"Godshow.com" – قصة قصيرة لأحمد ناجي

15 يونيو، 2022،
رجل عائلة مسلم ومنفي من مصر يبحث عن المسجد المناسب للصلاة في لاس فيغاس.

 

أحمد ناجي

ترجمت النسخة الإنجليزية عن العربية رنا عصفور

 

 

1.

تزخر لاس فيجاس بالمساجد. ظهرت كنقاط حمراء فوق خريطة جوجل، ما إن كتبت "مسجد قريب مني".

مسجد "الحمادة" حاصل على تقييم (5). في المراجعات جمل من نوعية "تشعر بالسلام ما إن تعبر الباب"، "المجتمع في هذا المسجد عاونني في أثناء إقامتنا القصيرة في لاس فيجاس، الله أكبر". تفحصت صوره، المساحة صغيرة من الداخل، ومن الخارج لا قبة ولا مئذنة، غالبية الرواد في الصور سُمر البشرة، على الأرجح تابع لأمة الإسلام. الإنترنت يقول إنه من أوائل مساجد لاس فيجاس؛ تأسس في السبعينيات.


حذفته من القائمة؛ لن أذهب إلى مسجد سلفي أمريكي. تركت الجلابيب القصيرة والسواك ورائحة المسك والذقون في مصر، لا لآتي هنا إلى البذلات المنمقة. أشاهدهم أحيانًا يقفون في تقاطع طرق في غرب لاس فيجاس، يقتربون من السيارات المتوقفة في الإشارة، ويعرضون شراء مطبوعتهم بعشرة دولارات. ذات مرة حاصرني أحدهم وأنا في السيارة، أحرجت وقلت له: "ليس معي كاش"، فأخرج قارئ بطاقات متصلًا بالموبايل، وقال: "لا مشكلة أخي". دفعت بالكارت، وأعطاني المجلة، وحين تصفحتها وجدت غالبيتها عن أخبار زعماء الجماعة.

فتحت موقع مسجد ثانٍ، في السطر الثالث على الموقع إشارة واضحة إلى أن المسجد مفتوح لكل الأعراق والجنسيات والطوائف، ثم تكرار لكلمة العرق واللون، في إشارة مبطنة إلى أنهم لا يتبعون أمة الإسلام، بل مركز لاس فيجاس الإسلامي الذي تأسس في الثمانينيات.

في وسط نتائج البحث ظهر اسم "العمرية"؛ مدرسة إسلامية ومسجد. تظهر في الصور فتيات لم يتجاوزن العاشرة يرتدين الحجاب، وجمل مبعثرة على الموقع عن التربية والأخلاق والحفاظ على النشء والطفل المسلم. حذفته من القائمة، فأنا أريد زيارة المسجد، لا إرسال الأولاد إلى مغسلة إسلامية لغسل المخ.

مسجد آخر على جوجل وضع صورة مكتوبًا فيها "لبيك يا حسين"، معلنًا انتماءه الشيعي. مسجد الحكمة لديه تعليقات حول جودة الطعام.
رفعت النادلة زجاجة البيرة وسألتني إن أردت زجاجة ثانية، في اللحظة ذاتها ظهر "خوسيه آل"، وقفت لأصافحه فعانقني ثم جلس قبالتي.
سألني عن الأخبار، والأحوال، والعمل والعائلة، أجبت بشرود وسألته بآلية الأسئلة ذاتها. هبطت البيرة مشبرة، فقلت له:
- أفكر في زيارة مسجد.

- أليس لديك مسجد تذهب إليه بالفعل؟

- لا

خوسيه أصغر منى بسبع سنوات، ما زال في العشرينيات، بجسد ضخم يمتلئ بالعضلات والوشوم، وعينين ناعستين. كان يعمل نادلًا في الفندق حيث عملت في قسم المشتريات مسؤولًا عن فحص الجودة وتخزين المواد الغذائية، وذلك قبل تسريح كلينا. التقينا بالصدفة في واحدة من الخطابات التحفيزية التي يجمع لها المديرون عمالًا من أقسام مختلفة، ليتلوا عليهم أحاديث بلا معنى. في أول تعارف لنا قال شيئًا عن الشعر، فقلت له إنى أكتب الشعر وأقرؤه. مد يده مصافحًا وقال إنه شاعر. صرنا صديقين لكن لم نتحدث كثيرًا عن الشعر، خبرته كانت بالشعر الأمريكي وقليل من المكسيكي، وكنت أقرأ وأقرض الشعر بالعربية، لم أقرأ قصيدة واحدة بالإنجليزية قبل أن أعرف خوسيه. كان يكتب الشعر بالإنجليزية ويستخدم الكثير من الكلمات الإسبانية، يفعل ذلك لأنه يكتب للمهاجرين.. "شعر الجنوب، الكلمات الساخنة يا صديقي، هل تفهم ما أعنيه؟".

عندما ضرب Covid-19 ، كان خوسيه من بين الدفعة الأولى التي تم تسريحها. لفترة من الوقت ، كان يتدبر أمره على إعانات البطالة وعربات توصيل الطعام في سيارته القديمة كيا ، حتى تمكن من العثور على عمل في مستودع كبير يستورد سلعا رخيصة وقطع غيار سيارات من الصين أعيد بيعها في الولايات المتحدة.

لا أعرف كيف تعرف خوسيه آل على "فيل"، لكنه من أحضره معه في ثاني لقاء لنا، ثم صار الضلع الثالث في لقاءات البيرة الأسبوعية. حضر بقامته المهيبة وقمصانه الكاروهات المعتادة، طلب بيرة سوداء وجلس صامتًا، بينما أشرح لخوسيه الفرق بين صلاة الجمعة وخدمة الكنيسة يوم الأحد.

قلت لخوسيه إنى لم أذهب لصلاة الجمعة ولا مرة منذ جئت إلى أمريكا. أخرج من جيب قميصه "أستك" أسود، جمع خصلات شعره بين أصابعه، وانطلق في مونولوج طويل عن أهمية الذهاب إلى المسجد وإلى خدمة الجمعة، حتى لو لم أكن متدينًا، لأن هذه هي الوسيلة الأفضل لكي أتعرف علي جماعتي ومجتمعي، لأن المهاجر قد يحتاج إلى هذا الدعم في أي ظرف، وهؤلاء المتدينون بصرف النظر عن دينهم يحبون أن يساعدوا ليتقربوا إلى الله.

لم أفكر في كل هذا، كنت أبحث عن مسجد نظيف أدخله بعد صلاة العصر بينما مراوح السقف تعمل على أسرع درجة، مسجد خالٍ إلا من اثنين أو ثلاثة أحدهم يقرأ القرآن بصوت خافت. أريد تلك اللحظة كما عرفتها في طفولتي لدى زيارتي المسجد، أنام على الأرض، وأغمض عيني فيزول همي وغمي.

قال "فيل" إنه يفهمني تمامًا، وإنه ملحد لكن يرى أن أماكن العبادة مستودع لطاقة وذاكرة مشتركة للمؤمنين، فهو لا يشعر بهذه المشاعر مثلًا إن زار كنيسة، لكن هناك ذلك الكهف في Valley of Fire State Park، والجميع يرجح أنه كان مقر عبادة وصلاة لسكان الوادي القدامى، ولا يزال يشعر بطاقة المكان بعد كل هذه القرون. يكبرني فيل بخمس سنوات، لم أفهم يومًا ماذا يعمل بدقة، لكنه مولود في لاس فيجاس، ولديه عائلة كبيرة ومنزل وسيارة، والعمل بالنسبة إليه هواية ينفق فيها وقته على استكشاف الطبيعة، ودراسة صحراء نيفادا وتاريخ سكانها وحضاراتها المندثرة.

 لدى "فيل" نظرية أن الحياة في وادي فيجاس تمر بدورات تدمير حضاري، كل نحو أربعة أو خمسة قرون تنتعش الحياة في أودية فيجاس، ينتقل البشر يبنون ويؤسسون حياة ومدنًا، تستمر وتنتعش الحياة لقرنين أو أربعة حسب مقدار استنزافهم للطبيعة، ثم يضرب الجفاف الوادي، يهجره سكانه، وتمحو الرمال آثار العمران.
شغف "فيل" هو الطبيعة وصحراء فيجاس وأريزونا. يصور "فيل" أفلامًا وثائقية عن الطبيعة لـ PBS أو يخرج في رحلات استكشافية طويلة. ثم قال "فيل":

- لكني لا أفهم أين المشكلة؟ ألا توجد مساجد في لاس فيجاس؟

وضعت شاشة الموبايل أمام وجهه، وقلت:

- بالعكس، هناك الكثير من المساجد في لاس فيجاس، ولا أعرف أيها أختار.

 

2.

لم أحسم قرار اختيار المسجد، حتى ركبت معي امرأة ومعها طفلين، سألتني إن كنت من تركيا بسبب اسمي، فقلت لا. فسألتني إن كنت مسلمًا.

نظرت إلى الطفلين، وبعد ثوانٍ من التردد قلت "أحيانًا".

ابتسمت وقالت: "ولماذا ليس دائمًا بدلًا من أحيانًا؟".


بادلتها الابتسام في مرآة السيارة، وصرفت نظري إلى الطريق مُتلحفًا بالصمت. مررنا في الطريق بجامع الإسراء، ونزلت هي مع الولدين على بعد شارعين منه. وجدتني بعد نزولها أغلق ال GBS، وأقود السيارة إلى مسجد الإسراء. دخلت وكان ما زال باقيًا نصف ساعة على صلاة الظهر.

لمسجد الإسراء مئذنة وقبة مطلية بالأصفر، كأنما طمح المصمم إلى محاكاة مسجد قبة الصخرة في القدس، لكن التنفيذ لم يرتفع لمستوى الطموح. في مدخل الجامع اللافتات مكتوبة بالإنجليزية والعربية والأردو، منشورات الـFBI مثل "إذا رأيت شيئًا، أبلغ شيئًا". أو "أنا أعيش في هذا المجتمع، أبلغ وأحمي مجتمعنا"، كما العادة مكتوبة بأخطاء نحوية ولغوية، وهو أمر لطالما أعتقدت أنه ليس بسبب نقص متحدثي العربية داخل الوكالات والأجهزة الحكومية، بل إصرار على كتابة عربية أمريكية فخور باضطرابها وأخطائها كجزء من خصوصيتها، عربية (خواجاتي) تعلن في طياتها أن الـFBI وإن كانت قادرة على مراقبة وفهم والتحدث بالعربية، ليست عربية.

لاحظت رجلًا يرتدي سترة فسفورية صفراء، واقفًا خارج المسجد، يلتهم تفاحة خضراء ويراقبني، فخلعت حذائي ووضعته في الجزامة، وولجت المسجد.

قاعة الصلاة واسعة بموكيت أخضر، وسقف عالٍ، أسماء الله الحسنى مكتوبة باللون الذهبي في شريط أخضر يزين جدران القاعة.

توافد رواد المسجد، استرحت حين رأيت تنوعهم العرقي والثقافي الذي ينعكس على ملابسهم، ممرضين، عمال بناء، عامل صيانة تكييف وتبريد، مع حضور خاص "للكاميز شالوار" الباكستاني.

دخلت الحمام فداهمتني رائحة الفنيك Sodium hypochlorite، الرائحة ذاتها في كل حمامات المساجد مهما كان مكانها، تعاظمت ألفتي حين وجدت شطافة في كل حمام، فاستبشرت خيرًا، أفرغت مثانتي ثم توضأت ولحقت بالصلاة. بعدها صليت ركعتين سنة، وجلست مكاني في حين غادرت غالبية المصلين. أغمضت عيني محاولًا استحضار الصفاء القديم الذي يداهم الواحد في المساجد، لكن لا صفاء ولا روقان، ولا أي خرا جاء.

كل ما فكرت فيه أني ضيعت الكثير من الوقت وكان بإمكاني استغلاله في مشوارين أو ثلاثة على سيارتي التي أعمل عليها سائق أوبر.
خرجت من المسجد، تقدم نحوي الرجل ذو السترة الصفراء، له فم واسع وعينين خضراوين، شعره مسترسل حتى كتفيه، مبلول بالماء وأظافره طويلة لكن نظيفة. حادثني بلغة لم أفهمها، فقلت:
- أتحدث الإنجليزية والعربية فقط.

بإنجليزية قال إن صلاة الظهر للمتعبين، هو يعرف ذلك، رغم أنه لا يصلي. شكرته، فنصحني إذا احتجت إلى أي شيء أن أتحدث مع د. برهان، رجل طيب، هو من بنى الجامع ومركز الإسراء، يساعد الجميع حتى إنه يساعده رغم أنه ليس بمسلم، لأن الله يحبنا جميعًا. قاطعته سائلًا:

- عفوًا لكن من أنت؟

فرد قامته وبسط كفه على صدره، أشار إلى كاميرا معلقة فوق باب المسجد وقال: "سيكورتي"، وانطلق في مونولوج بدأ بمدح الجيران والمنطقة، قال إنهم طيبون، لكن الأشرار في كل مكان، بعضهم يسكر ويشعر بالغضب فيأتي إلى هنا ويحاول افتعال المشكلات، أحيانًا نتلقى تهديدًا بتفجيرات أو أعمال عنف، لكن لا تقلق البوليس يحمينا، يرسل سيارتين في موعد صلاة الجمعة والأعياد، وأنا دائمًا موجود.


في الطريق إلى السيارة، لاحظت أن وراء المسجد قطعة أرض فارغة تمتلئ بالخردة، غالبيتها يخوت ومراكب متعددة الحجم ملقاة كصخور نسيها الله، وفي الأفق سماء فيجاس صافية الزرقة والجبال التي تحاصر وادينا.

على الأرجح كانت ورشة لإصلاح المراكب التي يحضرها أصحابها للطفو والإبحار في بحيرة لاك ميد، البحيرة التي بدأ منسوب المياه يقل فيها مؤشرًا لموجة جديدة من التغير المناخي، يظن البعض أنها ستمحو لاس فيجاس خلال خمسين عامًا.


 

3.

عدت إلى المنزل بعد منتصف الليل. باب غرفة النوم مغلق، ما يعني أنها والولدين ناموا أخيرًا. الفوضى واللعب في كل مكان وأكوام الأطباق تتراكم في المطبخ. تفحصت مصايد الفئران الموزعة في المنزل، لا فئران اليوم.

انتقلنا إلى هذا المنزل منذ شهر، وهو المنزل الثالث الذي ننتقل إليه منذ هجرتنا إلى أمريكا. كنا سعداء في البداية بانتقالنا إلى منزل واسع أخيرًا، واستبشرت أنا وزوجتي بفصل جديد وأمل في استعادة حبنا وشغفنا بالحياة مرة أخرى.

التقينا لأول مرة منذ سبع سنوات، كانت تعمل في شركة دعاية وتسويق وأنا في فندق كبير في دبي.
عشنا في دبي سنوات غارقين في المتع اللحظية، نعمل وننفق ما نكسبه على فسحنا وأسفارنا، تزوجنا ولم نكن نفكر في "الخلفة"، لكن كل شيء تغير حين أرتني اختبار الحمل وابتسامة مترددة على وجهها. عانقتها فرحًا، وفي المساء أخبرتني أننا يجب أن نخطط للولادة في أمريكا، حتى يكون لدى الولد جواز سفر مثل ابن أختها.
حياتنا في دبي كانت مستقرة، لكنه استقرار زائف، كلانا يعلم ذلك، ويعلم أنه من دون جنسية وجواز سفر آخر فمصيرنا العودة إلى مصر.

زميل قديم يعمل في فندق في فيجاس، دعانا للقدوم والولادة هنا. أحبت سميرة فيجاس، ووجدت المدينة تشبه دبي لدرجة تجعل "الديجافو" تجربة متكررة في كل ركن. بمساعدة الزميل القديم حصلت على وظيفتي الأولى بمرتب أضعاف ما كنت أحصل عليه في دبي، وفي ظروف عمل أفضل لا تشمل المراقبة الصارمة والخوف الأبدي من الترحيل كما دبي.

بدلًا من طفل واحد رزقنا بتوأمين، كان الأمر مرهقًا لكلينا، بل جحيمًا دخلناه ولم نخرج منه بعد، تحولت أنا وسميرة من عاشقين إلى والدين مرهقين بالمسؤوليات بلا دعم أسري أو شبكة أمان اجتماعي، ننفجر بعضنا في وجه بعض لأنه لا يوجد آخرون نعرفهم في المدينة. فكرنا في العودة مرة أخرى إلى دبي، لكن جاءت الكورونا لتضرب خطط النجاة؛ أُغلقت المطارات والحدود، قلص الفندق الذي أعمل فيه الأجور، ثم العمالة، ثم جرى تسريحي في الدفعة الثانية، واضطررنا إلى الانتقال إلى بيت أصغر من غرفة واحدة.

عشنا عامًا كابوسيًّا نقاوم فيه لكي نرفع رأسينا عن الوسادة لتلبية احتياجات الولدين. الزميل الذي ساعدني والعربي الوحيد الذي أعرفه في المدينة غادر إلى فلوريدا، في حين علقنا نحن في فيجاس التي انطفأت أنوارها خلال الوباء، وتحولت الشوارع والفنادق الفخمة إلى ممرات يصدح فيها عواء ماكينات القمار الخاوية من دون لاعبين.

سمعت صوتًا من المطبخ، وقفت أنظر في كل اتجاه لعله الفأر أو لعلني أتخيل.

في ثالث يوم بعد انتقالنا إلى هذا البيت الأوسع بحديقة خلفية وغرفتين، رأيت الفأر يهرول في المطبخ خلف الثلاجة، اشتريت عددًا من مصايد الفئران ووزعتها في أرجاء المنزل، بعدما وضعت داخلها لحسة من زبدة الفول السوداني.

أمسكنا فأرًا آخر في اليوم التالي، لكن "خوسيه" أخبرني أن فأرًا واحدًا في المنزل يعني وجود فأرين، وفأرين يعنيان عائلة فئران وستظهر تباعًا. أحيانًا نسمع أصواتهم في الليل، مرتين وجدت آثار خرائهم في زوايا من المنزل.

فتحت باب غرفة النوم، وعلى الضوء الشاحب المتسلل من الصالة شاهدت جسد سميرة في المنتصف بين الولدين. رفعت كل واحد ووضعته في سريره. غسلت أسناني وخلعت ملابسي واستلقيت في الفراش بالبوكسر وتي- شيرت قديم. تقلَّب جسد سميرة وشاهدتها تفتح عينيها للحظة ثم تغلقهما، تشد الغطاء عليها وتعطيني ظهرها.

الحب موجود، لكن أين ذهبت الرغبة؟ ومتى ينتهي هذا التعب والقلق الأبديين؟

منذ بضعة أشهر شاهدت أسرة من أب وأم وطفلين، يعيشون في سيارتهم بالقرب من إحدى الحدائق العامة، السيارة تمتلئ بالأغطية وأكياس الملابس، الوالدان في المقعدين الأماميين، والطفلان في الخلف، والجميع يشاهد مسلسلًا يُعرض على شاشة الموبايل الموضوع فوق تابلوه السيارة كأنهم يجلسون في صالة منزلهم. لم أخبر سميرة، لكن من حينها وأنا أرانا لأي سبب نسقط إلى هذا المنحدر، أسرة مشردة بلا منزل، وليس هذا كابوسًا، بل واقعًا يحدث للآلاف كل يوم، وفي مرحلة ما كنا على شفا هذا الجرف.

لم أعد أعرف مشاعري مؤخرًا، فالتوتر والقلق هما الإيقاع الوحيد الذي أسمعه دائمًا ويحركني مؤخرًا، حتى انتبهت إلى أني لم أعد أضحك. حاولت مشاهدة أفلامي الكوميدية المفضلة لكن لم أجد وقتًا لذلك، اشتريت جوينت حشيش ودخنته مع سميرة، أنهينا الجوينت وحضن كلانا الآخر ونمنا على الكنبة. قديمًا كنا نأخذ النفس ونغرق في هستيريا من الضحك.

لا أزال أحب سميرة، لكن الحب ليس كل شيء، فحتى في وجوده أستدير معطيًا ظهري لها. أترك الغطاء لأنام عاريًا. تحول جسد سمير بعد الحمل والولادة، صار جسدًا لا أعرفه. هي أيضًا تخجل منه، وصارت ترفض أن أدخل عليها الحمام، وتطلب إغلاق النور إن حدث كل شهرين أن قررنا التعري والمحاولة.

النوم لا يأتي، وأفكر في الاستمناء بدافع اليأس والسأم، لكن يخيل إليَّ للحظة أني سمعت صوتًا ما في ظلام الغرفة، أعتدل جالسًا على الفراش، هل يكون الفأر في الغرفة؟ يتملكني الرعب، في الظلام أرهف السمع لعله الفأر.

 

4.

ذهبت إلى مسجد الإسراء مرة أخرى، هذه المرة وصلت في الركعة الأخيرة لصلاة المغرب، أنهيت الصلاة وجلست مكاني حتى انصرف المصلون. فردت ساقي، وفي سكون المسجد بحثت عما ضاع داخلي. قطعت تأملي يد تربت على كتفي. رجل بشعر أبيض وبشرة سمراء، يرتدي بنطالًا بنيًّا قطنيًّا وقميصًا صيفيًّا، سألني إن كنت بخير، فقلت نعم، لكنه لم ينصرف، بل جلس أمامي ومد يده مصافحًا ومعرفًا بنفسه:

- أخوك د. برهان.

- أهلًا وسهلًا.

صافحته مرحبًا، كرر سؤاله مرة أخرى عن أحوالي، ثم قال إنه يأمل ألا يقاطع تعبدي، لكنه أراد أن يعرِّف نفسه، ويتعرف إليَّ، لأنه يشاهد وجهي للمرة الأولى.

اشتريت ولم أبِع، لم أخبره حتى باسمي، بل هززت رأسي وأنا أستمع لشرحه وحديثه عن الـ Community، قال إنهم "كومينوتي" متعاون وحبوب، وإذا احتجت إلى أي مساعدة عليَّ فقط أن آتي إلى المسجد وأسأله أو أي شخص موجود في الإدارة، فكل مشكلة جعل الله لها حلًّا.

شكرته على محبته، وقلت : "بالتأكيد". في طريقي إلى خارج المسجد لفت نظري إعلان عن مركز خدمات واستشارات نفسية يقدم خدماته للمسلمين، يقول الإعلان: بالتأكيد تبحث عن خبير نفسي يفهم خلفيتك الثقافية وطبيعة مجتمعك المحلى. الـ Community مرة أخرى.

صورت الإعلان وابتسمت وأنا أتخيل ردة فعل سميرة إن أريتها الإعلان واقترحت عليها أن تزور الطبيب النفسي الإسلامي، أو نزوره معًا لعل الله يكتب لنا الشفاء والهداية.

على العكس مني، ليس لدى سميرة أي مشاعر إيجابية تجاه الإسلام، ولا ألومها، فقد عاشت في مصر تحت رقابة صارمة من أب متشدد دينيًّا، حتى بعد طلاقه لوالدتها استمر في التدخل في حياتها، بحجة الدين والحلال والحرام، ولم تتحرر من سلطته إلا بعد انتقالها إلى دبي.

خرجت من المسجد فوجدت عامل الأمن في انتظاري، حييته من بعيد واتجهت إلى سيارتي، لكنه جرى نحوي وسألني إن تحدثت مع د. برهان. أجبته:

- نعم، شكرًا لك.

قال إنه حكى لدكتور برهان عني، فسألته مندهشًا ما الذي يعرفه عني ليقوله، فقال إنه شك في البداية أن أكون متطرفًا. نظرت في عينيه وقلت:

- متطرف! أنت تتهمني بالتطرف!

- نعم، لست أبيض كفاية، ورأيتك تتفحص الجامع من الداخل والخارج وتمكث فترة طويلة بعد انصراف المصلين، لا تؤاخذني، لكن البلاد في وضع خطر، البيض يقتلون السود، واللاتينيون يجمعون ويخزنون السلاح، أمريكا تتجه إلى الجحيم، الحرب الأهلية قادمة، حتى نحن. هل تصدق أنه في العام الماضي، جاءت مجموعة من العراقيين الشيعة، وكادوا يفتعلون مشكلة لأن د. برهان قبل استضافة مراسم عقد قران شاب سني على فتاة شيعية من عائلتهم. لا تنظر إليَّ هكذا، أنا أصلًا لست مسلمًا، أنا من تركيا لكني مسيحي، لم أذهب إلى تركيا منذ سنوات، لكن د.برهان منحني هذه الوظيفة، والكومينوتي يساعدني.

ودعته وأنا أُخرج من جيبي خمسة دولارات، صافحته تاركًا الورقة ترتاح في يده.

 

5.

ثم سألني "فيل" إن وجدت ما أبحث عنه في مساجد لاس فيجاس. أخبرته أن ما أبحث عنه غالبًا ليس في المسجد، لكن ذهبت إلى مسجد الإسراء. سألني أين يقع؟ وحين أخبرته بالعنوان، قال لي إن هذه المنطقة قديمًا كانت منطقة صناعية تمتلئ بالورش، ومصانع إصلاح وبناء السفن واليخوت، حكيت له عن مقبرة القوارب خلف المسجد، فأكد على كلامي وأخبرني أن هذا قد يبدو غريبًا الآن، لكن في فترة كانت هناك ورش لتصنيع القوارب واليخوت الصغيرة في لاس فيجاس، وأن السياحة البحرية والاجتماعات المهنية في بحيرة "لاك ميد" كانت من الأماكن المفضلة قديمًا لصعوبة التجسس والمراقبة من أجهزة الأمن.

كرر سؤاله: بأي لغة تقام الخدمة في المسجد؟ أو يخطب الإمام؟

قلت: "خطبة الجمعة تكون بالإنجليزية بينما الصلاة بالعربية".

لدى "فيل" إحساس دائم بالخجل، تنحنح مترددًا، وعيناه تدوران بيني وبين خوسيه، ثم سألني إن كان بإمكانه أن يصحبني ذات يوم لحضور خدمة الجمعة.

- لماذا تريد ذلك؟

- لم أدخل يومًا مسجدًا.

فكرت في احتمالات ما يمكن أن يسمعه، في مصر أي خطبة جمعة تشمل في جزء منها الدعاء على الكفار والضالين، ناهيك باحتمالية أن يشمل موضوع الخطبة لعن المثليين، أو النساء، أو الشياطين، أو الكفار واليهود.

على الموبايل فتحت موقع مسجد الإسراء، وجدت تنويهًا أن صلاة الجمعة المقبلة سيعقبها احتفال بالإسراء والمعراج وتوزيع حلوى مجانية على الأطفال، فقلت لفيل:

- أعتقد أن يوم الجمعة المقبل سيكون مناسبًا لزيارتنا.

فكرت في أن خطبة الجمعة ستكون بالتأكيد عن قصة الإسراء والمعراج، وهي قصة مسلية مليئة بالمغامرات بلا خطابات كراهية أو تحقير لفئات أخرى الحمد لله.
يوم الجمعة وحين مررت على "فيل"، سألني إن كانت ملابسة مناسبة، يرتدي جينز أزرق وقميص كاروهات أبيض في أزرق، كنا في الظهيرة، والشمس حارقة مثل معظم أيام السنة في فيجاس.


في الطريق سألني عن معنى اسم المسجد، فقلت له إن الإسراء يعني السفر في الليل، والاسم يعود لرحلة أسطورية قام بها النبي محمد تدعى "الإسراء والمعراج". بكلمات حاولت أن أجعل لها معنى علميًّا، قلت لفيل إن الرسول كان يعاني من حصار قبيلته أو his community الذين رفضوا دعوته واعتبروه خارجًا عن تقاليد وأعراف الكومينتي، وذات مساء قرر الله أن يستدعيه في رحلة ليسري عنه أحزانه، ويعلمه بتعليمات جديدة تتعلق بالإسلام، فأرسل له براقًا، وهو أصغر من الحصان وأكبر من الحمار وله جناحين، طار به من مكة إلى القدس، وهناك التقى الأنبياء جميعهم، صلى بهم، ثم نزل الملاك جبرائيل (فاجأني فيل بمعرفته لأسماء الملائكة) وأخذه إلى السماء السابعة حتى سدرة المنتهى، ليحصل على التكليف من الله بالصلاة خمس مرات في اليوم، ثم عاد إلى فراشه في مكة قبل أن يبرد. بانبهار قال فيل:

- واااو! يا لها من قصة رائعة! وهذا البراق هل كان حيوانًا أم ملاكًا؟

- لا، كان حيوانًا أسطوريًّا، لكن جميع المسلمين يؤمنون بوجوده طبعًا
شرحت له أنها ليست قصة خيالية، فكل مسلم لا بد من أن يؤمن بحدوث رحلة الإسراء والمعراج كمعجزة للنبي، انثني فيها الزمان والمكان بأمر الله، مثل فيلم انسلتر Interstellar، هل تفهمني؟
هز فيل رأسه مستوعبًا أو متظاهرًا بالتفهم.

أوقفت السيارة في موقف المسجد. ما إن خطونا بضع خطوات في اتجاه المبنى حتى ظهر رجل الأمن وعلى وجهه ابتسامة وحماسة، وقال:

- لقد تأخرت كثيرًا، الجميع أنهوا الصلاة وذهبوا للعرض، اتبعني تعالَ من هنا.

كان باب المسجد مغلقًا، فتبعت أنا وفيل الحارس نحو سور المسجد، تقدم وأزاح جزءًا من السور الحديدي، ليوسع لنا الطريق نحو ساحة ورشة تصليح السفن المهجورة، أشار بيده إلى مخزن كبير ينتصب في طرفها وقال:

- الجميع هناك. أسرعا إذا أردتما مشاهدة المعجزة.

عبرت أنا الفناء المغبر غير الممهد حتى وصلنا إلى الباب نصف المفتوح. في الداخل رأينا مسرحا ، يبلغ ارتفاعه نصف متر ، أمامه صفوف من الكراسي يشغلها النساء والرجال والأطفال ، وكان بعضهم يستمتع بالحلوى على شكل وحيد القرن. اخترت أنا كرسيين في الصف الخلفي.

سرت أنا وفيل في الطريق الترابي، حتى وصلنا إلى باب المستودع نصف المفتوح، في الداخل خشبة مسرح بارتفاع نصف متر، تراصت أمامها صفوف من الكراسي يجلس عليها نساء ورجال وأطفال، بعضهم يمسك حلوى على شكل "يونيكورن". جلست أنا وفيل على مقعدين في الصفوف الأخيرة.على المسرح، شاشة تعرض مناظر سينمائية لصحراء نيفادا، العرض في منتصفه ولم نكن نفهم ما يدور حتى ظهر عن يمين المسرح طفل أسمر يرتدي جلبابًا طويلًا، ويحمل في يده عصا يتكئ عليها ويتحدث عبر ميكروفون مثبت في أذنه، قال بالإنجليزية:

- وأخيرًا انتهت رحلة الإسراء وعاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومعه هدية لكل المسلمين؛ الصلوات الخمس.

ظهر خلفه على المسرح كورال صغير من الأطفال والمراهقين، وأخذوا يغنون أغنية قصيرة عن الصلاة وطقوسها. نظر فيل إليَّ في حيرة، فملت عليه وقلت:

- لا أعرف ما الذي يحدث، مثلي مثلك، لكن ليست هذه صلاة الجمعة، أعتقد أننا حضرنا متأخرين وأنهم أنهوا الصلاة، وهذا احتفال بذكرى الإسراء والمعراج.

أنهى الكورال أغنيته القصيرة وانسحب عن المسرح، في حين ظل الطفل بالعصا والجلباب الأبيض، يخاطب الجمهور فاتحًا ذراعيه:

- لكن أخواتي وإخواني، ماذا حل بالبراق بعد تلك الرحلة؟

ظهر د. برهان عن يسار المسرح، مخاطبًا الصبي:
- لا نعرف يا عمر، هذا أكيد.

مشى حتى منتصف المسرح، ثم واجه الجمهور:

- لكننا محظوظون لأننا في هذه الأرض المباركة نيفادا، حيث تشير الدلائل كلها إلى أن البراق قد خطا يومًا ما بحوافره الشريفة، وأن رسالة النبي؛ رسالة الإسلام، وصلت إلى كل مكان في الأرض (ثم أضاف بالعربية مقتبسًا من القرآن "وما أرسلناك إلا بشيرًا"). لقد عاشت سلالة البراق في وديان نيفادا، عرفها السكان الأصليون وتعلموا منها القيم السامية، قبل أن تتعرض للمطاردة والإبادة على يد المستوطنين البيض، لكننا نفخر اليوم في ذكرى رحلة الإسراء والمعراج باستضافة واحد من آخر البوارق.


خلفه كانت الشاشة تعرض عدة صور لنقوش الكهوف في جبال فيجاس، بعضها مشاهد صيد تظهر فيها كائنات بأذرع وأقدام متعددة.

ارتفع صوت د. برهان، وفي نبرة درامية قال:

- أيها السيدات والسادة، افتحوا أعينكم، الآن ترون.

أظلمت الإضاءة الخافتة فوق الجمهور، ولم يعد هناك مصدر للإضاءة إلا ضوء اللقطات المصورة على القماشة البيضاء، التي يُعرض عليها رسم تجريدي على جدار كهف لحيوان بأربع قوائم وجناحين، هوت القماشة/ الشاشة على الأرض، حل الظلام، وحين بدأت الإضاءة تعود بالتدريج تجلى على المسرح، أطول من حمار وأعرض من فرس، ذيله ووبره فضي، وعلى رأسه تاج مرصع بفصوص حمراء، ويرتدي بردة حمراء، أطرافها موشاة بخطوط من الذهب، عيناه واسعتان كأعين الثيران. حل صمت على المسرح، ثم ارتفعت الأصوات "الله أكبر"، "سبحان الله".


ببطء فرد البراق جناحيه الفضيين، في نهايتهما ريش ناصع البياض. هز رأسه، وخرجت زفرة من منخاره، حرك الجناحين برفق، ثم ارتفع عن الأرض، لم يكن يطير، بل يطفو.

تعالت التكبيرات والحمد، الأطفال مشدوهون، بعض الأمهات امتلأت أعينهن بالدموع، كذلك الرجال، والجميع، ألسنتهم تلهج بالذكر والشكر والدعاء.

طفا البراق لأعلى حتى بلغ سماء المخزن، تعاظم الجناحان، وأبصرت ريشهما الفضي يتحول إلى الذهبي، أما جسد البراق فيتوهج ككوكب دري يوقد من شجرة مباركة.

نظرت إلى فيل، كان مشدوهًا بفم مفتوح، حين لاحظ نظرتي إليه قال بالإنجليزية:

Bro .. what a show, I never seen Unicorn in my life

أنا كذلك كنت مبهورًا، وبداخلي شعور بالألفة مع الحاضرين رغم تنوع أصولهم وألوانهم، قلت لفيل في نبرة فخر لم أستطِع كبحها:

 No, This is not Unicorn it doesn’t have horn, this is Buraq.

استمتعت بنظرة الحيرة على وجهه وهو يتظاهر بالفهم، في حين يرفرف البراق بجناحيه المشعين كذهب الشمس، فهبت ريح طيبة علينا، ميزت فيها مزيجًا من المسك والياسمين، حاولت التفكير بالمنطق لفهم ما أراه أمامي، بمنطق ما عرفته في طفولتي الشرق أوسطية عن الإسلام، لكن لا شيء بإمكانه تفسير ما أراه أمامي، ليست هذه إلا معجزة، وبشارة.

ثنى البراق أجنحته، وبدأ في الهبوط، حين ارتفع من السماعات صوت أنشودة أسماء الله الحسنى بصوت هشام عباس. ابتسمت وفلتت من فمي ضحكة حاولت كتمها، ونظرت حولي فوجدت الجمهور يتمايل في خشوع مع صوت هشام عباس، بينما البراق يهبط في جلال. وضعت يدي على فمي وشعرت بنوبة ضحك تداهمني؛ كل شيء كان مذهلًا حتى سمعت صوت هشام عباس، فتحولت المعجزة إلى نكتة تنفجر ضحكًا في كرشي.


في ذاكرتي، أنشودة أسماء الله الحسنى بصوت هشام عباس نسمعها فقط في بداية الأفراح والسهرات كنوع من البركة، بعدها تبدأ أغاني العشق والهز والرقص وتصعد الراقصات، وتلف الجوينات، وتفتح زجاجة البيرة، وترص أحجار الشيشية المغمسة في الحشيش ليبدأ الاحتفال، لكن هنا في ذلك السياق خربت كل جلال المشهد. انتبهت أنه لم يكن لها ذلك الأثر إلا عليَّ أنا، في حين تتمايل بقية المسرح في خشوع مع ترانيم هشام عباس، وحين بلغ مقطع "الظاهر، الباطن، المتعالي" نهضوا من مقاعدهم وتسابقوا نحو البراق لنيل البركة.

عمت الفوضى وارتفع صوت د. برهان يطالب الجميع بالجلوس على مقاعده، في حين انسحبت خارجًا أغالب الضحك، تاركًا "فيل" في الداخل. وما إن خرجت إلى مقبرة المراكب، حتى داهمني الضحك في بهجة لم أعرفها منذ سنوات. أخرجت الموبايل لأتصل بسميرة لأخبرها بما شهدت، لكن رأيت المسيح بشعره المنسدل على كتفيه وجلبابه الأبيض الطويل. بابتسامته التليفزيونية تقدم نحوي ممسكًا في يده مجموعة كروت دعائية:

- هل أعجبك العرض؟

- هايل، خرافي. ماذا كان هذا؟

ناولني كارتًا من الكروت في يده، وهو يقول:

- يسرني أن أسمع ذلك، نحن شركة متخصصة في العروض الترفيهية الدينية والتعليمية، حتى الآن نقدم خدماتنا بشكل رئيسي لخمسة أديان، لدينا باقة عروض جاهزة يمكنك الاطلاع عليها على موقعنا:
Godshow.com

ما إن أمسكت الكارت حتى عادت نوبة الضحك من جديد. شرح لي أنهم "بيزنس محلي" من فيجاس نيفادا، يخططون لبناء مسرح في "بلو ديموند"، وهي مدينة صغيرة على بُعد ثلث ساعة من فيجاس تقع في قلب منطقة جبال الـRed rock. قال إن المكان قد يكون بعيدًا، لكن سيتماشى بشكل رائع مع طبيعة العروض التي يقدمونها، مضيفًا:

- معظم هذه الأديان القديمة ظهر في الصحراء والجبال، ولدينا في فيجاس هذه الطبيعة الجميلة التي يمكننا أن نستغلها لتأسيس مشروع للسياحة الدينية الترفيهية في فيجاس.

- رائع يا رجل. رائع.

خرجت مني ضحكة وشخرة، وأنا أقول له:

- أرجوك اعذرني، لكن العرض أدخلني في حالة روحانية، جسدي كله يمتلئ بالبهجة والفرح ولا أستطيع التوقف عن الضحك، لم أضحك هكذا منذ زمن، أنا سعيد للغاية.

- هذا يسعدني جدًّا، وهذا هو ما نأمل أن نقدمه لجمهورنا. أتمنى أن أراك في عروض أخرى. سأذهب لأساعد زملائي في فك وإخراج الدرونز من جسد اليونيكورن.

انصرف وتركني مع ضحكات تحت شمس لاس فيجاس في مقبرة اليخوت ضحية الاحتباس الحراري.

 

أحمد ناجي روائي وصحفي مصري (مواليد المنصورة، 1985) ومجرم. من أشد منتقدي الفساد الرسمي في ظل حكم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وهو مؤلف روجرز (2007) ، سبعة دروس مستفادة من أحمد مكي (2009) ، استخدام الحياة (2014) ، وحرز مكمكم: القراءة والكتابة في السجن (2020). فاز بالعديد من الجوائز بما في ذلك جائزة نادي دبي للصحافة، وجائزة PEN/Barbey لحرية الكتابة، وجائزة Open Eye. كان مؤخرًا زميلًا في مدينة اللجوء في بيفرلي روجرز، معهد كارول سي هارتر بلاك ماونتن. يغرد من خلال @AhmedNajiTW

رنا عصفور هي مديرة تحرير مجلة "المركز"، وكاتبة مستقلة وناقدة كتب ومترجمة. ظهرت أعمالها في منشورات مثل مجلة مدام وصحيفة الجارديان في المملكة المتحدة وذا ناشيونال / الإمارات العربية المتحدة. وهي تترأس مجموعة الكتب باللغة الإنجليزية في مجلة المركز، التي تجتمع عبر الإنترنت في يوم الأحد الأخير من كل شهر. إنها تغرد @bookfabulous.

البراقدبيمصرالمهاجرونالإسلاملاس فيغاسمسجد محمد

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *