قصة قصيرة لمروان عثمان: أزمة فنية

صفوان دحول، "حلم 284".

مروان عثمان   By • 25 MAY 2026

عن ممثل تنحسر عنه الأضواء فجأة، وكيف يتعامل مع الغيرة والحسد، يكتب مروان عثمان قصة قصيرة بمثابة نظرة سريعة إلى عالم السينما في مصر.

1

في البداية استغربتُ الأمر، لكني ظننته حدثًا عاديًا لا يحمل أي دلالات. كنا نجلس أنا ورامي العطار في البار، وإذا بشاب يقترب ويصيح بصوت متحمس:
– إيه الأخبار يا فنان؟!
التفتُ إليه، خاصة أنني اعتدتُ تلك المواقف في الأماكن العامة منذ سنوات. في البدايات لم أستطِع التعامل معها. كنتُ أتعامل مع المعجبين بخجل زائد. لو طلب مني أحدهم صورة فلن أرده حتى لو كانت الظروف لا تسمح بذلك.
في إحدى المرات، عند بداياتي الفنية، طلب مني معجب صورة وكنا في عزاء.
– صورة بعد إذنك يا فنان!
فابتسمتُ في وجهه ابتسامة خفيفة حرصتُ معها ألا تبدو مبالغة في أجواء الحزن التي تُخيم على سرادق العزاء. ناول أحد أصدقائه الهاتف المحمول وطلب منه التقاط الصورة، ثم أخذه منه مجددًا وتفحصها وهو يبتسم من فرط الحماس، وسألني بعفوية:
– هو أنت اسمك إيه، معلش؟!
فابتسمتُ وهمستُ له باسمي وانتهى الموقف على ذلك.
فيما بعد، عندما نلتُ من الشهرة حظًا أوفر صرتُ أتثاقل أحيانًا على التصوير مع المعجبين. أتكاسل، أو أعتذر بذوق كي يمر الموقف. لو توقفتُ عند كل معجب يطلب صورة لما توفر لدي وقت للأكل أو للرياضة أو للاستجمام. كنتُ أكره، عند الخروج إلى الأماكن العامة، عدم احترام الناس للوقت الذي أحتاجه إلى البقاء بلا ضجيج. خاصة وهي أماكن مرتفعة الأسعار. لكني بالطبع أدركت أن رواد هذه الأماكن يكونون أكثر حرصًا على التقاط الصور ليتفاخروا بارتيادهم المكان نفسه الذي يرتاده حسام فتحي. وبينما أنا حائر بين قبول الصورة أو رفضها وإنهاء الأمر، قال الفتى الذي اقترب كثيرًا من طاولتنا:
– أنا مش جاي أعكنن عليكم قعدتكم! أنا عايز صورة مع الفنان بس وهمشي!
لكن المفاجأة أنه عندما نطق بكلماته الأخيرة لم يُشِر بأصابعه إليَّ، بل إلى رامي العطار، صديقي الذي يجلس معي. رامي فنان وممثل أيضًا، لكنه حديث الظهور وأقل شهرة مني بكثير. لم يشارك إلا في فيلمين بدورين صغيرين، ومسلسل كان فيه بطلًا ثانيًا. بالتأكيد هناك من يعرفونه ويحبون تمثيله. لكن أشد معجبيه لو رآنا معًا لطلب التصوير معي أنا أولًا، لأنه يعلم أنها فرصة أعظم عليه اغتنامها. حتى رامي، رغم استغرابه لطلب الشاب، وافق عليه. لكني كما توقعتُ منذ البداية، كان الشاب سكرانًا للغاية، فلقد ناولني أنا هاتفه المحمول لألتقط لهما صورة معًا. التقطتُ الصورة وناولته الهاتف، فابتسم لي ابتسامة سمجة وهو يقول: “شكرًا”، ثم ابتسم تجاه رامي وقال:
– ميرسي يا فنان! سوري لو ضيعت وقتك شوية… جود نايت.
وابتلعه ظلام البار.
بعد ذلك بيومين، كنتُ على موعد مع المنتج سليمان غالب. دخلتُ فصافحني، وطلب لنا شيئًا نشربه، ثم دخل في الموضوع:
– في دماغك هتنزل بإيه لرمضان الجاي إن شاء الله؟!
لم يكن في بالي شيءٌ محدد. صمتُ للحظات. رغبتُ في إخباره أنني أفكر في الراحة هذا العام، وجعل الجمهور يشتاق إليَّ وما إلى ذلك. لكني لم أنطق بعد. فقال بلهجة من لا يملك وقتًا يضيعه:
-عمومًا، اخترت لك موضوع حلو هيعجبك! هيبقى معاك بطل تاني في المسلسل، وإحنا شايفين رامي يبقى هو اللي معاك.
– رامي مين؟!
– رامي العطار!
صمت هنيهة، ثم قال بلهجة من تحضر لمناقشة كافة التفاصيل:
– وما تقلقش، اسمك على التتر الأول طبعًا، والمسلسل باسمك.
فهززتُ رأسي ولم أجب. استغربتُ لهجة اليقين التي يحدثني بها. وما سبب اختيار رامي العطار للبطولة معي؟! إنه ممثل جيد بالطبع، لكنه لم يلعب أدوار البطولة من قبل، ولم يتقدم عن لعب أدوار الشخصية الثالثة والرابعة في الأفلام.
– مش عايز تقول حاجة؟
– مش عارف، عايز أسألك إشمعنى رامي العطار، بس أخاف تفهمني غلط!
– لا غلط ولا حاجة، ده حقك! إحنا شايفين نجمه طالع اليومين دول، فقولنا نقدمه للناس الأول، ودي حاجة هتتحسبلك وهيقولوا إنك أول واحد طلعته وخليت الناس تشوفه، والأجر كده كده مافيهوش نقاش، أنت أعلى منه طبعًا، وأعلى واحد الشركة بتنتج له.
– أنا ماتكلمتش في الأجر طبعًا… اللي عندكم مايروحش!
– ولو اتكلمت ده حقك! أنت اسمك لوحده بيخلينا نعرف نبيع المسلسل في كذا مكان.
هززتُ رأسي، وتابع هو لينهي النقاش:
– ها؟! نقول مبروك ونجهز العقود؟!
هززتُ رأسي موافقًا، واتفق معي على لقاء آخر بعد تجهيز العقود ومقدم التعاقد. ووعدني بأن يحالفني النجاح كما حالفني دائمًا.
خرجتُ من عنده والوقت لا يزال مبكرًا على العودة إلى المنزل. فذهبتُ إلى المقهى الذي اعتدتُ الجلوس فيه خلال فترة الدراسة الجامعية. جاءني النادل وطلبتُ منه كوب شاي. جاء بالكوب الساخن ووضعه، ثم وضع السكرية والملعقة الصغيرة. وسألني:
– تأمرني بحاجة تانية سعادتك؟
أدركتُ أنه لم يتعرف عليَّ أيضًا. كان الاحترام المبطن في لهجته يرجع إلى شكلي، وقصة الشعر، والملابس التي لم أحرص على جودتها كالمعتاد، لكنها رغم ذلك تظل براقة، والنظارات الشمسية. آآآخ! كيف نسيتُ ذلك؟! النظارات الشمسية التي تخفي أكثر من نصف وجهي، ربما لم يتعرف عليَّ أحد لذلك السبب. خلعتُ النظارات الشمسية وانتظرتُ بعض الوقت. وضعتُ السكر في الشاي وانتظرته حتى يبرد، ثم شربته وأنا أتطلع إلى الناس من حولي. كبار السن الذين يلعبون الطاولة ولا يركزون في شيء في الحياة سوى الجدال الدائر بينهم على اللعب، الموظفون الذين يختلسون بعض الوقت من وظائفهم لشرب المعسل، والطلبة الصغار المنشغلين بتدخين الشيشة ومطالعة هواتفهم ذات الصوت المرتفع. تطلعتُ إليهم جميعًا، ولم ينتبه إليَّ أحد. بعضهم حدجني بنظرة أو اثنتين، لكنها نظرات تشي بمحاولة استكشافهم لذلك الغريب عن المكان، لا المشهور الذي يعرفونه حق المعرفة، ويرونه على الشاشات بمختلف أحجامها بمعدل يومي تقريبًا، سواءً في الأعمال الفنية أو في المقاطع التي ينشرها محبو تلك الأعمال.
حينئذ أدركتُ أن ذلك الشعور الذي راودني منذ يومين في البار لم يكن شعورًا عابرًا، وأن ذلك الشاب السكير لم يكن يعرفني حقًا، وأن خللًا ما قد حدث في عالمي، ولا أستطيع تحديد كنهه أو السيطرة عليه.

2

جاءني خاطر قبل النوم بأن أتفقد حساب إنستجرام الخاص بي.
راودني هاجس أنه ربما انحدر عدد متابعيَّ أو مُحوا تمامًا، لكني وجدته لم يتغير.
متابعات بالملايين ومئات الآلاف من الإعجابات على كل صورة. صحيح أن ذلك لن يشكل فارقًا ملموسًا، فحتى لو مُحي تمامًا فذلك لا يدل على شيء على الإطلاق. أستطيع تكليف المسؤولين عن إدارة الحساب بفتح حساب جديد، وسيصل إلى أرقام مقاربة للرقم الحالي في أيام معدودة لمجرد ارتباطه باسمي.
تذكرتُ ليوبولدو لوزانيللو، الشخصية التي كتبها وودي آلن في فيلم (To Rome with Love)، في الفترة الجامعية، بعدما مللتُ من حضور المحاضرات وأدركتُ أن الكلية لا تشترط الحضور المكثف من أجل النجاح، بدأتُ في مشاهدة الأفلام بكثافة. فيلمًا أو اثنين على الأقل في اليوم الواحد، بتُ أشعر أن اليوم الذي يمر من دون مشاهدة فيلم في حياتي هو يوم ضائع. وأنني لو أردتُ تحقيق حلمي كممثل فعليَّ أن أتتبع عن كثب كل ممثل ومدرسته؛ شاهدت أفلام دانييل دي لويس، آل باتشينو، روبرت دي نيرو، جاك نيكلسون، داستين هوفمان، ليوناردو ديكابريو، ميريل ستريب، وودي آلن، فرانسيس فورد كوبولا، مارتن سكورسيزي، وستانلي كوبريك. وأفادتني كثيرًا تلك التجربة، لأني عندما بدأت العمل كممثل محترف، وبدأت تُسند إليَّ أدوار كبيرة، لم أعد أستطيع مشاهدة الأفلام كما في السابق، بل أشاهد أفلام الزملاء، أو أشاهد الأفلام في المهرجانات، لكن طبعًا من دون التأني والعناية السابقين.
خطر في ذهني ليوبولدو لوزانيللو، ذلك الموظف الإيطالي الذي استيقظ يومًا ما ليجد كاميرات الصحافة مصوبة نحوه، يحلمون بالتقاط صورة له، والتلصص على حياته وانتزاع صورة منها، حتى لو كانت صورة بلا قيمة، حتى لو كانت صورة له وهو يحلق لحيته أمام مرآة الحمام. والشبان والفتيات يتبعونه في كل مكان. في البداية لا يحب تلك الفكرة، ويشعر أنهم يقتحمون خصوصيته بلا داعٍ، ثم يتأقلم معها، يسلم نفسه إليها، وينغمس فيها، كأنه وُلِد من أجل الشهرة.
أشعر الآن أنني تورطتُ في نفس أزمته، ولكن من الناحية الأخرى. استيقظتُ، وقد غادرتني الشهرة، فلم يعد أحد يطلب التصوير معي، أو يمد يده بالسلام عليَّ، أو حتى يتجاوز مساحتي من الخصوصية. لكن لكل مشكلة سببًا حتمًا، وأظنني أعرف السبب: إنه رامي العطار!
كتبتُ اسمه في خانة البحث على جوجل، وبدأت أُقلب في الأخبار الخاصة به، أخبار عن مسلسله القادم معي، فيلم آخر من بطولته ومن إنتاج نفس شركة الإنتاج التي أتعامل معها، شائعات عن ارتباطه بأشهر الممثلات، مقاطع مقتطعة من أعماله منشورة على يوتيوب وتيك توك، ولقاء في برنامج تلفزيوني.

3
لم أحلم بالتمثيل. لم ينتبني ذلك الحلم في الطفولة كما ينتاب جميع الأطفال تقريبًا. كنتُ أشعر أن ما أشاهده على الشاشة خيال مقدس لا يمكنني الاقتراب منه ولمسه. عادةً ما يشعر الأطفال أن ما يجري في التلفزيون يجري في الواقع، وأنه يمكنهم لمس الشاشة وطرقها ثم الدخول إلى العالم الذي يدور فيها. لم أكن من ذلك النوع، لأن ما أشاهده في مدينتنا الصغيرة من ناس وشوارع وبيوت لا يشبه ما يجرى على الشاشة في شيء.
في البداية وأنت طفل تحلم أن تصبح لاعب كرة، لكنك بعد ذلك تكبر.
أنا أيضًا انتابني حلم كرة القدم عندما كنتُ أعيش في بلدتنا. كنا أطفالًا نلعب بالكرة طوال اليوم تقريبًا: في أوقات الفراغ بين الحصص الدراسية في المدرسة، وفي الصيف نلعب من طلوع النهار حتى مغيب الشمس.
بلغتُ سن الثانية عشرة تقريبًا، وذهبتُ للاختبار في النادي الأقرب إلى البيت مع أصدقائي. كنا أربعة، ركبنا تاكسي معًا إلى هناك، ودفع كل واحد عشرة جنيهات ثمن استمارة الاختبار. وعندما حان وقتُ اللعب، عرفتُ أننا سنلعب مباراة خمسة ضد خمسة لمدة ربع ساعة.
كان عليَّ أن أظهر بشكل جيد ليتم اختياري. وتشكل الفريق مني ومن أصدقائي الثلاثة الباقين وحارس مرمى. وبعد مرور عشر دقائق تقريبًا، اكتشفتُ أني لم ألمس الكرة.
يستحوذ لاعب من الفريق الآخر على الكرة ويحاول مراوغة لاعبي فريقنا، فيمر بين لاعب وآخر، ثم يقطع أحد أصدقائي الكرة، فترتفع صيحتي وصيحتا زميليَّ الآخرين من أجل أن يمرر لنا الكرة، لكنه يحاول هو الآخر إبقاءها أطول فترة ممكنة بين قدميه كي تظهر مهارته ويتم اختياره. اكتشفتُ أن عليَّ انتظار تمريرة خاطئة من الخصم، أو التحرك في مساحات خالية تجبر صاحب الكرة على تمريرها إليَّ حين يحاصره لاعبو الفريق الآخر. اكتشفتُ أن مستقبلي في كرة القدم صار يعتمد بشكل كبير على ضربة حظ، وكان الوقت ضيقًا لا يسمح للحظ بالمجيء.
لم أتلقَ سوى كرة واحدة في النهاية، جريتُ بها بضعة أمتار، وعندما اقترب مني لاعبان من الفريق الخصم، سددتها تجاه المرمى، لكن تسديدتي القوية جاءت بعيدة للغاية.
خرجت الكرة من الملعب، واستغرق إعادة إحضارها بضعة دقائق، أجبرت المدرب على إنهاء المباراة وتجربة لاعبين آخرين. وخرجتُ ألعن حظي سرًا، ويلعنني زملائي علنًا لإخراجي الكرة خارج الملعب وقضائي على فرصتهم في اللعب.
ما زلتُ حتى الآن أتذكر تلك اللحظة التي قضت على حلمي في أن أصبح لاعب كرة قدم نهائيًا، وما زلتُ حتى الآن أراها في كوابيسي، أو تحضُرني أحيانًا عند مشاهدة مباراة مملة لكرة القدم.

4

تلقيتُ مكالمة من مروان عثمان، المؤلف الشاب الذي تعرفت عليه مؤخرًا.
– إيه رأيك في المعالجة؟!
تعرفتُ إليه بالمصادفة أيضًا، لكنها مصادفة سعى هو إليها. قابلني مرة في مطعم بالزمالك اعتدتُ الجلوس فيه في ساعات الصباح في الأيام التي تخلو من التصوير. آكل شيئًا وأشرب القهوة. سلم عليَّ بحفاوة وقال إنه ينتظر حضوري إلى هنا منذ أيام. طلب إذني للجلوس معي قليلًا فلم أمنعه. لم أكن قد قابلتُ معجبًا وجهًا لوجه منذ فترة طويلة، وكنتُ بحاجة إلى تلك الطاقة التي يمنحني إياها المعجبون. قال لي إن لديه فكرة فيلم، وأنه يراني أنا الوحيد القادر على لعب الشخصية. هززتُ رأسي بإحباط، وتوقعتُ أن يخبرني بفكرة عُرضت عليَّ من قبل ما لا يقل عن عشرات المرات. لدي قناعة بأن المؤلف الجيد هو من يجلس ليل نهار في غرفة مكتبه ليكتب، لا من يضيع وقته وأيامه في محاولة البحث عن مصادفة تختصر عليه الطريق. كما أن ذلك المطعم أسعاره ليست بالهينة، فكيف يأتي إلى هنا عدة أيام ولا يجدني ولا يتراجع عن فكرته؟! إنه مترف، والمترفون لا يجيدون الكتابة.
– موظف في شركة “مالتي ناشيونال” يكتشف أن الشركة لديها تسجيلات فيديو جنسية لكل الموظفين من حوله، بينما هو لا، فيتوتر ويصيبه القلق حيال مستقبله.

صمتُ، ثم خلعتُ نظارتي الشمسية ونظرتُ إليه، سألته:
– وماذا بعد؟
يبدو أنه تدرب على هذا اللقاء بيننا كثيرًا، ويبدو أنه مؤلف حاذق، ما يشي بتأليفه مجرى الحوار الذي يدور بيننا الآن، ولعب دوره فيه حتى النهاية، وها قد جذب انتباهي بفكرته، وتأكد له ذلك رغم محاولتي إخفاء اهتمامي.
– يبحث عن فتاة ليصور معها تسجيلًا جنسيًا ليسلمه إلى الشركة.
لم أتحدث طوال دقائق، بينما هو ينظر إليَّ منتظرًا رد فعلي. فقلتُ له إنها فكرة رائعة، وهي بالتحديد ما أحاول تقديمه منذ سنوات. سألته عن النوع لأتأكد فقال:
– دراما واقعية، مهزلة.
فقلتُ له:
– أكتب معالجة وسيناريو للمشاهد والبداية والنهاية واتصل بي، وإياك أن تخبر أحدًا بذلك المشروع بيننا!
– أنا أيضًا أُفضل السرية.
– هذا الفيلم لي!
– كان يبحث عنك.
طالبته بإرسال المعالجة، وفي أثناء انتظاري تصفحتُ حساباتي الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي. رفعتُ صورة لي أمس على إنستجرام وفيسبوك، وتفقدتُ التعليقات؛ تيار المحبة الطبيعي والمنطقي من الجمهور. شباب يحلمون بأن يصبحوا مثلي، وفتيات تغازلني، بعض الشتائم والأحقاد، وأشخاص يطلبون مني مساعدتهم. الوضع الطبيعي نفسه على الإنترنت، والوضع الشاذ نفسه على أرض الواقع. بتُ أتساءل: هل يعرفني أولئك الذين أقابلهم في الشارع ويتجاهلونني عمدًا؟ هل سنُت قوانين جديدة تُجرم اقتحام الخصوصية؟!
توقفتُ عن لعب كرة القدم نهائيًا بالطريقة الصعبة. اعتدتُ في سنوات الدراسة اللعب مع أصدقائي في المدرسة وفي الملاعب الخارجية يوم الجمعة. ظللتُ مواظبًا على عادتي تلك فترة، لكني كلما ذهبتُ إلى اللعب تذكرتُ يوم الاختبارات ذاك. فجأة قررتُ التوقف عن اللعب، وكأي حلم لا نراه على أرض الواقع، ظللتُ أحلم به طويلًا حتى كف عن مراودتي.
العيب القاتل الذي خلفته فيَّ تلك التجربة كان يتعلق بالقضاء على حياتي الاجتماعية. لم يعد لديَّ أصدقاء تقريبًا، فالصداقة بُنيت على ذلك الاهتمام المشترك: لعب الكرة في العطلات، الزعيق والاحتفال داخل الملعب، وشرب عصير القصب خارجه. ظلت الوحدة تسحبني إليها، وظللتُ أرتبط بمشاهدة الأفلام والمسلسلات الطويلة كي أقاومها. وبعد دخولي الجامعة، تعرفتُ على فريق المسرح وصاروا أصدقائي، وقررتُ أن أحلم بالتمثيل.
كنتُ على دراية بأن ذلك الحلم صعب تمامًا كلعب الكرة، بل ربما يكون أصعب، فلاعب الكرة يتوقف حلمه بالاحترافية عند تجاوز سن العشرين، بينما حلم التمثيل يظل معتمدًا على الأدوار الصغيرة، تلك المسكنات التي يجربها الحالم حتى يألفها أو ييأس منها.
في السنة الدراسية الأولى انضممتُ إلى فريق المسرح بالكلية، وفي السنة الرابعة بدأتُ أمثل أدوارًا ثانوية في الأفلام والمسلسلات. لم أكن مطلوبًا للخدمة عسكرية لأني ابن وحيد. ولم أحتج إلى التفكير في البحث عن عمل. كنتُ أعمل بالفعل، وقررتُ المضي قدمًا والتقديم في معهد الفنون المسرحية، وقُبلتُ لأن وجهي بدا مألوفًا.
قرأتُ المعالجة التي أرسلها مروان عثمان للفيلم ولم أتمالك نفسي. أرسلتها على الفور إلى المنتج سليمان غالب. إنني متحمس لذلك الفيلم للغاية، ربما يكون أهم فيلم أقدمه في مسيرتي، بل هو كذلك. وهل قدمتُ حتى الآن فيلمًا قد يعيش؟!

صفوان دحول، “حلم 284″، أكريليك على قماش، 200×220 سم، 2025 (بإذن من غاليري أيام).

5
أول دور مثلته قبالة الناس جاء بالمصادفة. مخرجة تريدُ وجوهًا جديدة لتؤدي دور شاب يمثل على المسرح في أحد الأفلام، فأرسلت أحد مساعديها لحضور العرض المسرحي الذي أديتُ فيه دورًا، ليختار من بيننا واحدًا.
أديت الدور الثاني في العرض: صديق البطل، وليس البطل. لماذا اختارني؟! من حسن حظي أنه كان مساعدًا مُهمِلًا. أراد المساعد التدخين، والتدخين كان ممنوعًا داخل القاعة، فاضطر إلى الخروج منها بعد بدء العرض بثلث ساعة تقريبًا. لم يشعل السيجارة فور خروجه. يعتقد خيالي، وهو اعتقاد أقرب إلى الصحة، أنه خرج إلى دورة المياه أولًا. ثم خرج منها إلى البوفيه لشراء كوب من القهوة، ثم أشعل السيجارة، أو ربما ذهب لشراء السجائر أيضًا. وعندما عاد إلى القاعة بعد انتهاء استراحته الخاصة، اكتشف أن العرض قد انتهى، إذ كان يُشترط ألا تزيد مدته عن الساعة. دخل القاعة وجلس لحضور توزيع جوائز مهرجان الجامعات. فزتُ بجائزة أفضل ممثل مساعد، فتطلع إليَّ وشعر أن شكلي وتكويني الجسدي مناسبان للدور الذي يبحث عنه، ومناسبان لإخراجه من مأزق إضاعة وقته في حضور عرض آخر لا يُسمح فيه بالتدخين.
بعد استلامي الجائزة اختلى بي وقال:
– ألف مبروك، كنت هايل!
عرفني بنفسه. طلب رقم هاتفي، ثم أعطاني “كارت” وطلب مني الاتصال به في اليوم التالي. وفي المكالمة طلب مني الحضور للتصوير بعد يومين. “صحيح! الدور بينادي صاحبه”. هكذا قال لي الجميع، وهكذا قلتُ لنفسي.
في يوم التصوير الأول لي، لم أتلقَ ورقًا لدوري. أوقفوني أمام الكاميرا وطلبوا مني أن ألقي المونولوج الذي قلته في المسرح، أو أي مونولوج بالعربية الفصحى.
كان مشهدًا ثانويًا سأظهر فيه لنصف دقيقة تقريبًا على الشاشة، ولم يكترثوا لأمر كتابة مونولوج بالفصحى خصيصًا لتلك الدقيقة. أديتُ المطلوب مني على أكمل وجه. عرفني الناس في الشارع، رغم عدم معرفتهم بالفيلم. خصوصًا بعد انتشار مقطع على تيك توك يضم تلك النصف دقيقة فقط من الفيلم. وظل دوري فيما بعد يكبُر، ثم يتضخم، لكن ظلت مشكلة الورق تلك مستمرة معي.
– المعالجة تشي بفيلم عظيم.. لكني أعتقد أنه لا يناسبك.
قال الناقد عزمي جودة ذلك عن المعالجة التي أرسلها مروان عثمان. لم أفهم مقصده، قلتُ له إن هذا هو الفيلم الذي أبحث عنه منذ بدأت التمثيل.
إنه أول دور أختاره لنفسي في حياتي. لم تكن لديَّ رفاهية الاختيار في بداياتي. اضطررتُ إلى قبول المعروض. ولسوء حظي، كان المعروض مشوهًا لا يشبه ما يدور في رأسي، حتى أدواري التي يحبها الناس، أحبوها بسبب تمثيلي. لقد منحتُ طعمًا لشخصيات بلا طعم.
وبعد سماعه لكل مبرراتي، قال لي ببساطة:
– انس أمر هذا الفيلم.. سليمان غالب لن يوافق على إنتاجه!
– لو رفضه، سأذهب به لمنتج آخر.
– لن يقبله أحد.. لا أحد يمكنه تحمل الأبواب التي ستُفتح عليه من وراء هذا الفيلم، ولا حتى أنت.
قالها وأغلق الخط، كأنه مُخرج أصر على إنهاء الحوار بطريقة درامية. لم أفهم مبالغته بشأن الفيلم. لا أعرف ما الأبواب التي قد يفتحها، لكني أعلم أنه يبالغ كثيرًا في التعبير. أحيانًا يعتقد أنه مُطارد من قبل الآخرين، وأحيانًا مستهدف من اللجان الإلكترونية، وأحيانًا أخرى على علاقة وثيقة بشخصيات مهمة في مراكز حساسة. لقد أنهكته أعباء السن والمهنة.
أعدتُ قراءة المعالجة من جديد، وازداد إصراري على لعب هذا الدور.
أتخيل ملامح الشخصية:
موظف مجهول، سنه فوق الثلاثين.
ملتزم. ليس لديه أي علاقات نسائية رغم وسامته.
سأجعله يضيف أن زميلاته يتشككن في كونه مثليًا أحيانًا.
حياته متوسطة، أو فوق المتوسطة، ليس غنيًا ولا فقيرًا. لا يملك شيئًا في حياته سوى طموح لا يعرف التوقف.
هناك فتاة لا نعرف فائدتها في الفيلم حتى الآن.
هل هي معجبة به؟ أهو المعجب بها؟
لكننا أكدنا أنه لا يفكر في مثل تلك الأمور.
لا يعرف العواطف، ولا تزوره السعادة إلا بسبب النجاح في العمل.
يزداد هوسي بالفيلم، سأصنعه أو أموت.

6

لم أفكر مسبقًا في اعتزال الفن؛ أولًا لأنه مهنتي التي أتكسب منها، وثانيًا لأني أحبه وتعبتُ كثيرًا حتى وصلت إلى تلك اللحظة التي أنا فيها الآن. ربما مشواري منذ بدء التمثيل في الجامعة حتى الوصول إلى مرحلة الاسم الأول على الأفيش ليس متعبًا. لكني مررتُ بجهد ذهني كبير، وطريق من التخبط والعشوائية والتساؤل عن جدوى الحياة، إلى أن وصلتُ إلى هنا. ربما في النهاية يرى الآخرون أن ما أفعله لا يعتبر عملًا صعبًا.
معهم حق.
وتلك هي المشكلة.
إن الصعوبات التي أواجهها في هذا العمل لا يمكنني الحديث عنها، ولا يمكنني أن أخرج إلى الآخرين وأقول إنني مثلتُ هذا الدور لأنني أحتاج إلى العمل، وهذا لأني أحتاج إلى المال، وذاك لأني أحب الظهور. الناس لن تتقبل أبدًا الحقيقة، بل ينبغي أن أخرج بعد كل عمل مبتسمًا وسعيدًا وأصرح في الإعلام أنني تعبتُ حتى توصلت إلى تلك التركيبة التي لعبت الشخصية من خلالها، أو أن الشخصية زارتني في المنام وعاتبتني بعد انتهاء المسلسل؛ الإعلام يحب تلك التصريحات، والغريب أنها تنال استحسان الجمهور.
لم أفكر في مرحلة اعتزال الفن إلا عندما رأيت بعض الزملاء يتجهون إلى اتجاهات أخرى إلى جانب الفن، معظمهم يستثمر مدخراته في العقارات، أو في مشاريع مثل المطاعم والكافيهات. أحضر افتتاحًا بمعدل مرة كل شهرين تقريبًا. دعاني ذلك إلى التفكير في مسألة الاعتزال تلك؛ ليس رغبة في الاعتزال، بل فيما يمكن أن أفعله في حالة التوقف. اكتشفتُ أنني لم أخطط لتلك اللحظة، ولم تخطر ببالي أبدًا. تحدثتُ مع صديقة في هذا الأمر وقالت إن عدم تفكيري مرده ببساطة إلى أني بلا أسرة أو أبناء، بالتالي فلا حاجة لي إلى صداع التفكير في مستقبلهم. كلامها منطقي، لكنه رغم ذلك يبعث على الكآبة.
هاتفني سليمان غالب اليوم بشأن تصوير المسلسل الجديد، ومواعيد استلام الشيكات الخاصة بي. سألته عن الفيلم الذي سيكتبه مروان عثمان، وقال إن المعالجة أعجبته، لكنه رغم ذلك متردد بشأن الفيلم ولا يعلم إن كان سيحقق من ورائه أرباحًا أم لا، وأكدت له أن مسألة الأرباح مضمونة، فالناس تبحث عن المختلف الآن، وستحب هذا النوع من الأفلام. سأحب أيضًا أن أرى نفسي في هذا النوع من الأفلام، لكني لم أخبره بذلك. طلب مني الانتظار أيامًا ليرد عليَّ بشأن الفيلم. وأخبرته أن يأخذ كامل وقته، كي لا يشعر بأني متعجل.
في المساء نزلت لأتمشى في الشارع، وكالعادة لم يتعرف عليَّ أحد. اعتدتُ الأمر تقريبًا. مضى شهران أو يزيد على بداية تلك اللعنة التي أصابتني.
ركبتُ تاكسي، ولم يتعرف عليَّ السائق.
جلستُ في مقهى، ولم يتعرف عليَّ أي من رواده أو العاملين به.
دخلتُ لأحلق لحيتي في محل حلاقة لعل الحلاق يلاحظ وجودي؛ إن أي حلاق يتمنى لحظة كهذه: لحظة أن يزوره نجم لامع في محل الحلاقة، فيطلب منه التقاط صورة معه ويضعها على واجهة المحل باعتباره من رواده. تطلع الحلاق إلى وجهي طويلًا وقال:
– طب ولازمتها إيه بس تاعب نفسك ونازل في السقعة دي.. ما دقنك قصيرة ومش محتاجة حلاقة؟!
ثم صمت للحظة وهو يتطلع إليَّ وقال:
– لكن معلش معلش.. رزقي برضه وربنا باعتهولي.
أنهى الحلاقة في نصف ساعة تقريبًا، ثرثر خلالها مع أحد الرواد ثرثرة بدأت بمباريات كرة القدم وانتهت بالحديث عن الأفلام والسينما، وقاعات السينما التي اعتاد زيارتها أيام كان شابًا، وكانت زوجته لا تزال خطيبته ويضطر لقطع ثلاث تذاكر: تذكرتين له ولها، وتذكرة لأختها الصغرى التي ترافقهما. كان يتحدث حديثًا لا يقل عن أي مؤرخ سينمائي، وكدتُ أجن. عندما انتهى من الحلاقة، أخبرته بحقيقة من أنا، فلم يصدقني ونظر إليَّ مرتابًا يشك في أنني أقول أي كلام كي أتنصل من دفع أجرته، نقدته أمواله، وفتحتُ له الإنترنت لأريه حقيقة ذلك. انبهر وقال:
– بجد والله؟! أيوه ده أنت صح.. معلش والله اعذرني يا فنان.. أصل أنا ماليش في النت ولا بقيت أتفرج على أفلام خالص. بس تعالى ناخد صورة أحطها على باب المحل.
والتقطتُ الصورة معه في سعادة.
***
– “إيه الفيلم الحلو ده يا حسام! أنا متخيلاك جدًا فيه.. ده هيبقى دور عمرك”.
أرسلتُ معالجة الفيلم إلى نجوى، وتلقيتُ للتو تلك الرسالة منها. إنها تقريبًا الممثلة الوحيدة التي أثق بها في الوسط الفني كله. حذرني الناس كثيرًا وعلى رأسهم أمي، من العلاقات النسائية في الوسط الفني. اعتاد زملائي الذين يكبرونني سنًا في مسرح الجامعة قول: “الحب! آه كم هو مُهلك للطاقة!”.
كانوا يقولون لي ذلك وهم في الوقت نفسه على علاقات بفتيات أعرفهن داخل فريق المسرح أو فرق أخرى، وغالبيتهن يقلن نفس الكلام. كنتُ أضحك من تلك الازدواجية، ولا أفكر في سؤالهم عنها، فمهما يكن، هم أكبر مني سنًا وأنا أتعلم منهم المسرح. وأخشى فقدان أصدقاء محتملين، كما فقدتُ أصدقائي بسبب مباراة كرة قدم لم ألمس فيها الكرة. عندما صرنا أقرب، كنتُ أستطيع طرح ذلك التساؤل، لكني لم أفعل. الأيام تكفلت بشرح ما بدا غريبًا، وفطنتُ أن تلك العلاقات ليست هي الحب.
عندما رأيتُ نجوى للمرة الأولى، كنا زميلين في بلاتوه واحد، نصور نفس الفيلم، من جيل واحد تقريبًا. سبقتني فقط بالتمثيل في بعض الإعلانات، فظننتها مجرد وجه جميل من وجوه الإعلانات التي تلقى رواجًا في السينما بلا إمكانات. بادرت بالتعرف عليَّ وافتتحت كلامها بأنها تعرفني من خلال مسرح الجامعة. اكتشفتُ أنها أيضًا مثلت في مسرح الجامعة. وبعد أحاديث طويلة أثناء انتظار مواعيد التصوير على مدار أيام، عرفتُ أنها ممثلة مثقفة واسعة الإدراك، وتوقعتُ حجم إمكاناتها حتى قبل أن أراها. لم تكن فقط مجرد وجه جميل كما ظننتها، بل كانت أكثر من ذلك بكثير، بل وتعاني من أجل تغيير تلك الصورة النمطية.
أشعرني انطباعي المبدئي عنها بالذنب، فاعتذرتُ لها دون مقدمات ولم تفهم. شرحتُ لها الأمر برمته:
– افتكرتك ممثلة مرفهة!
ضحكت وتمازحنا حول الأمر، ومنذ ذلك الحين صرنا صديقين مقربين.
كانت أول شخص أحدثه عن الفيلم فيبدي رأيًا إيجابيًا صافيًا دون شوائب. عبرت عن رأيها في القصة وكيف تراها مختلفة وستعجب الناس، وأنهت رسائلها مازحة:
– بس لما تاخد أوسكار ماتنسناش!
– هو أنا أقدر!
ونويت في سري إسناد دور لها في الفيلم. لا أعرف أي دور قد يناسبها في فيلم يناقش قضايا ذكورية كتلك المحشو بها. لكن نجوى، في فيلم محشو بالقضايا الذكورية، تستطيع بموهبتها الفريدة إضفاء طعم مختلف على الفيلم، وربما تجعله يأخذ منحىً آخر.
نويتُ ذلك لكني لم أقطع لها وعدًا، فضلتُ التفكير أولًا فيما يناسب ما أود تقديمه، ومناقشة الفكرة مع أيمن، ثم العودة إليها.

7
صرتُ أسير في الشوارع دون حاجة إلى ارتداء النظارات الشمسية. في السابق لم يمنع ارتداءها الناس من التعرف عليَّ، والآن لا يعرفونني حتى وأنا أمشي وعيناي مفتوحتان نحو الشمس.
علي كل حال، لم أكن أحب النظارات الشمسية أبدًا.
ذهبتُ إلى أحد مواقع التصوير لتصوير ظهوري كضيف شرف في أحد المسلسلات، مجاملًا صناعه. ركبتُ تاكسي إلى الموقع، جلستُ إلى جوار السائق ولم يتحدث معي. شاهد معدات التصوير عند وصولنا إلى المكان، ولم يثر ذلك فضوله للتحدث.
يبدو أنه من النوع الذي لا يُفضل الحديث مع الركاب العابرين، لكني لستُ مجرد راكب عابر، بل أنا فرصة ربما لا تتكرر له مجددًا! حكاية يستطيع أن يحكيها لأولاده فيتجنبون النظر في هواتفهم وينتبهون إليه..إنني بذرة لنميمة يمطها على المقهى ويتسلى بها مع أصدقائه لقضاء وقت ممتع، وحدث يفتح به أحاديثًا جديدة مع ركاب آخرين.
الغريب أنني بمجرد وصولي إلى موقع التصوير، يعرفني الجميع ويسارعون إلى إلقاء التحية عليَّ أو مساعدتي. أصر كل العاملين في المسلسل على تحيتي، بدءًا من المخرج حتى عمال البوفيه، وأصر صديقي بطل العمل على استراحتي في “الكرفان” الخاص به لحين تجهيز المشهد الخاص بي، وبعد انتهائي من التصوير، ركض اثنان من مساعدي المخرج لالتقاط الصور معي، وأخبروني أنهما لا يزالان يدرسان في معهد السينما، وتلك أول فرصة عمل لهما، وأنهما سعيدين للغاية برؤيتي ويحلمان بالعمل معي. شكرتهما وتمنيتُ لهما التوفيق، ووضعتُ في حسباني التواصل معهما عند تجهيز الفيلم الخاص بي، رغم أني تقريبًا استبعدتُ فكرة الفيلم من حساباتي.
منذ الأسبوع الماضي وأنا أرى أخبارًا تخص رامي العطار: الأعمال التي يصورها، والمخرجين الذين يرشحونه لأعمالهم، والأحلام التي يتمنى تحقيقها في الفن. إن صعوده نحو النجومية صاروخي. ويتطلب ذلك مني بعض اللهاث أيضًا، كي أضمن ألا يلحق بي في ركب المقدمة، وأفاجأ عند نزول المسلسل الذي يشارك فيه معي بدور ثانٍ، بأن اسمه يسبقني على التتر، أو حتى يساويني. أو أتعرض للعبة قذرة في غرفة المونتاج تتعلق بحذف بعض مشاهدي لمصلحة مشاهده ليبدو بطلًا. ومهما شكوت وتحدثت في الموضوع، لن يأخذني أحد بجدية، لأنهم سيقولون ببساطة إن الرأي هو رأي المخرج، وأن المنتج النهائي أعجب الناس، ماذا نفعل والناس يريدون رؤية رامي العطار على الشاشة طوال الوقت؟!
سيشترون نقادًا معروفين ومجهولين، وسيشترون جمهورًا من الإنترنت. ألا يفعلون ذلك أحيانًا؟!
لا أحب المنافسة في أي شيء. يقولون إن المنافسة دائمًا تُحسن الجودة لأن كل شخص يحرص على أن يكون أفضل، بينما تصيبني فكرة التنافس نفسها بالتوتر. لم أتنافس على شيء من قبل؛ في سنوات المدرسة لم يكن يعنيني صراع الأوائل، وفي الجامعة لم أكن معنيًا بالفوز بجوائز التمثيل، صحيح أني فُزتُ لكن فوزي جاء لأني لم أكترث. تمامًا كما حدث مع كرة القدم. كنتُ لاعبًا جيدًا بغض النظر عن اللعب في الشارع أو المدرسة، لكني مع الفريق نفسه، حينما وضعتُ فكرة المنافسة في رأسي، سددتُ الكرة بقوة، أخرجتها من قدمي لأتخلص منها، على أمل أن تتركني وتذهب إلى الشباك، ولكنها طارت وخرجت من الملعب، ليخرج معها توتر المنافسة، ويطير حلم اللعب إلى الأبد.
لحسن الحظ أنه طار. وهل كنتُ سأحتمل المنافسة على جدول الدوري في مباريات يحضرها آلاف؟! أو المنافسة على الهبوط مع أحد فرق القاع، حيث قد تؤثر كل ياردة أركضها على مصيري ومصير نادٍ؟
سأؤجل صناعة الفيلم الخاص بي، لأنه فيلم للنخبة، وسيبعدني عن المشهد أكثر. ستكتب الصحف إني لم أستطع منافسة رامي العطار، ففضلتُ التغريد منفردًا بالتمثيل في أفلام تصلح للمهرجانات، وربما تتوقف العروض عن القدوم إليَّ كما اعتدت، أو تذهب الأفلام التي تنوي تحقيق أرباح وشهرة أولًا إلى رامي العطار، ثم ما يرفضه منها بحجة ضيق الوقت يأتي إليَّ.
كلا لن أسمح بذلك في حياتي. ما دمتُ مطلوبًا فلن أتوقف عن التمثيل أبدًا، حتى لو لم أكن راضيًا بالكامل عما يطلب مني.

8
التقيتُ بمروان في “الكرفان” الخاص بي في استراحة تصوير المسلسل. حاول التواصل معي مرات عديدة خلال الأيام الماضية، فتظاهرتُ بالانشغال ملتزمًا بالردود الدبلوماسية، لأن رسائله كلها تتساءل عن المشروع الذي كلفته به.
– الدنيا لسه مش واضحة قدامي. إيه رأيك تكتب لي فيلم تاني وتأجل ده مؤقتًا لحد ما نلاقي حد متحمس يشتغل معانا فيه؟
– عندك فكرة تانية؟
بدا ممتعضًا وهو يلقي بسؤاله. تفهمتُ موقفه، لكني لم أبدِ أي مشاعر. وددتُ لو شرحتُ له الأمر برمته، لكنه لن يفهم تلك التفاصيل. إنه مؤلف، كما ذكرتُ سابقًا، من النوع المُرفه. لن يهتم سوى بخروج أعمال يرضى عنها فنيًا، لا يهتم بمسألة الأجور. ولا يفهم مسألة التنافس بين الفنانين، لأنه لا يتنافس مع أحد. لو كان يؤمن بمبدأ المنافسة، لكتب ثلاثة أو أربعة أفلام كل سنة، ولما احتاج إلى إضاعة كل هذا الوقت في سبيل مقابلتي وإقناعي بفكرته. ولما احتاج إلى وقت أطول للعمل على المعالجة والشخصيات ليخرجا بأفضل شكل ممكن.
أنا حقًا أحسده.
– هشوف كده، في دماغي كام فكرة، هبعتهملك نتناقش فيهم بس لما أخلص تصوير، علشان مستعجلين زي ما أنت شايف.
لا أدري، هل أقتنع بكلامي أم بالتعب الظاهر على وجهي من التصوير لساعاتٍ متعددة؟ اكتفى بهز رأسه، وطالبني ألا أنسى إرسال أفكاري وسلم عليَّ ثم غادر الكرفان.
موظف مجهول، سنه فوق الثلاثين.
ملتزم، ليس لديه أي علاقات نسائية رغم وسامته.
سأجعله يضيف أن زميلاته يتشككن في كونه مثليًا أحيانًا.
حياته متوسطة، أو فوق المتوسطة، ليس غنيًا ولا فقيرًا. لا يملك شيئًا في حياته سوى طموح لا يعرف التوقف.
هناك فتاة لا نعرف فائدتها في الفيلم حتى الآن.
هل هي معجبة به؟ أم هو المعجب بها؟
لكننا أكدنا أنه لا يفكر في مثل تلك الأمور.
لا يعرف العواطف، لا تزوره السعادة إلا بسبب النجاح في العمل.
يعرف أنه مُرشح لمنصب مهم في الشركة التي يعمل بها.
إنه تحت الاختبار، ويريد إثبات نفسه لمن يفوقونه في الدرجة الوظيفية.
يعرف من خلال زملائه ومن هم في مثل سنه، أن معظم من يشغلون مناصب كبرى في الشركة لديهم علاقات جنسية مصورة ومعروفة.
يذهب، وهو الشاب الذي لا يملك أية تجربة عاطفية سابقة، من أجل البحث عن فتاة يقيم معها علاقة جنسية يصورها ويعطي التسجيل إلى مديريه كي ينال ثقتهم.
إنه فيلم مثالي من أكثر من اتجاه.
يمكننا تناوله من جهة الكوميديا السوداء، حيث ينزل ذلك الموظف المتبتل إلى عالم فتيات الليل بحثًا عن فتاة يُصور معها المقطع الجنسي. يفسد التصوير أكثر من مرة، نظرًا لإصابته بالحرج في أثناء العلاقة وخوفه من الظهور بمظهر مُخجل.
ويمكننا تناوله كفيلم رحلة، حيث يطلب ذلك الموظف المثالي بإجازة لمدة أسبوع ويسافر إلى دولة أجنبية (تجنبًا لإثارة المشكلات مع الرقابة التي قد تتهمنا بتشويه سمعة البلاد)، ويدخل عالم فتيات الليل الذي لا يعرف عنه شيئًا بحثًا عن غايته. (يمكننا اللعب بالعالم كما نشاء، من أمستردام حيث يدخن الماريجوانا كي لا يشعر بشيء، ويذهب لاختيار فتاة من كابينة في الريد ديستريكت، إلى بانكوك حيث قد يدخل في علاقة بفتاة يصاب بعدها بالصدمة لاكتشافه امتلاكها عضوًا ذكريًا) بانكوك قد تبدو وجهة مثالية للمنتجين، بسبب انخفاض أسعار السفر والإقامة فيها.
ويمكننا تناوله كفيلم كوميدي خالص، حيث ينتهي من التصوير ثم يفسد التسجيل الذي سجله، أو يقع في يد أحد مهندسي الكمبيوتر فيساومه عليه، بينما تطارده الفتاة وقوادها من الجهة الأخرى ليساوموه.
وقد نصنع خليطًا من كل ذلك، فيكون فيلمًا متعدد الطبقات، ينال إعجاب المشاهد العادي، وإعجاب النقاد، ويحقق الأرباح في دور السينما، ويحصد الجوائز في المهرجانات، ويهاجم الرأسمالية.
– يلا يا أستاذ، قدامنا عشر دقايق بالظبط.
ناداني مساعد المخرج لأتجهز للمشهد القادم. دخل عليَّ وأنا أراجع معالجة مشروع الفيلم الذي لن يتم، بينما يظنني أراجع المشهد الذي سأصوره الآن.
خرجتُ من “الكرفان” ورأيتُ مروان عثمان يخرج من “الكرفان” الخاص برامي العطار. لم يرني. كان مبتسمًا وغادر موقع التصوير. أيعرفان بعضهما البعض؟!
خرج بعده رامي العطار مبتسمًا هو الآخر وسلم عليَّ. تذكرتُ أن المشهد القادم هو أول مشهد أصوره يجمعنا معًا.
جلسنا، كل واحد منا في موقعه المحدد من قبل المخرج. المشهد في بار ليلي.
– أكشن.
بدأ رامي العطار بتمثيل جمله الحوارية المكتوبة، ثم…
– معلش يا جماعة فيه حاجة في الإضاءة مش مظبوطة، عشر دقايق ونرجع نصور تاني.
هكذا قال المخرج لينقذني وينقذ كرامتي أمام المصورين والعمال، وأمام رامي؛ لقد نسيتُ الحوار.

9
حفاوة مبالغ فيها بالصور المنتشرة لي على الإنترنت بصحبة رامي العطار من كواليس المسلسل الذي لم يُحدد اسمه بعد. مروان عثمان لم يراسلني منذ مدة. أفكر في فكرة جديدة أرسلها له ليكتبها، ربما عن ممثل مشهور لا يعرفه أحد في الشارع.
لقاءات صحفية عدة معي حول المسلسل الجديد، ولقاءات أخرى مع رامي العطار يتحدث فيها عن الألفة التي تسيطر على البلاتوه.
أنسى جُملي الحوارية في معظم المشاهد. سليمان غالب يصرح للتلفزيون بأن المسلسل رهان مضمون، وأبلغهم أن نسياني للحوار ناتج عن ضغوط أتعرض لها نتيجة ظروف خاصة لا أستطيع الإفصاح عنها.
آلاف الرسائل أتجاهلها من المعجبين والمعجبات يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بي.
وألوف أخرى ما زالت تتجاهلني في الشوارع وتتظاهر بعدم معرفتي.
نجوى تتصل بي لتطمئن عليَّ بعد معرفتها بما قلته عن الظروف الشخصية الصعبة، وتسألني في آخر المكالمة عن مشروع الفيلم، فأخبرها أنني أنتظر الإفلات من الظروف الصعبة ثم الالتفات له بكامل طاقتي، فتنهي المكالمة وهي تقول إنها واثقة من جودته لأنها تشعر بحماسي عند الحديث عنه في كل مرة.
في العام الماضي، وصفت مجلة “وشوشة” رامي العطار بأنه الحصان الأسود، وفي هذا العام وصفته بأنه الحصان البريمو. لا أعرف أحدًا من قراء وشوشة، لكن آراءها دائمًا ذات حيثية. سبق وقالت الكلام نفسه عني، وسبق أن أهدتني جوائز عن أدواري المتميزة.
أرسلتُ رسالة إلى مروان بفكرة فيلم كوميدي حول ممثل مشهور تقوده الأقدار ليعلق في قرية في الصعيد لا يعرفه فيها أحد، رغم أن أهلها شاهدوا معظم أفلامه. يحاول إثبات أنه نجم كبير، خاصة بعد وقوعه في حب إحدى فتيات القرية، وهي طالبة جامعية. ليعرف منها أن أهل القرية الآخرين يحبون المونولوجست الذي يقدم النِمر في الأفراح الخاصة بهم. حتى الفتاة التي تعجبه واقعة في غرامه، فيدخل في منافسة معه عليها.
استغللتُ توقف تصوير المسلسل لبضعة أيام، والتقيتُ بنجوى.
– لم توقف تصوير المسلسل؟
– رامي العطار.. إنه منشغل هذه الأيام بتصوير فيلم لموسم العيد، وتتعارض مواعيد تصويره مع مواعيد تصوير المسلسل، ولأن المشاهد القادمة كلها ستُصور خارج مصر، اضطررنا إلى التوقف عن التصوير.. مصلحة.
– إنني متحمسة لرؤيتكما معًا على الشاشة.
– شكرًا.
ابتلعتُ حماسها المبالغ فيه، وفكرتُ في تغيير موضوع الحديث.
– نجوى! أتعتقدين أن رامي العطار سيتمكن من اختيار أعماله وأدواره القادمة؟!
– أظن ذلك…
ثم أضافت:
– لكن وفقًا لما يشترطه السوق بالطبع.
هززتُ رأسي، فلاحظت شرودي وسألتني:
– لماذا تسأل؟ أتفكر في ضمه إلى الفيلم؟
ابتلعتُ سؤالها، وأجبتُ بابتسامة محايدة.
– أتوافقين على التمثيل في فيلم كهذا؟
– إنه ذكوري للغاية.. لكني سأوافق بالتأكيد.
– لماذا؟
– لأنه مختلف.
– الجمهور لا يحب الاختلاف.
– قد لا يحبه، لكنه على الأقل يعرف أنه ليس مملًا.
وتذكرتُ في طريقي إلى البيت أن الناس لم يعودوا يتذكرون أسماء الأعمال المعروضة بسبب تشابهها. وتذكرتُ أن المسلسل لم يتحدد اسمه بعد. قررتُ استكمال المسلسل كالمعتاد، لكني قررتُ صنع الفيلم مهما كلفني الأمر. أرسلتُ رسالة إلى سليمان غالب أسأله عن رأيه النهائي في إنتاج الفيلم، وقررتُ ألا أنتظره، فأرسلتُ رسالة إلى مروان أخبره فيها أننا بحاجة إلى الجلوس مجددًا للحديث عن الفيلم، حتى لو لم يتحمس سليمان غالب للمشروع، فسأقدمه إلى شركة إنتاج أخرى، سأتقدم للحصول على منحة من مؤسسة أجنبية لإنتاجه، أو سأنتجه أنا بمالي وببعض القروض. المهم أن يُنتَج الفيلم.
مرت بضعة أيام وأنا انتظر رد مروان عثمان، لكنه لم يرد. عدتُ إلى تصوير اليومين المتبقيين قبل السفر إلى الخارج لاستكمال المسلسل، وخشيتُ أن يكون مروان قد باع الفكرة لشخص آخر، لذلك توقف عن الرد على رسائلي. راودني هاجس أنه ربما باع الفيلم لرامي العطار، فهذا يفسر خروجه من “الكرفان” الشخصي له. قلتُ إن الفيلم ربما لم يكن مقدرًا لي من البداية، لكني عدتُ وقلتُ إنه دور عمري، وإذا ذهب إلى رامي العطار فذلك يعني قضاءه عليَّ في السوق.
أبلغني مدير الإنتاج بموعد السفر، فقررتُ التركيز بكامل طاقتي، لعله العمل الأخير الذي سيسبق فيه ظهور اسمي على التتر أسماء الجميع، قبل أن يبدأ الناس في نسياني. صورت المشاهد دون نسيانٍ للحوار، لكني لم أكن جيدًا كما تمنيتُ. لعل حماسي الداخلي للعمل قد انطفأ. أما بخصوص خوفي من نسيان الناس لي، فقد نسوني بالفعل.
رد عليَّ مروان عثمان بعد عدة أيام:
– معذرة على عدم الرد في السابق. كنتُ منشغلًا بكتابة النسخة الأولى من السيناريو. فكرة الممثل والمونولوجست فكرة رائعة أثارت حماسي، ربما نضعها في خططنا القادمة، إنها الفكرة المضادة لفيلم آماديوس، لدينا هنا ثنائي من الفنانين: أحدهما محبوب والآخر مجهول، أحدهما لديه الكثير مما في جعبته لكنه يكتفي بتقديم ما يُعجب الناس، والآخر مفلس لا يملك جديدًا يقدمه، ويكتفي بتكرار القديم كوصفة مضمونة للنجاح، يا حبذا لو ينتهي الفيلم من دون أن نعلم أيهما انتصر على حساب الآخر.

مروان عثمان

مروان عثمان مروان عثمان، روائي وقاص من مواليد مدينة طنطا عام 1996. صدرت له رواية بعنوان "الحزب 101" ومجموعة قصصية بعنوان "مأساة المهووس بالفن". نشر العديد من النصوص والقصص القصيرة على الإنترنت، وحصل عام 2024 على جائزة علاء الجابر للنص المسرحي المميز عن نص بعنوان "غرفة تضم الجميع ولا تتسع لأحد".

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Fiction

قصة قصيرة لمروان عثمان: أزمة فنية

25 MAY 2026 • By مروان عثمان
قصة قصيرة لمروان عثمان: أزمة فنية
Fiction

قصة قصيرة لزينب خضور: عدسة الشمال ورئة الجنوب

4 MAY 2026 • By زينب خضور
قصة قصيرة لزينب خضور: عدسة الشمال ورئة الجنوب
Fiction

قصة لأحمد الفخراني: الطرق الغامضة التي اتخذها الشيخ سفروت للوصول إلى الله

20 APRIL 2026 • By أحمد الفخراني
قصة لأحمد الفخراني: الطرق الغامضة التي اتخذها الشيخ سفروت للوصول إلى الله
Fiction

قصة قصيرة لآية عبد الرحمن: قلة مندسة

13 APRIL 2026 • By آية عبد الرحمن
قصة قصيرة لآية عبد الرحمن: قلة مندسة
Fiction

مقتطف من رواية مروان عثمان: وصفة الأدب النظيف

13 APRIL 2026 • By مروان عثمان
مقتطف من رواية مروان عثمان: وصفة الأدب النظيف

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

6 + seven =

Scroll to Top