يعيش الكاتب محمد عبد النبي حياته مترجمًا على الدوام؛ بين الإنجليزية والعربية، أو بين الفصحى والعامية. رحلة عمر بدأت من البيت وحتى الكتابة والترجمة.
تلقيتُ تعليمًا أزهريًا من المرحلة الابتدائية، فكانت قداسة اللغة العربية الفصحى أمرًا مفروغًا منه. هي لغة للمدرسة (أو المعهد الديني)، لغة للكِتَاب والكتابة، لغة للحِفظ والتسميع، أمام لغة أخرى تمامًا للبيت واللعب والشارع والتليفزيون؛ لغة منطلقة تتسع للسباب وترحّب بالجديد والغريب، وفي شقوقها تظهر لهجات أخرى مثل لهجة أمي وأهلها الفلاحين، والتي تحمل وجوهًا إضافية لفِكرة اللغة العربية الواحدة نفسها، وهكذا نشأت البلبلة الأصلية في سِفر تكويني وسعيتُ أنا، ذهابًا وإيابًا، على الجسور مترجِمًا بين ألسنة عديدة في داخلي، حتَّى من قبل إضافة اللغة الإنجليزية، ثم ممارسة الترجمة حتَّى وقتنا الراهن.
أظن أنني كنتُ مترجمًا طيلة الوقت، أنتقل مثلًا بين القرآن ومعانيه المقصودة بالعامية، تمامًا كما كان يفعل الشيخ الشعراوي بعد أن يقرأ الآية ناظرًا إلى المصحف الشريف في يده، ثم يرفع نظره ويوجهه نحو الناس ليكلمهم ويشرح لهم الآية نفسها ولكن بلغتهم، اللغة التي يفهمونها، لغة البسطاء والفلاحين، اللغة التي يتقنها كفقيه من أصول ريفية واضحة (هو بلدياتي من الدقهلية).
وأنا طفل القرآن بالنسبة لي كان كأنه لغة تانية، لغة جديدة خالص بحفظها حِتت حِتت مش كلمة كلمة. الغريبة إنها كانت لغة بتشترك في مفردات كتير مع اللغة اللي بنتكلمها كل يوم، بس مع كده كانت نفس الكلمة في القرآن ليها إحساس مختلف ويمكن ساعات معاني مختلفة كمان. الاشتراك في المفردات ده هو اللي شجعني أحاول أفهمها مع نفسي، من غير لجوء لحد. كتير كان الواحد بيحاول يتخيل المعنى المقصود من آيات بعينها اعتمادًا على نباهته وتأويله الخاص وبناء على السياق، وساعات كتير بيكتشف إن المعنى المقصود، حسب التفسيرات المعتَمدة طبعًا، أبعد ما يكون عن اللي كان مُتخيله.
محدش اهتم أساسًا يفسّر لنا القرآن طول مرحلة ابتدائي، إلَّا ف مرات نادرة فاكرها بوضوح وكانت غالبًا ليها علاقة بدروس في كتب مقررات التعليم الابتدائي العام اللي كنا بندرسها برضو.
بدأنا ندرس تفسير من إعدادي على ما أتذكر. قبل كده، ويمكن حتى بعد كده بدرجة كبيرة، كان المهم هو الحفظ، الحفظ وبس. حفظ القرآن مسألة حاسمة في النجاح في التعليم الأزهري، أمَّا الفِهم فهو مسألة ثانوية. يمكن الوضع ده اتغيّر دلوقت، لكن ع الأقل كان كده على أيامي في تمانينيات القرن العشرين وأوائل التسعينيات.
أظن أننا جميعًا نترجم طوال الوقت، سواء نعيش في البلاد التي وُلدنا فيها أو نعيش في أخرى هاجرنا إليها واستقرَّ بنا المقام فيها. أظن أنَّ اللغة حركة متواصلة بين أصوات وخطابات مختلفة، تعتمل في داخلنا بقدر ما تأتينا من الخارج. ليست مسألة تأويل فحسب، أو كلمة مقابل كلمة، فحتى القواميس لا تستطيع أن تقدم كلمة مقابل كلمة من غير زيادة ولا نقصان في المعنى أو الدلالة. لكننا على مائدة مفاوضات طوال الوقت، أو على حصيرة مستندين إلى الشِلت في كوخ من الخوص على رأس غيط، في قعدة عُرفية للمصالحة بين أطراف عديدة، بين لغة الأم ولغة الشارع ولغة التليفزيون ولغة القرآن ولغة مصر ولغة إيجيبت، وإلى آخره.
***
لا أعرف إن كان من قبيل المُبالَغة أن أفكِّر في الفصحى والعامية للغة واحدة كانشقاق لساني ونفسي ووجداني لا يسلم منه مواطن عربي واحد، لا سِيما إن كان ممن لهم احتكاك يومي باللغة في ميادين الكتابة أو الترجمة. لم نزل نحن الكتَّاب نقف على هذا الجسر الممتد بين لغة رسمية شِبه مقدسة ولغة حَميمة متَّهمة بالابتذال، ونتوزَّع على درجات متنوعة بحسب البعد عن أحد طرفي الجسر والقرب من الآخَر.
مثلًا، يقفُ كاتب القصص والروايات، أمام مفترق طرق حاسم عند كتابته حوار شخصياته، إذ عليه أن يجيب سؤالًا وجوديًا أزليًا: هل سأجعل شخصياتي تتحدَّث بالفصحى أم بالعامية؟ ولعلَّه سؤال يصدق على كل كاتب في بلد تحكمه هذه الثنائية اللسانية؛ مكتوب فصيح ومنطوق عامي أو دارج على الألسنة.
في ورش الكتابة وفي الندوات وما شابَه بنأكِّد دايمًا إن مفيش إجابة صح ع السؤال ده، وإن كل كاتب لازم يلاقي إجابة خاصة بيه كل ما يجي يكتب حوار. في أجيال سابقة كتَّاب كبار فضَّلوا إنهم (ينطَّقوا) شخصياتهم بالفصحى، نتيجة خوفهم من ركاكة العامية أو سوقيتها. ولأن الفصحى طبعًا هي لغة العِلم والأدب والدين والمحاكم، إلخ. كان لازم الكاتب يعرف فصحى كويس عشان يقدر ياخد مسافة من الناس السوقيين ويقرب أكتر من الملأ الأعلى والدواوين الرسمية والذي منه.
مع الزمن، وظهور الإذاعة والسينما والتليفزيون، الدنيا اتحركت شوية بشوية، وبدأت الشخصيات في الأدب تتكلم على طبيعتها، زي ما الكتَّاب متخيلين الناس بتتكلم إزاي أو مفروض حتَّى تتكلم إزاي، وخصوصًا مع انتشار تيارات أدبية واقعية، همها إنها تعكس الواقع زي المراية الصافية، في سعيها لتطويرها لقدام، حسب الخطاب التقدمي اللي كان حاكم لفترة طويلة، أو اللي قشرته على الأقل كانت تقدمية نظرًا لحسابات سياسية واقتصادية مكانها مش هنا.
وبقى فريق ثالث من الكتَّاب يلعب على الحبلين، لو جاز التعبير، فيناور ويحاور عشان يخرج حواره بالفصحى من دون أن يفقد سلاسة العامية وطزاجتها وحرارتها. في الوقت الراهن يختار أغلب كتَّاب السَرد اللغةَ الفصحى للحوار خشية ألَّا يفهمهم أخوتهم من البلاد العربية الأخرى، بعد أن انفتح سوق الأدب على مصراعيه وبالذات مع تدشين جوائز أدبية عربية كبرى. تبدو الآن تجارب من قبيل روايات كاملة مكتوبة باللغة المصرية العامية غريبة مثل مخلوقات مهجَّنة أو مشوَّهة، برغم أننا، بين حين وآخَر، نقف أمام عمل جديد يعيد طرح سؤال الكتابة بالعامية (أو ربما الترجمة إليها حتَّى)، لكن السوق ينجح دائمًا في إزاحة مثل تلك الأسئلة إلى طاولات البيع الصغيرة في الباحات الخلفية، في مقابل التيارات الرئيسية المهيمنة على ميادين الصفقات الكبرى.
شخصيًا لا أظن أنَّ رواية مكتوبة بالكامل بلهجة محلية في بلد الكاتب قد يكون لها نصيب معقول في التصعيد في جائزة الرواية العربية المعروفة باسم البوكر. هذا مفهوم ضمنًا وإن لم يُعلَن صراحة، أسمعُ مَن ينصح الكتَّاب على الدوام بكتابة حوارات الشخصيات بالفصحى لأنَّ هذا هو المقبول في لجان الجوائز، ولا تفيدُ كثيرًا هنا حجَّة أنَّ جميع العرب يفهمون اللهجة المصرية بدرجة أو بأخرى.
تعميم مثل تلك المقاييس يستبعد التجارب ذات الطبيعة المحلية، ويشجِّع على إنتاج كتب أدبية متناسخة ومتشابهة، تعمل على تقديم أزمات الهوية المحلية بلغة قادرة على خيانة تلك الهوية بذكاء وأناقة، في استجابتها لمعايير موحَّدة، بعضها مفتَرض ومتخيَّل. فتكون النتيجة هي كتابة روايات عربية متشابهة اللغة، أو مغتربة النبرة، تمامًا مثل كتَّاب المغرب العربي وشمال إفريقيا الذين يكتبون بالفرنسية أو مثل الكتَّاب العرب الذين يكتبون بالإنجليزية، حيث تتناثر المفردات العربية تائهة وسط الكلام الإفرنجي ومستوحشة في رسمها بالحروف اللاتينية، لكنَّ هذا انشقاق آخر إضافي، والكلام فيه يطول.

أحيانًا تمتزج اللغتان معًا في نص واحد، في بعض الأحيان يميلُ الشعراء لهذه الخلطة استعراضًا لقدراتهم في الأساس، جربت هذا شخصيًا في قديم الزمان (مرحلة المراهقة والتنقل بين الأشكال والأنواع الأدبية) ربما لأنَّ الشِعر كان العملة الأكثر رواجًا في الندوات الأدبية التي أتردد عليها آنذاك.
وأحيانًا يلجأ الكاتب الرصين الوقور إلى جملة أو عبارة عامية، مضطرًا أو مستظرفًا، لإبراز سمة من سمات إحدى الشخصيات؛ السذاجة أو الأميَّة أو العته العقلي، أي شيء ينتقص من الشخصية بشكل أو بآخَر يمكن ترجمته عبرَ وضع اللغة العامية على لسانها، برغم أنَّها اللغة ذاتها التي سوف يتحدث بها الكاتب نفسه، بعد أن يضع قلمه مستريح الضمير، مناديًا زوجته: «فين الأكل يا ولية؟ انتي ناوية تمويتنا م الجوع..؟»
يعرف الكاتب الحقيقي كَم ينطوي عمله على قدر كبير من الترجمة، حتَّى إذا اقتصر الحديث هنا على الحوار فقط. عندما أقرأ رواية كتبَ حوارها باللغة العربية الفصحى، ويجري بسلاسة على ألسنة شخصياتٍ من مشارب مختلفة، من غير أن يفقد لمسة العامية الطازجة أو طعمها اللاذع، فإنني أعجب بالكاتب، أعجب بمجهوده في الترجمة، وفي نفس الوقت، أجد نفسي أحيانًا مستمتعًا برد جمَل الحوار إلى أصلها المفترَض، كيف يمكن أن تكون نُطقَت في الأصل المتخيَّل. هذه عملية ترجمة في مقابل العملية التي قام بها الكاتب، مجهود من الطرفين ما كان له أن يبذَل لو اختار هو أن يبقى حواره بالعامية كما يتكلم الناس تقريبًا خارج الروايات.
مثلًا، عندما أرادَ الأستاذ إحسان عبَّاس، مُترجم رواية موبي ديك، أن يميِّز كلام شخصية كويكجوج، وهو حوَّات من السكَّان الأصليين لأمريكا، استعانَ بلهجة عربية دارجة تبدو أحيانًا مصرية وأحيانًا شاميِّة، وفي بعض الأحيان الأخرى تبدو مثل حديث أطفال لم يكتمل تلقينهم اللغة بَعد. وأذكرُ أنَّ مترجمين غير الأستاذ عبَّاس قد استعانوا بالدارجة أو العامية للانتقال بين أكثر من مستوى للخطاب، الأستاذ محمد عناني في بعض مسرحيات شكسبير مثلًا.
والشاهد هِنا إن كلامنا مع بعض، في العالم العربي عمومًا، كلامنا اليومي اللي بنتواصل بيه مع بعض بشكل غير رسمي، وساعات كتير بشكل رسمي كمان، بيظهر في بعض الأعمال المُترجَمة كأنه كائن مشوَّه أو طفل مبتسر مكتملش نموه أو نكتة كان مفروض تتسمع لكن اتكتبت بس عشان تضحَّك الناس. ودي ظاهرة يمكن يكون محتاج مجموعة من علماء النفس والاجتماع أو علماء نفس الاجتماع (لو حاجة زي دي موجودة) عشان يدرسوها ويحاولوا يطلعوا منها بحاجة، أقصد ظاهرة إننا بنستعرَّ من كلامنا، وبنستخف بألسنتنا الحقيقية، في مقابل احتفائنا بألسنة مستعارة، هي اللغة العربية الفصحى أولًا، لأنَّ أكيد أمهاتنا مكنوش بيهنوننا بالشعر الجاهلي، ثم بعد شوية اللغة الإنجليزية كدليل على التميز الثقافي أو الترقي الطبقي.
***
ومع ذلك فثمَّة انشقاق لغوي سابق حتَّى على منعطف الفصحى والعامية، وهو اللهجة الأصلية لأبناء القرى أو المدن الصغيرة في مقابل لهجة أبناء العاصمة، وهي عامية معتَمدة وقياسية يجري بها الحوار والخطاب والتفاهم في الأجهزة الإعلامية الأخطر والأقدر على الوصول إلى أبعد المسافات؛ الراديو والتليفزيون. وكثيرًا ما كانت اللهجات المحلية والإقليمية، مرة أخرى هنا أيضًا، مادة سهلة للدُعابة والمزاح والسخرية وإضفاء طابع مرح على الأعمال الفنية، وكلَّما ابتعدت المسافة بين لهجة المركز الرسمية واللهجات المحلية ازدادت احتمالية إثارتها للضحك: الفلاحون، والصعايدة، والسودانيون…. وهكذا.
ليس أسهل من محو الغرابة والتنوُّع بالسخرية والاستخفاف، كسلًا أو برغبة خفية في توحيد الجميع وصبهم في قالب واحد. وربما تثير فرادة السكَّان الأصليين شيئًا من الخوف والقلق في نفس المستوطِن أو المستعمِر أو الأفندي أو الفقيه، لكنه لن يرهق نفسه بمحاولة فهمها، يكفيه امتلاك اللغة التي اعتمدتها السُلطة والدين الرسميان، اللغة التي أنفق جهدًا وسنوات لحيازتها وإتقانها.
لم تتخلَ أمّي عن لهجة ريف الدِلتا، ربما تكون فقدت منها الكثير مع الأيام، لكنها ظلَّت في عمق نُطقها، حتَّى الآن تختلط الكاف بالشين عندما تتألَّم فتقول «آه يا شِتفي» بدلًا من «آه يا كتفي». لغة الألم تنبع مِن الطفولة، بلا حسابات أو انتباهات، العودة للأصل المبدئي. قَلب الكاف شينًا موجود في بعض لهجات اللغة العربية القديمة، في قبائل ربيعة ومضر (ويعرف باسم الكشكشة والشنشنة). لا شكَّ أنَّ بعض المفردات الريفية وطريقة النطق كانت مثار سخريتنا ونحن أطفال صغار نتحدث بلهجة أهل البندر (القاهرة). ما إن نتعلم، نحن أبناء الفقراء والفلاحين، اللغة الرسمية حتَّى نتعلّم، بشكل أو بآخر، السخرية من أمهاتنا، مِن لُغة الأم، من اللغة الأم الحقيقية التي سمعنا بها الهدهدات والأغنيات والمناغاة ونحن في المهود، ومِن قبل الولادة تنصتنا إلى موجات كلماتها وتراكيبها بكل التنويعات العاطفية المحتمل ظهورها خلال بضعة أشهر.
لصالح ضَبْط القياسات والموازين وبناء جيش موحَّد لدولة قوية لا بدَّ من التعامُل مع كثير من الفروق الفردية والتنوَّعات، إمَّا باستبعادها أو بمحوها وطمسها تدريجيًا. قد تبرُز إحدى تلك اللغات المهدَّدة في لحظة أزمة لتقدم يد العون، مثل استخدام الجيش المصري للغة النوبية في حرب أكتوبر كشفرة غير قابلة للاختراق، بناء على اقتراح الصول أحمد إدريس. لكنها تقدم نفسها هُنا كحيلة ذكية وطريفة من باب إنَّ الحرب خدعة، ويُكتفى بتعليقها أيقونة أو استدعائها كذكرى سنوية، دون التعامل معها بجدية أو كرافد حقيقي من روافد الجماعة الإنسانية.
فقدان اللهجة المحلية علامة اندماج في العاصمة والمدن الكبرى، لكن يبقى دائمًا أثر منها عالق، قد يكون أثرًا طفيفًا لا يكاد يحسّ، يحاول صاحبه إخفاءه لينتحل أصلًا نبيلًا مغايرًا، يلزم لاكتشافه خبير لغات ولهجات مثل الأستاذ هنري هيجينز بطل مسرحية بجماليون لجورج برنارد شو، وقد قال إنه استوحاها من بعض أساتذة الصوتيات البريطانيين. إنَّ مهارة اكتشاف هذا الأثر البعيد وتتبع مصدره الأصلي جغرايفًا ليس احتضانًا التنوُّع والتعدُّد بقدر ما هي حراسة على بوابة النقاء اللغوي المفترض، الذي لا يكاد يختلف كثيرا عن النقاء العِرقي المفترض. وحدها أساطير النقاء قادرة على تغذية أوهام التفوُّق وبالتالي تبرير السيادة بكل مستوياتها واستعراضاتها، بحيث تدخل المدافع مختفية وراء المطابع، وتعلو موسيقى الأوبرا لتغطّي أصوات القنابل.
***
معرفش فين قريت أو سمعت إنَّ بعض المهاجرين غير الشرعيين من مصر لأوروبا، بعد القبض عليهم هناك، بيرفضوا إنهم يتكلموا تمامًا، بيلزموا الصمت حتَّى لا يتم التعرُّف على أصولهم المصرية وتسليمهم للسفارة وبالتالي ترحيلهم. في حالات زي كده بيكون مجرد الكلام خطر، لأنه دليل إدانتك، لسانك حصانك إن صنته صانك. وحتَّى جوّه مصر، دلوقت، ظهرت انشقاقات جديدة في اللغة اليومية المستخدمة بين كل الناس، مالهاش علاقة باللهجات المحلية، انشقاقات أرفع من كده وألطف وأخف، لكنها خطر برضو، لأنها بتصنف وبتكشف وبتفضح.
الناس بتحاول تقلّد لغة الأقوى منها، أو الأغنى منها، زي ما كله بيتكلم إنجليزي عشان أمريكا هيا الفتوة الكبير. لكن كلمة واحدة بتتنطق غلط ممكن تفضح اللي بيمثل وبيحاول يدّعي طبقة مش طبقته، وكلنا بقينا البرفيسور هنري هيجينز خلاص. عملية الغربلة والترجمة شغَّالة الله ينور. اللغة ممكن تكون خطر كمان لو معرفتش تقول إيه إمتى، فتتاخد من سريرك ف نص الليل عشان فيديو على تيك توك، كنت بتطَّلع فيه صوت بطَّة بدل كلمة «أحَّا» مثلًا، أو لو بتغني مهرجانات وكلامها مش ع المزاج أو فيه مساس بالبدل الميري ولو من بعيد هتتجاب ويتحقق معاك، فآه الكلام عليه جمرك بالمناسبة، مش جمرك بس ده لازم يكون بحساب، مش هيصة هيا.
طمأنينة اللغة الأم هي أقدم وأعذب أوهام الهوية الجماعية، لأنَّ اللغة في الجذر ترجمة واعتباط وتواطؤ مشترك، ولأنَّ الانشقاق يحدث بمجرد أن ينكسر صمت ما قبل الولادة بأوَّل مفردات العالم، ولو حرف أو اثنين: ما..ما…با…با. وهكذا يبدأ الانشقاق الأوَّل بين الشيء واسم الشيء، بين أنا وأنتم، بين لغتي ولغة الآخرين.
ذات مرَّة جمعتني مصادفة مع كاتب صيني في مدينة بوردو، وكان معه مترجمته وكانت سيدة فرنسية متقدمة في السن، التي تكرمت بلعب دور الجسر بيننا لبعض الوقت، كانت تنقل لي بالإنجليزية، وتنقل له بالصينية، وقد وضعت فرنسيتها الأم جانبًا بتضحية وإيثار غير غريبين على المترجمين في كل مكان وزمان. بعد دقائق أتى النادل فرفعت رأسها إليه ولكنَّ لسانها انعقد للحظة، كانت لحظة قصيرة للغاية، لكنها كانت كافية بالنسبة إليَّ على الأقل لألاحظها وأبتسم، لقد احتاجت إلى بعض الوقت لكي تعود إلى لسانها، ربما ساهم في الارتباك أنَّ النادل كان شابًا وسيمًا أسمر البشر، ربما من شمال أفريقيا أو أمريكا اللاتينية. بعد أن تكلمت مع النادل تبادلنا نظرة ورفعت هي حاجبيها وفردت كفيها علامة دهشة أو تسليم. البلبلة، بلبلبة الألم أو الجمال.
عدنا إلى برج بابل. على الجسر دومًا، نتلفَّت نحو ناحيتين، نحو أكثر من ناحية. لعلَّنا نجد، لعلَّنا نكتشف، لعلَّنا نعرف، ولو بلا لغة وبلا لغو.

