مهنة في سبيلها للاندثار، وجد مات تاركًا عائلة حزينة، وأساطير تغلف كل شيء بهالة من الغرابة. مقال رائع لأحمد الجمال عن مهنة صاعد النخل.
مرت خمس وأربعون سنة على قرية كفر حماد – الشرقية منذ أن أيقظهم النبأ الرهيب من سبات شهور طويلة؛ صاعد النخل وعضو الجمعية الزراعية، وأَحَدُ آخر مَن وطئت أقدامهم الأرض من سلالة قصّاصين عنيدين عُرفت على الدوام بقطع وتشذيب النخيل، عبد الرحيم رمضان، سقط من ارتفاع واحد وعشرين مترًا بينما كان يهمّ بساطوره المعقوف ذي الرؤوس المُثلمة والنصل المُدبّب على إحدى سباطات نخلة من نخلات تمرّ الخلاص. أما جدّتي التي قُدّر لها أن ترى رجل حياتها مُلقًى على الأرض وسط كومة من بلح رطب وسعف أخضر مُلطّخًا بالدم والعسل والبول الفاتر، مهشم الرأس، مُمزّق الأحشاء، فقد التفت بقشرة سميكة من الازدراء لم تستطِع أيّ محاولة إنسانية أو إلهية كسرها، فارضةً نوعًا من الحداد الكنسي بأبواب ونوافذ مُغلقة، وقد استسلمت لعادة زمنها الوبيلة في التسربل بالسواد حتى عينيها، كإشارة إلى حزن لا يمحى بالتقادم، وإلى مضغ حبات الحمص الأخضر كي تتحمّل الحياة. أما الذين تطوّعوا لرفع الجسد المُحطّم وتنظيفه ممّا علق به من دبس البلح وشوك السعف، فأقسموا تحت كل سماء عرفوها، كما كانت دومًا تؤكّد جدّتي، أنهم رأوا الجمجمة تُنزّ زيتًا عنبريًا، بينما كان الجلد يرشح بسائل أقرب إلى عصير قصب سكر يغلي.
في طيف الجدّة
دأبت جدّتي – لترقد في سلام – حتى أنفاسها الأخيرة على استحضار مأساتها الشخصية بموت زوجها كمأساة جماعية أصابت لعنَتها حيوانات البر والبحر معًا؛ كانت تُجلسنا إلى جوارها كلّما مررنا من أمامها لتروي لنا ماذا حدث للعالم بعد موت عبد الرحيم رمضان، كيف امتنعت الدواجن عن أن تبيض، والصيصان أن تفقس، والديوك أن تصدح، والبغال أن تلد، والنخيل أن يُثمِر، وكيف صار للتمر طعم الرمان، وللبلح رائحة ملفوف يغلي.
كانت تُحدّثنا عن أن الخلل الذي نراه في الطبيعة من زلازل وبراكين، وربما حروب، يرجع إلى أن زوجها قد مات، برغم أنه لو كان بيننا الآن لما استطاع إنقاذ غريق في زورق نجاة، أمّا نحن أحفادها، فكنا نتحلّق حولها كغربان مذعورة، مُتقطّرين دهشةً وعرقًا في قيظ أيار الذي لا يُطاق، أو أمسيات تشرين الخبازية التي لا تُنسى، لأجل أن نعرف فقط كيف مات الجدّ، كجدجد صغير بينما يتسلّق نخلةً ليأتي بالقليل من المال والكثير من البلح والسعف كهبة يأخذها الصاعد من مُستأجِره.
الرواية الأكثر قبولًا التي ظلت القرية تلوكها حتى النزق الأخير لآخر إنسان فانٍ شهد المأساة بعينه، أنها كانت يوم أحد تقليدي في تشرين خريفيّ بشمس كثيفة وسماء مُنخفضة، وبينما كان الفقيد – حفظه الله في ملكوته القدسي – يهمّ بساطور التقطيع على إحدى سباطات البلح، انزلق حبل الصعود من خصره النحيف، وانفلَتَت قدماه الحافيتان الفطحاوتان من على “الكرانيفَة”، وسقط من دون أن يُتاح له الوقت لإطلاق صرخة الذعر الأخيرة. أما جدّتي فقد احتفظت بروايتها الخاصة التي ظلت راسخةً في بديهيتها الشعبية، وحاولت تلقينها إلينا بالتوارث، ومفادها أن الجدّ مات لأن إحدى جنّيات النخيل تمثّلت له على هيئة أفعى، ولدغته بين عينيه، فاختلّ توازنه وسقط ميتًا من دون أن يُتاح له الوقت لأخذ العظة من موته كمسلم.
الصاعد مات
“مسكين جدّي، لن يعود إلى صعود النخل ثانيةً”، هذا ما كنت أقوله لجدّتي عندما كانت تُنهي قصّتها المُعتادة التي أصبحت جزءًا من التراث الأسري بزفرة طويلة وأنّة يائسة “واه، هو مات وسابني”.
كل ما أعرفه عن مهنة صاعد النخل تلقّيته من فم جدّتي المزموم بألف عقدة، والتي ما عادت تأكل البلح بعد أن سيطرت على عقلها تلك الفكرة الشيطانية: “عصارة البلح ما هي إلا دم زوجها، ولحمها هي لحمُه، ونواته إنما عظامه التي تهشّمت في فرقعة مُختلّة عندما سقط من دون شهود”، والباقي تحصلت عليه عن طريق دراسة ميدانية عندما كنت طالبًا بكلية الآداب قسم الفلسفة، وطَلَبَ منّا أستاذ علم الاجتماع السكّاني إجراء بحث إبستمولوجي عن بعض المهن القديمة أو المُنقرضة أو التي على وشك الانقراض.
ما إن كتبت خمس وريقات عن مهنة صناعة الفخار حتى مزّقتُهم إلى نُتَف على منفضة السجائر، والتفت بظهري أربع درجات إلى الوراء لأستقرّ على مهنة “صاعد النخل” كمهنة على وشك الاندثار، برغم ما تحمله من بساطة وخطورة معًا. حينها أدركت أن جدّي لم يكن آخر ضحايا تلك المهنة، ولم يكن أوّلهم، وأن حزن جدّتي لا يُقارن بحزن جدّات أخريات بكين لأن أزواجهنّ بُتِرن عن طريق الخطأ، وفي ضربة كَمَقذوف رمح، كُسِفَت أيديهم، أو فُقِئَت إحدى شوكات الجريد أعينهم، أو انزلقت أخصارهم من حبل السلامة الذي يصعدون به، وبقوا مُعلّقين في الهواء لبرهة غير قادرين على لمس الأرض أو النظر للسماء، لم يموتوا ولكن ظلّوا قُعّاد الفراش لانزلاق غضروفي أو شلل نصفيّ.

حبل وتبلية وساطور
لكل مهنة أدواتها الخاصة التي لا يُمكن إنجاز مهامّها الفنية المُتعلّقة بها دون استخدامهما، فمهما بلغت الحرفة من بساطة، لا بدّ لأداة لها من أن تُعرّفها بالصفة إذا عجز الاسم عن ذلك، وفي مهنة صاعد النخل لا بدّ للصاعد من التّأكّد من سلامته الخاصة عن طريق اختبار مدى متانة الحبل الذي يصعد به إلى قمم النخل، وقياس سماكته حتى لا ينفلت من خصره، فعلى سبيل المثال، لا تصلح الحبال المصنوعة من نبات الحلف أو القنب لأنها هشة وسهلة الانفراط، ويُستعاض عنها بحبال شدّ السفن لمتانتها وقوّتها، ولأنها تُناسب خشونة التبلية التي تُعقد بها، وهي أشبه بمقعد بلاستيكي يجلس عليه الصاعد كي يأخذ الأريحية البيولوجية اللازمة فيما هو يقطع أو يُقلّم النخل. أما الشيء الأكثر أهميةً من العنصرين الأولّيين فهو ساطور التقطيع، فلا تصلح سواطير تقصيب الأبقار التي يستخدمها الجزارون في المسالخ، ولا السكاكين الطويلة، ولا حتى سكاكين برش السمك على الرغم من حدّتها، فالصاعد يلجأ إلى شراء أو صناعة ساطور خاص بطول سيف وحدّته، له رؤوس مُسنّنة ومُثلمة ونصل مُدبّب، ومقبض في العادة يكون خشبيًا ليعطي الأريحية في قبضة اليد، وفي بعض الأحيان يكون من الفولاذ.
جسد نحيف وقدمان حافيتان
كما لكل مهنة أدواتها الخاصة، فأيضًا شروطها الخاصة التي لم يفرضها القائمون على المهنة أنفسهم، إنما تفرضها المهنة نفسها، وفي صنعة صاعد النخل تشترط الحرفة أن يكون الصاعد نحيف الجسد، ممشوق القامة، معروق اليدين (كإشارة إلى النحافة)، وأن يكون وزنه أكثر بقليل من وزن التبلية التي يجلس عليها، وصلابته في متانة الحبل الذي يمتشقه حول خصره. تقول جدّتي إنها مهنة لا ترحم، فلا تقبل من الجسد إلا ما يُشبهها، ويُوافقها الرأي عمّ خلف الذي التقيت به منذ ثلاث سنوات، وقال لي: “الصاعد مش بيلبس خوذة ولا درع، وزاده وهو في العالي شجاعته وخفة يده، وكأن بينه وبين النخلة اللي طالعها عهد قديم”.
يُشترط على صاعد النخل أيضًا، أو كما يُوصف في دلتا مصر بـ”المُقلّم”، العمل بقدمين حافيتين كي لا يُعيق أيّ نوع من الأحذية توازنه أثناء صعوده على متن درجات النخلة “الكرانيف”، والتي عادةً ما تكون أشبه بالخبز المبلول بمُجرّد الضغط عليها بقدمين تحتذيان حذاءً أو صندلًا.
أفاع، وعقارب، وجنّيات
أحد أكثر الخرافات تماسكًا في دلتا مصر أن قمم النخيل المُثمِر يكون مسكونًا في العادة بالأفاعي والعقارب، وأن تلك الحيوانات السامّة ليست أقلّ من جنّيات ومسوخ شيطانية تحرس “سباطات” البلح، وتمنع الآخرين من جَنيّه حتى يتعفّن في أغصانه تمامًا، تمامًا كالرصد الذي يحرس المقابر القديمة ويحلّ بلعنته على سارقيها.
وإذا لم يكن أحد قادرًا على اقتلاع تلك الفكرة من مُخيّلة جدّتي حتى نفسها الأخير في الحياة، بأن زوجها سقط من أعلى النخلة لأن إحدى الجنّيات اللواتي مُسّخن أفعى نخيل قد لدغته بين عينيه بينما كان يهمّ بساطوره على إحدى سباطات البلح، فإن عمّ “خلف” يُؤمن هو الآخر بأن تلك الكائنات المؤذية ما هي في نهاية المطاف سوى حيوانات ما ورائية قادمة من العالم السفلي لتحرس النخيل المُثمِر. “من أخطر ما نواجهه في تلك المهنة هي الثعابين والعقارب التي تتواجد بين ثنايا جريد وسعف أشجار النخيل، والتي كما يروي لنا أجدادنا مُجرّد جنّيات وعفاريت”، يقول عمّ خلف، ثم يتحدّث معي عن الإجراءات الواجب عملها إذا ما رؤيت مثل هذه الكائنات: “بنُسلّم أمرنا لله، وبنكتفي بإبعادهم بعيدًا عن مكان التقطيع لحد ما الطالع يخلّص شغله وينزل”.
وبسؤاله عمّا إذا كان هناك هجمات من تلك الحيوانات تسبّبت في موت أو جرح بعض زملائه في الحرفة، أجاب: “كتير، وأنا واحد منهم”، ثم يشمرّ كُمّه حتى مرفقه كاشفًا عن ذراعين أشبه بجناح طائر طرسوح بحريّ ليريني ندبةً أشبه بنجمة تائهة في سماء مُعكّرة بالغيوم: “بصّ دي… لدغة حيّة، والحمد لله ربنا ستر، وكنت هخسر دراعي اليمين”.
قليل من المال، كثير من الشجاعة
إذا كانت الصحافة هي مهنة البحث عن المتاعب، فإن صنعة صاعد النخل هي حرفة البحث عن الموت أو العجز في أضيق الأحوال، أن تمتطي السماء على جواد الواقع مُعلّقًا من خصرك بحبل لا تعرف متى سيلين ويرتخي ليأخذك أنت وما تحمل إلى الأسفل، حيث النور مُمزّقًا والعالم مُجتزًّا كما في عشية الخلق، ولكن هل يستحق أجر تلك المهنة كلّ ذلك العناء لأجلها؟ تُجيب جدّتي – حفظها الله في ملكوتها القدسي – أنها لا شيء في العالم، ولو تبر الذهب، يستحقّ أرملتها قبل أن تُكمل الخمسين، بينما يقول عمّ خلف: “بناخد على النخلة الواحدة خمسمائة جنيه وشوية بلح وجريد في موسم البلح، أما في موسم التقليم بناخد ثلاثمائة جنيه بس”.
في النهاية، بقيت النخلة التي سقط من فوقها جدّي شامخةً محميةً من آفات الزمن وعادات الطيور، غير عابئة بمن سقط من فوقها. ماتت جدّتي بعد سنوات من موت زوجها، ولكن ظلّ ظلها يطوف حول كل أشجار النخيل، يهمس لنا في الحرّ، وفي الغروب، وفي طعم البلح الذي لم يعد كما كان. أما أنا، فكلّما رأيت نخلةً في أيّ مكان نظرت لأعلاها وسألت نفسي: هل كان حقًا هناك جنيّ؟ أم أن الموت فقط كان ينتظر فُرصةً ليمدّ يده ويخطف واحدًا من آخر الصاعدين، تاركًا جدّتي تستوي على نار هادئة في مرق الذكرى وحساء موت مُعلن؟

