الحرية، تأملات لاجئة سورية

3 مايو 2024 - ،

من الواضح أننا لن ننسى، لكن ليس من الواضح على الإطلاق كيف سنتعامل مع هذا الـ لا نسيان؟

 

ريم الغزي

ترجمت النسخة الإنجليزية من العربية منال شلبي

 

أنا أمشي داخل النسيان، في عمقه، أُغفل بكل ما أوتيت من قوة، كل تلك الصور التي ما زالت عالقة في ذاكرتي، في عروق مشاعري. أنا أمشي على النسيان، يمينه، يساره، حوله، ولا أتمكن من دخوله.

كيف والعدل لم يتحقق؟

لا أستطيع النسيان.

ذاكرتي ألم يمنعني عن المضي قدما في الحياة، إنني حتى لا أستطيع الكتابة منذ أعوام.

يكمن الأمر كله اليوم في أنني لن أستطيع العودة إلى البلاد. أخذوا كل شيء.

هذا ما أفكر به.

ثم أعود وأقول، هم أيضا لم يبق لهم إلا الشكل الخارجي لسلطة وهمية على أرض لم تعد لهم، أُخِذَ منهم كل شيء.

لكنني لا أرتوي. 

في الأفلام نرى كيف يقنعون البطل الحزين أن يتجاوز ألمه وينسى حتى يستطيع الحياة، وغالبا ما يفعل، لنتنفس نحن الصعداء. في الحياة لم أر هذا الفيلم ولا لمرة واحدة. الشعب يريد عدله كي يتجاوز ما أعجز حتى عن تسميته.

وأغرق في الغصّة.

أحيانا أشعر أني فقدت الأمل تماما بعد كل ذاك الثمن الذي دفعناه، وأحيانا أشعر أني يجب أن أستمر تماما لأننا دفعنا ما دفعناه.

وبين الأمل والإرهاق من غياب العدل ينوس الكثيرون منا.

ثلاثة عشر عاماً مضوا وكل عام يزيد الأمر سوءا عن الذي قبله، البعض ينطفئ أكثر (مُتعِبون هؤلاء) والبعض الآخر يبالغ في محاولة الحياة لعلها تعود (هؤلاء قاسون). وهم يعلمون أنها لن تعود، وأنها أصبحت شكلا مختلفا عما قبل وأن عليهم قبولها كما هي اليوم. لكنهم لا يفعلون.

وما هي اليوم؟ فعلا!!

أنا من العالقين في العام الساحر عام ٢٠١١ وانطلاقة الثورة السورية بكامل بهائها وبحثها. وأنا من العالقين في الموت الذي تلاه، بعد مقتل أخي الأصغر. أنا من العالقين في الرغبة بالتحرر من كل مقدس وكل ألم وكل موروث وأنا من العالقين في كل سجن من أنواع السجون.

وأكتب لأنجو.

دائما تحررني الكتابة. 

وأكتب لأبحث عن حريتي وسجوني: كلاهما أنا.

أكتب لأرتب ذاكرتي من أثر المُعاش.

من الواضح أننا لن ننسى، لكن ليس من الواضح على الإطلاق كيف سنتعامل مع هذا الـ لا نسيان؟

من نحن اليوم كـ سوريون؟ هل مازال لنا ذات جمعية؟ أين هي؟

والفرد منا، أين يسطع مساره؟ كيف يبرز؟

أحيانا أفكر أننا حققنا الحرية، لكن خارج سوريا. هذه الـ "لكن" هي مكمن النقص/الألم، في كل جملة هناك لكن، يتغير المصير إلى بدائل أمر واقع وليس "المُشتهى".

وأحياناً أسخر من كل أفكاري بشكل تدميريٍ باهظ الثمن.

خرجتُ حديثا من البلاد، لذا مازال ما يدعوه البعض "ماض" يفوح مني والصور حيّة. عام ونصف حتى الآن ومازال يخرج من كلّ ما فيّ، تداعيات لا أملك من القوة ما يكفي لأوقفها. فقد أتلفتُ قوتي في حياتي اليومية هناك، كما كل الآخرين الأحياء الأموات في سوريا وخارجها.

لا أختلف عن غيري في شيء سوى ربما أنني أضعف قليلا أو قد أكون استسلمت.
أكتب الكلمة وأنتفض، تنتفض ذكرى ٢٠١١، لا يمكن لإنسان عاشها أن ينطق بمثل هذه الكلمة. حتى وإن انتهت، حتى وإن فشلت، حتى وإن حدث كل ما حدث.

لابد أن أجد حلاً لصراعي مع الذاكرة، مع هذا العدم الذي يحيط بي منذ أن خرجت من البلاد وكأن روحي قد سحبت مني. لم أعد أنا أنا.


أدّعي أني أعمل على النسيان، وأنا أنحت الصخر بذكرياتي كي لا تضيع مع ما ضاع.

كيف أنجو من اثنين في داخلي يتصارعان ضدي؟

المشكلة أني لا أرى طريقا أمامي، في عالم بمعظمه قاتل واستبدادي. ولا أجد شركاء أستقوي بهم في اليومي الذي يغذي أكثر من أي مصدر. والأهم: أنا لا أجدني اليوم. وكأني فجأة مُسحتُ من ذاكرتي، لا أعرفني، ولا أعرف ما أريد وما أحب وما أتقن.

إدراك كل ما سبق يعني شيئا، وقد يؤدي إلى مكان ما فيه فعل أو أمل. ربما أنا فقط بحاجة وقت لأجد منطقة بين النسيان والذاكرة، لا يمّحي فيها ما كان، فلا أخونه، ولا يبقى سجناً، فلا أحيا.

يقال إن فهم المشكلة هو نصف الحل.

للأمانة أنا اليوم أبعد ما يكون عن فهم أي شيء، أنا فقط أريد أن أقول إني "مُثقلة"، وإني أتمنى أن "أتخفف".

هل النسيان خيانة؟ والذاكرة ولاء؟

من المجرم الذي قال هذا؟

في حالتنا هذا تعذيب، ويجب أن يتوقف. يجب.

في البدء، حين وصلت إلى هذه البلاد، هبّت الذاكرة كالفحيح، كل شيء خرج، بركاناً وانصبّ بحممه على قلبي وعقلي.
ثم فجأة انمسح كل شيء تماما، أصبحت ذاكرتي مسطّحة، لا شيء فيها ولا حتى أنا.

لا شيء إلا اسمي.

اليوم أُجاهد لأصل إلى حل وسط، بين أنا محترقة وأنا كالصقيع.

لهذا لست قادرة على أي فعل. لهذا أنا بين الماضي والمستقبل. لا إلى الأمام ولا إلى الوراء ولا إلا قعوداً في مكاني.

هنا، لم أكتشف بعد ما هو فعلي الذي سيحررني. لكن البحث جار.

هناك، كان أي فعل يحررك من حزنك، كل ما حولك يعطيك فرصة لتقاوم المخرز.

هنا، البلادة تحيط بمشاعري وأفكاري.

هناك، كل شيء وقود.

يجب أن أتوقف عن المقارنة. يجب أن أفعل شيئا يُخرجني من هذه المعادلة.

سأبدأ بفيلم وثائقي جديد.

منعشة كلمة "جديد". وكذلك "أبدأ".

البارحة استيقظنا على مطر، واليوم أيضا غائم وماطر، ومثله الغد.
وربما تتمة الأسبوع.
لكني للمرة الأولى منذ زمن، أكتب.
إذا أنا بخير. لم أستسلم.

 

ريم الغزي، مخرجة أفلام وثائقية وكاتبة سورية، عايشت الحرب السورية بأكملها. سُجنت مرتين بسبب موقفها السياسي المناهض للنظام الحالي. عُرضت أفلامها في مهرجانات دولية ومحلية، ونُشرت العديد من نصوصها في الصحف العربية. أسست مختبر قصص الأفلام، وهو مختبر تدريب على صناعة الأفلام للمخرجين الشباب في دمشق. حاصلة على شهادة في الأدب والنقد المسرحي من المعهد العالي للفنون المسرحية والأدب الإنجليزي من جامعة دمشق. وتشارك حاليًا في تدريس مادة عن المنفى والهجرة والثقافة وصناعة الأفلام الوثائقية في جامعة كارنيغي ميلون في بيتسبرغ بالولايات المتحدة الأمريكية.

منال شلبي أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي والأدب المقارن. تشمل اهتماماتها البحثية الأساطير والفولكلور وما بعد الإنسانية والسينما والإعلام. نشرت مقالاتها في ArabLit, John Libbey’s Scaled for Success, Peter Lang’s companion The Deepوالعديد من المجلات الأكاديمية. وهي حاليًا باحثة مقيمة بمنحة فولبرايت في جامعة ديباو في إنديانا.

الحريةسورياالثورة السورية

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *