تصارح إيناس أمها بميولها الجنسية، وعلى الرغم من رد الفعل المتوقع، تشعر بالإحباط بسبب ما حدث، لكنها تتفاعل مع الوضع الجديد بطريقة غير معتادة.
لم أدرك مدى سذاجة قراري بإطلاع أمّي على طبيعة مشاعري نحو النّساء، إلاّ بعد اختباري لردّة فعلها واصطدامي بحقيقة عدم قدرتها على استيعاب ما مررتُ به.
خطّطت للمواجهة لأسابيع، وانتهزت فرصة غياب أبي في رحلة عمل إلى الخليج وانشغال أخي بمحاضراته الجامعيّة للاختلاء بها. فتحت باب الصالون الخاص بالضيوف ويداي ترتجفان توتّرًا ودعوتها إليه. أردت سحبها إلى تلك الغرفة المنزوية التي احتلّت نصف مساحة المنزل وطالما استغلّتها للاختلاء بي ومحادثتي بأمور هامّة تخصّني ووجهًا لوجه.
كان يومًا ماطرًا في نهاية فبراير والغرفة باردة ومُعتمة. لم أدفئها مُسبقًا لأنّي اعتقدت أنّ المحادثة لن تطول. تعوّدت أمّي فتح بابها بنفسها على مدى سنوات عدّة، حاملة في جعبتها كلامًا حضّرته سابقًا؛ تتلو عليّ أهميّة الدراسة وتحصيل معدّل مرتفع في «التّوجيهي». تشرح لي التغييرات المتوقّعة في جسدي المرافقة لمرحلة بلوغي. تراجع معي خياراتي من المساقات الجامعيّة أو الفرص الوظيفيّة.
لكنّي قلبت السّحر على السّاحر في ذلك اليوم. فاجأتها وهي تقلّب صدور الدّجاج على النّار تحضيرًا لوجبة الغداء وناديتها على استحياء بصوت خافت: «ماما».
لم تجبني بدايةً، ربّما لضعف صوتي أو لانشغالها في تحضير طبختها.
انتظرتها كي تنهي عملها وتضع الصدور جانبًا ثمّ شحذت همّتي ورفعت صوتي وطلبت منها بنبرة تحمل بعض الجدّية: «ماما ممكن أحكي معك؟».
نظرت إليَّ محتارة، مسحت كفيها بالمنديل وأجابتني: «شو في إيناس؟».
«مش هون». أومأتُ برأسي نحو غرفة الضيوف كما اعتادت أن تفعل معي. قُلت وأنا أسبقها إلى الغرفة: «في الصالون».
قد تكون أدرَكَتْ عندها أنّ الأمر هام ويحتاج الاختلاء في تلك الغرفة فلم تجادلني. تركت ما في يديها ولحقت بي وجلست في كرسيها المعتاد على رأس طاولة السّفرة.
«أح شو باردة الغرفة!» فركت كفيّها وانتظرتني ريثما أغلقت باب الغرفة.
شعرت ببرودة المكان كذلك لكنّ رهبة ما خططت له خدّرت إحساسي. سحبت كمَّ سترتي وغطّيت به كفّي. فركت أنفي المُتجمّد وخطوتُ نحوها. وحين جلست في الكرسي على يمينها وجدتها تنظر نحوي مُعلنة استعدادها لسماعي. عرفت عندها أنّه لم يعد هنالك مجالٌ للتراجع.
أسرعتُ بإخبارها ما في جُعبتي: «ماما، بدي أحكيلك شي».
«احكي».
«أنا ما بحب الزلام»، قلتُ مباشرة. اخترت أبسطَ الكلمات كي لا أزيد من صعوبة الأمر عليها وشعرت بتجمّد الكلمات في حلقي.
ضاق صدري فأسرعت بسحب نفسٍ عميقٍ. حبستُ الدمع في عيني لأنّي لم أرد الظهور ضعيفةٌ أمامها؛ لم أرد لدموعي أن تضيف إلى وجعها. تصلّبتُ في مكاني غير قادرة على الحركة.
لم تخِبْ أملي. على الأقل في ردّة فعلها الأوليّة، إذ مدّت يدها لتُمسك بيدي. نظرت إليّ بعطف وسألتني بهدوء: «شو يعني ما بتحبّي الزلام؟» ولم تُزِح نظراتها عنّي وهي تسأل: «بتحبّي البنات؟».
سالت دموعي حين سمعتها تسألني إن كٌنت أحبُّ البنات.
«آه بحب البنات»، أردت أن أجيب. «بحب البنات يا إمّي».
عوضًا عن ذلك، انهرت باكية. هززت رأسي مُجيبةً لسؤالٍ عجز لساني عن نطقه. أسرعتُ في البحث عن حضنها؛ ألقيتُ نفسي بين ذراعيها وتركتها تحضنني.
ارتجفت بقوّة وكاد قلبي يتوقّف من شدّة مشاعري وبرودة الغرفة. وشعرت ببعض الأمان حين حضنتني بثبات وربّتت على ظهري رغم ارتعاش جسدها. دفّأتني داخل حضنها إلى أن هدأتُ وعُدتُ إلى طبيعتي.
«برد هون»، عرفتْ أنّ المحادثة ستطول. «تعالي نكّمل في غرفتك. ما في حد في البيت».
سحبتني إلى غرفتي وأغلقت بابها خلفها احترازًا ثمّ باشرت بطرح أسئلتها عليّ؛ أسئلة عديدة ومتشعّبة. بعضها توقّعتُه وبعضها فاجأني لأنّه كشف عن طبيعة جهلها بالأمر. منها ما استطعتُ الإجابة عنه ومنها ما لم أكن مُستعدّةٌ له لأنّه تطرّق إلى أمور حميميّة وخاصّة.
«من إمتى هيك بتحسّي؟».
«في حد عملّك شي وإنتي صغيرة؟».
«جرّبتي مع حد؟».
«كوثر كمان زيّك؟».
لم تهمّها حقيقة مشاعري بقدر ما اهتمّت إن مارست الجنس مع نساء أخريات وحجم تلك الممارسة: هل فقدتُ عُذريّتي أم لم أفقدها؟ من هُنّ «صديقات السّوء» اللواتي جررنني إلى هذا الطريق؟ وما السّبب الذي دفعني إلى تلك الممارسات؟
تحوّل حوارنا إلى «حوار الطّرشان» خلال لحظات رغم حفاظنا على آدابه وامتدّ جدالنا لأيّام بعد ذلك؛ في الصالون، في المطبخ، في غرفتها، وعلى الواتساب. لم أبخل عليها بشرح طبيعة مشاعري لكنّها لم تفهمني.
قد تكون فهمتني إلى حدٍّ ما واختلفت معي في طريقة التعامل مع الأمر لأنّها لم تعِش ما عِشتُه ولم تشعر بما شعرتُ به.
وبعد أسبوع، دخل أبي إلى غرفتي غاضبًا فعرفتُ على الفور أنّها أخبرته. لم تنتظر مرور ٢٤ ساعة بعد وصوله من سفره لتزف له الخبر. تحوّل على الفور امتنانه لي مساء اللية السابقة، حين استقبلته في مطار عمّان الدولي، إلى عداء وغضب شديد. فتح الباب بكفّه المكتنزة بعُنف. دفعه بجسده المكوّر القصير وصرخ يناديني: «وليه، إيناس!».
لم ينتظرني السّماح له بالدّخول؛ اندفع بثَقل وزنه كاملًا، مُقتحمًا غرفتي حتى وصل إلى طرف سريري.
خفت منه وهو في تلك الحالة، بوجهه المُحتقن وعضلات جسده المتشنّجة وصوته الغاضب، فأسرعتُ بوضع الكتاب من يدي جانبًا تأهُبًا.
«هاتي تلفونك»، صرخ بي آمرًا.
سلّمته الهاتف دون اعتراض ورمقته بنظرة مُستنكرة عدائيته في التّعامل معي لكنّي لم أنطق حرفًا.
راقبته وهو يحاول التعامل مع هاتفي دون أن أتحرّك من مكاني. وبعد ثوانٍ وجدته يصرخ من جديد وهو يمدُّ الهاتفي إليّ ويطلب منّي إدخال كلمة السّر: «شو الباسورد؟»».
وحين فشلت في إدخالها بشكل صحيح من المحاولة الأولى، نظرًا لتوتّري وامتعاضي من طريقة تعامله معي، لم يصبر عليّ. سحب الهاتف نحوه وأمرني: «هاتيها»، فأخبرته دون مقاومة.
تركته يفتحه ويتصفّح محتواه لكنّني عندما أدركته يهم بقراءة محادثاتي الخاصّة خِفتُ مما قد يجد فيها. استجمعت شجاعتي واعترضت: «بابا، هاي خصوصيّات. ما بصير تشوفها»، وتجرّأت ووقفت أمامه وهممت باسترجاع هاتفي من يده، إلاّ أنّه دفعني جانبًا مُحكمًا قبضته عليه.
«ما في خصوصيّات بعد اليوم»، أعلن بعصبيّة.
استفزّني كلامه، فماذا يعني بـ«ما في خصوصيّات بعد اليوم»؟ كيف له أن يعاملني كطفلة ويتعدّى عليّ بذلك الشّكل وكأنّني قاصرة لا أملك أبسط الحقوق؟ تهوّرت عندها وعدّلت قامتي وثبتُّ مكاني مُتحدّية وأعلنتُ رفضي الانصياع لأوامره.
«أعطيني تلفوني»، صرختُ به. «أنا تاركة البيت. ما بدي هالعيشة معكم».
لكن ما أن بُحتُ عن نيّتي ترك المنزل حتّى وضع الهاتف جانبًا ومدّ يده وصفعني. صفعني على وجهي بكفّه الثقيلة عدّة صفعات متتالية، تبعتها ضربات مُبرحة طالت كافّة أنحاء جسدي. ضربني بتوحش، صارخًا مع كل لكمة أو ركلة، مؤكّدًا: «ما في عندنا بنات تترك البيت».
لم يتوقّف إلاّ بعد انهيار دفاعاتي واستسلامي للبكاء، بعد أن كشف عن امتلاكه القدرة على «تأديبي» عبر تعنيفي جسديًّا.
في تلك اللحظة سيطر عليّ شعورٌ بالإهانة وضعفُ الحيلة وخيبةُ أمَلٍ لا حدود لها. كيف له أن يمدُّ يده عليّ وأنا في منتصف العشرين من عُمري؟ كيف له أن يعنّفني وأنا امرأة بالغة، راشدة، أعمل وأصرف على نفسي وأساعدهما في مصاريف البيت؟ كيف يسمح لنفسه بالتمادي عليّ بهذا الشّكل؟
لم أعرف كيف أتصرّف.
هل أهرب؟
وإن هربت، هل يكون الهرب هو الحل؟ كيف لي أن أعيش لوحدي بعيدةً عنهم في هذه المدينة الصّعبة على النّساء؟
إلاّ أنّ ما زاد شعوري بالامتهان كان دخول أمّي غرفتي بعد ساعتين من الواقعة، كأنّها أرادت المشاركة في الجريمة. أمّي التي عملت في جهة حكوميّة تحارب تعنيف المرأة، واطّلعت على قصص وحكايات لنساءٍ عديدات من مختلف أنحاء المملكة، وساعدت الكثير منهنٌّ في النجاة من المواقف الصعبة التي تعرّضن لها، وقفت عاجزة ولم تفعل شيئًا. لم تُسخّر خبراتها العمليّة لمواجهة زوجها حين عنفني في بيتها وأمام عينيها، بل صمتت على قبح فعله وأيّدته.
جاءتني يومها لإتمام المهمّة التي أوكلها بها.
