من محاولة مرتجلة لفهم التحولات الاجتماعية في عمان: السلوك "الحضري" في مدينة ليست مدينة

5 نوفمبر، 2023،
مقتطف حصري من الكتاب الجديد ثنائي اللغة بالعربية والإنجليزية "مدينتي المشوهة التي أستيقظ فيها كل يوم" لهشام البستاني وليندا الخوري حول التشويه "الحضري" لعمان.

السلوك "الحضري" هو قضية إنتاج اجتماعي هيكلي تتعلق بأسس المجتمع ذاتها. عندما تحتكر السلطات نطاق ومساحة التنظيم المجتمعي – وتتدخل في آلياته بطرق تفصل المواطن عن ممارسة مواطنته، وبالتالي تبقى من دون منازع كفاعل أساسي – فإن المسؤولية أعمق بكثير من الجزء الصغير الذي يولده الفرد.

هشام البستاني

ترجمت النسخة الإنجليزية آدي ليك

 

ما هو السلوك "المدنيّ"؟ أهو مقابلٌ –مثلًا- للسلوك القرويّ/الفلاحيّ، أو السلوك البدويّ؟ هل التحرّش الجنسي المصاحب عادةً للتجمّعات البشرية الكبيرة في المدن أو أشباه المدن، هو تصرّف "لا مدنيّ"، في حين أن الحياءَ المجتمعي بين سكان القرية هو سلوك "مدنيّ" عند من هم من غير "المتمدّنين"، فيما يشبه خلاصات بعض التنويريين الأوائل الذين انبهروا نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بالمنجز "الحضاري" الأوروبي وخلص بعضهم (في تلخيص ذلك) إلى أنهم وجدوا إسلامًا ولم يجدوا مسلمين؟

لا تفيدنا البديهيّات والتّعميمات التسطيحيّة هنا، وإن اعتقدنا أن السلوك "المدنيّ" مثلًا هو حالة من الاحترام المتبادل والتكافل الاجتماعي بين السكان، والالتزام الطوعي الجماعي بما تواضعت عليه الجماعة من أعراف وقوانين، وأن تُشكّل مصالح المجموع أداةً رادعةً ذاتيةً عند أفراده، فالأغلب أننا سنجد ضالّتنا في الريف والبادية، لا في مُدننا المشوّهة التي هي –بنظري- تركيبات عشوائيّة لمجاميع سكانية لم تجد حتى الآن أرضيتها المشتركة الجماعيّة، وأغلب الظن (بالنّظر إلى أشكال الإدارة والحكم التي تسود عليها وتسيّرها) أنها لن تجد تلك الأرضيّة في المدى القريب، كما سأشرح لاحقًا.

سأذكّر بأنه عندما كانت "المدينة" (عمّان) "قرية"، منذ نشأتها كعاصمة إداريّة لشرقيّ الأردن، وحتى سبعينيّات القرن الماضي، أي: عندما كان ناسُها وعائلاتها يعرفون بعضهم بعضًا بشكل وثيق وشخصيّ، وعندما لم تكن عمّان الشرقيّة قد تشكّلت بالكامل كمنطقةٍ مُفقرةٍ وكـ"جيتو" شبه معزول، ولم يختلط –بعد- حابلها بنابل عمّان الغربيّة "الراقية"، لاعتبارات عدّة ليس هذا مجال التوسّع فيها.. كانت أخلاق المدينة/القرية "متمدّنة" بشهادة من يذكرون ذلك "الزمن الجميل". أما بعد أن كبرت "القرية"، وانفجرت، واختلطت، وصارت "مدينة"، فسد سلوك سكانها، وتوحّش. سأورد هنا، لنقارن بين زمن "القرية" وزمن "المدينة"، حكاية يرويها والدي عن جدّي أبو عبدو، تفيد بأنّه إذا ما وجد يومًا حافظة نقودٍ، أو شيئًا ذا قيمة، ضائعًا من أحد زبائن دكّانه (مال قبّان)، الواقع في شارع طلال، الشارع الرئيسيّ للمدينة، المحتشد دومًا بالمارّة والمتبضّعين، علّقه على باب الدكّان، كإعلان عموميّ، ليراه من أضاعه فيستعيده!

 

ليندا الخوري - آسف لإزعاجك
ليندا الخوري، "آسف لإزعاجك" (بإذن من ليندا الخوري).


