في قصة قصيرة جديدة لسهيلة رمضان، نرى أحلام تندمج في تأملات أدبية ووجودية، إلى أن تختفي تمامًا.
عندما استيقظت أحلام ذات يوم، كانتْ غير مرئية.
في البداية أحسّت أنّها لم تفتح عينيها، لم تشعر بحركة الجفنين. وعندما قامتْ عن السّرير، لم تطأ قدماها الأرض، بلى، داستها، لكنها لم تستشعر احتكاك باطن قدميها بها. وما إن مرت بالمرآة حتى أيقنت من أنَّ ما توقعته قد نزل بها.
اختفتْ. كل إنشٍ فيها.
كانت تلك نهاية منطقية لما حدث. بعد كم السعادة الذي زارها يومَ قبَّلها نبيل في المصعد، لا بُدَّ أن تحلّ المأساة.
قالتها له مرارًا مذ أن كانا معًا في الكلية، كلما تذمَّر من مسرحيات شكسبير.
– الأصل في الحياة المأساة.
في كلّ مرَّة كان يبتسم، لم يسألها قط تفسير الجملة، ولم تتفضّل بالإجابة. ظنته لا يهتم بفتح حوارٍ عمَّا قد يَمسّ كامنًا فيها، الأصل عنده أن تتسارع الكلمات من بين شفتيه حينما يكون الحديث عن الأدب -الأدب الذي يُفضله- والأفلام، وسبّ المحاضرين. عادةً ما كانت تحبُّ كلامه، سواءً أسهب أم أوجز، وأشد ما أحبته أنه يترك لها مساحةً كي تصمت، يقبل منها ألَّا تتكلم، وأن تشرد، وأن تكون كما هي.
إلَّا ذلك اليوم. يومَ كانا في استراحة الغداء في الشركة، أحضرت الشاي وجلست إلى جواره. كان يُقلِّبُ في هاتفه، بدا منزعجًا من تعليقات بعض الجمهور على فيلم «رامبو»:
– بخاف من الآراء الجمعية دي. ترفع ناس وتنزل ناس.
كادت تجيبه لكنّ لسانها غاب، كان يختفي ويظهر دونما سببٍ واضح. كانت الأعراض الأولية خدرًا وتنميلًا، ثم ثقلًا، حتى تطورت إلى غياب تام.
اكتفت بإيماءة. لمَّا لم يسمع منها ردًا اختار موضوعًا آخر.
– تعرفي؟بافكر في قفل الفيس بوك شوية.
إيماءةٌ ثم ابتسامة قصيرة. أيها اللِّسان، من فضلك عُد ثانيتين.
– عالم غريبة. مش همَّ والعملا علينا.
إيماءةٌ ثالثة.
– آه فهمت، لحظات انطفاء أخرى؟ إذًا أُخلِّي لك المكان، أراكِ عند البصمة.
حتى الفصحى لم تقدر على مجاراته فيها. اكتفت بوليد ابتسامة.
كان يُحبُّ أنها تنصت إليه بُكلّ حواسها، تقدر على الاستماع حتى يكل القائل، ودائمًا ما قال: أحب أنَّك تفهمينني.
اعتبرتها حينها إعلان حُبٍّ مضمر، إعلانًا طالما تاقت سماعه.
بعد العمل دخلا المصعد معًا، هوى إليها بسؤال:
– تفتكري لو ارتبطنا، هتفضل الحياة مأساة؟
ابتسمت لكن دون إجابة، راقبته يدنو إليها حتى تعانقت شفاهما. جمدتْ. أن تقصيه أو تدنيه، ذلك هو السؤال، رفعت يدًا حتى تكون سدًّا بينهما ففوجئت أنها اختفت.
اليد. حتى الذراع.
هالتها تلك الفانتازيا، لكنّها لم تمرُّ بطرف نبيل، لعله رآها وظن أنَّها تلوذ بجسدها إلى العدم، اختار أن يُحرِّرها من قيد أسئلته.
ابتعد بعد حينٍ بابتسامة وطلب منها أن تُحدِّد موعدًا له مع والديها.
آه. المأساة.
كان يكفيها أن تخبرهما بذلك حتى يتخاصما: أيهما سيحمل الهم أكثر من الآخر. ماما طبعًا ستجري إلى الجيران لتعرف ماذا يقولون في تلك المناسبات من شروط وغيرها، وبابا سيتحمل عناء أن يكون وليها.
تمنت لو أنَّها طمأنتهما، لكنَّ اللسان تبخّر، ومعه الجانب الأيسر كله في جسدها.
أدركت أنَّ هيئتها الجديدة لها ميزات مختلفة. عندما نظرت إلى المرآة أُرسلت روحها المهجورة إلى ذلك المكان في لمح البصر بعد أن ظهر اسم المتجر في الجزء الأنشط فيها: عقلها.
لم تكن زيارة أحلام إلى متجر الكتب عبثًا. حينما دخلته على حين صدفة في المرة الأولى منذ خمس أعوام، زارها علي في أحلامها هذه الليلة دون نبيل.
عندما ظهر اسم علي من كومة أفكارها، توجهت عيناها إلى المكتب الأسود في نهاية أرضية الباركيه، حيث كان يأخذ قيلولة أو ما شابه. ظهره كان مستقيمًا، يستند إلى الحائط خلفه، بدا أنفه وكأنه يُميّز رائحة ما، عيناه مغلقتان، وجهه ينكمش كأنه في معركةٍ مع حلمه، أنفاسه متلاحقة. أرادت أن تضع يدها على كتفه، لذا، وجَّه عقلُها ذراعَها اليمنى لتستقر أعلى كتفه الأيسر. في هذه اللحظة، فتح عينيه على اتساعهما، وحدق إلى مكانٍ كانت تقف فيه.
