يستعيد بلال علاء ذكريات الشباب، الحب والثورة والحرية، بعد مرور سنوات عليها، ليكتشف في النهاية أهمية سوسن عبد الكريم.

لم تكن ذكرى عبد الحميد نفسه ما جعلتني أضحك وأنا أسوق العربية في الطريق إلى أصدقاء لم يسمع أحد منهم اسم عبد الحميد مرة في حياته.
عرفته في الأشهر القليلة التي سبقت الدراسة الجامعية، أتمشى في الكلية الفارغة، نصف ضجر من المناوشات البيروقراطية بسبب خطأ في ورقة ما، ونصف نشوان بهذا «النضج» الذي كنت أحسبني عليه. ها أنا أناوش، بالأصالة عن نفسي، ودون وسائط، أحد أعظم اختراعات الاجتماع البشري وأبرز ملامح «الدولة» في طورها الحداثي. هكذا يدخل أحمد جلال، الذي هو العبد لله، التاريخ، من بوابة الصراع مع منجز هذا التاريخ نفسه. وربما كانت هذه الروح الحمقاء هي ما ستقود جيلي إلى تصدُّر الثورة في ما بعد، محاولين -بحد تعبير عبد الحميد وقتها- «قطف زهور الحماقة».
ربما، في ذلك اليوم، عرفت من عبد الحميد كتابته للشعر الرديء، تحديدًا شعر التفعيلة المتأثر بنجيب سرور وصلاح عبد الصبور، منقوصًا منه الموهبة والفكرة والموسيقى، وليس فيه سوى العاطفة البريئة والبلهاء والغريبة -نوعًا ما- تجاه سوسن عبد الكريم. ورغم أنني لم أكن قد سمعت عن سوسن وقتها فإنه بمجرد أن أخبرني عبد الحميد بالقصة كانت معلوماتنا عنها متساوية تمامًا؛ إذ لم تكن سوسن -كما سيُعبِّر عبد الحميد بعد ثلاث سنوات- سوى «مفهوم». لقد أحبها عبد الحميد قبل رؤيتها، بمجرد قراءة اسمها، وأفرغ لها -كما قال- كرسيين بجوار سائق القصيدة.
في اليوم الدراسي الأول، جلست وعبد الحميد في الصف الرابع من المدرج، أول صف من صفوف الذكور، نحاول توقع مَن في الصفوف الثلاثة الأولى هي سوسن عبد الكريم. كان على سوسن، بالبديهة، أن تكون سوسنًا، ثم ألا تكون سوسنًا جدًّا، إلى الدرجة التي ينعدم فيها الأمل في الوصال؛ فرغم انفجار ماسورة العواطف البدائية عند عبد الحميد فإنه احتفظ بحد أدنى من الحس المادي، ذلك الحس الذي سيدفعه بعد أربع سنوات إلى امتطاء صهوة النظرية الماركسية.
انتهى اليوم الأول دون التوصل إلى هوية المحبوبة الشبحية، ثم الثاني، فالثالث. ورغم أن فتاة بعينها ظلت تزيح بدأب مُنافِساتها على «السوسنة» فإنه في اليوم الرابع تكشفت هذه الفتاة بصفتها علياء عبد الله، الاسم الذي يصعب الاحتفاظ به داخل أي قصيدة. في اليوم الخامس، منتصف المحاضرة الأولى، طرقت فتاة باب المدرج، ثم اندفعت إلى الداخل. لم أنتبه أنا وعبد الحميد إلى الجدال الذي تخوضه الفتاة مع الدكتور؛ إذ بمجرد طلتها، كانت الأمور محسومة: هذه هي سوسن عبد الكريم.
وصحيح أن سوسن عبد الكريم كانت بكل المعايير الممكنة التجلي الكامل لمفهوم السوسن عبد الكريم، إلا أن هذا التجلي في ذاته قد حرمها، في الوقت نفسه، من جوهر سوسنتها: الغياب. هكذا سيقول عبد الحميد، بعد ذلك بخمس سنوات، إن سوسن كانت رغبة الحب التي تختزن، في حال تحققها، نهاية حب الرغبة؛ ذلك الدافع البدائي والغريزي الذي يسحر المبتدئين ذوي التاريخ المحافظ. والجميل أن هذه التقلبات التاريخية والمفهومية لسوسن ظلت بعيدة تمامًا عنها؛ إذ إنه، رغم حماقته، التي ستظهر في علاقته الطويلة والمعقدة بليلى السويسي، ظل يكن احترامًا حقيقيًّا لمفهوم سوسن عبد الكريم، الأمر الذي استبعد أي إمكانية للاقتراب من مجالها الحيوي.

هذا البحث عن «المفهوم» لم تكن سوسن إلا تمظهُره الأجمل؛ فحياة عبد الحميد نفسها كانت بحثًا دائمًا عن «المفاهيم» ومثالًا نموذجيًّا لتحولات جيل الثورة: بدأ من أسرة محافظة متعلمة، وأمضى سنوات مراهقته في المساجد مفكرًا في استعادة الأندلس والخلافة وإعجاب مروة هاني ومكانته لدى أستاذ اللغة العربية، ثم صار شابًّا شاعرًا أهش من الانخراط في الحياة، ثم مُنظِّرًا ثوريًّا جذريًّا يعيد هيكلة العالم، ثم عاد شابًّا شاعرًا أهش من الانخراط في الحياة.
ولا يعز عليَّ أن أقول إن عبد الحميد نفسه كان «مفهومًا» أكثر منه حقيقة واقعة، إلا أنه -للمفارقة اللغوية- لم يكن يفهمه أحد مطلقًا؛ ففي شِلَّتنا الواسعة، كان غريبًا على الدوام: غريبًا وهو يبحث عن سوسن، غريبًا وهو يهجرها، غريبًا وهو يجلس بيننا مع ليلى بصفته فاتحًا تاريخيًّا لعالم النساء، غريبًا وهو مرفوع على الأكتاف يهتف بأعلى صوته، غريبًا وهو ينظر إلى هزيمة الثورة في عز انتصارها، غريبًا وهو ينظر إلى انتصارها التاريخي المؤجل رغم هزيمتها النهائية، غريبًا وهو يتهرب من ليلى، غريبًا وهو يجلس مع والدها لإقناعه بالزواج رغم عدم توفر الإمكانات المادية، غريبًا وهو يراكم تلك الإمكانات، ثم يتهرب ثانية، ثم يقتحم، ثم يتزوج. من إسلامي إلى شاعر إلى ماركسي إلى شاعر، ومن شاعر إلى كاتب إلى مهندس إلى روائي إلى مهندس.
يومًا ما، وفي الأيام الأخيرة لشِلَّة الجامعة، قال أحمد علي، الذي ترك الماركسية بعدما ترك السلفية بعدما ترك الإخوان، إن مشكلتنا أننا انتزعنا أرجلنا من الأرض دون أن نمتلك أجنحة، ودون أن نكون متواضعين كفاية لنتعلم المشي. كان أحمد -بوصفه واحدًا من أوائل مغادري الجنة الشيوعية الموعودة- ناقمًا على الماركسية، لا بسبب ماديتها، بل بسبب ما عده نقصًا أصيلًا في المادية.
لكن عبد الحميد كان يتعجب: إذا كانت المشكلة في نقص الإحساس الواقعي بالحياة، فكيف يكون الحل في اعتناق الصوفية، كما فعل أحمد، الذي أصبح ينتقل بين الموالد وحلقات الذكر وجلسات المقاهي ومشوار مصر الجديدة حيث مقر عمله؟! لكن عادل عطا تدخل متحمسًا في النقاش ليقول ما بدا له في عقله، بحسب ما وشت به حماسته، الإيفيه الختامي للقعدة: «إحنا كلنا لسه بندوَّر على سوسن عبد الكريم.»
لكن إن كان هذا الجيل يمتلك قدرة ما فهي بالضبط قدرته على عدم احترام الكلمات الختامية المثالية. ولذلك قال عبد الرحمن إن ليلى السويسي هي سوسن عبد الكريم أكثر من سوسن عبد الكريم نفسها، وإنه ليست المشكلة أننا نبحث عما لا يوجد، ولكن أننا لا نقتنع بعثورنا على المبحوث عنه؛ إننا نبحث عن البحث (كان عبد الرحمن قبلها بعام قد أصدر روايته الأولى، «البحث عن سوسن»، وهي رواية رمزية رديئة يكتشف بطلها أنه يبحث عن حب حياته، بينما يتخلق حب حياته الحقيقي في أثناء بحثه. إن البحث هو غاية البطل. إنه يسقط في غرام الطريق؛ لأن الطريق لا ينتهي). ولذلك تلقينا مداخلته بشيء من الفتور، وعلى أنها محاولة لإنقاذ سمعة روايته التي لم تتلقفها أكف الجماهير لتجد بداخلها الإجابة الحاسمة لمأزقها الوجودي.
تدخل عبد الحميد ليقول إننا لسنا محبطين لأننا وُعِدنا بما لا يمكن، ولكن لأن إحباطنا هو دليلنا الوحيد على استحقاقنا لهذا الوعد الذي لم نتلقَّه بداية. ضجرُنا من «الرتيب» دليل جدارتنا بالأجمل. وأذكر أنه بدا لي وقتها أننا لسنا جيلًا عظيم الإنجازات والهزائم، ولكن جيل غريب الملاحم والمهازل والتعابير.
كان هذا العالم كله خلفي، بنحو 15 عامًا، وظننت أنني تجاوزت إحباطاته وأحلامه، معتدًّا بما يكفي بما حققته، راضيًا بما أعطتني الحياة من ملذات ومساخر. لكن تلك الذكرى البعيدة والمفاجئة لم تكن ذكرى عبد الحميد، بل ذكرى تلك الطرقات الأولى، والباب المفتوح، والجسم الجميل المقتحم، وابتسامته العنيدة الساخرة، وجدالاته الخاسرة مقدمًا أمام الدكتور، ونظراته الذكية واللماحة إلى جمهور الطلاب وهو يتلقى التوبيخ بلا مبالاة تامة، ثم مشيه الهادئ إلى مكانه في المدرج، قبل أن يعلو رأسه قليلًا بنظرة محيية للشعب. كانت تلك نظرة سوسن عبد الكريم، بل إنها نظرة سوسن عبد الكريم في اللحظة النماذجية لمفهوم سوسن عبد الكريم، في اللحظة التي كانت فيها سوسن عبد الكريم سوسن عبد الكريم، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