علينا هنا أن نُسائل "بديهةً" أُخرى: هل الأخلاق والسلوك البشريّ مسألةُ ذاتٍ أم موضوع؟ إجابتي تُقدّم الموضوع على الذات، ما يعني بأننا عندما ننظر إلى عمّان الثلاثينيّات حتى السبعينيّات من القرن الماضي، فسنجد أمامنا عمّان الطبقة الوسطى الواسعة المسترخية، وهي مسرحٌ اجتماعيّ لا ولن يشبه عمّان التسعينيّات وما تلاها من تحوّلات، بعد انهيار قيمة الدينار، وبدء تطبيق وصفات صندوق النقد الدوليّ، وما رافق كليهما من التآكل البطيء المستمرّ لتلك الطبقة، وتحوّل الناس من وضعية الراحة المطمئنّة والثقة بالمستقبل، إلى التّنافس الشّديد على لقمة العيش وتركّز الرؤية على حاضرٍ دائم التأرجح، ترافق ذلك مع صعودٍ صاروخيّ لحديثي النّعمة من الفاسدين، ومنتزعي الاحتكارات، وجماعة "البِزنس"، وأصحاب المشاريع الخدماتية الكبرى والفبارك والوكالات، إلى مصاف الأقليّة المسيطرة بصفتها النّخبة الاقتصادية الغنيّة، مكان تجّار وسط البلد التقليديّين أصحاب "التقاليد" التي تتعامل مع المكان كمستقرّ وسكن، لا كمساحة للتكسّب والانتزاع. إذًا، والسياق كما رأينا، هل ثمة سلوك "مدنيّ" مُوحّد بين عمّان الخمسينيّات وعمّان العقد الثاني من الألفيّة الجديدة؟

المدينة هي شبكةٌ من الاجتماع والاقتصاد والبنيان والطرق والتفاعلات البشريّة على أرضية من التواضعات والاتفاقات الضمنيّة والأطر النّاظمة العرفية والقانونيّة والاجتماعيّة؛ والمدينة نفسها، بتقاليدها وتواضعاتها الراسخة، وإلى حدٍّ كبير، تُنتج سلوكيّات مواطنيها وزائريها وتفعلُ فيها. مثلًا: إن أخذنا مواطنًا عمّانيًّا ووضعناه في لندن أو دبيّ مثلًا، فهو –وخلال زمنٍ قصيرٍ جدًّا- سيقطعُ الشارع من ممرّ المشاة، وسيلتزم بقوانين السير والمرور، ولن يُلقي القمامة من شباك السيارة، وسيستعمل الباص العموميّ والمترو، وسيتبنّى في فترة قياسية سلوكًا "متمدّنًا"، أما إن فعلنا العكس، وأخذنا مواطنًا "متمدّنًا" ووضعناه في عمّان، فسيصير -خلال أقل من شهر- "ابن بلد" بالمعنى السلوكيّ، وهو أمر يعرفه جيدًا من يخالط ويشاهد الأجانب "المتمدّنين" المنتشرين في أرجاء جبلي اللويبدة وعمّان وأنحاء عدّة أخرى.

هكذا نستطيع تعريف السّلوك المجتمعيّ بأنه مُنتَجٌ موضوعيّ مُتعلّق بالشكل الاقتصادي-الاجتماعيّ-السياسيّ الذي يحتويه، والعلاقات الناتجة عن التفاعلات بينها، سلبًا أو إيجابًا، فيُعبّر السلوك عن الواقع الموضوعيّ للمجتمع، ومن هذا الأخير بالذات نستطيع الانطلاق لتفسير الأوّل وتحليله.

هل يكفي أن يتجمّع عدد كبير من الناس في بقعة جغرافية واحدة مكتظّة لتتحوّل هذه البقعة إلى مدينة، وأن يتحوّل السلوك فيها إلى سلوك "مدنيّ"، أو أن نصبح من المطالِبين بتحوّل ذاتيّ عند سكان "المدينة"، ونستنكر عليهم تصرّفاتهم "الهمجيّة" اللامتمدّنة؟ هل ثمّة تحوّل ذاتيّ نحو المدينة والمدنيّة وبالتالي نحو "السلوك المدنيّ"؟

 

ليندا الخوري، "شوارع الزجاج".


