أحمد الفخراني   By • 20 APRIL 2026

بين رجل مؤمن وشيخ نصاب وطفل لا يتكلم، يلتقي الثلاثة بمفارقة قدرية هزلية، وبينما يحاول كل منهم أن يحصل على ما يريد، ينتهي اللقاء نهاية غير متوقعة.

1
في منتصف شهر قائظ من العام 1976، في مساكن السكة الحديد بكرموز بالإسكندرية التي لا يُعبر إليها إلا بمعديات متهالكة اشتهرت باسم معديات الموت، تفصل سكانها عن المدينة، وتحملهم بين ضفتي الحياة والموت، كأقدار سائرة بغير هدى، محكومة بالستر والصدفة، أنجب رمضان أبو قفة وهو ناظر محطة قطار، طفله السابع، وحشره مع إخوته، في منزل ضيق من غرفتين، ضمن مصفوفة من بيوت متشابهة نسجت على عجل من الطوب الأحمر العاري والغبار، بسقف مرتجل من الجريد والخشب وصفائح معدنية تدرأ بها الأمطار.
سمَّى رمضان طفله «الحسيني»، لأنه كان من محبي سيدنا الحسين، ويزوره مرة أو مرتين في العام، ولأنه كان بالفعل لديه ولد آخر يدعى حسين، فنسب مولوده الجديد إلى المشهد الحسيني نفسه الذي طالما شعر بالوجد في حضرته وبنسيم أيام خوالي عندما كان عنفوان شبابه لا يمنعه من الرقة.
هكذا اعتاد تسمية أبنائه على أسماء آل البيت وأولياء الله الصالحين، وابنه البكري سمي «مرسي»، نسبة إلى المرسي أبو العباس، ولديه أيضًا زين العابدين، ورقية وسكينة، لكن ظل الحسين من بين آل البيت هو من يحظى بالمكانة الكبرى في قلبه. كان الوحيد بين أبنائه الذي لم يختر له اسمًا من أسماء آل البيت، إذ جُنّ عقله ذات مرة، فسمَّاه حجاج مجاملةً لمديره في العمل وطمعًا في ترقية نالها بالفعل. لكن البحر ابتلع الصغير وهو في السابعة من عمره، وكان أحب أبناءه إلى قلبه، دون أن يدرك وقتها أن الاسم قد يُحيل أيضًا إلى الحجاج بن يوسف الثقفي، عدو آل البيت، فلم يعد لمثلها.
على أي حال لم يفرح رمضان كثيرًا بمولد الحسيني، كان قد أنهك من أورطة العيال التي أنجبها، وقصمت ظهره المصاريف، واضطر إلى العمل في وردية ثانية كمشرف نظافة في شركة مقاولات، وقد مارس مهنته بالروح نفسها التي يعمل بها كناظر محطة، بعدم الاكتراث واللامبالاة نفسها، والاعتماد على أن القطارات في النهاية لها قضيبان ومسار، ولم يعد بإمكان قدراته التنظيمية وأمله ونشاطه الذي عرف به في زهرة شبابه، أن تمنع أي شيء عن الاصطدام والتعثر في الهاوية، بعد أن أدرك أن الهاوية أكبر منه ومن قدراته، وأنها ضاربة بجذورها الفاسدة في أرض سابقة لهذا الوجود وتالية له. لا يتذكر متى تسلل اليأس إلى قلبه أو متى اكتسب تلك القدرة على ادعاء أنه يؤدي عمله بالانتباه اللازم، بطريقة مقنعة لمن حوله، فيتهرب من كل مسؤولية حقيقية.
لم يكن هناك ما يلفت النظر في الحسيني، سينمو كما ينمو أشقاؤه، كزهرة برية في صحراء، سيشكلها الزمن والفقر وأعاصير الصدفة، ولأنه يملك أولادًا بلا عدد، أضيف إليهم بعد ثلاثة أعوام فقط من إنجابه للحسين بنتين، فصاروا تسعة إخوة، إذا لم نحتسب حجاج الذي ابتلعه البحر، لم يملك الوقت الكافي للانتباه إلى الحسيني، حتى بلغ ست سنوات، وانتبهت زوجته أن الولد قد تأخر في الكلام عن أقرانه، وأنها تشك في أنه متأخر عقليًا، خصوصًا مع جلوسه لساعات طويلة، في خرس متأمل، وساكن بعينين مفتوحتين على اتساعهما، تحدقان في كل شيء، من دون أن يبدو أنهما يريان شيئًا حقًا، مع بطء في الفهم، يمكن لأم لا تفك الخط تمييزه.
كان رمضان، قد قرأ قبل عامين معلومة في الصحف عن خطورة زواج الأقارب، وقد تزوج ابنة خالته، وجاء بها من كفر الشيخ، حيث نشأ قبل أن يهاجر مع أب فواعلي جاء الدنيا عاريًا، وخرج منها عاريًا، رغم أن زملاء له صاروا أصحاب عقارات ومحلات، وضعوا، كدأب الفلاحين والصعايدة في المدن الكبرى، القرش على القرش، وحرموا أنفسهم من ملذات الدنيا، حتى يصيروا من كباراتها، لكن والد رمضان لم يكن ذكيًا بما يكفي ليفعل ذلك، فقد انجر في سكة الكيف، إلى هاوية كقطار حاد عن مساره، ومات في حمام عمومي، بجرعة زائدة من المخدر.
لم يأخذ رمضان المعلومة عن زواج الأقارب حينها على محمل الجد، وعدها ضربًا من خرافات كثيرة يروجها الصحف والتليفزيون والراديو على ألسنة ناس يبدو عليهم أنهم أهل للثقة والمعرفة، لكنه كان قد اختبر منذ صغره كلامهم، واتبعه وخذلوه أكثر من مرة، فآمن أنهم محض دجالين يرتدون بذلات أنيقة، ويثرثرون بالأوهام، كما أن السيف سبق العزل، وقد أنجب بالفعل سبعة أبناء، صاروا تسعة، لم تظهر عليهم علامات الخرق أو الإعاقة، باستثناء الحسيني، وهو ما يعني أنه قد أبلى بلاء حسنًا، وأن سبعة قطارات من أصل تسعة، وصلت سالمة إلى الحياة، أما الهاوية فهي دائمًا خارج سلطاته. ما يوجع قلبه حقًا ليس خطأ زواجه بابنة خالته، بل انغلاق بصيرته عندما سمى ابنه «حجاج» فأغضب حبيبه.
قال رمضان لزوجته: «سيتكلم، مسألة وقت»، ولم يصدق ما قاله.
قالت له زوجته إنها تخشى أن يتكرر مع طفلها ما رأته قديمًا بأم عينيها في طفولتها، مع قريبة لهم، تأخرت في الكلام حتى بلغت سن التاسعة، وظن الجميع أنها خرساء، قبل أن تكتشف الأسرة أن لسانها مربوط بفعل سحر زوجة الأب الثانية، ولم يفك السحر سوى أحد الشيوخ المبروكين، ثم أضافت:
«ما رأيك أن تأخذ الولد للشيخ سفروت؟».
ضربها رمضان علقة ساخنة، لأنها تغضب الله، وتؤمن بالدجالين، وقطاراته التي ضلت مساراتها، وتسير بعزم تجاه الهاوية لا ينقصها شغل العفرتة والنجاسة.
أهمل الأمر لعام، آخر، ثم اضطره زن الزوجة إلى أن يلف به على الأطباء، لكنهم دوخوه السبع دوخات، ونحلوا وبره بكلامهم الذي يشبه الدجالين على التلفاز، لم يعرف أحد منهم سبب علته، لكنهم عرفوا كيف يحلبون منه المال الذي لم يملك منه ما يكفي. فقرر أن يدور بالحسيني على مزارات آل البيت وأولياء الله، بعد أن اشترى له كسوة جميلة تليق بالمضيفين الكرام. بدأ من المرسي أبو العباس في الإسكندرية، ثم استغل زيارته السنوية إلى القاهرة، وطاف به مقامات آل البيت هناك، وادخر مقام الحسين في النهاية، ليس فقط لعظم مقامه في قلبه، لكن لأنه كان يستشعر أن ذنبه لم يُغفر بعد، شيء ظل يتعاظم في قلبه يومًا تلو آخر، ويتأكد له وهو يطوف من مسجد إلى مسجد، لكنه تيقن عندما بلغ مقام الحسين نفسه أنه ما زال غاضبًا منه، وأنه مطرود من اللحظة الأولى، فكان كلما توضأ ليصلي ركعتين ثم يدعو عند الضريح، انطلق منه ضراط غادر، يضطره إلى العودة إلى الميضة للتوضأ من جديد، تكرر الأمر تسع مرات، في المرة العاشرة، توجه إلى ضريح الحسين مباشرة، وفي يده الحسيني، قائلًا بغضب لم يعرف أنه داخله:
«العيل ده ذنبه في رقبتك… ما كنتش غلطة يا سيدي وخدت بيها روح حجاج.. ما قدرتش على الحمار يعني بتتشطر على البردعة».
تلقى قفًا مهينًا من مجذوب يرتدي عمامة خضراء وخرقة متهلهلة، وتفوح منه رائحة قذرة، قائلًا:
«تأدب مع سيدك».
لم يشعر رمضان بنفسه وإلا وهو يطبق في زمارة المجذوب أمام الضريح، وينهال عليه بلكمة تلو أخرى، فالتفت المتجمعون حول الضريح، وأنقذوا المجذوب من بين يديه، وأمسكوا في خناقه، فيما انطلق الحسيني في البكاء، طُرد رمضان مع ولده من الجامع، مصحوبًا باللعنات والبونيات والشلاليت، وقد تمزق قميصه وجاكتته، بينما تعالى الغضب داخله، وتحول إلى رغبة عبيطة بالانتقام.
قبل أن يعود معه بالقطار، كان قد اتخذ قراره، إن كانت السماء قد قررت أن تعامله عبر ممثلها الأهم في قلبه بتلك الطريقة. فسيأخذ الحسيني إلى الشيخ سفروت، الشيخ المخاوي الذي يعرف لغة الشياطين.
لم تعد مسألة شفاء الولد تهمه، قدر رد اعتباره والانتقام لنفسه ولحجاج من سيدنا الحسين، رغم أنه أقنع نفسه أن الولد قد يكون لسانه مربوطًا بسبب السحر، وشك في شقيقته التي تسكن كفر الشيخ مع زوجها، سمحة، وهو اسم على غير مسمى، فهي ذات وجه أصفر وقلب أسود ولم يرزقها الله بأطفال، بينما رزقه الله بتسعة في عين العدو وعينها التي تقطر حقدًا، تجيء كل عام في زيارات مسممة، لتصيف مجانًا مع زوجها ضابط المخلة الذي رُفد من الجيش لإدمانه الخمر.
أخذ رمضان ولده الحسيني إسماعيل من يده إلى الشيخ سفروت، ولم يلبسه الكسوة الجديدة، بل تي شيرت قديم، مبقع، فهو يعرف على الأقل أن الجن والشياطين ليسوا متطلبين. عبر به طرقًا متعرجة ملتوية، كأفاع ناعمة، موحلة دائمًا من أثر طرنشات الصرف، حتى لاح من بعيد بيت الشيخ سفروت، ككتلة داكنة من الطوب، في نهاية زقاق كأنها امتداد طبيعي للعتمة، نوافذه فجوات ضيقة كعيون نصف مغمضة، وبابه خشبي مائل، مطلي بأسود متقشر، كأنه لم يُفتح إلا ليبتلع الداخلين إليه، دون أن يعيدهم كما كانوا، وهو اختيار غير مقصود من الشيخ سفروت، لكنه ساهم في تعظيم أثره.

2
لم يُولد الشيخ سفروت شيخًا ولا سفروتًا، بل كان يُدعى صبري أبو غزالة، والتصق به لقب السفروت، لنحوله وقصر قامته من ناحية ولأن أسنانه كانت بارزة قليلًا إلى الأمام، طويلة وضيقة، تفصل بين قاطعيه فجوة صغيرة، تمامًا كأسنان الأرانب، مهيأة للقضم أكثر من الحديث، وقد ارتبط به الاسم بعد عرض مسرحية شاهد ما شفش حاجة في التليفزيون للمرة الأولى، والتي كان يؤدي فيها عادل إمام شخصية أرنب له الاسم نفسه.
قبل أن يصبح الشيخ سفروت، كان صبري يدعى بلقب لا يقل احترامًا: الدكتور سفروت، أي أن الأب لم يخطئ في شيء، فقد اختار اثنين في واحد، رجلًا يجمع بين العلم والإيمان، كما أشاعت دولة السادات المباركة عن نفسها، لكن كما لم يكن شيخًا حقيقيًا، فهو أيضًا لم يكن دكتورًا ولا يحزنون، بل مساعد صيدلي، عمل لعشرين عامًا، منذ أن كان صبيًا في السابعة عشر من عمره، في أجزاخانة كئيبة تدعى النيل السعيد، حظت بشهرة محلية على مستوى الإسكندرية في بيع الأدوية المخدرة المصنفة كجدول وممنوع بيعها إلا بروشتة مختومة من طبيب، ثم تجاوزتها إلى عدد من المحافظات المجاورة، وبلغت سمعتها العطرة القاهرة الكبرى، فكانت قبلة المدمنين والضرِّيبة في منطقة الساعة من جهات مصر الأربع، حتى إنها كانت نجمة تحقيقات صحفية عن ذلك النوع «المشبوه» و«معدوم الضمير» من الصيدليات التي «تدمر شبابنا» بل وذكرت بالاسم صاحبها بالأحرف الأولى م. ع. نسبة إلى مجدي عنبة، وهو رجل عجوز يشبه ستيريوتايب اليهود كما قدمتها السينما والمسلسلات المصرية، بخيل ومدكوك تنزلق نظارته إلى منتصف أنفه الأخنف، لطفه ودقته لا يعني أنه ليس رجلًا لئيمًا وابن وسخة.
أغلقت صيدلية دكتور عنبة عدة مرات، وغُرِّم صاحبها مبالغ طائلة، وكاد أن يُسجن، لكن بمعجزة لا تحدث إلا لأولاد الوسخة، تمكن مجدي عنبة من تسوية أموره، بفضل عدد من زبائنه من ذوي النفوذ، والذين لم يكونوا كلهم من طبقة الضريبة والمدمنين الفقراء، فقد عُرف أيضًا بمساعدته لعائلات كبرى بتمرير أدوية تسهل الإجهاض، فضلًا عن علاقاته بالعالم السفلي للعيادات السرية لأطباء فقدوا رخصهم المهنية، فخلصهم من فضائح في مهدها، كما كان مستشارًا فذًا فيما يخص الحياة الجنسية، يجمع في ذلك بين مهارته في إعداد التراكيب الصيدلانية، وبين معرفته بأسرار الوصفات الشعبية التي ورثها عن والده الذي كان عطارًا، كما أبحر بعمق في الكتب التراثية، مرورًا برجوع الشيخ إلى صباه، وصولًا إلى مخطوطات نادرة، تمكن من الحصول عليها بأسعار بخسة، ولم تزعجه إشاعة أنه يلجأ إلى السحر الأسود، وأنه اقترب من الوصول إلى طريقة تحول المعادن الخسيسة إلى ذهب، بل ربما ساهم في ترويج شائعات كتلك، والتي لم تضاعف فقط من نفوذه، بل من شعبيته أيضًا.
اعتاد دكتور عنبة أن يجمع وصفاته وتركيباته في أجندتين اصفرت أوراقهما بفعل الزمن، يحفظهما في خزانة قديمة بأرقام لا يعرفها إلا هو والشيطان، وكانت تلك الأرقام هي آخر ما همس به عند وفاته في سن الثمانين، في أذن ابنه دكتور مجدي مجدي عنبة، الذي كان يفوق والده طولًا مرتين، ويملك عينين زرقاوين وتقاطيع جميلة، لا تشبه مجدي الأب في شيء، هو ما يعطي انطباعًا لسيئي النية من أمثالي، كراوٍ عليمٍ وهمازٍ مشاءٍ بنميم، بأن سبب تسمية الابن باسم أبيه ليس بخلًا في التفكير فحسب، بل توكيدٌ يدحض شبهات الشك والنفي.
بالنسبة للأب، كان توريث الرقم السري للخزانة التي تحوي الأجندتين الصفراوين أهم وأخطر من توريث الأموال والعقارات، ليس لأنه أهم بالفعل، بل لأن الدكتور مجدي عنبة كان قد خسر كل ما جمعه في حياته، بدأب نملةٍ وشره فيل، على يد فتاةٍ في عمر أحفاده عملت معه في الصيدلية في سنواته الأخيرة، وتزوجها عرفيًا. لم يفلح لؤمه، الذي نخره الوهن، في مقاومة غوايتها الفتية، ولا نجحت وصفاته الشعبية وأدوية الجدول في إحياء العظام وهي رميم. في النهاية، هربت الفتاة، وكانت تُدعى عواطف، مع موظف في كلية التجارة بجامعة الإسكندرية بعد أن أقنعته بالدخول بكل ما يملك في صفقة دواجن فاسدة، وكان عشيقها هو الوسيط بينه وبين حيتان الصفقة. أغوى الطمعُ عنبة، وهو على أعتاب الموت، بأن يصبح واحدًا منهم، قبل أن يكتشف، بعد فوات الأوان، أن عواطف وعشيقها قد هربا بشقى عمره، دون أن يُعثر لأيٍّ منهما على أثر.
كان صبري أبو غزالة هو الذراع اليمنى واليسرى للأب، وحافظ أسراره كلها عدا الرقم السري للخزانة، لا لأمانته بل لأنه لا يقل عنه وساخة، لكن بسقف طموحٍ أقل. كان يرضى بالفتات، ويكتفي ببيع بعض الأدوية الممنوعة لحسابه الخاص، ويُهدي أمناء الشرطة والموظفين الحكوميين المقويات الجنسية والأدوية المخدرة. هكذا أمّن مكانته وشعبيته في مساكن السكة الحديد، فمنع عشرات قرارات الإزالة، وبنى بفضل وساطته عشرات الطوابق المخالفة، وأدخل الكهرباء والمياه النظيفة إلى بيوتٍ بعينها في المنطقة التي لا تعتبرها شركات المياه والكهرباء موجودة على الخريطة إلا زورًا وسرقة. بل بدأ مشروعًا لإدخال الصرف الصحي، توقف فجأة لأسبابٍ قَدَرية. حتى إنه فكّر، في لحظة من جنون العظمة، أن يرشح نفسه لعضوية المجلس المحلي، لولا أنه تذكّر أن أهل العزبة، رغم كل خدماته، ما زالوا يلقّبونه بـ«سفروت»، وأن أولاد الكلب لا يستحقون أكثر من ذلك، أمّا هو فليكن سفروتًا وليظل كذلك.
حدث التحول بعد وفاة مجدي عنبة، حين ورث ابنه «مجدي مجدي عنبة» الأجزخانة، وقد اتخذ من حياة أبيه عظةً وعِبرة؛ إذ انتهى شرهُ الأب في جمع المال بأي وسيلة إلى حياةٍ تصلح حبكتها لفيلمٍ رديء. خاصة بعد أن لافت جماعة سلفية حول الابن وأرعبته من عذاب القبر وسوء المنقلب، فأطلق لحيته، وقصّر بنطاله، وداوم على الصلاة معهم في المسجد، وحضور دروسهم عن دقائق الحياة الخالية من البدع، وأقسم ألا يدخل جيبه قرشٌ حرام، وأن يُحوّل الأجزخانة من قِبلة للمدمنين إلى مكان حسن السمعة. وفي نوبةِ وَجدٍ إيمانية، لم يكتفِ بمنع بيع الأدوية المخدرة فقط، بل حرّم على نفسه حتى بيع فرش الأسنان، واستبدل بها المسواك.
استمر مجدي مجدي في سيرته الحسنة، وقاوم إغراءات عديدة، بل وتهديدات المدمنين بتحطيم الصيدلية، وحرق لحيته، والعبث بمؤخرته. لكن تلك التهديدات انتهت بمعركة شرسة خاضتها الجماعة السلفية دفاعًا عنه، وكان أعضاؤها يتمتعون ببنية جسدية قوية بسبب مواظبتهم اليومية على التمارين الرياضية في منزل كان أشبه بجيم، قبل انتشار صالات الجيم في مصر، وقد سمّوا منزلهم «دار الأرقم بن أبي الأرقم». انتهت تلك المعركة الفاصلة بانتصارٍ مذهل وسط صيحات التكبير واصطكاك الجنازير، وسُميت لاحقًا «غزوة عنبة».
ظل مجدي مجدي متمسكًا بالحلال، قابضًا عليه كالجمر، حتى اغتيل الرئيس السادات. ورغم أن هذه الجماعة لم تكن متورطةً في حادث الاغتيال من قريب أو بعيد، فإن تكبيراتهم الصاخبة في منتصف ميدان الساعة لفتت أنظار السلطات، فاعتُقل أفراد الجماعة ومعهم الدكتور مجدي. لكن أُفرج عنه سريعًا بعد أن تبيّن أنه مجرد رجلٍ أخرق، وساعدته سمعة أبيه الضاربة في السوء لأول مرة في أشد لحظات حياته حلكةً. وبمجرد خروجه من المعتقل، حلق لحيته، وارتدى قمصانًا مشجّرة، وعاد إلى بيع فرش الأسنان والأقراص المخدرة، كأن شيئًا لم يكن.
ما يهمنا أنه في فترة صلاحه القصيرة كان قد حذّر الذيول النجسة في الصيدلية من مواصلة العهد القديم والمدنّس لأبيه، مؤكدًا أن عهدًا جديدًا قد بدأ. وبعد ترددٍ في قطع الأرزاق، قرّر رفد صبري أبو غزالة، وطلب منه أن يُسلّم مفاتيح الأجزخانة فورًا، بعد أن ضبطه عدة مرات يبيع الأدوية المخدرة من وراء ظهره.
سفروت، الذي يحمل وجه وقلب أرنب، شعر أنه أهين بعد أفنى عمره في خدمة تلك العائلة الملعونة، وكان أكثر من أرنب، كان كلبًا مخلصًا لسيده، ولم يعترض، وهو يرى ذلك السيد يكنز من ورائه الأموال الحرام، ويرمي له الفتات ببخل ونتانة، ما أدراهم عن انتقام الأرانب والكلاب.
لذلك، فكر صبري بسرقة الإرث الحقيقي: الأجندتان الصفراوين. كان الأمر سهلًا بفضل علاقاته الواسعة مع بلطجية وهجّامة يسكنون مساكن السكة الحديد، وكانوا يدينون له بالفضل، إذ أمّن لهم على مدار سنوات كل ما يحتاجونه من الأدوية المخدرة. رسم صبري خطته، وقرّر تنفيذها بعد موعد إغلاق الأجزخانة، خاصةً أنه كان يحتفظ بنسخة احتياطية من مفاتيحها لم يسلّمها لصاحبها، بدافع حَدسٍ أعجبه في نفسه. ورغم أنه لم يتوقع أن تأتي ضربة الغدر بهذه الصراحة والصفاقة، فقد عزّى نفسه بأن ما حدث دليلٌ على أصله الطيب أو ربما الحماقة؛ فهما أحيانًا من عجينة واحدة. كانت أمه، كلما أرادت الدفاع عن نقاء جوهره، تصفه بأنه «أهبل»، وكان ذلك ثناءً كافيًا لتدمع له عينا صبري في بعض الأحيان.
نُفذت الخطة، وراقب صبري كل شيءٍ من بعيد. وبرشوةٍ بسيطة من الأدوية نفسها التي لينت له عريكة الهجامة، غض المخبرون والصولات الطرف عن اقتحام المكان. لكن صبري فوجئ بأن مجدي مجدي عنبة، رغم تديّنه، كان يملك حدسًا قويًا يتوقع الغدر، فغيّر قفل الأجزخانة. لم يُفاجئ هذا الهجامة، الذين نجحوا في سرقة الخزانة والخروج بها تحت أعين الشرطة. لكن الطمعَ أثناهم عن تسليمها إلى سفروت، ظنًا منهم أنها تحوي كنزًا ثمينًا. وعندما تمكنوا من فتحها، أصابتهم الخيبة، إذ لم يجدوا فيها سوى أجندتين كُتبت فيهما طلاسم وأرقامٌ عزّزت لديهم الشائعات بأن الصيدلي العجوز يمارس السحر الأسود. ولأن كله إلا الحرام، اكتفوا بغنائم الأدوية المخدرة وكراتين من أدوية الكحة، وسلموا أبا غزالة كنزه الملعون، بعد أن قرأ عليه كبيرهم الآية التي تحرّم السحر في القرآن، أو شيئًا من معناها، لأنه لم يكن يحفظها، محذرًا إياه أن يتبع السكة البطالة.
آمل صبري أبو غزالة سرًا أن تكون الإشاعة صحيحة، لكنه اكتشف بعد أن فحص الأجندتين لشهرين متتابعين، أنهما بالفعل وصفات لتراكيب صيدلية، وأن لا علاقة لهما بالسحر أو وصفة تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب.
بعد أن تجاوز أبو غزالة إحباطه، اشترى بكل ما يملك أدوات معمل مماثل للمعمل في صيدلية عنبة، وحاول تقليد التركيبات المذكورة لعلاج المرضى. فلما اكتشف أنه لا يملك يدي الصيدلي العجوز الساحرتين، وذاب أمله أن يصير دكتورًا أفضل من الولد التافه لسيده الذي كرهه، منذ اللحظة الأولى التي دخل فيها إلى الصيدلية طفلًا مدللًا كولي عهد ينتظر ملكًا لم يتعب فيه، فقرر أن يتعلم السحر، غرق في قراءة كتاب شمس المعارف وغيره من كتب السحر والمخطوطات النادرة غير المعروفة للعامة كما فعل سيده، والتي وصل إليها بمخزونه الذي لا يخيب أثره من صيدلية عنبة.
كان مخلصًا بحق لما يفعل، رغم أنه لم يعرف عن نفسه الدأب تجاه شيء، إلا أن الإهانة واليأس ورغبتنا السوداء في الانتقام، تفعل الأعاجيب، حتى إن السفروت داخله، المرتعد والمرتعش وليس بإمكانه أن يتخذ قرارات مخيفة، لم يمانع أن يعقد صفقة مع الشيطان الأكبر ذاته، فذهب في تلك السكة البطالة بعيدًا، فقرأ القرآن مقلوبًا في الحمام، واستمر على نجاسته أربعين يومًا.
نجحت محاولاته بالفعل في استحضار خادم من الجن، لكن سفروت غُشيَ عليه، وسقط مكانه غارقًا في بول الرعب وخرائه، وحين استيقظ وجد نفسه محمومًا، وظلّ يرتعد لثلاثة أيام لم يقرب خلالها طعامًا أو شرابًا. ثم رأى في نوبة هذيانه نورًا أبيض وملاكًا يحذره: ما اقترفه لا غفران فيه عادة.. لكن لأن العالم بأكمله مقاصده غير مفهومة.. فرسالته التي جاء بها أنه قد غفر له، وأنها فرصته الأخيرة للتوبة.
قبل أن يغادر الملاك، سمع صبري صوت أمه: «مش قلتلك، والنبي أهبل..» فرد الملاك: «هيكفرونا يا حاجة والله.. مش قد الشيطنة.. بيطلعوا دين أبونا ليه؟».
عندما أفاق صبري، اغتسل وصلى ركعتين بنية التوبة النصوح إلى الله، وعدل عن رغبته في أن يصير دكتورًا أو ساحرًا أو أيًا من تلك المهن البطالة، وعاهد الله أن يكون من اليوم وصاعدًا دجالًا فقط، فكل ميسر لما خلق وهو ما أحبط الجني الذي انتظر أبو غزالة لثلاثة أيام ليصير خادمه، فعاد من حيث أتى وهو يضرب كفًا بكف من الأحوال العجيبة لبني الإنسان، وفكر كم هو محظوظ؛ لأنه خلق من بني الجن، وأدرك الإيمان قلبه، وكان من الجن الكافر، فأسلم وحج بيت الله، وسمى نفسه «الشيخ صبري»، تيمنًا بالرجل الذي ساهمت بلاهته وجبنه في هدايته، ثم عاد إلى قبيلته التي تسكن حمامًا مهجورًا لبيت مراب مات محروقًا في شارع الهرم بالقاهرة، وفتح أول محل للهريسة كمهنة يتقى بها الشبهات كدأب الجماعات السلفية.
رغم صدق نيته أحيانًا في معالجة الناس، فإنه على مدى سنوات لم ينجح إلا في استنزافهم بحُجج غضب الأسياد وطلباتهم التي لا تنتهي بعد موجة الانفتاح التي لم تترك إنسًا ولا جانًا على حاله. لم يستطع أن يصنع مالًا حقيقيًا، ولا نجح في بناء سمعة باهرة كالتي حظيت بها صيدلية مجدي عنبة، التي بلغت شهرتها الآفاق، لا كمعالج ولا حتى كدجال. ظل زوّاره محدودي العدد والدخل، من فقراء مساكن السكة الحديد وبعض المناطق. وكان دائمًا ما يفسّر محدودية نجاحه بأن توبته النصوح لم تقبل بعد ظل ذلك الشعور كامنًا في زاوية مخفية بعقله، تؤلمه حينًا، ويتجاهل نغزتها السخيفة أحيانًا.

3
عندما وقف الحسيني أمام الشيخ سفروت، وعلى عكس والده رمضان، لم يشعر بالرهبة، بل الفضول، حدق إلى كل شيء وتشربه، بنظرة شبه ميتة، أخافت الشيخ سفروت نفسه لولا أن أتقن عمله كدجال عن حق، فنطق وجهه بما يشبه الرصانة، ولسانه بكل ما بدا من الخارج حكمة، وهي لا تخفي إلا كلامًا فارغًا.
أمام تلك الرصانة، أطلق الطفل ضحكة، أرعبت والده من غضب الشيخ والأسياد، رغم معرفته أنه أمام دجال، وأنه هنا لينتقم فقط، فتلك الهيئة ذكرت الطفل بأفلام الكارتون التي شاهدها في التليفزيون عند الجارة أم محاسن، التي يشارك طفلتها محاسن التي تكبره بعام ونصف اللعب، فقد جمع الشيخ سفروت بين كل ما تمناه في حياته، وظن أنه حسن، في خليط عجيب متنافر، فارتدى بالطو أبيض يخص مجدي عنبة فوق الجلباب وعمامة صوفية سوداء مزركشة، وأطلق لحية طويلة مصبوغة بالحناء، وعلق في عنقه سلاسل بحبات ضخمة ملونة، وارتدى خواتم مهيبة، لكن زائفة، منقوش عليها زورًا وبهتانًا ما ادعى أنه عهود من الملك سليمان، تلقاها عنه شخصيًا، لكن من خلف حجاب، حفاظًا على الملك سليمان نفسه، من قبس نور الشيخ الذي عبر بحورًا وقف الأنبياء بسواحلها، مقرفصًا أمام طاولة عليها نقوش بلغة مطلسمة، وضع عليها طاسة ينطلق منها مزيج من بخور الجاوي واللبان الدكر، وبجوارها جهاز قياس ضغط كان ضمن الغنائم التي فاوض عليها العصابة التي سطت على أجزخانة عنبة، واضطر أن يدفع مقابلها عشرة جنيهات كاملة.
ضحك الحسيني البرئ، لم يستمر، إذ سرعان ما بكى ما إن دخلت امرأة ذات قبح خرافي ينتمي إلى ممالك الشياطين السفلية، وهي تحمل قدح الينسون، وتسب أطيافًا غائمة لا يراها سواها بأفحش الألفاظ، وكانت تلك المرأة هي زوجة الشيخ سفروت، يحمد البعض الله العلي العظيم، أنه لم يرزق منها بذرية، وتدعى نعمة الله، وهي امرأة من خارج المساكن، لا يعرف لها أحدًا أصلًا من فصل، وتشبه الساحرات الشمطاوات في حواديت الجنيات، لم يكن ينقصها إلا مقشة للطيران وزعبوط، بشعر مهووش نصفه أسود كالكحل ونصفه الآخر مضاء بالمشيب، وفم فارغ إلا من سنة واحدة ضخمة، وأنف كبير به ثؤلول ضخم.
كانت نعمة الله امرأة بعقلها لطف، تتسول ببيع المناديل في الإشارات، اتخذها سفروت في بداية عهده بالمشيخة كخادمة وعشيقة، ثم بالتعود صارت ولفًا وونسًا، حتى صحا ذات يوم فلم يجد لها أثرًا، توجع قلبه واعتلت صحته، وعرف أنه قد أصيب بداء الحب، ولما كان دجالًا لا ساحرًا حقيقيًا، فلم يعرف كيف يرد عن نفسه هذا الداء العضال الذي أذل به الله أعناق الرجال، فغادر المساكن، وظل يلف في الإشارات كالمجنون لعشرة أيام كاملة، جاب فيها المدينة مرتين، وعندما عاد إلى بيته يائسًا محطمًا، حافي القدمين، عاري الرأس، ذاهلًا إلا عن صورة محبوبته، وجدها هناك مكومة، تفلي شعرها وتهرش مؤخرتها بمتعة، ركع أمامها كعاشق، وغفا في حضنها كطفل، وتركها لتفلي شعره، وهي أسمى آيات الحب، فلما انتهت تزوجها على سنة الله ورسوله.
أغلب أهل مساكن السكة الحديد، روجوا أنها أميرة بنت ملك كبير من ملوك الجان، وأن اسمها الأصلي كهرمان، عشقت الشيخ سفروت، وأن صورتها القبيحة ليست إلا صورة زائفة تظهر بها للإنس، أما صورتها الحقيقية، كآية من جمال خرافي، فلا تظهر بها إلا للشيخ سفروت وحده، لأنه يغار على حريمه، وخشي أن تكون فتنة لأهالي المساكن، فاشترط لقبول زواجه بها، أن تظهر للناس بهيئة قبيحة، وأن تدخر جمالها لزوجها، وكان ذلك مصدر حسد رجال المساكن، اللذين لا يتوافر لنسائهن العاديات والأرضيات، محدوادت القدرة، خيارًا كهذا.
ترك رمضان هبته في صندوق النذور، الذي يدعي سفروت أنه لا يقرب منه إلا ما يقيم أوده هو وزوجته، بينما يصرف أغلبه على الفقراء والمساكين من الإنس والجن، وكانت آخر ثلاثة جنيهات يملكها رمضان لنهاية الشهر، لكنه وضعها في الصندوق دون تردد أو ذرة أسى، ثم ربت على كتف الحسيني ليتجاوز رعبه من الجنية المسخوطة إلى زوجة إنسية، هامسًا في أذنه: «ما تخافش».
وضع الشيخ سفروت يده على رأس الطفل الباكي، ثم قرأ خليطًا من آيات قرآنية لا يحفظها بدقة، خالطًا إياها مع أسماء أدوية وكلمات شيطانية وطلاسم التصقت بذهنه من رحلته الخائبة لتعلم السحر الأسود مع كلمات من الصحيفة الرسمية، لكنه تعلم أن ينطقها كلها بسرعة رهيبة كأنها تدور داخل خلاط فواكه، فتخرج غامضة، ومهيبة، وترتعد أوصال يسمعها من التعساء وخائبي الرجا، المتعلقين بقشة المعجزات حتى لو كانت على يدي أرنب بائس كالشيخ سفروت.
بعد أن انتهى، شمر يد الطفل ليقيس له الضغط، وانتظر ما تخبره به السماعة، ثم قال هذا الولد.
هذا الولد لسانه مربوط، من قبل سبعة شياطين وسبعة ملائكة مارقين.
أغمض الشيخ سفروت عينيه، كأنه يستمع إلى وحي غامض، لخمس دقائق كاملة، قضاها رمضان في رعب وخشوع منتظرًا حكم الأسياد، وقد خدعته الأجواء، ولم يدرك أن الشيخ سفروت قد غفا مرهقًا، وأفاق لما حطت ذبابة حول فتحة أنفه هاتفًا في وجل: «حي.. التالت جي»، إذا كان يحلم بمباراة بين الأهلي والاتحاد، حيث سجل الجناح الطائر عادل البابلي نجم سيد البلد هدفه الثاني.
أمسك الشيخ سفروت رقبة الحسيني بقوة، ثم أخرج إبرة قرأ عليها خليطه العجيب من آيات الإيمان والكفر ورطانة الصحف وروشتات الأطباء، ثم خز بها حنجرة الطفل خزًا خفيفًا في سبعة أماكن متفرقة، فسالت قطرات من الدم، تعالى على إثرها بكاء الحسيني، تلاها بخار أسود عميق، له رائحة كريهة، كأنها فساء شياطين، ارتعد رمضان، لكن ليس بقدر سفروت الذي فزع كأرنب من أن دجله قد ينقلب إلى حقيقة، من دون أن يعلم أنها مساعدة لها طابع المزحة من صديق قديم، لم يتسن له الوقت كي يتعرف عليه بعمق، الحاج صبري الذي يبيع الهريسة لقبيلته في حمام مهجور لبيت كان ملكًا لمراب مات محروقًا على يد مديون غاضب.
بصوت متلعثم، حاول الشيخ سفروت أن يجمع شتات نفسه قبل أن يقول للأب: «يغمر لسبعة أيام عند الفجر في ماء عذب، ثم سبعة أيام في ماء مالح، وسبعة أخرى لا يقرب الماء أبدًا… ثم نرى. كله بأمره». ولم يقل ذلك من نفسه، بل أوحى إليه، ولم يعرف حينها أنه همس الجني المؤمن.

4
بعد أن خرج رمضان  من بيت الشيخ سفروت، ورغم أن شيئًا من العقل قد ارتد إليه، بإدراكه أنه شريك في مسرحية هزلية، إلا أنه إمعانًا في الانتقام والرغبة في السخرية من قاتل ولده، التزم بتعليمات الشيخ بحذافيرها، وفعلها بإخلاص مزيف، يشبه قناع الجدية الذي يرتديه في ورديته كناظر محطة وكمشرف نظافة، ولم يتراجع عندما أصيب الحسيني إسماعيل بحمى عنيفة، اجتاحت جسده كما لو كانت نارًا تشتعل من الداخل، تبعها نزلة رئوية جعلته يئن بين الهذيان والصمت، رغم ذلك، صرخ مخاطبًا الحسين: «أرأيت إلى أين وصلنا؟.. هكذا ستصير قاتل اثنين.. دمه ودم حجاج في رقبتك».
استمر في اتباع ما أُمر به، ثابتًا كمن يواجه قدرًا مكتوبًا متشبثًا بكل ما أوتي من عجز وغضب. وفي اليوم الثاني والعشرين، حدث ما لم يكن متوقعًا، نطق الحسيني أخيرًا. لم تكن همهمة، ولا محاولة متعثرة، بل جملة واضحة، قالها بثبات رجل اعتاد الكلام منذ زمن: «أنا جائع.. أريد أرزًا وقلقاسًا»، ثم ظل يتحدث بلا انقطاع لثلاث ساعات، حتى وهو يأكل الأرز والقلقاس، قبل أن ينام من التعب، ودون أن يملك أحد القدرة أو الرغبة على إيقافه، وسط دهشة رمضان الذي كاد ألا يصدق أذنيه، زغردت أم الحسيني حتى ارتجت جدران البيت، ثم أسرعت إلى دكر بط كانت تدخره للعيد الكبير. ذبحته بفرح غامر، وأعدت طاجن أرز معمر، وأرسلته على الفور إلى الشيخ سفروت وزوجته نعمة الله، جنية البحور، ست الحسن التي لا يليق حسنها بعالمنا القبيح.
عندما علم الشيخ سفروت بما حدث، لم يصدق أن الولد قد شفي فعلًا على يديه، وكان قد جهز ألاعيب وقصصًا طويلة عن الأسياد المتطلبين وصعوبة إرضائهم، ليستنزف ناظر المحطة لأشهر إضافية، لذا رفع بصره إلى أعلى بنظرة متشككة، ثم خفضها إلى دكر البط والطاجن، فترقرقت عيناه من الدمع، لا يصدق أن الله قد قبل توبته، حتى إنه جعل منه شيخًا حقيقيًا مبروكًا، قرر أن يصلي لله شكرًا، وأمر نعمة الله أن تأتيه بطست ماء ليتوضأ، لكن ما إن غسل يديه، حتى تسللت رائحة دكر البط الشهية، وطاجن المعمر إلى نخاشيش روحه، ورقصت عصافير بطنه، كانت رائحتهما شهية، ففضلًا عن نفس أم الحسيني المشهود له، فقد طهت ذلك الطعام بكل ما تملكه من حب، وبكل ما انفتح في روحها من طاقات الأمل، الأمل نفسه الذي أصاب الشيخ سفروت نفسه، أن معجزة ما قد تحدث في المساكن، على يديه البائستين اللتين لم يمسا شيئًا إلا وحلت عليه اللعنة والخراب وسوء الطالع.
أقنع نفسه أنه ليس من الأدب أن يصلي لله ببطن خاوية، وعقل لا يستطيع أن يفرغ نفسه لخالق كل شيء وهو مشغول بالمخلوق الذي اتخذ هيئة بطاية شهية، لذا التهم الطعام أولًا مع نعمة الله، فلما انتهى غرق في نوم عميق ولذيذ.
وجد نفسه في حمام مهجور لمراب، تحول بطرقعة أصبع من صاحب محل هريسة إلى قصر فسيح كقصور ألف ليلة ولية ملئ بالجواري الحسان، من كل صنف ولون، تمرغ بينهم في صنوف من اللذة، ثم سمع صوتًا يقول: «عد الجمايل.. كده خالصين».
عندما قام الشيخ سفروت من نومه، وقد خف أثر الطعام، ودون أن يعلم السبب، انشق صدره عن أنهار من بكاء، استمر لثلاثة أيام، من دون أن يقرب فيها طعامًا أو شرابًا، ومن دون أن يغمض له جفن، فلما انتهى، بدأ في ذكر الله، حقًا وصدقًا على نعمته، رفص المجمرة، وخلع عمامة المشيخة المزيفة والسلاسل الثقيلة، وترك كل شيء ورائه، ملبيًا نداءً غامضًا ليصير خادمًا عند سيدنا الحسين، يتقوت في اليوم ببضع تمرات وكسرة خبز، ولم يفارقه إلى يوم موته، أما نعمة الله، فقد عاشت في بيته مستورة إلى نهاية حياتها، تتعيش من عطايا محبي الشيخ سفروت، اللذين ضاعف غيابه من أثر كراماته، ويُقال إنها تظهر عارية بكامل حسنها الذي كانت تخبئه، تحت ضوء القمر عندما يستحيل بدرًا، تستحم بماء يصبه عليها خادماتها من جنيات جميلات، ولا يمكن لأحد الجزم بصحة تلك الرواية أو بطلانها، فكل من شهدوا الواقعة، تجمدوا في أماكنهم وذابوا كملح، عقابًا على اختلاس النظر.
أما رمضان فقد عاش ما تبقى من حياته، غاضبًا، ولم يعتذر للحسين قط، إلا أنه وقبل أن يموت بلحظات، رأى نفسه يقود قطارًا بسرعة رهيبة، ثم سقط في هاوية من نار، إلا أن يدا انتشلته من الهاوية، وابتسمت له، كان يد الشيخ سفروت نفسه، هاديًا إياه إلى طريق تحفه الملائكة إلى الجنة، سأله: «بأي حق؟».
قال سفروت: «بحق ما أهديتني في المسالك الغامضة للوصول إلى الله».
سأله رمضان: «وبم استحققت أنت؟».
قال سفروت: «بحق ستر نعمة الله».
تركه عند باب الجنة، ففتح له المجذوب الذي ضربه في المسجد لتطاوله على سيدنا الحسين، لكن تفوح منه تلك المرة رائحة الجنة وفي يده طفله حجاج، عرفه تلك المرة، قال له: «اغفر لي يا سيدي وحبيبي».
همس الحسين في أذنه: «عد الجمايل يا بأف..».
رد رمضان: «كده خالصين».

أحمد الفخراني

أحمد الفخراني أحمد الفخراني (مواليد الإسكندرية، 1981)، روائي وصحفي مصري، عمل في منصات مصرية منها «الشروق» و«المصري اليوم»، ويكتب بشكل دوري لعدة منصات عربية، كتب عددًا من حلقات برنامج «الدحيح» منها «أم كلثوم في باريس» و«ترامب»، فاز بجائزة ساويرس عن روايته «بياصة الشوام»، ووصلت روايته «بار ليالينا» للقائمة الطويلة لجائزة البوكر، ويشغل حاليًا منصب مدير تحرير برامج الديجيتال في «العربي تيوب».

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Fiction

قصة لأحمد الفخراني: الطرق الغامضة التي اتخذها الشيخ سفروت للوصول إلى الله

20 APRIL 2026 • By أحمد الفخراني
Fiction

قصة قصيرة لآية عبد الرحمن: قلة مندسة

13 APRIL 2026 • By آية عبد الرحمن
قصة قصيرة لآية عبد الرحمن: قلة مندسة
Fiction

قصة قصيرة ليوحنا وليم: لولا

30 MARCH 2026 • By يوحنا وليم
قصة قصيرة ليوحنا وليم: لولا
Fiction

قصة قصيرة لهبة خميس: يغلفني مثل معطف

23 MARCH 2026 • By هبة خميس
قصة قصيرة لهبة خميس: يغلفني مثل معطف
Fiction

قصة قصيرة لزينب خضور: الكلمات التي لا تغرق

9 MARCH 2026 • By زينب خضور
قصة قصيرة لزينب خضور: الكلمات التي لا تغرق
Fiction

قصة قصيرة لمنصورة عز الدين: ماريز

23 FEBRUARY 2026 • By منصورة عز الدين
Fiction

قصة قصيرة لمالك رابح: شيلَّاه

16 FEBRUARY 2026 • By مالك رابح
قصة قصيرة لمالك رابح: شيلَّاه
Arabic

قصة قصيرة لأحمد فؤاد الدين: المقبرة

26 JANUARY 2026 • By أحمد فؤاد الدين
قصة قصيرة لأحمد فؤاد الدين: المقبرة
Arabic

قصة قصيرة لسهيلة رمضان: لا مرئية

19 JANUARY 2026 • By سهيلة رمضان
قصة قصيرة لسهيلة رمضان: لا مرئية
Arabic

قصة قصيرة لابتسام عازم: قناص

12 JANUARY 2026 • By ابتسام عازم
قصة قصيرة لابتسام عازم: قناص
Arabic

قصة قصيرة لأحمد كامل: موعد على العشاء

22 DECEMBER 2025 • By أحمد كامل
قصة قصيرة لأحمد كامل: موعد على العشاء
Arabic

قصة قصيرة لبلال حسني: الأزهار المسكِرة

20 OCTOBER 2025 • By بلال حسني
قصة قصيرة لبلال حسني: الأزهار المسكِرة
Arabic

قصة قصيرة لأحمد جاد الكريم: وحيد على حافة الموت

13 OCTOBER 2025 • By أحمد جاد الكريم
قصة قصيرة لأحمد جاد الكريم: وحيد على حافة الموت
Arabic

قصة قصيرة لعلي المجنوني: جلسة علاج نفسي مجانية بمناسبة زيارة الرئيس

6 OCTOBER 2025 • By علي المجنوني
قصة قصيرة لعلي المجنوني: جلسة علاج نفسي مجانية بمناسبة زيارة الرئيس
Arabic

قصة قصيرة لمحمد عبد الجواد: هذه ليست قصة عن جورج وسوف

29 SEPTEMBER 2025 • By محمد عبد الجواد
قصة قصيرة لمحمد عبد الجواد: هذه ليست قصة عن جورج وسوف
Arabic

قصة قصيرة لحسين فوزي: باللمبة النيون قام

8 SEPTEMBER 2025 • By حسين فوزي
قصة قصيرة لحسين فوزي: باللمبة النيون قام
Literature

قصة قصيرة لمحمود سليمان: على الرغم من كونه بلطيًا…

25 AUGUST 2025 • By محمود سليمان
قصة قصيرة لمحمود سليمان: على الرغم من كونه بلطيًا…
Arabic

قصة قصيرة لمحمد النعاس: سن الحمامة الذهبية

25 AUGUST 2025 • By محمد النعاس
قصة قصيرة لمحمد النعاس: سن الحمامة الذهبية
Fiction

قصة قصيرة لبدار سالم: نونينال-2

18 AUGUST 2025 • By Badar Salem
قصة قصيرة لبدار سالم: نونينال-2
Arabic

قصة قصيرة لهدى الوليلي: قطارات فائتة

11 AUGUST 2025 • By هدى الوليلي
قصة قصيرة لهدى الوليلي: قطارات فائتة
Literature

قصة قصيرة لنسرين خليل: تسعة أرواح

4 AUGUST 2025 • By نسرين خليل
قصة قصيرة لنسرين خليل: تسعة أرواح
Literature

قصة قصيرة لآلاء عبد الوهاب: تلك العين البعيدة جدًا

28 JULY 2025 • By آلاء عبد الوهاب
قصة قصيرة لآلاء عبد الوهاب: تلك العين البعيدة جدًا
Arabic

قصة قصيرة لمروان عبد السلام: دمية الإله

28 JULY 2025 • By مروان عبد السلام
قصة قصيرة لمروان عبد السلام: دمية الإله
Arabic

قصة قصيرة لمحمد عبد الجواد: عمرو دياب لا يأكل ماكدونالدز

21 JULY 2025 • By محمد عبد الجواد
قصة قصيرة لمحمد عبد الجواد: عمرو دياب لا يأكل ماكدونالدز
Arabic

قصة قصيرة لهبة عبد العليم: قبيل النهاية بقليل

21 JULY 2025 • By هبة عبد العليم
قصة قصيرة لهبة عبد العليم: قبيل النهاية بقليل
Arabic

قصة قصيرة لسميرة عزام: أسباب جديدة

14 JULY 2025 • By سميرة عزام
قصة قصيرة لسميرة عزام: أسباب جديدة
Arabic

قصة قصيرة لأحمد الفخراني: كازانوفا بلا أجنحة

14 JULY 2025 • By أحمد الفخراني
قصة قصيرة لأحمد الفخراني: كازانوفا بلا أجنحة
Arabic

قصة قصيرة لمي المغربي: النوم أمام قهوة الجمهورية

30 JUNE 2025 • By مي المغربي
قصة قصيرة لمي المغربي: النوم أمام قهوة الجمهورية
Arabic

قصة قصيرة لإيمان اليوسف: القلب الزجاج، القلب الهواء

23 JUNE 2025 • By إيمان اليوسف
قصة قصيرة لإيمان اليوسف: القلب الزجاج، القلب الهواء
Arabic

قصة قصيرة لمحمد فطومي: الدور

16 JUNE 2025 • By محمد فطومي
قصة قصيرة لمحمد فطومي: الدور
Arabic

قصة قصيرة لإيمان عبد الرحيم: فصام

9 JUNE 2025 • By إيمان عبد الرحيم
قصة قصيرة لإيمان عبد الرحيم: فصام
Arabic

قصة قصيرة لإيمان اليوسف: تثغى

2 JUNE 2025 • By إيمان اليوسف
قصة قصيرة لإيمان اليوسف: تثغى
Arabic

قصة قصيرة لوجدي الكومي: نظر طلب لجوء سيد الفلك

2 JUNE 2025 • By وجدي الكومي
قصة قصيرة لوجدي الكومي: نظر طلب لجوء سيد الفلك
Arabic

قصة قصيرة لأحمد الفخراني: كغيمة مرت

12 MAY 2025 • By أحمد الفخراني
قصة قصيرة لأحمد الفخراني: كغيمة مرت
Arabic

قصة قصيرة لكريم عبد الخالق: كابوري يا روبي

12 MAY 2025 • By كريم عبد الخالق
قصة قصيرة لكريم عبد الخالق: كابوري يا روبي
Arabic

قصة قصيرة لفادي زغموت: اختياراتي مدمرة حياتي

17 MARCH 2025 • By فادي زغموت
قصة قصيرة لفادي زغموت: اختياراتي مدمرة حياتي
Arabic

ثلاث قصص قصيرة للكاتبة العمانية ليلى عبد الله

17 FEBRUARY 2025 • By ليلى عبد الله
ثلاث قصص قصيرة للكاتبة العمانية ليلى عبد الله
Arabic

تلويحة للسماء

10 FEBRUARY 2025 • By نهلة كرم
تلويحة للسماء
Arabic

ليل حيفا الطويل

10 FEBRUARY 2025 • By مجد كيال
ليل حيفا الطويل
Arabic

ممكن نتواصل مع حضرتك؟

20 JANUARY 2025 • By مي المغربي
ممكن نتواصل مع حضرتك؟
Arabic

حديد في الهواء

20 JANUARY 2025 • By علي المجنوني
حديد في الهواء
Arabic

قصة قصيرة لكارولين كامل: مرجانة

23 DECEMBER 2024 • By كارولين كامل
قصة قصيرة لكارولين كامل: مرجانة
Arabic

قصة قصيرة لضياء الجبيلي: الدمية ذات الوشاح الأرجواني

11 NOVEMBER 2024 • By ضياء الجبيلي
قصة قصيرة لضياء الجبيلي: الدمية ذات الوشاح الأرجواني
Arabic

قصة قصيرة لنورا ناجي: يقين

11 NOVEMBER 2024 • By نورا ناجي
قصة قصيرة لنورا ناجي: يقين
Arabic

قصة قصيرة لعبد الله ناصر: شارب فريدا كالو

11 NOVEMBER 2024 • By عبد الله ناصر
قصة قصيرة لعبد الله ناصر: شارب فريدا كالو
TMR Bil Arabi

قصة قصيرة لأحمد وائل: ولو في الصين

4 NOVEMBER 2024 • By أحمد وائل
قصة قصيرة لأحمد وائل: ولو في الصين

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

two × 2 =

Scroll to Top