التزمت الهدوء والرصانة، طلبت منّي: «قومي غسلي وجهك»، مُظهرةً حُزنها على ما أصابني دون أن تعترض على ضربه لي. وبعد عودتي من الحمّام جلست إلى جانبي على السّرير، مّدت إليّ هاتفي وقالت: «أبوكي بده إيّانا نمحي أرقام تلفونات صحباتك».
احترت في أمرها.
هل فعلت ذلك خوفًا من غضبه عليها أم توافقًا مع وجهة نظره؟ لكنّي لم أكن في حالة تسمح لي بالاعتراض. تعاونت معها وساعدتها في حذف أرقام هواتف صديقاتي المقرّبات والغاء صداقتي معهنَّ على صفحات التواصل الاجتماعي.
أعلنتْ بعد ذلك عن مصادرة هاتفي إلى أجل غير مُسمّى، كاشفةً عن نيّتهما عزلي ومنعي من التواصل مع أحد بأي شكل من الأشكال. «حجزنا موعد مع دكتورة نفسيّة بُكرا الصّبح عشان تكشف عليكي»، أخبرتني في نهاية المحادثة.
إجراء اتّخذاه دون مشاورتي.
حاولت الاعتراض وقلتُ: «عندي دوام بكرا»، متّخذةً من شغلي حجّة. إلاّ أنّها سارعت بتصحيحي قائلة: «لأ، ما في دوام».
«خبريهم إنّك تعبانة ورح تغيبي كم يوم لحد ما نشوف شو رح نعمل»، أمرتني وهي تسلّمني هاتفي للتواصل مع مديري.
هكذا قوبلت صراحتي.
هكذا تمّ التعامل مع صدقي.
هكذا فقدت حُرّيتي واحترامهم لي.
وهكذا تلاشى إيماني بأنّ حُبّهم لي غير مشروط.
كم كُنت غبيّة حين خيّل لي أنّهم قادرون على تقبّلي مثلما تقبّل أهالي بعض صديقاتي لهنّ: مثل يارا وهُدى وزين ورزان. بماذا اختلف أهاليهن عنّا؟ السنا نسكنُ المدينة ذاتها ونشربُ الماء ونتنفّسُ الهواء نفسه؟ أم نحن أكثر مُحافظة منهم؟ هل نحن أكثر تشدُّدًا؟ أم أكثر تديّنًا؟ أم ندّعي ذلك؟
أكان عليّ الاستماع إلى كلام كوثر حين حذّرتني وهدّدتني بالانفصال عنّي إن أخبرتهم؟
«مجنونة إنتِ؟ أهلك متدينين، ما رح يفهموا!»، قالت بعصبيّة وأنا في بيتها، رأسي في حضنها.
«بس أهلي عاشوا برة»، أجبتها بثقة. «أهلي مُثقفين وواعيين».
«أهلي بحبّوني».
«بحبّوني؟»، كم تبكيني تلك المحادثة اليوم. هل أحبّوني فعلًا؟ رُبّما أحبّوني في وقتٍ ما. أحبّوني حين لم تتعارض مشاعري مع نظرتهم إلى الدنيا. أحبّوني حين لم تهزّ هويتي إيمانهم. أحبّوني حين لم يُخجلهم انجذابي الجنسي لبنات جنسي.
خاطرتُ يومها بكل شيء وخسرتُ كلّ شيء.
خاطرت بعلاقتي بكوثر التي خافت كشف مُصارحتي لأهلي عن ميولها. خاطرتُ بحبِّ أهلي لي. خاطرت بثقتهم بي وتقديرهم لي.
ونتيجة ذلك خسرتُ حرّيتي واستقلاليّتي.
منعوني من الخروج من المنزل سوى إلى العَمل، وباتت المسافة المسموحة لي خارج نطاق المنزل هي مسافة الطريق من بيتنا في تلاع العلي إلى مكتبي في العبدلي. خسرتُ جميع صديقاتي ومُنعتُ من رؤيتهن أو الاتصال بهن. حُرمتُ من هاتفي وسُِحبت منّي سيّارتي التي اشتريتها من راتبي الخاص وسُلّمت لأخي، كما فُرض علي التعاون مع المعالجة النفسيّة وتقبّل العلاج السّلوكي الذي اقترحته عليهم. أمّا أكبر خسارة فكانت العلاقة المميّزة التي جمعتني بأمي.
وجدتُ نفسي في موقفٍ لا يُحتمل وشعرتُ بالوحدة.
وحدة شديدة وقاسية.
كأنّ العالم تخلّى عنّي ونبذني. وكأن عودتي إليه باتت مشروطةً بالتّخلّي عن نفسي. لكن عن ماذا أتخلّى؟ عن صدقي معهم؟ عن مشاعري وأحاسيسي؟ عن هويّتي وكياني؟ وإن كذبتُ عليهم وتظاهرتُ بنجاح العلاج؟ هل يصدّقونني؟ وإن صدّقوني، إلى متى سأصمد بالتظاهر وإيجاد الأعذار لرفض العرسان؟
«إنتِ ليش خايفة من العلاقة الجنسيّة مع الزلام؟»، سألتني المعالجة النفسيّة في عيادتها بالقرب من الدّوار الخامس في أوّل جلسة لنا.
«أنا خايفة؟» استنكرتُ سؤالها. «لأ، مِش خايفة. أنا بس ما بدّي».
«صار معك شي من قبل؟» تابعت أسئلتها. «في حد تحرّش فيكِ جنسيًّا؟»
«لأ، ما صار شي»، استفزّتني كلماتها. هل هناك إمرأة في عمّان لم يتم التّحرّش بها جنسيّا؟
«هيك أنا. هيك طبيعتي. ما بحس برغبة فيهم. شو أعمل يعني؟»، دافعتُ عن نفسي.
«طيّب ليش ما تجربي؟»، اقترحت عليّ وكأنّ التجربة كفيلة بتغيير الميول الجنسيّة.
«أجرّب مع مين؟»، أدهشني اقتراحها إذ لم أتوقّع منها التشجيع على علاقة جنسيّة مع رجل خارج إطار الزواج.