يفترق مجتمع المدينة عن مجتمعي القرية والبادية بمسألة أساسية محورية: أنه مجتمع أفراد "مستقلّين" أو "أحرار" (وأضع الكلمتين هنا بين مزدوجين، إذ لا حرية ولا استقلال حقيقيّين للأفراد في سياق انعدام المساواة، وتسليع أساسيّات الحياة، ونظام النقد الماليّ، الذي أنتجته الرأسماليّة، أُمّ المدن المُعاصرة ووالدتها)، أساسه الفرد ورغباته ونزعاته، ينتزع الفرد فيه من "جماعيّة" مجتمعه ليقف عاريًا أمام من يريد شراء قوّة عمله، بعكس مجتمعي الريف والبادية القائمين على الجماعيّة والتكافل وذوبان الفرد في الجماعة مقابل الحماية الاقتصاديّة-الاجتماعيّة التي توفّرها الثانية للأوّل. في المدينة يعلو قانون الفرد وحريّته (المتخيّلة) إلى أقصى مدى إذ يعتمد وجود الفرد على نفسه، وتصير نهاية حدود الحريّة الفردية هي بداية حريّة الأفراد الآخرين، أما في الريف والبادية فقانون الجماعة هو الأساس والفرد خاضع له، ولا حريّة للفرد خارج قانون الجماعة الكليّ حيث وجود الفرد يعتمد على الجماعة الفلاحيّة أو البدويّة، ولا وجود له من دونها.

هل يتحقّق هذا في أشباه المدن، أو في المدن المشوّهة، أو داخل وبين المجموعات المشكِّلة لها؟ سنختبر الأمر في مشهدين:

المشهد الأول: الحرية الشخصية – "المدينة" باعتبارها حيّزًا عُصبويًّا

صبيّةٌ تمشي وحدها في شارع الرّينبو الساعة التاسعة مساءً. بل فلنجعلها صبيّة تمشي وحدها في التاسعة مساء في أي مكانٍ من عمّان تقريبًا، وربّما في أي وقتٍ، صباحًا أو مساءً، أيضًا. "الطبيعيّ" أنها ستتعرّض لكمٍّ كبير من التحرّشات الجنسيّة وعلى الشكل التالي: نظرات من المارّة الذكور، تعليقات من المارّة الذكور، تعليقات من راكبي السيّارات الذكور، زوامير من راكبي السيارات الذكور، سيارات يركبها ذكور تتوقف لمحاولة إصعادها، وهكذا. و"الطبيعي" أيضًا أنها قد تتعرّض إلى نظرات أو تعليقات مستنكِرة من نساء أخريات يرافقن أزواجهنّ أو آباءهن، ردًّا على تعليق من الزوج أو الأب من طراز: "مش عيب عليها هاي لابسة هيك وماشية في الشارع بهيك ساعة"..إلخ.

سيقودنا هذا السلوك "المدنيّ" إلى جذوره "المدنيّة": في "مدينة" مدارسها الحكوميّة غير مختلطة، ومثلها كثير من المدارس الخاصة، ولا يتلقى طلابها أية ثقافة جنسيّة تُذكر، وينشأ أطفالها على أن النساء موضوعات جنسية محضة ينبغي فصلها عن الفضاء العام (المخصص للرجال) وعزلها داخل الفضاء الخاص (برجل واحد أو مجموعة قليلة من الرجال)، يصبح موضوع وجود المرأة منفردة (غير ملحقة برجل) في الفضاء العام للمدينة بمثابة دعوة جنسيّة للانتهاك؛ تتحوّل المرأة من فرد إلى موضوع مشاعٍ متاحٍ لجماعة الذكور الذي يتحوّلون تلقائيًّا إلى ممحونين يتلبّسون دور الاستجابة لتلك الدعوة التي اختلقها التواضع الاجتماعيّ عبر التوزيع الجندريّ للمساحات العامّة والخاصّة.

لن يكون هذا مفاجئًا في مجتمعات سلطويّة-بطرياركيّة تحتفي بعلاقات السيطرة المرتبطة بالذّكورة والفحولة الرجوليّة ومفاهيم الولاية، وتدار بآليات اقتصاديّة-اجتماعيّة ترسّخ هذا التشوّه وتعتبره معيارًا أصيلًا: فالذكر رأس العائلة واسمها ووليّ أمرها، والأنثى ملحقة بالذكر، هي شرفه وعرضه وعائلته. في المنطق البطرياركيّ الذكوريّ، تصير كل امرأة متواجدة في مكان عامّ غير ملحقة برجل، جسدًا مشاعيًّا لذكورِهِ، ينبغي إخضاعها عبر إهانتها، وتحويلها، في الوقت نفسه، إلى عبرة/نموذج، فمكان المرأة المحترمة هو البيت وليس الشارع، مكانها هو الحدود الصغيرة لهيمنة ذكر واحد أو مجموعة صغيرة من الذكور المباشرين (الأب، الأخ، الزوج، إلخ). مثل هذا السلوك قد يكون مفاجئًا في نيويورك أو لندن، حيث يأخذ الانتهاك شكل اقتناصٍ فرديّ يرتبط بتسليع المرأة وتحويلها إلى موضوع ورغبة جنسيّين، لكنه ليس مفاجئًا حقًّا في "مدينة" لا تعترف بفرديّة أفرادها، وتتشكّل من جماعات تتبنّى "رذائل" عصبيّات الأصل (الريف/البادية) وتنبذ فضائلها.

