ماذا قد يحدث عندما يربح مرشح الأقلية الانتخابات؟ تجيب آية عبد الرحمن عن هذا السؤال بقصة قصيرة رائعة، حيث لا تنتهي المفاجآت المخالفة لكل التوقعات.
استيقظت الأغلبية ذات صباح لتجد نفسها قد تحوَّلت إلى أقلية. بعد لحظاتٍ من انتخاب الزعيم الجديد، وحلفه اليمين الدستورية، استوعبت أغلبية الشعب النتيجة الحقيقية للانتخابات، وأنها الآن أصبحت أقلية، لأن الزعيم يمثل من ينتمي إليهم، لا الشعب الذي انتخبه. هكذا كانت الأمور دائمًا، وكمَّا أكد سابقًا الزعماء المحسوبون على الأغلبية، فلم يكن لديهم من سببٍ يدعوهم للاعتقاد في أن ممثل الأقلية سيعاملهم بغير ما عاملوا أهل طائفته.
لكن العكس هو ما حدث. ظلَّ الزعيم الجديد مهذبًا، كما عرفوه طوال تاريخه السياسي، ألقى خطابًا أكد فيه احترامه لجميع أفراد الشعب، وأنه سيبدأ تحقيق ما وعدت به حملته الانتخابية في اليوم نفسه، وقد برَّ بوعده فلم يطلع نهار اليوم التالي إلا وكان كبار الفاسدين في السجون، بينما تُشَن حملة لملاحقة ذيولهم، كما بدأ الزعيم يتلقى شكاوى المظلومين بنفسه، ليعمل على حلها فورًا، وبدأ يتخذ مواقف صارمة من دول العالم التي بخست أسعار صادراتنا، وتأخرت في توريد ما عليها لخزينة الدولة، فلاحت بشائر انفراج الأزمة الاقتصادية التي خنقتنا لسنوات.
ازداد الحد الأدنى للأجور بعد شهرٍ من تولي الزعيم، وافتتحت مصانع جديدة، وحصل صغار التجار على قروضٍ لتطوير أعمالهم وتوظيف مزيدٍ من الشباب، وسُنَّت قوانين صارمة تحمي النساء من أي جريمةٍ تستهدفهن، أو ظلمٍ يقع عليهن، وفُرض القانون بقوةٍ وصرامة على الشعب كله، ولم يعد مواطن يجرؤ على تهديد مواطنٍ آخر مهما كان نفوذه، وصار البسطاء أشجع في طلب حقوقهم، دون خشية على حياتهم وأرزاقهم وحرياتهم، وتجرأ الشباب اليافع على المطالبة بمزيدٍ من الإصلاحات الاقتصادية في مؤتمرٍ حضره الزعيم دون حراسة، وقد استمع إليهم، وقبل مطالبهم، وقبل مقترحات ممثلي الشعب، وعاشت بلادنا مشهدًا حالمًا يشبه قصةً خيالية ينتصر فيها العدل، وتتحقق فيها اليوتوبيا.
مع ذلك لم تكن أوضاع الوطن مستقرةً تمامًا، إذ شعرت الأغلبية بتهميشٍ ثقيلٍ على النفس، ولم يكن لذلك الشعور من سببٍ إلا لأن الأقلية التي ينتمي إليها الرئيس صارت تتصرف مثلهم، فأفرادها يسيرون في الشوارع بثقة، ويمارسون شعائرهم في العلن بشجاعة، ويطالبون بالمساواة في الحقوق، ولا يفرضون على أنفسهم قيودًا خنقت آباءهم وأجدادهم من قبلهم، ليُبدوا الخضوع والمسالمة خشية أن يُساء فهمهم، أو يتهموا بالتآمر على الوطن.. قيود مثل اجتناب الحياة العامة، وعدم الإدلاء برأي يخالف الأغلبية أو حتى يضايقها، وكفّوا عن التجمع في أحياء سكنية تخصهم، والانغلاق على وظائف لا تقبل سواهم، وخرجوا إلى العالم لأوَّل مرةٍ كمواطنين كاملي الأهلية، يقبل القضاء شهادتهم، ولا يعاملون كبشرٍ من الدرجة الثانية. وبالتدريج تشجَّعت باقي الأقليات، وخرجت للنور بشجاعة، حتى بدأت الأغلبية تفقد تميزها.
في جلستي مع أصدقائي على المقهى، صرَّح أحدهم بغضبه. قال:
– هذه مهزلة! كيف نتساوى بهؤلاء؟ صحيح أن الوطن للجميع لكن بعض الناس أفضل من بعض. كيف يُقَدَّر عددنا بخمسين مليونًا، لكن من يحكمنا يأتي من طائفة تبلغ نصف عددنا؟
اعترض صديق آخر هازئًا:
– نصف عددنا! يا لك من متفائل! هؤلاء الأوغاد لا يمكن أن يبلغوا عُشْر عددنا حتى. ألم تفكر من قبل لِمَ أخفت الدولة القديمة تعدادهم الحقيقي لعقود؟ كانوا يجبرون بخاطرهم لا أكثر.. إنهم لا شيء ولا يساوون شيئًا.
قلتُ لهم:
– يا شباب هذه ليست أخلاق نتعامل بها، إن بعض أصدقائنا منهم، وطالما تفاخر وطننا بالمساواة بين أفراده، فلا تسلموا عقولكم لتلك السخافات.
سخر مني الأوَّل:
– يا سلام! كم أنت عقلاني وحنون يا صديقي، ولا يمكنك إدراك الخطر! ألا ترى كيف يتصرفون في كل مكان؟
– كيف يتصرفون؟
– إنهم يعاملوننا بندية، كفوا عن مجاملتنا والتسليم بسيادتنا عليهم، ولم يعودوا يبدون الاحترام الوافر لمعتقداتنا الدينية والاجتماعية، وفي عيدنا الأخير لم يأت رئيس طائفتهم لتهنئتنا.
– لكننا لم نذهب قط لتهنئتهم، ولم نُبْد لهم القدر الذي أبدوه دومًا من احترام، لماذا يجب أن يستمروا في استرضائنا إذا كنا لن نبادلهم الود والمشاركة؟
قال الصديق الآخر:
– ولماذا توقفوا الآن؟ ألم تسأل نفسك! لقد توقفوا فقط لأن الزعيم الجديد ينتمي إليهم، وهم واثقون أنه سينكّل بنا لو ضايقناهم. إنهم منافقون انتظروا اللحظة المناسبة فقط ليُظهروا وجههم الحقيقي.
– أي وجه حقيقي؟ إنهم يعيشون مثلنا لا أكثر يا صديقي. لم ينطق أحدهم بكلمة إهانة ولا مضايقة حتى! أهي جريمة أن يعيشوا مثل باقي البشر!
قال الأوَّل:
– فليعيشوا كما يريدون، لكننا نحن نستحق احترامًا أعظم من ذلك، كما لا يمكننا أن نتقبل آرائهم المختلفة التي كتموها لسنوات خشية زعمائنا، والآن يجاهرون بها محتمين بزعيمهم.. الله أعلم ماذا سيقولون في المستقبل وأي قرارات سيؤثرون بها على مستقبل الوطن.. ربما لم يكونوا أوفياء للبلد أيضًا.
قال الآخر:
– إذا مسّوا الوطن بسوء يمكننا أن نتصدى لهم.. نحن الأغلبية يا رجل فلا تقلق.
قلت لهما:
– أنتما مجنونان.
فضحك باقي الأصدقاء، ووافقني أغلبهم الرأي، وتناقشنا جميعًا حتى دخل صديقنا المنتمي إلى الأقلية وحيَّانا بدماثته المعتادة، فغيَّرنا الحديث إلى مباراة الأمس، وكيف خسر الفريق الفائز بغلطةٍ غبية على آخر لحظة، ومضت الجلسة في صفاءٍ وهناء، وركَّزت مع صديقي الأقلية لأستشف من تعامله أيَّ تغير فلم أجد، ولم أفهم ما وقر في نفس أصدقائي الآخرين من شرٍ، والذي تحوَّل إلى عدوى استشرت في الوطن خلال شهورٍ، حتى انفجرت في وجوهنا، وأكلت الأخضر واليابس.

بعدما ازدهر الوضع الاقتصادي، وصارت شوارع بلادنا آمنةً في الفجر كما هي في الظهيرة، وانتهى الجوع وتحسَّنت أوضاع الفقراء، وخلت السجون من المعتقلين السياسيين، واحتضنتهم الجامعات والصحف وبرامج التلفزيون ليطرحوا آراء ورؤى مختلفة ساهمت في حل مشكلات الوطن، وقعت حادثة تافهة، لمواطنٍ من الأغلبية تعرَّض لفتاةٍ من الأقلية في الشارع، فصفعته، ولم تكتف بهذا بل انهالت عليه ضربًا، وانضم إليها المارة في مروءة قلما عوملت بها امرأة في العهد القديم، وأشبعوه ركلاً وصفعًا ثم جرجروه إلى الشرطة. سُجِن المتحرش الحقير بلا إبطاء، لكن إحدى جرائد المعارضة المتشددة التابعة للأغلبية ثارت، وسكبت الزيت على النار مُرددةً أن بلدنا لن تخلوا أبدًا من اضطهاد الأقليات، لكن الأقلية الآن هم الأغلبية، والنظام الجديد يظلمهم ليشتهر بالعدل، انتقامًا لعقدة اضطهاد وهمية متأصلة في طائفة الزعيم.
اشتعلت القنوات والصحف التي سُمِح لها بالتعبير الحر عن آراء الناس، وتطور الوضع حتى بدأت الأغلبية تنظم نفسها في كتلٍ بشرية تغلق الشوارع وتعرقل المرور، وتعطّل المصالح الحكومية، ووشى أحد جيران الفتاة ضحية حادث التحرش بعنوان بيتها على مواقع التواصل اللعينة، فحاصره الآلاف، وخرجت البنت تبكي على كل شاشة، وتقول إنها لم تقصد أكثر من تربية هذا المجرم الحيوان الذي لمسها لمسةً مهينة انتهكت جسدها وبرائتها، وكانت ستتصرف بالمثل لو كان ينتمي إلى أقليتها نفسها، لأن الجريمة ستظل جريمة بصرف النظر عن هوية المجرم، لكن هيهات، لم يسمعها أحد، وشُهِّر بها، وظل بيتها محاصرًا بالجموع الغاضبة السبَّابة حتى ألقت بنفسها من الطابق الخامس.
هدأ غضب الأغلبية برائحة الدم البريء، لكن غضب الأقلية اشتعل، وأججه غضب باقي الأقليات، وكثير من الأغلبية التي رأت فيما يحدث ظلمًا لا يقبله ضمير، واستيقظنا ذات صباحٍ لنجد بلدنا على شفا حربٍ أهلية. كان ما يثير رعبي أني رأيت ما يحدث غير منطقي، ورأيت الحق والباطل واضحيْن لا لَبْس فيهما، وكانت زوجتي وأكثر أصدقائي يشاركونني رأيي، وأن تلك فتنة مفتعلة ولا شك، وكذلك ردد معارفي وزملائي وأقاربي، والبوَّاب والسبَّاك والسايس والميكانيكي، وركّاب المواصلات، والصحف القومية، وبعض صحف المعارضة، والصحف التي تعارض المعارضة، وقنوات التلفزيون، ووسائل التواصل الاجتماعي.. كلنا كنا نلمس التحسّن الذي أصاب حياتنا، ونحب الزعيم الصادق الذي يكاد يرسو بنا إلى بر أمان، ولم يكن أحد يهتم بطائفته، والله لو كان هابطًا من المريخ لانتخبناه شرط أن يُخْلِص لنا ولبلادنا، ويُخَلِّصنا.
مع ذلك ظلت الفتنة تنتشر وتتأجج، وعلى المقهى مع رفاقي المقربين، اشتعل شجار قبيح ومؤذٍ، كنت أعارض كارهي الأقلية محتميًا بالزمرة العاقلة التي تشاركني رأيي، وكل منا يعضد الآخر، نُقيم الحجة على من يرومون الكراهية والشقاق، لكن الحقد الذي كان يحركهم أخرسنا، كان حقدهم أقوى من كل الصلات الطيبة التي تربطنا بجيراننا وأصحابنا الأقلية، وزعيمنا الذي كان له فضل في تحسن رواتبنا وارتقائنا درجةً في السلم الاجتماعي، وأننا أخير بدأنا نعيش حقًا، لا نمارس النجاة يومًا بيوم وشهرًا بشهر، وبدأنا نتذوق التفاصيل، وبدأنا نستمتع بنعم الله علينا من صحةٍ وسقفٍ يأوينا، ولقمةٍ طيبة لا نخشى أن تُخْتَطف منا.
حين ضجرت من عجزي عن إفحامهم، أو إقناعهم، أو حتى احترام رأيي، قلت لهم العبارة السحرية:
– تمام يا شباب.. ربنا يولّي من يصلح.
لكن صديقي الغاضب قال لي:
– ستأتي معنا في المظاهرة القادمة.
– أنا لا أومن بالمظاهرات ولا أهتم، سأواصل حياتي وأربي أطفالي في سلام.. لن أتورط في أي شغب يعطل بلادي.. افعل ما تريد وحدك.
– أنت تخون طائفتك الآن، وتحكم عليها باضطهاد تاريخي لن يقل بشاعةً عن محاكم التفتيش. لن يبلغ أطفالك هؤلاء سن الرشد لو ازداد هؤلاء الأوغاد نفوذًا.
– يا أخي كف عن هذا السواد.
– بل كُف أنت عن هذا التخاذل.
وضرب على المنضدة بيده بقسوة، ورأيت في ملامحه شيطانًا لم أره قط من قبل. كان أصلع، غزير اللحية، كثيفها، يرتدي ملابس ضيقة تكشف عضلاته العظيمة التي يقضي ربع يومه في صالة الألعاب يقويها، ويسير في الشارع مختالاً بها يرجو أن يجن أحدهم ويستفزه. كان موضع فخرنا كأصدقاء يملكون من يحميهم، أمَّا الآن فكانت قوته موجهةً ضدي، وضد كل من يعترض، وكان من الجنون أن أحاربه، وتراجع أمام تهديده كل من يناصرني، وخضعنا، وذهبنا إلى كل المظاهرات.
خلال شهورٍ دمرت الاحتجاجات كل ما امتلكنا من سلامٍ ومقدماتٍ للرفاهية، حتى اختار الزعيم النبيل أن يتنحى، ويترك القرار للجمهور، وسادت هدنة قصيرة لم يعد يتحدث فيها أحدٌ إلى أحد، وعلا صوت الأغلبية مجددًا، وبدا واضحًا أنها تريد السيادة الأبدية هذه المرة، وعشيّة الانتخابات الجديدة بكيت حسرةً على الحلم الذي ضاع.
ذهبنا كمجموعة أصدقاءٍ معًا إلى اللجان الانتخابية، وبمعزلٍ عن الجميع وضعت علامة “صح” صادقة، على الزعيم الذي أتوسّم فيه خيرًا، لكنني حين خرجت تظاهرت باختيار من يمثل أغلبيتنا، وأكَّدت لصديقي الباطش أننا منصورون ولا شك، وبحثت في وجوه باقي أصحابي عن مُخادع آخر، لكنهم كانوا صادقين في انحيازهم لمرشح الأغلبية، أو بدوا صادقين.
عدت إلى بيتي مكسور الخاطر، حزينًا، تملؤني الوحدة، ولا يعزيني إلا أنني اتخذت القرار الصحيح ولو سرًّا. لكنني في الحقيقة لم أكن وحدي، فبعد أيامٍ أُعْلِنَت نتيجة الانتخابات، وفاز باكتساحٍ مرشح الأقلية، ليست الأقلية السابقة، بل أقليةٍ أندر منها، رجل أنصع من القطن، وأغلى من الذهب، وتاريخه يُشرّف الإنسانية لا الوطن فحسب، سلَّم له الجميع قيادهم، وبدا واضحًا أن الأغلبية ضجرت من الأغلبية، وكانت تلك هي البداية الحقيقية لوطننا الجديد.