هل عرف أنها هنا؟
لا تدري.
كانت مشدوهة، ليست على يقينٍ كافٍ أنه لاحظ حضورها الغائب، فعيناه لم تنظرا إليها تحديدًا وإنما إلى الاتجاه الذي تقف فيه.
سمعته يهمس: «هلوسة شميّة؟».
تلفت رأسه في جميع الاتجاهات، يضع إحدى يديه موضع يديها الشبحية.
طافت حوله، واتتها رغبة البكاء، لكن فيما يبدو أن هيئتها الجديدة ليست فيها تلك الخاصية، وُجهت يدها اليمنى إلى صدره، بالقرب من قلبه، فأحست به يزداد اضطرابًا.

همس:
– الأبعاد؟
كانت ذكرى مشتركة حيث تذكراها معًا في الوقت نفسه.
في يوم أحد، 2020، كان هو جالسًا إلى مكتبه، يراجع قائمة الكتب عندما دخلت المكتبة وبدأت تجمع الكتب من الأرفف. لمس نظارته وأشار إليها مرحبًا.
– محتاجة مساعدة؟
– كنت عايزة كتب عن الأساطير.
سار علي حتى الحاسوب. في غضون ثوانٍ قليلة وصل إلى العنوان المنشود. تناولت الكتاب، وقلبت صفحاته بسرعة.
– لو بتدوري على فكرة معينة أنا ممكن أساعدك.
سألته دون أن تحيد عن الكتاب:
– تفتكر إيه اللي يثبت لك إنّك إنسان؟
آه ذلك السؤال، سألته لغير صديق وصديقة، والإجابات كانت تضحكها. عندما سألت نبيلًا أجاب:
– ولا حاجة. أي إنسان ممكن يبقى أصله أي حاجة. الفكرة بعد ما بقى إنسان هيعمل إيه؟
وأحبت الإجابة. لكنْ علي أجاب:
– إني شايفك؟
كان يضع يده اليُمنى على كتفه الأيسر، ورفع رأسه شاردًا، ثم أنزله. تابع:
– أظن كون إننا شايفين كائنات حوالينا شبهنا خلتنا شايفين إننا منهم؟ يعني قصدي قلنا إننا بشر عشان نلاقي تصنيف تاني لباقي الكائنات اللي مش شبهنا.
مع نبيل اكتفت بالإيماء، مع علي استمرّ الحديث:
– وتفتكر لو مش شايفينهم؟ لو ناس في عوالم تانية؟
– قصدك نظرية الأبعاد؟ إن فيه ناس تانية في أبعاد تانية، وممكن ننتقل بين الأبعاد وكدا؟
سُحب عقلها من الغوص في تلك الذكرى عندما أتى علي بسلم طويل ليصل إلى الرفوف الأعلى.
راقبته يرمي الكتب عن الأرفف، لم تكن تعرف أي كتاب يريد حتى لمحت كلمة «الأبعاد» على أحد الأغلفة التي يمسكها. استقرّ بعد تصفح الفهرس على أخذه، ثم نقل السلم إلى جانب آخر من المكتبة، وهرول إلى حاسوبه وكتب في بحث تشات جي بي تي: «قصص خيال علمي وأساطير عن أشخاص اختفوا أو راحوا أبعاد تانية».
تمنت لو أنها استطاعت أن تعانقه، لكن كيف؟ وعمَ يبحث؟ ولماذا تنشغل به أصلًا وهي عالقة؟ وكيف ظنت أنّه عرف بوجودها؟ لعله مهتم بالموضوع مثلها. راقبته يقترب من قسم كتب الفيزياء، يمر في عجالةٍ بين العناوين.. هل يتذكرها؟ لقد اختفت فجأة، بعدما أنهيا المناقشة تبادلا رقم الهاتف، وحينما فتحت الواتساب رأت رسالته الأولى والأخيرة: سعيد جدًّا بالنقاش النهاردة، أتمنى تتكرر زيارتك.
جمدت أصابعها على الشاشة، ضغطت حروفًا ثم مسحتها. مرَّ يومٌ، يومان، ثلاثة، ومفاصلها تأبى أن تجيبه، حتى نسيت الموضوع كله.
والأرجح أنه نسي مثلها. كيف تُذكّره بها؟ وما نفع إنعاش ذاكرته؟
كيف يُرى الهواء؟ هواءً.
وكيف يموت الهواء؟ يطير.
سكنت رأسها تلك الفكرة، كانت الحل الأفضل لإنهاء تلك المعضلة.
هذه ليست المرة الأولى التي تُراودها فيها تلك الفكرة. الجديد أنها لم تُفزعها، لم تُقاومها. المرة الأولى التي يبدو فيها الفعل رقيقًا، كحلم.
لكن كيف؟ كيف يقع ذلك الفعل الآن؟
وجد علي ضالته المنشودة، مرر عينيه بسرعة فاحصًا أحد الكتب..
ا
عاد بالكتاب إلى المكتب.
ن
نزع ورقة لاصقة.
ت
انزلقت حاوية أقلامه.
ح
انحنى وأمسك قلم رصاص.
ا
نقل بعض الكلمات في ورقة: «أسلاك وبطاريات.. إلخ.»
ر
ضحك بصيحة أرشميدسية وقال:
– وجدتها! أحل…
سكت عن الكلام عندما اشتدت رياح مباغتة، فتعرّى المكتب كُله. وانقلبت صفحات الكتاب كأنّها دوّامة، ثم انغلق. و..
سكون.
كأن أمرًا لم يحدث.
هل كان يحلم؟
ألم تكن في جيوب الفراغ من حوله؟
خرجت كلمة واحدة منه متقلقلة، إجابة مُبطَّنة بسؤال مبتور.
– مشيتِ؟