فاجأتني قائلة: «مع زوجك»، وكأن الزّواج لعبة، وكأنّه الحل السّحري لمشاعري.
«ليه ما تتزوجي؟» أضافت. «إنتي حلوة وأمّورة وما شاء الله عيونك زُرق وواسعين. أكيد في كتير شباب بتمنّوكِ!».
مع أنّني وجدت كلامها مُنفرًا وبعيدًا عن الواقع ولا يساعد في أيّ شكل من الأشكال على حل الموقف، إلاّ أنه أرشدني إلى الحلّ.
فعليًّا كان الزّواج هو الحل الوحيد المُتاح أمامي. الزواج من رجل لا إمرأة بالطبع كون الزواج المثلي ليس متاحًا في الأردن. لكنّي لم أنوِ الزواج من أيّ رجل لأنّه سيتوقّع منّي علاقة زوجيّة جنسيّة كاملة لن أتمكّن من تحمُّلها، فأنا لم أرغب في «التجريب» ولا الاختلاء في السرير برجل أيًّا كان لونه أو دينه أو عرقه.

قررت عندها اللجوء إلى بشّار. صديقي المقرّب الذي جمعتنا مقاعد الدراسة في الجامعة الأردنيّة مُنذ سنوات. التقيتُ به في حفل صغير دعانا إليه أحد الأصدقاء في شقّته في عبدون. شرِب بشّار ليلتها أكثر مما يحتمل وبدا مُترنّحًا وهو يشكو لي شابًّا وقع في حبّه ونحن ندخن سيجارة في التراس الخارجي. وجدته لطيفًا خفيف الظِل، وبدا لي عفويّا في تصرفّاته. ينتمي إلى عائلة معروفة ومُقتدرة. ارتحت له كونه يُشبهني إلى حدٍّ كبير ولم أخشَ من مشاركته تعاستي والبوح له عن إعجابي بإحدى الحاضرات التي لم تُعرني اهتمامًا ليلتها.
ومنذ تلك الليلة أصبحنا صديقين ولم نعد نفترق. بُتُّ أشكو له البنات كُلّما التقينا، وهو يشتكي لي الأولاد. ندرس معًا ونتبادل أخبار الأصدقاء ونرفّه عن بعضنا البعض.
وفي أحد الأيام، بعد خيبة أمَل تلقّاها كلانا – من بنتٍ أُعجبتُ بها، وهو من شاب أُعجبَ به – تعاهدنا مازحين أن نتزوج إن وصلنا إلى عُمر مُعيّن دون أن يجد أيّ منّا شريك حياة.
«ما إلي غيرَك»، أمسكتُ كفّه وقُلتُ مازحةً بنيرة صوت خائبة.
«وأنا ما إلي غيرِك»، أجابني.
وها هو اليوم الموعود يأتي، وينقلب المزاح إلى جد.
سمحت لي والدتي بعد حوالي شهر من الواقعة أن أخرج مع بشّار. اصطحبني إلى مقهى قريب من منزلنا في منطقة أم أذينة بعد أن وعدها ألّا يرافقنا أحد، على أن يعيدني خلال فترة لا تتعدّى الساعتين.
عرفته أمّي جيّدًا ووثقت به. وقد تكون شَعَرَتْ بالأمان كونه ذكرًا أو أمَلتْ بحصول معجزة تنقذها من مصيبتها. وأنا كُنتُ مُنكسرة، تائهة، لا أعرف كيف أهرب من الوضع الذي وجدتُ نفسي فيه. كان اللقاء فرصة لإطلاعه على تفاصيل ما مررتُ به.
وذلك ما فعلتُ حال صولنا إلى المقهى. أخبرته عن فقداني لعقلي وبوحي لهم عن ميولي الجنسية. عن ردّة فعلهما العنيفة. عن ضرب أبي ومصادرتهما هاتفي وسيّارتي. منعهما الاتّصال بصديقاتي وفرضهما علي الالتزام بالعلاج السّلوكي.
وحين انتهيتُ من سرد قصّتي سألته: «لسّة إمّك بتضغط عليك تتزوّج؟»، ولم أتفاجأ حين هزّ رأسه إيجابًا.
لم تضغط عليه فحسب، بل بات زواجه شغلها الشّاغل. لا تُكف عن الإلحاح عليه ليلاً ونهارًا وكلّما سنحت لها الفرصة. تعرض عليه بنات أعمامه وأخواله وتُرسل له صور بنات صديقاتها على «الواتساب» وتشارك معه صفحاتهن على «إنستغرام».
تسأله إن كان هنالك من واحدة «دقّ لها قلبه»، وتبدي اندهاشها حين يجيبها بالنفي. «يعني معقول ما في ولا وحدة نفسك فيها؟» لا تصدّق كلامه. «يعني ولا وحدة حاببها؟».
يومها شجّعني كلامه فتجرّأت واقترحت عليه: «طيّب بشّار، مادام هيك الوضع عندك كمان، ليش ما نتزوّج؟».
«نتزوّج أنا وإنتي؟»، اعتقد أنّني أمازحه. «عنجد عم تحكي؟».
«آه عنجد. خلينا نزوّج ونخلص!» أكدت عليه استعدادي الزواج منه. «بحكي لأهلي إنّي غلطت وإننا بنحب بعض وبدنا نتزوّج».
«أصلًا ما النا إلاّ بعض».
هزّ رأسه موافقًا.
«فكرك بصدقوكي؟».
«بصدقوني»، أكدت عليه. «ما هو يا بصدقوني ومنتزوج يا بنتحر. ما في حل تاني!».
لم أضيّع وقتًا حين عُدت إلى البيت. عزمت كل العزم على إصلاح الغلطة الذي وقعتُ فيها ولو عنى ذلك ارتكاب غلطة ثانية أكبر منها. لم أهتم إن صدّقوا كلامي أم لم يصدّقوه، ولا أظنُّهم اهتمّوا لذلك.
زففتُ الخبر لأمّي حالي وصولي، بعد أن خلعتُ معطفي وعلّقته خلف الباب. قُلتها بشكل عابر: «بشّار طلب إيدي»، وابتسمت مُفتعلةٌ الحماس في صوتي. تظاهرتُ بالسعادة رغم إدراكي جنون ما تفضّلتُ به.
وهي، مثلي، تظاهرت بالفرح، مُفتعلةٌ الحماس.
التزمت حذرها وسألتني: «وشو جاوبتيه؟».
«وافقت»، أجبتُها. «أنا وبشّار بنحب بعض».
«رح يخبّر أهله هاليومين ويخلّي أبوه يتّصل ببابا عشان يجو يزورنا».
لم تعترض على كلامي ولم تُشكّك في مصداقيّته أو تشير إلى تعارضه مع المنطق.
أنهيتُ المحادثة على عجل ودخلتُ غُرفتي لأفكّر بما نويت فعله. كيف لي أن أستمر بالتّظاهر إلى أن أنهي خطّتي بنجاح؟
وحين زارني أبي بعد ساعة، حال زفّت أمّي الخبر له، مُتسائلًا عن العريس الموعود، عاملته بلطف وأجبتُ عن استفساراته بهدوء.
وبعد يومين تعمّدتُ إمضاء فترة ما بعد الظهر معها. لعبتُ الدّور المطلوب منّي في تلك المرحلة وباغتها بعد أن وضعتُ فنجان القهوة من يدي وقُلتُ: «على فِكرة، هاي ميرنا شاطرة!».
انتظرتُها لتبدي أيّة ردّة فعل، وحين وجدتُ فضولاً في عينيها لمعرفة المزيد بعد استيعابها إشارتي إلى الأخصائيّة النفسية، أضفتُ: «فظيعة! غيّرتلي طريقة تفكيري. قلبتني قلب!».
«منيح أخذناكي عندها»، وافقتني أمّي دون التشكيك في كلامي.
«آه الحمدالله»، قُلتُ وكأنّي أشكرها على اختيارها الحكيم، مُتظاهرةً بأنّي تُهتُ بالفعل وعُدت إلى رُشدي. «بشو كُنت بفكّر؟!».
من طرفها، لعبت دورها في تلك المسرحية الهزليّة بحرفيّة وقالت وكأنها صدّقت كلامي عن نجاح العلاج النفسي: «اتّصلت أم بشّار الصُبح. بدهم يزورونا يوم السّبت الجاي»، مُبديةً استعدادها لطي الصفحة ونسيان ما حصل.
استأذَنَتْ منّي ودخلت غرفتها ثمّ عادت بعد لحظات تحمل هاتفي بيدها. «تناقشنا أنا وأبوكي مبارح، وقررنا نرجعلك تلفونِك».
سلّمتني إيّاه كمكافأة على تعاوني معهما وتشجيعي على متابعة لعب دور البنت المطيعة الصّالحة. رشوة صريحة تقر بأنّ زواجي من بشّار سيضع حدًّا للعقاب والتضييق على حريّاتي.
وهذا ما كان بعد زيارة أهله وطلبهم يدي رسميًّا؛ إذ أعادوا لي مفتاح سيّارتي وسمحوا لي بالتوقّف عن زيارة الأخصائيّة النفسية، وخفّفوا القيود المفروضة على علاقاتي بصديقاتي.
بات الأمر جدّيًّا بعد الزيارة وتسارعت الأحداث بشكل لم يعد فيه التراجع خيارًا. خُطّط للجاهة بعد أسبوعين وتمّ فيها «كتب كتابنا» والزّواج بشكل رسمي. لم يعارض أبي وأمي كتب الكتاب بتلك السّرعة حين اقترح والد بشّار الأمر خجلاً، أرادوا وضعي تحت الأمر الواقع وتعقيد الأمور عليّ إن تراجعت وقررت فسخ الخطوبة.
كما أنهم وافقوني الرّأي حين اقترحتُ تخطّي حفل الخطوبة نظرًا لضيق الوقت. أخبرتهم عن ارتباط بشّار بعقد عمل في دبي وأشرتُ إلى حاجتنا للرّحيل خلال ثلاثة أشهر، مُبديةً رغبتنا في عقد حفل الزّواج قبل انتقالنا للسكن هنالك. لذلك تم تحديد موعده في بداية الصّيف. لو تُرك الأمر لي لاكتفيتُ بعشاء عائلي دون حفل رفاف، فكّل ما أردته هو الاستقلال عنهم والابتعاد عن أعينهم قدر الإمكان. لكنّ أهله أرادوا الاحتفال به كونه ابنهم البِكر، مصرّين على إقامة حفل كبير في فندق فخم يدعون إليه الأقارب والأصدقاء والمعارف.
وأنا، رغم رغبتي في الابتعاد عنهم وحماسي للاستقلال الكامل وبدء حياة جديدة في بلد آخر، إلاّ أنّ شعورًا بالخوف حلّ بي بعدما وجدتني أستبدل رغبتي بعلاقة صادقة معهما – أكون فيها نفسي بلا تظاهر أو أسرار – بحياة مبنيّة على الكذب ولعب دور بعيد كل البعد عنّي.
أن أكون عروسًا في عمّان يعني احتفالاً، نجاحًا، تتويجًا. يعني أن أكون محط أنظار الجميع وحسد وغيرة الصديقات. أن أكون عروسًا يعني اختيار فستان العُرس و«جهاز العُرس» من مصوغات ولوازم ليلة الدّخلة. الملابس الداخلية المثيرة التي اشتريتها بخجل بحضور أمّي وتشجيعها. أرادت تحضيري لزوجي وتقديمي له بأفضل وجه فيما وقفتُ إلى جانبها داخل المتجر وعقلي يصوّر لي مشهدًا آخر ارتدي فيه تلك الملابس الدّاخلية في ليلة اختلي فيها بكوثر.
أن أكون عروسًا يعني التخطيط لحفل الزّفاف والتعامل بأدب مع طلبات حماتي ومراعاة رغبتها في التّباهي بإبنها وعروسه. كما يعني السير على خيط رفيع يوازن بين تعبيري عن حبّي لبشار وسعادتي بكونه خطيبي وبين الحذر من تخطّي الحدود المسموح بها للعرسان في فترة خطوبتهم. هل أطلب منه الإمساك بكفّي خلال غداء عائلي أمام أبي وأفتعل شيئًا من الرومانسية؟ أم أمتنع عن ذلك احترامًا له ولأخي وللحضور؟ هل أكتفي بالجلوس إلى جانب بشّار والإسراع بتقديم الطّعام له قبل أيّ شخص أخر أم أتركه يلف ذراعه حول كتفي ليُظهر حبّه لي وافتخاره بكوني عروسه؟
هل أناديه بإسمه كاملاً أو إسم دلعه «بيشو» أو أتجرأّ وأناديه «بيبي» كما تعوّدت مناداة كوثر؟
اشتّد الضّغط عليّ يوم حضرت حفل زفاف ريم، ابنة عمّي، قبل شهر من حفل زفافي. رؤيتي لها تدخل القاعة بفستانها الأبيض إلى جانب عريسها على وقع صوت الزّفة ورقص المعازيم دفعتني إلى إدراك جدّية التجربة التي نويتُ خوضها. لم يعد الأمر مزحة، فمشاركة الجميع الاحتفال بالزواج أعطته قيمةً ووقعًا أكبر مما صوّر لي عقلي. أمّا مشهد فرحة والدتها بها وسحب والدها لها إلى وسط حلقة الرّقص فجعلني أتصوّر شكل والدي ووالدتي يوم عرسي. أهذا هو الثّمن الذي أُجبرهما على دفعه لعدم تقبّلهما لي؟
هل يدفعانه صاغرين، متظاهرين تصديقي، أم أنهم صدّقوني بالفعل ولا يدركان حجم احتيالي عليهما؟
ماذا عن أهله وكُلفة العُرس الباهظة التي عليهم دفعها احتفالاً بابنهم البكر الذي لا يجرؤ الافصاح لهم عن حقيقة مشاعره؟ وأمّه التي تستبق الأمور ولا يكفيها تزويج ابنها بل تجاهر برغبتها بحفيد يحمل اسمه العائلة؟ حفيد لن يرى النّور، وزواجٍ وهمي كُتب له أنه ينتهي قبل أن يبدأ.
ماذا عن باقي الحضور الذين سيفرحون بنا ويباركون لنا ويرقصون معنا؟
نفضت عنّي مخاوفي ووقفت. أقنعتُ نفسي أنّها تكاليف جانبيّة لا تُقارن بسلامتي وسلامة بشّار النفسيّة وحقّنا في اختيار الحياة التي نريدها. سحبتُ بشّار معي إلى وسط حلقة الرّقص ووجدتُ طريقي إلى ريم للرقص معها.
ريم صديقة الطفولة القريبة من عُمري، أردتُ مشاركتها فرحتها بعرسها كما شاركتها العديد من الأحداث في الماضي. شعرتُ بها متوتّرة، تعاني جراء تقييد حركتها بفستان عُرس ثقيل وحذاء مرتفع الكعب يضغط على قدميها. بدت لي ابتسامتها باهتة ومكياج وجهها مبالغًا فيه شوّه معالمها النّاعمة. حضنتُها، واقتربت من أذنها، ورفعت صوتي وقُلتُ: «مبروك حبيبتي»، ثمّ تركتها تهزّ جسدها على وقع الموسيقى وهي تشير لي بسبابتها وتقول: «إنتي بعدي، الشهر الجاي».
انتبهت إلى المصوّر يهم بأخذ صورة لنا، فوقفت إلى جانبها ووضعتُ ذراعي حول خصرها وابتسمتُ للكاميرا. ابتسمنا كلتانا، مُدركتين أنّنا وصلنا إلى مفترق طريق، وأنّ حياة كلّ منّا لن تعود كما كانت.
ابتعدت عنّي بعدما شدّها عريسها ودفعها للرقص مع حماتها فيما راقبتُها من مكاني وهي تجاهد في رسم ابتسامة على وجهها وهي تقف بينهما؛ العريس الذي انفصلت عنه عدّة مرّات في فترة الخطوبة وما قبلها، والحماة التي شكّلت لها مصدر إزعاج مُنذ اليوم الأول لتعرُّفها على عمّار.
يا ترى، هل تغيّرت طريقة معاملته لها؟ أما زال يحاول فرض نفسه عليها والتّحكم فيها؟ أما زالت تحبّه أم أنّها تتظاهر بذلك كما تظاهرتُ أنا بحبِّ بشّار؟ أكلُّ ذلك من أجل الزواج بحد ذاته أم من أجل الهروب من أهلها؟ وهل زواجها من عمّار أكثر شرعيّةً من زواجي من بشّار؟ هل له أن يدوم فترة أطول؟
تذكّرت كلام ابنة عمّنا المشتركة، تغريد، عنهما حين زارتني قبل أيّام. لم تخجل من إبداء رأيها قائلة: «بصراحة، بشّار عريسك أحسن ١٠٠ مرّة من عمّار». أضافت بنبرة متسائلة: «أنا عارفة كيف رح يتزوّجوا بعد كلّ اللي عمله فيها؟».
«شو عِمل فيها؟» تساءلت في سريرتي دون أن أجرؤ على الاستفسار منها لمعرفتي أنّ كلّ واحدة منّا لها خصوصيّتها وظروفها التي تدفعها لاختيار ما اختارته.
لم أعُد أحكم على غيري، ولم أعد أجد غرابة في أيّ شيء. فها هما ريم وعمّار يتزوّجان اليوم، وها نحن نتزوّج بعدهما.
مرّ الشّهر سريعًا بين حفل زفافها وحفل زفافي. عشت أيّامه كأي عروس. قُمت بما هو مطلوب منّي وأنهيتُ تحضيرات الحفل على أفضل وجه؛ حضّرنا قائمة المعازيم، واخترنا تشكيلة الطّعام، وصمّمنا بطاقات العُرس ووزّعناها. رتّبنا المقاعد في القاعة وحجزنا المصور الفوتوغرافي ومصوّر الفيديو. حجزنا الفرقة الرّاقصة لزفّة العرس، وزرنا الـ«دي جي» الذي نصحتنا به ريم، واخترنا معه قائمة الأغاني، بما فيها الأغنية الرومانسيّة التي على العروسين الرّقص عليها «سلو» وحدهما في وسط القاعة.
المفارقة أنّنا لم نختلف على أيّ من التحضيرات سوى تلك الأغنية الرومانسية. أردتُ أغنية «انكتبلي عُمر» لشيرين عبد الوّهاب فيما أراد بشّار أغنية «وماله» لعمرو دياب. ورغم تفاهة الأمر إلاّ أنّني وجدتُ كلمات أغنية شيرين مناسبة للحالة أكثر من أغنية عمرو دياب.
أنا انكتبلي عُمر وأنتَ بين إيديّا
وحجات كثير كانت بعيدة عليّا
لقيتها فيك
وأنا بين ايديك كل اللي ضاع لاقيته تاني
وهربت ليك من كل حاجة مخوفاني
وجريت عليك
لكنّ بشّار أصر على أغنية عمرو دياب، مُدّعيًا أنه طالما أحبّها ويريدها في عُرسه.
وماله لو ليلة توهنا بعيد وسيبنا كلّ الناس
أنا يا حبيبي حاسس بحب جديد، ماليني ده الإحساس
وأنا هنا جنبي أغلى الناس، جنبي أحلى الناس
فاجأني حين طرح الأمر للمداولة مع والدته التي وافقته الرّأي. رأت أنَّ الأغنية التي اختارها أكثر رومانسيّة من الأغنية التي اخترتُها أنا، وادّعت أنّ الرّقص على أغنية لشيرين في ذلك الوقت يُعدُّ فألاً سيئًا نظرًا للمشاكل التي مرّت بها الفنانة مع زوجها.
كان ما أراد، ولم أتوقّف عند ذلك، فهمومي أكبر من أغنية. كلّ ما أردتُه هو الخلاص، الانتهاء من الحفل والرّحيل عن المدينة.
وفي يوم اشتدّ فيه شعوري بالضّغط بعد أن أطلعني بشّارة على معارضة والده تقديم مشروبات كحولية في العُرس، وجدتني أعترض وأطلب منه: «بشّار… بلا منّها هالحفلة. خليّنا نلغيها ونعمل عشا».
لم يأخذ طلبي على محمل الجد وأنا في الحقيقة لم يكن اقتراحي جادًا. «إنتي ليش عاملة قصّة من الموضوع؟ اعتبريها حفلة عاديّة. منحضرها ومننبسط وكأننا معزومين»، وضع الأمور في نصابها. «وما تخافي، أنا برتّب موضوع المشروب».
لكنّها لم تكن حفلة عاديّة، بل حفلة مجنونة، مفصومة الشّخصية كما هي حياتنا في عَمّان. حضرتها كوثر مثلما حضرها الشّاب الذي أحبّه بشّار. حضرها صديقاتي المثليّات وأصدقاؤه المثليون مثلما حضرها أهلي وأهله وأقاربي وأقاربه. كبار السّن والشّباب، المحجبّات المحافظات والكويرات المتحرّرات. كُلٌّ منهم حمل سرًّا يخفيه. كُلٌّ تظاهر بما ليس فيه. كُلٌّ خضع للتقاليد والأعراف.
الظاهر حفل عُرس عمّاني بامتياز.
والباطن حفل عُرس عمّاني بامتياز أيضًا.
وجهان ضمّا عروسًا على مُفترق طُرق، عروس تتحرر من أهلها لتبدأ حياة جديدة مع زوجها.
جمعتنا القاعة بأضوائها المُبهرة وزينتها الفاخرة في أحد أهم فنادق المدينة، فندق «الفور سيزونز» عند الدّوار الخامس. ودخلناها كأي زوجين تقليديين شهدت على زواجهم قاعات الفنادق وصالات الأفراح. شبكتُ ذراعي بذراعه ونزلنا درجات الفندق المؤديّة إلى القاعة واستقبلنا المعازيم وفرقة الزّفة الشعبيّة بالتصفيق والغناء والزغاريد.
طلع الزّين من الحمّام الله واسم الله عليه
طلع الزّين من الحمّام ورشّو العطر عليه
تمايلت على أنغام الموسيقى بنعومة كما هو مُتوقع منّي. هززتُ خصري ورفعتُ ذراعي وأمسكتُ بيد بشّار فيما تلاقت عيناي بعيني كوثر المُبتسمة. إلى جانبها وقفت إحدى صديقاتي بتسريحة شعرها بالغ القصر إلى جانب إحدى قريباتي المحجّبات. فستانها الفضفاض كشف عن كتفها وذراعيها المكتنزتين وأعلى صدرها، فيما ارتدت قريبتي فستان نبيذي مُكشكش غطّاها من أعلى عُنقها إلى أسفل قدميها. أمامهما وقفت أمّي بحجاب رأسها الزيتي وفستانها الأخضر الأنيق وماكياج وجهها الخفيف إلى جانب أخي الوسيم بشبابه المفعم وطوله الفارع ولحية وجهه المُهذّبة، يصفّق كفيّه مُزاحمًا أبي قصير القامة مكُور الجسم في المساحة الضّيقة حول فرقة الزّفة.
بدت أمّي أنيقة راقية، ناجحة بدورها الاجتماعي وفخورة بعائلتها. هادئة كما كانت ليلة أمس حين دخلت إلى غرفتي وحدّثتني. «متأكدة من حبّك لبشّار ماما؟»، فاجأتني بسؤالها.
كيف توقعت أن أجيبها؟ هل تختبرني؟ تريدني الوقوع في الخطأ مرّة أخرى ومصارحتها بحقيقة مشاعري؟
هززت رأسي إيجابًا.
«ماما اطّلعي عليّ»، طلبت منّي. «احكيلي إنّك متأكدة. ما بدنا نظلمك».
«متأكدة ماما. متأكدة»، تمالكت نفسي حتى تغادر الغرفة.
«أبوكي بده يعتذر منّك. غلط معك لمّا مد إيده عليكي».
لم أعلّق على كلامها، فماذا يفيد اعتذاره الآن؟
نفضت تلك المحادثة عن تفكيري ووجدتُ نفسي أنفجر ضاحكة. لا أعرف لماذا؛ رّبما نظرًا لسرياليّة المشهد الماثل أمامي؟ ضحكتُ بشكل مُلفت دون أن أتمالك نفسي وكُدت أختنق مُحاولةً كبح جماح ضحكتي.
أمسكتُ بشّار من كتفه واقتربتُ منه وسألته: «إنتَ شو حطيت في المشروب؟».
التفتُ بعدها إلى كوثر التي اقتربت للرقص معي. تركتها تحضنني ثمّ ألقيتُ رأسي في صدرها لأخفي هستيريّة نوبة الضّحك التي باغتتني.
«مالِك إيناس؟ شو لحقتي تسكري؟»، سألتني بدهشة.
مُستحيل أن أسكر من كأس فودكا واحدة شربتها قبل نزولنا من الغرفة لكنّي لم أبرر نفسي لها.
«لازم أوقّف ضحك»، توسّلت إليها لتُساعدني. «حماتي عم تجحرني».
يا أبو الحطّة ولعكال منين صايد هالغزال؟
ونيّالك يابو حطّة منين صايد هالبطّة؟
لجمتُ ضحكتي أخيرًا وتركت كوثر واقتربتُ من حماتي. أمسكتُ يدها ورقصتُ معها وبيدي الأخرى أمسكتُ يد أميّ. عُدت العروس الخجولة التي أرادتاها: الغزالة التي اصطادها بشّار، والبطّة التي يُنتظر منها أن تبيض لهم الأحفاد.
رقصنا مع فرقة الزّقة على طول الممر إلى دخولنا إلى القاعة واجتماع الجميع حولنا في وسطها يهزّون ويتمايلون ويغنّون. وتوالت الأغاني والرّقصات والمشروبات السريّة المفخخة التي أمّنها لنا بشّار ولأصدقائنا.
وحين جاء وقت كعكة العُرس، وقفت إلى جانب بشّار وشاركته الإمساك بالسّيف وقطعناها معًا. وتفاجأتُ بالمجتمعين يرددون بصوت واحد: «بوسة.. بوسة.. بوسة..».
كوثر تصرخ: «بوسة.. بوسة..».
حبيب بشّار يردد معها.
الأصدقاء والأقارب والمعارف. المحافظ منهم والمتحرر. من يعرف سرّنا ومن لا يعرفه. الكل تكاتف على إحراجنا.
ومع اصرارهم، تظاهرت بالخجل. اقتربتُ منه وتركته يطبع قبلة على خدّي وأخرى على رأسي وسط تصفيقهم وتصفيرهم وهتافاتهم.
دعوناهم بعد ذلك إلى مائدة العشاء ولففنا على الطاولات للترحيب بالمعازيم. شكرناهم على حضورهم وتأكّدنا من استمتاعهم في الحفل.
رقصنا بعدها على أنغام الأغنية الرومانسية. أنا وبشّار وحدنا في الوسط، ملتصقين تحت الأضواء الخافتة وعيون الحضور المثبّتة علينا. يدي على كتفه ويداه تحيط خصري، نحاول الثّبات بعد أن بدأ مفعول المشروبات الكحوليّة ينال منّا.
وماله لو ليلة توهنا بعيد وسيبنا كلّ الناس
أنا يا حبيبي حاسس بحب جديد، ماليني ده الإحساس
وأنا هنا جنبي أغلى الناس، جنبي أحلى الناس
في تلك اللحظة أحببت الأغنية فيما تاه عقلي مُتطّلعًا إلى الرحيل بعيدًا عن كلّ الناس.
نظرت حولي ووجدت جنبي أغلى النّاس. جنبي أحلى النّاس. كُل من أحببت، وكُل من سأفتقد وأشتاق له.
أحبوني وخذلوني.. جميعهم دون استثناء..
تحوّل الحفل بعد انتهاء الرّقصة الهادئة وانطلقت الأغاني الأجنبيّة الرّاقصة. غادر كبار السّن وبقي الأصدقاء المقرّبين وساد الهرج والمرج. رفع أحدهم بشّار على كتفيه وحملني أخرون على كرسي احتفالاً بنا. رقصنا كما لن نرقص من قبل، فوق الكراسي وعلى الطّاولات وفي كّل مكان. كأنّنا فرحون بالفعل. كأنّنا نعيش أهم احتفالات حياتنا.
وفي نهاية الحفل ودّعنا الجميع وصعدنا إلى غرفنا في الفندق. مضى بشّار إلى غرفته ليلتقي بحبيبه. وأنا انسحبت إلى غرفة خاصّة بي.
جلست أمام المرآة ومسحت المساحيق عن وجهي. خلعت فستان العرس وعُدت الفتاة التي كُنت بعد أن انجزت مهمّتي وتزوّجت.
سأرحل صباح الغد إلى مدينة أخرى أبدأ فيها حياة جديدة.
أمّا هُنا، عند أهلي وأهله، أقربائي وأقرباؤه، والناس من حولنا، فالحياة تستمر.
ويبقى الحال على ما هو عليه.
وأبقى معهم، في ذاكرتهم، صورة فوتوغرافية داخل إطار خشبي مركون في طرف غرفة الضّيوف.
عروس جميلةٌ مثل باقي العروسات.