرة، ونخزني صباع طويل من الكنبة الورانية، واحد من ميّة يا أخويا. التفتُّ وعلى لساني شتيمة، فلقيت شابًّا جروديًّا أصغر مني بكذا سنة، يلبس طربوشًا أحمر مكتوب عليه “الله”، وصديريًّا نفس اللون، على قميص مخطَّط. ضحكت. كان بقية الركاب يسخرون منه ومن المكان الذي لفظه، والشاب كان هو الآخر يردُّ السخرية وهو يميل كالمنشدين. أيًّا يكون مَن يراه، فإنه يدرك كم هو مبسوط ومتناغم مع نفسه. قبضت على الفلوس وحاولت جذب انتباه محمد أحمد. بُصّ بُصّ يا صاحبي. كان مُركِّزًا في شيء آخر.
ركنت البيچو على جنب في الكمين. كانت هناك سيارات ملاكي وسيارات شرطة وبوكس ممتلئ وآخر نصف فارغ. طلبوا منَّا بطاقات تحقيق الشخصية. وكانت البطاقات، في هذه اللحظة كما عرفنا فيما بعد، على سرير يزيّق مع أقل حركة في قلب القاهرة. يابن الكلب يا چورچ، لم أعرف ماذا أفعل. خبط أمين شرطة على الشباك كي يوقظ محمد أحمد الذي عمل نفسه نائمًا. كان خبيرًا بالكمائن لدرجة أن يكتب كتابًا. مَدينًا لاسمه بالطبع، محمد أحمد محمد أحمد، سيق أكثر من مرة إلى البوليس. مرة بتهمة التَّعدِّي على الأراضي وحيازة سلاح بدون ترخيص، ومرة بتهمة التَّهرُّب من دفع نفقة والإخلال بالآداب في مكان عام، وسرقات عديدة، وعدد واحد ضرب أفضى إلى موت. عنده ورقة لإثبات تشابُه اسمه مع كل تهمة، المشكلة أن كل مرة بتهمة جديدة. مش عارف ليه الناس محتاجة تقرا علشان تعيش تجارب حيوات مختلفة، كان محمد أحمد يقول، اسم واحد بسيط زي اسمي كفيل بده. والآن، لأول مرة، كان على وشك تجربة شيء جديد. وأنا معه بالطبع.
مدَّ الضابط رأسه إلى البيچو، كل تفصيلة بخصوصه كانت تقول إنه جديد في المكان وجائع، مَبْضون ومتأخر في ترقيته. مِلتُ على جانبي ومثَّلتُ أني أخرج البطاقة من الجيب الخلفي. نقر الضابط بإصبعين وقال أنت، لابس كده ليه؟ كان يقصد الشاب في الطربوش الأحمر والصديري. قال له كنت راجع من عند الحبيب السيد. والحبيب ده فين؟ سأل الضابط. الحبيب ده فينا كلنا، قال الشاب. قال الضابط، طيب انزل لي هنا. نقر بإصبعين مرة أخرى وقال لأمين الشرطة الممسك بالبطاقات، رجَّع لهم البطاقات ومشِّيهم.
تحرَّكت البيچو ببطء. التفتُّ إلى الوراء كما في حلم، وعبر الفراغ الذي تركه الشاب، عبر الفراغ الذي من دونه لم أكن لأرى شيئًا، والزجاج المغبش، رأيت في ضوء عمود الكهرباء الأصفر، كذكرى بعيدة أو حَدْس قريب، الضابط يسحب -ضَجِرًا- نَفَسًا من السيجارة، بينما أحد أمناء الشرطة يلفُّ ويزغد الشاب في مفصل الكتف. تراجع الشاب إلى الوراء، خلع الطربوش الأحمر وحمله كالسُّلطانية في يده، وفي غفلة من الخيالات حوله، وضعها على رأس الضابط. نظرت أمامي بسرعة قبل أن يحدث قطع في المشهد.
لم يرَ محمد أحمد ذلك. قلت له مش بيفكَّرك بحد ده؟ لم يرُدَّ. ظلَّ مُحدِّقًا في الفراغ أمامه لفترة طويلة، ويده مقبوضة. مَرَّرتُ المائة جنيه إلى الأمام وقُلت، اتنين من مِيَّة يا أخويا، ولمَّا قابلنا اليافطة التي تعلن عن البلد، البلد التي ليس لنا غيرها، بلدنا التي تقول إنها ترحِّب بنا، فتح محمد أحمد قبضته على قطعة حشيش كبيرة، وقال بهدوء سبحان الذي…

مالك رابح

مالك رابح

مالك رابح، كاتب ومدون مصري، مواليد 1995. تخرج، رغمًا عنه، في كلية الهندسة ببنها. يهوى المشي وإضاعة الفرص. رياضته المفضلة، ويمارسها في أوقات فراغه، هي الوصول المتأخر إلى اكتشافات صغيرة، ينساها لاحقًا. يهتم بالسينما، ويكتب عنها أحيانًا. بالإضافة إلى نشاطه على مدونته، نشرت خربشاته في آخر قصة، مجلة فم، ختم السلطان وكتب مملة، كما نُشرت مقالاته على موقع الكتابة وموقع إضاءات. أصدرت له دار تنمية رواية بيت الولد في يناير 2025.

حاليًا، يقضي ساعات العمل وهو يحلم بالصعود إلى جبل، ربما يتغير شيء هناك. وفي الإجازات، يحاول أن يكون رواقيًا ويؤمن أن أكثر من أمطرت السماء عليهم حظًا هم أولئك الذين يرحلون عن الحفلة في الوقت المناسب، وأولئك الذين يشكون عند كل زاوية أنهم على خطأ. كل ما يتمناه، في النهاية، هو أن ينتمي لكليهما.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Fiction

قصة قصيرة لمالك رابح: شيلَّاه

16 FEBRUARY 2026 • By مالك رابح
قصة قصيرة لمالك رابح: شيلَّاه
Arabic

قصة قصيرة لأحمد فؤاد الدين: المقبرة

26 JANUARY 2026 • By أحمد فؤاد الدين
قصة قصيرة لأحمد فؤاد الدين: المقبرة
Arabic

قصة قصيرة لسهيلة رمضان: لا مرئية

19 JANUARY 2026 • By سهيلة رمضان
قصة قصيرة لسهيلة رمضان: لا مرئية
Arabic

قصة قصيرة لابتسام عازم: قناص

12 JANUARY 2026 • By ابتسام عازم
قصة قصيرة لابتسام عازم: قناص
Arabic

قصة قصيرة لأحمد كامل: موعد على العشاء

22 DECEMBER 2025 • By أحمد كامل
قصة قصيرة لأحمد كامل: موعد على العشاء
Arabic

قصة قصيرة لبلال حسني: الأزهار المسكِرة

20 OCTOBER 2025 • By بلال حسني
قصة قصيرة لبلال حسني: الأزهار المسكِرة
Arabic

قصة قصيرة لأحمد جاد الكريم: وحيد على حافة الموت

13 OCTOBER 2025 • By أحمد جاد الكريم
قصة قصيرة لأحمد جاد الكريم: وحيد على حافة الموت
Arabic

قصة قصيرة لعلي المجنوني: جلسة علاج نفسي مجانية بمناسبة زيارة الرئيس

6 OCTOBER 2025 • By علي المجنوني
قصة قصيرة لعلي المجنوني: جلسة علاج نفسي مجانية بمناسبة زيارة الرئيس
Arabic

قصة قصيرة لمحمد عبد الجواد: هذه ليست قصة عن جورج وسوف

29 SEPTEMBER 2025 • By محمد عبد الجواد
قصة قصيرة لمحمد عبد الجواد: هذه ليست قصة عن جورج وسوف
Arabic

قصة قصيرة لحسين فوزي: باللمبة النيون قام

8 SEPTEMBER 2025 • By حسين فوزي
قصة قصيرة لحسين فوزي: باللمبة النيون قام
Literature

قصة قصيرة لمحمود سليمان: على الرغم من كونه بلطيًا…

25 AUGUST 2025 • By محمود سليمان
قصة قصيرة لمحمود سليمان: على الرغم من كونه بلطيًا…
Arabic

قصة قصيرة لمحمد النعاس: سن الحمامة الذهبية

25 AUGUST 2025 • By محمد النعاس
قصة قصيرة لمحمد النعاس: سن الحمامة الذهبية
Fiction

قصة قصيرة لبدار سالم: نونينال-2

18 AUGUST 2025 • By Badar Salem
قصة قصيرة لبدار سالم: نونينال-2
Arabic

قصة قصيرة لهدى الوليلي: قطارات فائتة

11 AUGUST 2025 • By هدى الوليلي
قصة قصيرة لهدى الوليلي: قطارات فائتة
Literature

قصة قصيرة لنسرين خليل: تسعة أرواح

4 AUGUST 2025 • By نسرين خليل
قصة قصيرة لنسرين خليل: تسعة أرواح
Literature

قصة قصيرة لآلاء عبد الوهاب: تلك العين البعيدة جدًا

28 JULY 2025 • By آلاء عبد الوهاب
قصة قصيرة لآلاء عبد الوهاب: تلك العين البعيدة جدًا
Arabic

قصة قصيرة لمروان عبد السلام: دمية الإله

28 JULY 2025 • By مروان عبد السلام
قصة قصيرة لمروان عبد السلام: دمية الإله
Arabic

قصة قصيرة لمحمد عبد الجواد: عمرو دياب لا يأكل ماكدونالدز

21 JULY 2025 • By محمد عبد الجواد
قصة قصيرة لمحمد عبد الجواد: عمرو دياب لا يأكل ماكدونالدز
Arabic

قصة قصيرة لهبة عبد العليم: قبيل النهاية بقليل

21 JULY 2025 • By هبة عبد العليم
قصة قصيرة لهبة عبد العليم: قبيل النهاية بقليل
Arabic

قصة قصيرة لسميرة عزام: أسباب جديدة

14 JULY 2025 • By سميرة عزام
قصة قصيرة لسميرة عزام: أسباب جديدة
Arabic

قصة قصيرة لأحمد الفخراني: كازانوفا بلا أجنحة

14 JULY 2025 • By أحمد الفخراني
قصة قصيرة لأحمد الفخراني: كازانوفا بلا أجنحة
Arabic

قصة قصيرة لمي المغربي: النوم أمام قهوة الجمهورية

30 JUNE 2025 • By مي المغربي
قصة قصيرة لمي المغربي: النوم أمام قهوة الجمهورية
Arabic

قصة قصيرة لإيمان اليوسف: القلب الزجاج، القلب الهواء

23 JUNE 2025 • By إيمان اليوسف
قصة قصيرة لإيمان اليوسف: القلب الزجاج، القلب الهواء
Arabic

قصة قصيرة لمحمد فطومي: الدور

16 JUNE 2025 • By محمد فطومي
قصة قصيرة لمحمد فطومي: الدور
Arabic

قصة قصيرة لإيمان عبد الرحيم: فصام

9 JUNE 2025 • By إيمان عبد الرحيم
قصة قصيرة لإيمان عبد الرحيم: فصام
Arabic

قصة قصيرة لإيمان اليوسف: تثغى

2 JUNE 2025 • By إيمان اليوسف
قصة قصيرة لإيمان اليوسف: تثغى
Arabic

قصة قصيرة لوجدي الكومي: نظر طلب لجوء سيد الفلك

2 JUNE 2025 • By وجدي الكومي
قصة قصيرة لوجدي الكومي: نظر طلب لجوء سيد الفلك
Arabic

قصة قصيرة لأحمد الفخراني: كغيمة مرت

12 MAY 2025 • By أحمد الفخراني
قصة قصيرة لأحمد الفخراني: كغيمة مرت
Arabic

قصة قصيرة لكريم عبد الخالق: كابوري يا روبي

12 MAY 2025 • By كريم عبد الخالق
قصة قصيرة لكريم عبد الخالق: كابوري يا روبي
Arabic

قصة قصيرة لفادي زغموت: اختياراتي مدمرة حياتي

17 MARCH 2025 • By فادي زغموت
قصة قصيرة لفادي زغموت: اختياراتي مدمرة حياتي
Arabic

مقتطف من رواية مالك رابح: بيت الولد

10 MARCH 2025 • By مالك رابح
مقتطف من رواية مالك رابح: بيت الولد
Arabic

ثلاث قصص قصيرة للكاتبة العمانية ليلى عبد الله

17 FEBRUARY 2025 • By ليلى عبد الله
ثلاث قصص قصيرة للكاتبة العمانية ليلى عبد الله
Arabic

تلويحة للسماء

10 FEBRUARY 2025 • By نهلة كرم
تلويحة للسماء
Arabic

ليل حيفا الطويل

10 FEBRUARY 2025 • By مجد كيال
ليل حيفا الطويل
Arabic

ممكن نتواصل مع حضرتك؟

20 JANUARY 2025 • By مي المغربي
ممكن نتواصل مع حضرتك؟
Arabic

حديد في الهواء

20 JANUARY 2025 • By علي المجنوني
حديد في الهواء
Arabic

قصة قصيرة لكارولين كامل: مرجانة

23 DECEMBER 2024 • By كارولين كامل
قصة قصيرة لكارولين كامل: مرجانة
Arabic

قصة قصيرة لضياء الجبيلي: الدمية ذات الوشاح الأرجواني

11 NOVEMBER 2024 • By ضياء الجبيلي
قصة قصيرة لضياء الجبيلي: الدمية ذات الوشاح الأرجواني
Arabic

قصة قصيرة لنورا ناجي: يقين

11 NOVEMBER 2024 • By نورا ناجي
قصة قصيرة لنورا ناجي: يقين
Arabic

قصة قصيرة لعبد الله ناصر: شارب فريدا كالو

11 NOVEMBER 2024 • By عبد الله ناصر
قصة قصيرة لعبد الله ناصر: شارب فريدا كالو
TMR Bil Arabi

قصة قصيرة لأحمد وائل: ولو في الصين

4 NOVEMBER 2024 • By أحمد وائل
قصة قصيرة لأحمد وائل: ولو في الصين

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

13 + six =

Scroll to Top