مثل هذا المفهوم عن المرأة يعتمده ولاةُ المدينة أيضًا، فمثلًا: لا تملك النساء حق إعطاء الجنسية لأبنائهن وبناتهنّ وأزواجهنّ، وتُسجن المهدَّدات منهنّ بالقتل إداريًّا نتيجة لما يسمى بقضايا "الشرف"، في حين يُترك الأفراد الذكور المهدِّدون بقتل المرأة أحرارًا طلقاء. وعلى النغمة نفسها تُصدر وزارة السياحة والآثار الأردنية (عام 2014) تعليمات تمنع غناء الفنّانات النساء في الخيم الرمضانيّة بحجة "الحفاظ على حرمة الشهر"، ما يعني أن النساء بذواتهن وأجسادهن وأصواتهن (أي بوجودهن الماديّ) هنّ موضوع جنسي محض، محرّض للشهوات، وبالتالي يتم اعتبارهنّ (من قبل السّلطة) خرقًا لـ"حرمة" الفضيلة في شهرها المكرّس.

في مثالنا هذا، تتحوّل "المدينة" إلى حيّز لجماعة بعينها هي جماعة الذكور، وفي أمثلة أخرى تتحوّل إلى حيّز لجماعات أخرى مثل جماعة العائلة (حين تَنْصُبُ هذه الأخيرةُ خِيمًا احتفاليةً وسط الشارع العام وتُصادره لصالحها)، أو جماعة البَسْطات (حين كانوا يصادرون حيّز موقف باصات العبدلي القديم لإقامة "سوق الجمعة" قبل طردهم منه بالقوّة، أو حين يصادرون حاليًّا حيّز الأرصفة العامة وسط البلد أمام المتاجر)؛ أو جماعة البِزنس (حين يُصادرون حيّز "حديقة عمرة" لتُقام فوقها كارثة مشروع برجي السادس، أو حين يصادرون حيّز "البوليفارد" في العبدلي، والمعلَن من قبلهم باعتباره "الوسط الجديد للمدينة"، دون أن يفضّهم درك أو تحاكمهم محكمة أمن الدولة مثلما حصل مع جماعة البَسْطات المطرودين من المنطقة نفسها، المذكورين سابقًا).

 

ليندا الخوري، "الاستعداد للعمل".


المشهد الثاني: حدود الحريّة الشخصية – المدينة بصفتها حيّزًا لشخص واحد

الشرطي: تحرّك من هون، ممنوع تصفّ مزدوج..

المواطن: يا خوك بس بدّي أتناول سندويشة شاورما من المحلّ..

الشرطي: ماشي بس عالسّريع، لا تتأخر وِلّا بخالفك.

المواطن يتظاهر بالرّكض باتجاه محلّ الشاورما، وتظلّ السيارة واقفة في الشارع، تعطّل السير وتغلق مجال الخروج أمام عدّة سيارات مصطفة بشكل نظاميّ.

لا يجب أن يثير عجبنا أن مواطن المدينة يتصرّف وكأن المدينة بحالها –بسكانها، وشوارعها- ملك شخصيّ له، يَصُفُّ سيارته فيها كيفما اتفق وفي أيّ مكان، ويحوّل إشارة الخطر (الغمّازات الرّباعية) إلى إشارة تتيح له فعل أي شيء يريده. بعد أن ينتهي مواطننا من التهام سندويشته، سيفتح الباب ويضع كيس المخلفات على الشارع تحته، هذا إن كان "محترمًا"، أما إن كان غير ذلك، فسيلقيه كيفما اتفق من الشبّاك، وسيسمح هذا المواطن لأولاده بأن يتمثّلوا بمثاله، وسيتركهم يلعبون في الشارع فيما هو يستقبل أقاربه في الساحة الأماميّة لبيته، يملأ صراخهم جميعًا الحيّ حتى آخر الليل، لأن المدينة له ولهم ولمن خلّفهم، وسيطلق المواطن النار في عرس أخيه وكأنه عرسٌ في خلاء القرية أو البادية، دون اعتبارٍ للفارق نوعي بين الاثنين، والمتمثّل بوجود المئات من بيوت زملائه المواطنين يحيطون ببيته، وقد يتصادف وجود أحدهم على شباك منزله في طريق واحدة من الرّصاصات فيموت، لكن تلك مسألة هامشيّة لزميلنا المواطن، لن تمنعه من الاحتفال كما يجب، مثلما لن تمنعه تلك المسألة من قيادة سيارة نقل تشتري الأثاث المستعمل أو تبيع أسطوانات الغاز أو الخضراوات مطلقةً أصواتًا ضجيجيّة متعدّدة الأنواع حيثما سارت، أو من إطلاق زامور باص المدرسة عدّة مرّات من "طيز الصّبح" (كما يُقال) لاستدعاء الطالب من بيته، فيصحى النائم مفزوعًا كلّ مرّة، أو من تركيب مضخّات مياه يبقي أزيزها المجاورين مستيقظين طوال الليل، فالمدينة ملك خاصٌّ له كما قلنا، ولأبيه الذي اصطفّ بطريقة مزدوجة قبله، وسايره الشرطيّ الذي "يفهم" و"يتفهّم"، فهو يتصرّف مثل زميله المواطن بالضّبط.

لا يجب أن يثير عجبنا مثل هذا المواطن، لأنه يحذو حذو مسؤولي مدينته وحكّامها تمامًا، وإذ يتصرّفون فيها هم أيضًا مثله، يفرضون على سكّانها ذوقهم الرديء، ويبيعون حدائقها وساحاتها العامة لمن يدفع مقابل مساهمة مميّزة في زيادة البشاعة. المثال الذي أتحدّث عنه هنا هو ما حصل مع واحدة من علامات عمّان المميّزة: الدواوير. بقرار -اعتباطيّ بالتأكيد- قرر مسؤولو المدينة أن الإضافة النوعيّة التي يريدون تقديمها لمدينتهم هي "الكندرين المضاء"، وكأنّ مساحات المدينة العامة هي صالونات بيوتهم التي يريدون أن يزيّنوها بذوقهم المنحطّ، وبألوان منفّرة بشعة غير متناغمة إلا مع شعار الشركة الراعية، لتُلقى المكعبات المضيءُ بعضها (بعضها الآخر خربٌ لا يضيء) هكذا، ككيس نفايات من باب السيارة، وتُترك على قارعة الطريق لتعبث بها رياح الأقدار فتتلف (لأن الصيانة منعدمة؛ سؤال: كم عدد النوافير التي لا تنفث الماء في عمّان؟) وتظل في وجوهنا إلا أن يتغيّر صاحب المزاج الرديء بمن هو أردأ منه.

يعتقد مسؤولو المدينة وحكّامها أن لهم الحق بتغيير شكل الساحات، والفضاءات، والمدينة كلّها: هُدِمَ مقهى جامعة الدول العربية العتيق مقابل الجامع الحسيني دون أن يرفّ جفن لأحد؛ مبنى بنك الإسكان الزجاجيّ وسط البلد، في شارع السلط، بشاعةٌ تتنافر مع محيط الأبنية الحجرية القديمة سقطت هكذا من السماء؛ ومثله علامة البشاعة الكونكريتية المتمثّلة بمبنى أمانة عمّان المقام أول طلوع جبل عمّان؛ الساحة الهاشمية غُيّرت عدّة مرات وبنيت أخيرًا باستعمال مواد رخيصة ورديئة لا تصمد أمام تقلبات الطقس والاستعمال؛ وآخر ما أتحفنا به هؤلاء سماحهم بهدم بيت تراثيّ قديم قبل نهاية شارع كلية الشريعة في جبل اللويبدة ليقام على أنقاضه فندق بشع الشكل والتصميم، وترخيصهم لكشكٍ بائس الشكل والمحتوى كمقهىً فوق المطلّ المعروف للجبل نفسه.

إن زرت لندن أو باريس أو بروكسل قبل عشرين سنة، وزرتها الآن، فلن تتغيّر عليك كثيرًا، ساحاتها هي هي، أما البنايات القديمة فتراث معماريّ قيّم، إن أرادوا تحديثها قاموا بهدمها وإعادة بنائها من الداخل بالكامل، فيما تظل الواجهات الخارجيّة القديمة على حالها ملكًا للأجيال المدينيّة المتعاقبة. ثمة قيمة للمباني، وللأملاك العامة، وللفضاء العامّ، تنتقل بالعدوى والممارسة من الموضوع إلى الذات، فتنتقل عندنا عدوى الاستهتار والارتجال: كيف تحترم "مدينة" تولد (أو بالأحرى تُقتل) مرّة كل عشر سنوات؟ كيف تحترم مدينة تُحوِّل شارعها الأنيق العتيق إلى "شارع الرينبو" وتحوّل حيّها القديم العريق إلى Weibdeh؟

حين تكون السلطة الحاكمة للبلاد والعباد مالكةً لكلّ شيء، وفي الوقت نفسه مصونة من المساءلة والمحاسبة (المادة 30 من الدستور الأردنيّ)، وحين يتصرّف مسؤولو المدينة وكأنّ المدينة حيّز شخصي لأمزجتهم، وحين يكون مجتمع "المدينة" هو تجمع لـ"جماعات" أو "عُصب" وليس مجتمعًا حقًا، يمنع عليها التشكّل في مجتمعٍ مدنيٍّ، وحين تكون سلطة القانون فارغة من المحتوى والمؤسسيّة، اسميّة، انتقائية، وغير عادلة؛ لن تتشكل تواضعات مجتمعية، ولا حريّات فردية، ولن يكترث أحد للقانون، أو للآخرين.

 

"مدينتي المشوهة التي أستيقظ فيها كل يوم" لهشام البستاني مع صور ليندا الخوري، المؤسسة العربية للدراسات والنشر (نسخة ثنائية اللغة)، 2023. مقتطف بإذن من المؤلفين.

هشام البستاني (مواليد عمان، 1975) كاتب أردني حائز على جوائز، نشر خمس مجموعات قصصية ودواوين شعر. يدور جزء كبير من أعماله حول القضايا المتعلقة بالتغيير الاجتماعي والسياسي، ولا سيما التجربة البائسة لحداثة ما بعد الاستعمار في العالم العربي. وصف النقاد كتاباته بأنها "تأتي بموجة جديدة من السريالية إلى الثقافة الأدبية [العربية]، التي غابت عن الثورة السريالية في القرن الماضي"، و"[هو] ينتمي إلى جيل عربي جديد غاضب. في الواقع، إنه في طليعة هذا الجيل - يجمع بين الحساسية الأدبية الحداثية غير المحدودة ورؤية التغيير الشامل ... يمتد غضبه ليشمل كل شيء، بما في ذلك الاتفاقيات الأدبية ". ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات ، مع ظهور ترجمات باللغة الإنجليزية في مجلات مثل The Kenyon Review و The Georgia Review و Black Warrior Review و The Poetry Review و Modern Poetry in Translation و World Literature Today و Los Angeles Review of Books Quarterly. تم جمع أعماله الأدبية في مختارات مثل أفضل القصص القصيرة الآسيوية. الفوضى العادية لكونك إنسانا: حكايات من العديد من العوالم الإسلامية. إشراق القصة القصيرة: خيال من جميع أنحاء العالم The Best Asian Short Stories; The Ordinary Chaos of Being Human: Tales from Many Muslim Worlds; The Radiance of the Short Story: Fiction From Around the Globe، والتأثير والالتقاء - الشرق والغرب: مختارات عالمية على القصة القصيرة. Influence and Confluence – East and West: A Global Anthology on the Short Story. مجموعة قصص البستاني بعنوان " فوضى الوجود الرتيبة" The Monotonous Chaos of Existence (ترجمة مايا تابت) في العام 2022 من إصدارات Mason Jar Press. يغرد من خلال @H_Bustani.

آدي ليك شاركت في ترجمة كتاب مصطفى نيسابوري من أجل مقاييس لا توصف للصحراء For an Ineffable Metrics of the Desert (2018 ، Otis Books) ، كما ظهرت ترجماتها من الفرنسية والعربية في صحيفة أنفاس،  A Critical Anthology from the Moroccan Journal of Culture and Politics (2015, Stanford University Press), Words Without Borders, The Common, Exchanges, Shuddhashar, The Huffington Post, وغيرها. حصلت على ماجستير الفنون الجميلة في الترجمة الأدبية من جامعة أيوا، وشاركت في العام 2023 في Middlebury Bread Loaf Translators’ Conference، وحصلت سابقًا على منحة برنامج فولبرايت في الأردن، حيث عاشت لمدة ست سنوات.

حياة مدينة عمانالعمران الأردني

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *