قصة قصيرة لعبد الرحمن أحمد: لؤلؤة سوداء

"صدفة" للفنان ميخائيل فروبيل

عبد الرحمن أحمد   By • 24 AUGUST 2026

هل يؤثر الأهل والسكان المحليون الذين لا يستطيعون التعامل مع التغيير علينا؟ لؤلؤة سوداء هي أولى قصص عبد الرحمن أحمد في المركز بالعربي.

احترقت رئتاه وهو يزفر الدخان، لم يعرف هل ما دخنه للتو تبغًا أم خلايا رئتيه الميتتين، لم ينبغِ عليه أن يدخن، ولكن مكتبه الجديد وحياته الجديدة يفرضان عليه ذلك. لقد حصل على ترقيته للتو، والأمور تتسارع بالنسبة له، فلا داعي لمقاومة التيار وادعاء أنك كل حياتك كنتَ فتى مسواك لا فتى مارلبورو، ولم يكن في مزاج ليتذمر بخصوص ذلك، فمن مكتبه الذي يطل على الأفق الأزرق المسمى البحر، لم يشعر راشد سعيد الرميثي بأي شيء منذ الصباح، سوى الطمأنينة والقلق، في آنٍ واحد. اليوم هو يوم مصيري في حياته التي ما زالت وليدة اللحظة. منذ أن علم بأنه سيكون على رأس الوفد المسافر وهو لم ينفك يحاكي السيناريو في مخيلته مراتٍ عديدة؛ مشيته، ربطة عنقه. أعليه أن يتدرب على المجاملات الهندية؟ أم يكتفي بالإنجليزية؟ كيف يبدو وشاربه محلوق بهذا الشكل؟ على نحو غريب كان راشد يغلي مثل إناء بيض يُسلق، كلما ظننت أنه سينسكب هدأ قليلًا وخفتت مياهه ليتذكر إنجازه، ما هو عليه وما حققه. كطالب لم يكن متميزًا في أي شيء يذكر، إلى أن أصبح مديرًا تنفيذيًا في «أدروك»، أحيانًا يدور دورة حول مكتبه ويذهب ليتحقق من اللقب الذي عليه إن كان صحيحًا أم لا.

التفت مرة أخرى للبحر، وبرغم تعقيد المنظر كان يبعث فيه عن الراحة والألفة، مضخات وساريات حفر تنبت من الأزرق اللامتناهي، ومركبات غاطسة تهبط وتطلع بلا كلل، على غير المتوقع بدا له المنظر بديعًا، فكر، كيف أنه يود لو فتح الزجاج ليشم الرائحة، رائحة الزيت والنار، لكنه تراجع عن الفكرة وووضع يده على الزجاج وهو يتتبع الأشخاص والأماكن والآلات، كمن يلعب لعبة محاكاة على جهازه اللوحي ويحرك مشروعه كمحترف. توقف روتينه بتحريك يديه عن الانتظام، حينما لاحظ وسخًا على زجاجه، عنيدًا لا يتحرك، إن حاول خدشه بأظافره شعر أنها ستُخلع، أو أن الزجاج سينكسر، نظر إليه من أعلى وهو يفسد سيمفونيته الخالية من النشاز، يوقف العمال وآلات الحفر ويحركهما بشكل عشوائي، نظر باستياء، وتحسر، ثم استسلام، وقرر أنه لن يتمكن من تنظيفه من موقعه هذا. سوف يهبط أرضًا.
بينما كان يتحرك لموقع الحادث لم يتوقف هاتفه عن الاهتزاز في جيب بنطاله، ولكنه اكتفى بالنظر لمعرفة المتصل ثم تجاهله، يعلم ما سوف يَسمع وما سوف يَقول، ويعلم أن القصة باتت مكررة وركيكة، ولكنه ليس لديه وقت لذلك. عندما وصل وجده مقيدًا كمن حاول السرقة وفشل، ولكن تلك المرة كان برفقته مجموعة، أو بالأحرى طاقم! حاول راشد صرف العمال ببزاتهم الزرقاء وخوذاتهم الصفراء، ووجوههم السوداء المكفهرة، بأكثر ابتساماته زيفًا وعذوبة، ولكنه لم ينجُ من سماع التذمر. في النهاية، تركوهما وجهًا لوجه، لقد تكرر ذلك الموقف من قبل، لدرجة أنه سأم. وقف سعيد محمد الرميثي بوجه ثابت لا يبدو عليه الغضب، وبلحية مشعثة، والأهم من ذلك، بلباس داخلي مبلل، ومشبك ملابس يضغط أنفه، لقد أتموا رحلة غوص اليوم أيضًا، وتلك المرة كان لديه رفقة على غير العادة، ثلاثة رجال في مثل عمره، القبر أقرب لهم من صيد اللآلئ ومع ذلك يبدون جميعًا مثل الأطفال الخجلين الخارجين من المسبح للتو، وهم ينظرون لراشد.
لكن أباه هو الذي بدأ الكلام:
– أتتركهم يقيدوني مثل لص أحذية؟
– أنت من ورطت نفسك في ذلك الأمر، كم مرة عليَّ أن أخبرك أن ذلك موقع حفر، لن تجد أي لؤلؤة هنا!
رد راشد، وأضاف:
– والآن رفقة؟ من هؤلاء العجزة يا أبتاه؟
لم يرد سعيد محمد الرميثي، لأن العجزة الآخرين هم من بادروا بتعريف أنفسهم، أسماءهم وعوائلهم، ومهمة كل منهم على القارب الصغير المُصادَر بجانب حاجز المصفاة، كلٌّ يصيح بفخر وكأنهم أفراد كتيبة في حرب، كلهم حتى آخرهم، فحينما خلص من ذكر اسمه وعائلته، لم يتركه أبوه ينهي جملته حتى قال:
– اصمت، أنت «نهادة» لا تجيد الإنشاد.
ونظر الأخير إلى الأرض كمن يشعر بالعار، أراد راشد أن يضحك على الأمر، لكنه كتم الضحكة، ربما إيعازًا للنهادة الحزين أو لأنه تذكر كم وصل أصبح الأمر مزعجًا. بمعدل مرة أو مرتين اسبوعيًا يُضبط أبوه يغوص أسفل الأنابيب الصاعدة وحتى بجانب مانعات الانفجار، ويبدو أن اليأس حل بالعمال والمدراء الذين يمسكونه أكثر مما حل به. كل مرة يخرج غير غانم، لا برحلة غوص ممتعة أو باللؤلؤ.
قال:
– أعرف وأحفظ كل البحر، كل خليج وساحل في دبي وأبو ظبي، قبل أن يعج البحر بتلك المواسير، وقبل أن تولد أنت.
أشار إلى المنصة البحرية:
– حين كان خاليًا لا يعلوه سوى مراكبنا الشراعية، التي أطعمني أبي من رزقها، وتزوجتُ بزيدها أمك.
دور راشد عينيه مستهجنًا ثم رد:
– كان هذا في الماضي، استيقظ على الحاضر ولو لحظة، واعلم أن لولا وظيفتي لعشنا على معونات الشؤون ومنح الديوان، إن أردت استرجاع خيالات مراهق، فلا تؤذِ الرجل الواقف هنا الآن.
ثم أنه انتبه لشيء يغضبه بشدة في منظر أبيه، بل وصوته أيضًا:
– لماذا لا تخلع عن أنفك ذلك المشبك، انت لا تغوص الآن!
هز أبوه كتفيه، ثم أعلن:
– كنت أضعه كي أغوص، نعم، لكن الآن لا يمكنني خلعه، فلا يمكنني تحمل الرائحة.
ثم هم بالدوران والرحيل وتبعه رفقته الثلاثة، بينما كان النهادة يرحل سقط منه شيء حجريُّ ارتطم بالأرض، ناداه راشد ليلتقطه لكنه لم يلتفت، ناداه مجددًا من دون جدوى. التف مستعدًا للعودة لمكتبه في البرج العالي، ولكنه ما إن اتخذ بضع خطوات حتى عاد مجددًا لمكان ارتطام الصخرة، ثم حملها في منديل حتى لا تلطخ جيب سترته، قرر أنه سيأخذها معه في رحلته، لسبب لم يتبينه.
***
ها هو الآن يجلس في مقعد طائرة خاصة تشق غيوم الليل عبر المحيط الهندي، وبجانبه صخرة في منديل. ذهب وجدانه إلى أبيه، لم يكونا على وفاق في السنوات الأخيرة، كحالِ معظم المتقاعدين، تأتيهم تلك اللحظة حين يستيقظ شجن الذكريات والولع بتحريك شيء ما، بالإضافة لضجر كونك مُعالًا لا عائلًا، تنتظر مبلغًا ما ليصرف لك، تحاول إحياء مشاريع فاشلة، وتضجر من تحريك عربات التسوق حتى تشعر أنك أُوكِلت بمهمة ما.
لن ينكر أنه أحب حكايات أبيه عن الغوص، كيف كانت مهنته ومهنة الأغلبية من سكان دبي قبل الثورة الصناعية، أحب حينما يجلس والده، وبصوته الرخيم يسرد مقدمة تليق برحلة قراصنة للبحث عن كنز، رجال بالعشرات من مختلف العوائل، يتركون بيوتهم في احتفال شاطئي مهيب، في طريقهم ليشقوا عرض البحر لأيام، محملين بالمؤن والعتاد وحتى السلاح في حال أن قابلتهم سفينة معادية، لديهم قبطان وقانون فوق السفينة، هي أرض الله الوحيدة، يغوصون للبحث عن كنز محاربين الأخاطب وحوريات البحر. حسنًا، ربما لم يكن هناك حوريات أو أخاطب عملاقة، لكن بالتأكيد كان هناك كنز يؤمن الحياة لهذا الشهر والأشهر المقبلة؛ اللؤلؤ الأبيض الناصع، تجارة الإمارات وخليج عمان لمئات السنين. ما زال يتذكر كل الرتب التي حكى عنها أبوه: «النوخذة» قبطان السفينة، «المجدمي» مساعده الأول ومسؤول البحارة، «الغيص» أبطال تلك الرحلة المخاطرين بحياتهم من دون أي معدات، فقط مشبك وسلة وحبل، يلتقطون المحار من قاع الخليج العربي. «السيب» الذي كان مهمًا على عكس ملل مهمته، فهو الذي يسحب الحبل الخاص بالغيص حينما يتلقى إشارته، وغيرها من الألقاب، ولكن بالتأكيد إن نسي تلك الرتبة فقد ذكره والده اليوم، «النهادة» الشخص المسؤول عن الغناء ورفع الروح المعنوية للطاقم أثناء العمل الشاق، تذكر أباه وهو يقول «نهادة لا يعرف الإنشاد»، ثم ابتسم قليلًا.
لم يدر إلا وهو يستذكر لم ينقم أبوه على النفط وصناعته؟ انتهت تجارة اللؤلؤ قبل ذلك بكثير، انتهت حين صنع اليابانيون اللؤلؤ الصناعي وباعوه للعالم من دون أن يكترث الأخير للأصالة أو طعم الملح في لؤلؤته، أليس عليه أن يلعن اليابانيين؟ فلِمَ لا يلعنهم ويلعن النفط ثلاثًا؟ أليس بسببه رزقنا وترفهنا وكبر بيتنا وتحول من إيجار إلى ملك؟ أو ربما لأن المصافي والحفارات صارت تبنى فوق المواقع القديمة التي حفظها على ظهر قلب، أماكن تزاوج المحار ووجوده، لم عليه أن يبقى في الماضي بينما يدهس الحاضر أي معترض؟
لم يعطه التفكير المفرط أي إجابات، ولكنه وجد فيه سلوى بعيدًا عن التفكير في مقابلة اليوم الهامة.
التفت جانبًا ليلتقط الحجر من المنديل، ولكنه دُهش واعتدل في جلسته، إنها محارة لا حجر! ما زالت ملتصقة بها بعض الشعب الميتة، وما زالت مغلقة على شيء ما، أيعقل أن يجد فيها لؤلؤة؟ لقد علم من محاولات أبيه السابقة أنه وجد كثير من المحارات الفارغة مؤخرًا، معللًا بذلك أنها مضطربة من كل ذلك الإزعاج في الأعماق.
بلا أمل فتحها راشد برفق، ولكنه صعق، في داخلها حجر دائري أملس، ولكنه أبدًا ليس براقًا، ولا حتى أبيض، بل هو أسود، أحدث ذلك من قبل؟ أن يخرج البحر لؤلؤة سوداء، سوداء لدرجة بديعة وكأنها تعكس الضوء رغم سوادها، أدارها في كفّه وأحس بملمسها الناعم، ثم وضعها في جيبه في منديل آخر، منديل آخر خاص. تأمل في الأمر وهو يستعد لقيلولة أخيرة. لؤلؤة سوداء؟ أتمنى ألا تكون نذير شؤم.
لم تكن رحلته الطويلة شاقة جسديًا، ولكنه استيقظ عند الهبوط في مطار راتانجيري، وكأن الطائرة هبطت فوق عظامه، يشعر بتعبٍ شديدٍ، بينما يحاول الظهور بهيكل متناسق. بعد استقراره في سيارته الخاصة رفقة بقية الوفد، عاد مجددًا لوضع القلق وإعادة محاكاة الكلام الذي سوف يقوله، جميع الشركاء حضروا اليوم لنفس الاجتماع الروتيني المتوقع، ولكن ما هو معروف بالضرورة أن كل شريك سيجتمع بالحكومة الهندية على حدى بعد انتهاء الاجتماع الاول، ليحاول اقتصاص حصة الشركة الثانية بعرض أكبر لا يفوت، كيف لا يحاولون ذلك في أكبر مشروع مصفاة بيتروكيماويات في العالم؟
لم يعلم أنه وصل الموقع المنشود – الهضبة الذهبية التي لطالما تحدثوا عنها – إلا من الضجة والصخب هناك، لقد سمع أن هناك احتجاجات من الأهالي بالفعل، ولكنه لم يتصور أنها قد تصل لهذه الدرجة، فكلما اقتربت سيارتهم من موقع حجر الأساس زادت كثافة المحتجين وحدتهم، بدا له أنهم يحملون لافتات كثيرة باللغة الهندية، لم يفهمها لأنه لم يتعلم أبعد مما يكفي للتملق والمجاملة، ولم يعلم إن كانت هذه نفس الهندية التي تعلمها. كلما تقدمت سيارتهم التفوا حولها واقتربوا بلا خشية، يصرخون بلا توقف. تأمل وجوههم برهة وتبين أن لا شيء يجمع ملامحهم تقريبًا، منهم المسن والشاب، الرجل والمرأة، وحتى الأطفال. هدَّأ السائق من حركته حتى صاروا يتحركون في بضعة أمتار كل بضع دقائق، إن رأى أحدهم المنظر من زاوية علوية لظن أن السيارة تطفو فوق جموع الناس، كالزيت يطفو فوق الماء.
حتى جاءت اللحظة… رمى أحد المحتجين شيئًا لزجًا وصلبًا على الزجاج الأمامي، فلم يعودوا يرون شيئًا، اضطر حينها السائق بسبب خوفه أن يتحرك بسرعة مخترقًا الجموع للأمام، وهم يسمعون الصيحات وربما بعض الصرخات. خيّل إليه أن قلبه سوف ينخلع خارجًا من صدره، صار حلقه جافًا للغاية، كان هذا آخر ما يريده اليوم، لم يكن شخصًا متوترًا بالفطرة، ولكنه لم يفضل قط أن يحدث أمر جلل قبل لحظة مهمة. لم يذكر كيف أخرجوه من السيارة في ظل الجموع التي حاوطت السيارة لحد الالتصاق، ولكنه وجد نفسه يتحرك في ممر طيني وهو ينظر للأرض، يسبقه ويليه موظفون ببدلات ناصعة مثله، ولكنهم الآن مطأطأو الرؤوس يجرون، يحدهم من اليمين والشمال أفراد أمن رسميون وغير رسميون، وسرعان ما هرول ذلك الصف الدبلوماسي حين سمع من الخلف بعض الطلقات النارية.
حين وصلوا إلى مبنى حجر الأساس المقام حديثًا، كان الوضع أهدأ وأفضل، ولكن لم يجعل هذا ملامحهم تخلو من التجهم.
لم يكادوا يلتقطون أنفاسهم حتى حاوطتهم جموع أخرى، أقل حِدّة ولكنها ليست أكثر أدبًا، بمايكات وكاميرات موجهة وبالإنجليزية الهندية المميزة، أخذوا يلقون عليه وعلى غيره الأسئلة، لم يرد الرد عليهم ولكنه وجد أنه لا بد من ذلك طالما أنهم داخل المبنى، «هل شاهدتم احتجاجات أهل القرى على تحويل الهضبة لمصفاة عملاقة؟»، «يقول القرويون في احتجاجاتهم «لن نسمح للنفط القذر القادم من دولة عربية بتدمير بيئتنا البكر» هل لديكم تعليق على ذلك؟»، «الكثير من الصيادين ومزارعي المانجو سيضطرون للرحيل وترك قراهم، هل تخططون لدفع تعويضات؟» مانجو؟ بالطبع! أدرك راشد أن ذلك هو الشيء الصلب اللزج الذي ألقُي على سيارته من قبل، وذلك يفسر أيضًا رائحة الأجواء، فبخلاف البارود ورائحة الظلم، توجد رائحة استوائية قوية. ألقوا بعدها أسئلة عديدة لم يجب على أي منها وأوكل الرد لزملائه، حتى سألت إحدى المذيعات: «لقد توفي المصور الهندي متأثرًا بجراحه بالأمس، ما تعليقكم على هذا الأمر؟» نظر إليها مدهوشَا. لقد سمع بالفعل قبل أن يأتي انه كان هناك احتكاكات بين المحتجين والشرطة، واعتقلت الشرطة بعض المحتجات، ولكنه لم يسمع بأمر المصور المقتول! وكذلك لم يجب، لم يجب إلا حين سأل صحفي آخر: «هل صحيح بأنكم تخططون لعرض منفصل عن أشامكو للاستحواذ الكامل على المصفاة؟»، رد بسرعة وحزم: «لا، هذا غير صحيح»، اللعنة على الصحافة، كيف يعرفون كل شيء؟
جاءت الرحمة من حفنة مختلطة من رجال الأمن وممثلي شركة الهند الوطنية للبترول، الذين حرروهم أخيرًا من براثن الصحافة والفلاشات، وصعدوا بهم إلى أعلى، حيث لا يزال يمكنك أن ترى الاحتجاجات، ولكن لا أن تسمعها؛ غرفة مكيفة عازلة للصوت، تمامًا مثل مكتبه في أبوظبي. توقف إلى جانب الشرفة الزجاجية الطويلة يتأمل؛ الوجوه الغاضبة، التربة الخضراء الممتدة حتى الشريط الأزرق من وراءها، المحيط، وفي جهة أخرى شجر المانجو يقف قصيرًا ولكن يحتضن بعضه بعضًا، كمن يعقد شبكة حول المكان.
احتاج لأكواب من الماء ونصف علبة مناديل ليستعيد نبرته الهادئة ومظهره المنمق، وأدرك أن ذلك لم يكن كافيًا بالفعل، ولكن نفد وقت المراجعة وبدأ الامتحان، وفد الممثلون الرسميون، من الشركات المساهمة والشركة الهندية الوطنية، والحكومة. طاولة مستطيلة تجمع ربما ربع إنتاج النفط العالمي، وأكثر من نصف نواتجه من التلوث البيئي، بينما توجد بجانب كل منهم سلة مهملات تحمل علامة التدوير.
كان دوره في الحديث متأخرًا، سبقه التسويقيون من الحكومة يعرضون مخططهم للأرباح، الجيولوجيون يعرضون آخر ما توصلوا له لتهيئة الأرض، وكثير وكثير من الكلام المخصص لملء فراغات، يتذكر ذلك التعبير المصري الذي أخبره به زميله في المتوسط، حين قال: «الكلام اللي يجيب عيال»، ولم يدرِ كيف أنه مناسب للغاية الآن، أو كيف تفوه به مراهق ما تحت الثامنة عشر، فلم يقل أي منهم حتى الآن كلامًا مفيدًا، وكل ما حُمِّلَ به منذ بداية اليوم، ملاقاته لأبيه، والاحتجاجات، جعلته سَئمًا على غير العادة، غير مستعد لمواصلة ذلك الهراء الروتيني، فهبَّ مندفعًا يقول: «معذرة، لكن لم يخبرني أحدكم أنّ هناك شخصًا توفي في تلك الاحتجاجات!»، بدا وكأن العالم توقف عن إصدار الأصوات بعد حديثه، سكون رهيب في القاعة، لدرجة أنه كان ليجزم أن المحتشدين في الخارج توقفوا عن الصياح ليروا ما قد أحدثته مقاطعته من دراما في تلك القاعة.
نظر إليه آخر متحدث، الذي صادف أن يكون من الشركة الوطنية، وقال بنظرة حزن مصطنعة: «نعم، علمنا بالأمر، كان هذا حادثًا مؤسفًا»، ثم أكمل: «ولكن مثل تلك الحوادث يقع طوال الوقت».
طوال الوقت؟ يعلم راشد أن أحدًا في بلاده، الرائدة في صناعة النفط، لم يمت لسبب مشابه، قد تكون هناك حوادث عرضية فردية لعمال يعملون بإرادتهم في تلك الصناعة، ولكن لم يتذكر أن أحدهم قُتل لأنه رفض بناء مصفاة حول بيته أو رفض أن يتم التنقيب حول فناء منزله، بلادنا لا تقع فيها مثل تلك الإجراءات العنيفة، ولكننا لا نبني المصافي ولا ننقب في بلادنا فقط، بل في بلاد أخرى مختلفة، ممتدة على سواحل أفريقيا وآسيا، وربما قريبًا أوروبا، هل يمكننا ضمان أنه لم ولن يُقتل المزيد في تلك البلاد؟ أو السؤال الأهم… أهذا وقت مناسب لأن يفكر في ذلك؟
تحدث مجددًا، وتلك المرة وضع يده خفية في جيبه، يتحسس اللؤلؤة السوداء، أحس بسبب ملمسها ببعض الطمأنينة والثقة.
«أليس علينا أن نؤجل المشروع فترة، نتواصل فيها مع المحتجين وربما نصل لشكل من أشكال التسوية؟»، باغتته حينها نظرات الجميع حادة مصوبة نحوه، تلك المرة لم يتكلم ممثل الشركة، ولكن ممثل آخر من الحكومة الهندية، تحدث بعنف وتحد: «القرويون سذج، مستعدون للتضحية ببنية تحتية مستقبلية، تغير وضع حياتهم للأفضل، من أجل الاستمرار في صيد الأسماك وبيع المانجو، مع احترامي لك يا سيدي، ولكننا نعلم كيف نتعامل معهم»، لم يتذكر ما تم تداوله من أحاديث بعدها، ولكنهم اتفقوا على وقف اجتماعهم الآن، على أن يستأنف بعد ساعة.
حين ذهبت كل الوفود الهندية والعربية ما عدا وفده الخاص، وجد نفسه محاطًا بأقرانه ينهرونه ويوبخونه، وكان واحدًا منهم على وجه الخصوص بلا حياء وهو يصرخ في وجهه، هذا على وجه التحديد يتساوى معه في الرتبة، وربما ينتظر ترقية جديدة، أخبره بتحد أن وقف الصفقة ليس قراره، إنما هو منفذ لقرارات مجلس الإدارة، لا أكثر، وأنه جاء هنا قائدًا لفريق التفاوض لا كي تستيقظ مشاعره فجأة. أخبره كذلك أن وفد الشركة العربية الأخرى لم يضيع وقتًا ويتواصل الآن بالفعل في الردهة، مستعدًا لتقديم عرض ملياري.
أدرك راشد أن مهمته باتت أصعب على كل الأصعدة، والوضع أصبح مزريًا ومثيرًا للشفقة، لقد علم منذ وصوله لتلك المكانة، أن بنت الشفة قادرة على إرجاعك على مواقع الحفر والعمال، وأن حمل الجبال على كتفيك غير كافٍ للمحافظة على رتبتك، خياراته أصبحت محدودة.
نجح وفده المفاوض في إرجاع ممثلي الحكومة الهندية منفردين للغرفة، وجاء دوره للحديث مجددًا، لم يعرف لماذا وقف هناك بشكل درامي، في ركن الغرفة، إلى جانب وجهه الزجاج المطل على المشهد الخارجي، والجميع واقفين متبعثرين بطريقة غير رسمية، ولكنهم يبدون وكأنهم يحاصرونه. شعر بحلقه جافًا وبيده بلا إرادة تتحسس اللؤلؤة في جيبه، بدأ حينها يمشي مشية عادية جدًا ذهابًا وعودة في مكانه، ولكن شيئًا ما في داخله كان يركض.. ومرة أخرى سبقه لسانه: «سوف نغالي بخمسة مليارات»، ومرة أخرى ساد الصمت المريب، لكنه لم يستمر كثيرًا حتى كسره ضحك المفاوض الهندي، وهو يمد يده ليصافحه سريعًا وبعنف لدرجة أنه هز كيان الفتى الإماراتي المسكين. وجد في أعين رفقته مزيجًا ما بين الحيرة والحنق، فالمبلغ الذي عرضه أكثر من الحد الأقصى للميزانية الموضوعة بملياري دولار، ولكنه غير قادر على التراجع الآن، لقد نظر في خياراته وتأمل صوت ضميره، ووجد أن الأنين الداخلي وعدم اليقين يمكن كتمانهما بالرغبة الصادقة في النجاة، فليسامحه الله، وإن ذهب وراء الشمس فلتتذكر شركته أنه هو من انهى الصفقة.
كان الهنود يستعدون لمغادرة الغرفة، ورفيقه يستعد لمناكفته، عندما أشرق شعاع مذنب صغير ليكسر كل تلك الأجواء، شعاع ملتهب، كسر الزجاج الذي لا يكسر بجانبه، لم تكن تلك المرة مانجو، بل زجاجة مولوتوف، استقرت على طاولة الغرفة ونثرت اللهب في الأجواء، ومن وراء راشد دلف الصوت إلى الغرفة غير مستأذن ليعلن أن الثورة في الأسفل قد بلغت أشدها، واقتحم المحتجون المبنى بالفعل من أكثر من جهة، بل أنهم كسروا الزجاج خلفه والآن هم مستعدون لدخول الغرفة، كل شيء بات يحترق من حوله، ومن دون أن يفكروا كثيرًا ومن دون دبلوماسية، كلٌّ يجري، يبكي ويتدحرج بل وحتى يُدهس، ولا تعلو منهم لغة عربية أو انجليزية أو هندية، بل صراخ أطفال، ومن ورائهم هدير الثوار المحتجين.
لا نعلم ما الذي حدث لراشد، أو من الصفقة من بعده، فلقد خرجوا خارج حدود كاميرا مراقبة الغرفة، التي سجلت بعد رحيلهم جموع من الأهالي القرويين، يدلفون للغرفة ويكسرون الكراسي ويلقون سلال المخلفات من النوافذ.
شاب نحيف الجسد طويل القامة، انحنى ليلتقط شيئًا ما من الغرفة؛ حجر صغير أسود وأملس، ظل يستغرق في مشاهدته برهة بينما ينتشر الجنون والنار من حوله، حاول أن يضعه في جيبه، أخرجه ليضعه داخل ثمرة مانجو مفتوحة، ثم أرجعه لجيبه مرة أخرى.

عبد الرحمن أحمد

عبد الرحمن أحمد عبدالرحمن أحمد، كاتب وصحفي مصري، تخرج العام ٢٠٢٤ في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، قسم الصحافة. يهوى كتابة القصة القصيرة ومقالات الرأي، له مقال منشور بعنوان "مترو.. لِمَ كل هذه العجلة؟ لِمَ كل هذا العبوس؟" على منصة 101note.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Fiction

قصة قصيرة للحسين الصعيدي: الورشة

8 JUNE 2026 • By الحسين الصعيدي
قصة قصيرة للحسين الصعيدي: الورشة
Fiction

قصة قصيرة لمروان عثمان: أزمة فنية

25 MAY 2026 • By مروان عثمان
قصة قصيرة لمروان عثمان: أزمة فنية
Fiction

قصة قصيرة لزينب خضور: عدسة الشمال ورئة الجنوب

4 MAY 2026 • By زينب خضور
قصة قصيرة لزينب خضور: عدسة الشمال ورئة الجنوب
Fiction

قصة لأحمد الفخراني: الطرق الغامضة التي اتخذها الشيخ سفروت للوصول إلى الله

20 APRIL 2026 • By أحمد الفخراني
قصة لأحمد الفخراني: الطرق الغامضة التي اتخذها الشيخ سفروت للوصول إلى الله
Fiction

قصة قصيرة لآية عبد الرحمن: قلة مندسة

13 APRIL 2026 • By آية عبد الرحمن
قصة قصيرة لآية عبد الرحمن: قلة مندسة

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

4 + nineteen =

Scroll to Top
Views: 1