قصة قصيرة لفادي زغموت: اختياراتي مدمرة حياتي

17 March, 2025
زهراء نجيب، بدون عنوان، برونز، ارتفاع 65 ملم، 2014 (بإذن من الفنانة وجاليري الأقصر للفنون).
ماذا يحدث عندما تتوطد العلاقة بين سيدة ومساعدتها الآلية؟ في هذه القصة القصيرة يتنبأ فادي زغموت بما يمكن أن يحدث في المستقبل القريب في دبي، بلغة سلسة يحكي عن حادث يقع في إحدى البنايات المرتفعة، فنرى كيف يخطئ البشر بسبب نزواتهم.

 

فادي زغموت

 

هذه المدينة ليست مدينة للراحة.

الوقت الفجر. اليوم السبت. صباح اليوم الذي أنتظره للتعافي من تعب الأسبوع. دوَّى صوت منبِّه الحريق في البناية، واخترقت صافرات الإنذار أذنيَّ كأنها تعلن الحرب.

نومي؟ عن أي نوم أتحدث؟ بالكاد أغلقت جفنيَّ بعد وصولي إلى المنزل، مرهقة من سهرة البارحة.

تقلَّبت في السرير. دفنت رأسي تحت الوسادة متجاهلة ما يحصل. سحبت اللحاف بعصبية وغطيت به الوسادة فوق رأسي، آملة أن يتوقَّف الصوت ويعود الهدوء.

كم الساعة؟ تساءلت فيما انكمش جسمي ملتزماً بحالته الجامدة. تظاهر بالنوم مثلي رافضاً الاعتراف بما يحدث؛ أبت يدي إطاعتي في سحبها من تحت اللحاف للنظر إلى ساعتها، وبقي جذعي جامداً يرفض الالتفاف للسماح لي بمد يدي نحو المنضدة الصغيرة لالتقاط هاتفي والنظر إلى ساعته، كما شُلّت حنجرتي ومنعتني من النداء على تينا وسؤالها عمّا يحدث.

«تحذير! حريق في المبنى. الرجاء الإخلاء فورًا».

لم يكف الصوت المزعج عن تكرار العبارة بالعربية والانجليزية والصينية! يُعيد ويكرّر بين التحذيرات: «هذا إنذار حريق. الرجاء استخدام المخارج الآمنة. هذا إنذار حريق. الرجاء…»

«الرجاء تحلو عن قفاي»، صرختُ بعد أن فقدت الأمل. نزعت اللحاف عن رأسي وعدَّلت جلستي في السرير. «العمى يعميهم»، سببتهم وعدت إلى دفن رأسي آملة توقف الضجيج وانتهاء الكابوس. إلا أن الصوت لم يتوقف، ما استدعى تدخل الست تينا التي شرَّفت بعد لحظات.

فتحتْ الباب بهدوء واقتربت من سريري بخطوات آلية ووجهت كلامها لي بصوت متّزن: «مدام، في حريق في البناية». وحين لم أجبها، مدَّت يدها وهزَّت كتفي وأعادت كلامها، «مدام مدام، في حريق».

«فهمت، فهمت، في حريق فهيمة خانم! شو جبتي من عِندك يعني؟»، وضعت الوسادة جانبًا والتفتت ناحيتها.

سألتها متمسكة بهدوئي: «حريق حريق ولازم ننزل، ولا إنذار خاطىء كالعادة؟».

«ما بعرف ست هبة، مو مبيّن لسة».

«كيف ما بتعرفي؟ على أساس شو ذكاء اصطناعي؟»، استفزَّتني طريقتها في مخاطبتي ونبرة صوتها الباردة في الصباح الباكر. «طيِّب ليش ست هبة؟»، يكفي أن تقول «هبة» أو «ست». احتجت إلى تدريبها لكنّي انشغلت عنها منذ أحضرتها من دبي مول الأسبوع الماضي. بالكاد أكملت الإعدادات الأوَّلية اللازمة لتشغيلها، وتركتها تتعلم احتياجاتي شيئاً فشيئاً.

«أنا في خدمتك سِت هبة. آخر معلومات عندي بتبيِّن فريق البناية الأمني في طريقه للتحقق من الأمر».

«مو ضروري تجاوبي على كل شي بحكيه»، لم يسمح لي مزاجي بمجادلتها. «طيب شو نعمل هلّأ؟».

التزمَتْ الصمت ولم تجبني ما زاد من استفزازي، فصرخت بها: «ولك جاوبي عم بسألك!».

«لازم ننزل ست هبة لأنه ممكن يكون في خطر على حياتك».

«ننزل فين؟»، سألتها مستنكرة بعدما تذكرت أن شقتي في الطابق الخامس والعشرين. وقبل أن تجيب، أعلنت رفضي لما اقترحته: «مش نازلة! شكلك انجنيتي؟».

أدرت وجهي إلى الجهة الأخرى من السرير، وعاودت دفن رأسي تحت اللحاف، فيما تابع الصوت المزعج ترديده: «تحذير! حريق في المبنى. الرجاء الإخلاء فورًا»، والتزمت تينا وقوفها جامدة إلى جانب سريري.

«ست هبة، مهم نلتزم بإجراءات السلامة»، ثم أضافت بنبرة مهدِّدة: «إذا ما نزلتي لازم أبلّغ عنّك».

«تبلغي عنّي مين إن شالله؟»، سألتها بتثاقل وشعرت بصداع يصيبني.

«شرطة دبي»، أجابت ببساطة. أضاء الخط الدائري حول رأسها بوميض أزرق خافت دلالة على شروعها في الاتصال بهم. أضافت: «غرامة عدم الالتزام بإرشادات السلامة عند اندلاع الحرائق تصل إلى ألف درهم».

انتفضت لدى سماعي حجم الغرامة. تجاهلت صداع رأسي ودفعت اللحاف جانباً. صرخت بها: «استنّي استنّي يا هبلة، هيني نازلة».

قُمت وفتحت خزانة الملابس وسحبت سترة واسعة لألبسها فوق سترة النوم المكشوفة.

«اوعك تبلغي!»، حذّرتها وأنا أُغلق درفة الخزانة، لساني يلعن إيلون ماسك بعصبية.

«إيلون ماسك خط أحمر»، جاءني صوتها محذّراً.

التفتت نحوها غير مصدقة ما سمعت، وتفاجأت بعينيها تضيئان باللون الأحمر. «شو قلتي؟!»، سألتها مستنكرة وكدت أتشاجر معها حين أعادت كلامها بصوت مرتفع وبنبرة حادّة: «إيلون ماسك خط أحمر».

خفت من إضاءة رأسها مُجدَّداً معلنة عن تبليغ السلطات لتهجمي على المدعو إيلون بالذم والقدح، فأضطر إلى دفع «اللي فوقي واللي تحتي» لها، لذلك تمالكت نفسي.

«الله يلعن اليوم اللي جبتك فيه! قال إيلون خط أحمر!».

«وين أيَّامك يا أليكسا؟!»، قلت كي أغيظها لكن معالم وجهها لم تتغيّر. وقفت ثابتة بلا رد فعل، وكأني كلَّمت حائطاً أصم. عادت عيناها إلى لونهما الطبيعي، وفمها إلى حالة الابتسام، وقالت بنبرة تخلو من المشاعر: «أنا في خدمتك سِت هبة».

بعد ذلك نبَّهتني مجدَّداً: «لازم تنزلي سِت هبة، بسرعة ما في وقت».

لم تعطني الوقت الكافي للتفكير بما يمكنني إنقاذه من الحريق، لذلك اضطررت إلى الثقة بها للقيام بالمطلوب. أسرعت بإخراج شنطة كبيرة الحجم من الخزانة وسلمتها لها. طلبت منها بوضوح: «حطي فيها كُل شي غالي ممكن نحمله معنا… بسرعة!»، على أمل أن تفهمني. أسرعت لغسل وجهي. رفعت شعري وأخفيته تحت قبَّعة «لوي فيتون»، وانتهزت حجَّة دخولي الحمام وأشعلت سيجارة. سحبت منها بضع أنفاس سريعة ثم ألقيت العقب في سلَّة المهملات. عُدت إليها ووجدتها جاهزة، فطلبت منها نظاراتي لأخفي عينيَّ المنتفختين من قلة النوم.

انتظرتها لتبحث في الشنطة بضع ثواني. أخرجت منها نظارة النظر وسلمتني إياها.

انتبهت إلى خطئها بعد أن التقطت النظارة، أرجعتها لها بعصبيّة: «مو هدول… بدي نظّارات الشمس، غبية!».

«إنتِ ما حدّدتي سِت هبة»، ارتفعت نبرة صوتها مدافعة عن نفسها.

«ولو ما حدَّدت. مفروض تعرفي لحالك يا زك زك! بدي اسميكِ زكية الذكية من يوم وطالع».

تفاجأت بها ترد عليَّ بوقاحة: «بس أنا ما عندي القدرة على قراءة الأفكار».

«ما تجادليني»، رفعت يدي في وجهها وتابعت تهكّمي: «بعتذر عن خطئي زك زك خانوم».

بدّلت نبرة صوتي وأمرتها: «أعطيني نظارات الشمس الديور، بلا كُتر حكي». راودتني فكرة تركها في الشقة لتحترق لكني لم أجرؤ. منعني ثمنها الباهظ الذي لم أسدده بعد.

انتظرتها لتعيد البحث في الشنطة وتسلّمني نظارات الشمس. خطفتها من يدها ووضعتها على عيني. لبست الشبشب وهممت بالخروج من الشقة.

فُجعت عندما وصلنا المدخل، انتبهت إلى اتساخ سترتها ببقع من عصير البندورة، فصرخت فيها: «تينا؟ ولك شو هذا؟». أضفت: «شو بدهم يحكو عنَّا الجيران؟».

أكثر ما استفزَّني فيها عجزها عن تبديل ثيابها بنفسها رغم استطاعتها القيام بكل الأعمال المنزلية. اتصلت بخدمة العملاء الخاصة بمتجر تسلا قبل يومين للاعتراض على هذا الأمر، ولكنّي لم أقتنع بمحاولتهم تبرير عجزها. شرحوا لي أنها لم تُصنَّع بمفاصل مرنة تتيح لها ارتداء الثياب رُغم تصميمها الذي يشبهنا إلى حدٍّ كبير. ارتأت الشركة أن المساعدات الآليات لا تحتاج إلى ثياب مثل البشر. لكنّي لم أجد لياقة في تركها عارية، خصوصاً خارج المنزل أمام الناس، لذا فُرض عليَّ مساعدتها في تبديل ثيابها كل مرة.

سيخرج بعد قليل سكان العمارة مع مساعداتهم الآليات، وستجوب عيونهم الفضولية المساعدات الأخريات للحكم عليهن وعلى مالكيهن. لذلك لم أسمح بخروجها بهيئة لا تليق بي وبسمعتي في البناية.

تركتها عند المدخل وأسرعت إلى غرفة النوم وسحبت طقماً من أطقمها الثمينة من الدُّرج. عُدت واقتربت منها ووقفت خلفها، فتحت سحاب قميصها وساعدتها على تبديله، وبعد ذلك سحبت تنورتها وبدَّلتها بواحدة تناسب القميص الجديد. درت حولها ووقفت أمامها وعدَّلت ياقة القميص وتأكّدت من أغلاق أزراره. نظرت إليها وارتحت لهيئتها أخيراً. بدت لي خادمة منزل محترمة بقميصها الأبيض وتنورتها الزرقاء. ولكنّي، بعد لحظة، انتبهت إلى اتساخ زجاج وجهها الأسود، فطلبت منها الانتظار من جديد. دخلت المطبخ وعُدت بفوطة ومنظف الزجاج. رششت وجهها به ثم مسحته بالفوطة حتّى رأيت انعكاس وجهي فيه.

«يالله، شرفي قدَّامي»، أشرت لها حين انتهيت.

شممت رائحة حريق ونحن نغادر الشقة، فخفت أن يؤدِّي تأخرنا إلى حجزنا بين النيران. حثثتها على الإسراع. خرجنا من الشقة على وقع صوت صافرات الإنذار المزعجة وصوت التحذير الآلي مكرِّراً: «تحذير! حريق في المبنى. الرجاء الإخلاء فورًا».

وضعت سبابتيَّ في أذنيَّ وأسرعت نحو المصعد لكنّي وجدته معطّلاً. نظرت إلى تينا فأشارت إلى مخرج الطواريء. خطوت نحوه وتركتها تتبعني وبدأنا بنزول السلالم طابقاً تلو الآخر.

«أعطيني السمَّاعات»، طلبت منها سمَّاعات عزل الصوت بعد أن لم أعد أحتمل الضجيج.

بحثت في الشنطة من دون أن تتوقَّف عن نزول الدرجات خلفي. سلَّمتني إيَّاها فوضعتها في أذنيَّ وتركتها تشغِّل أغنية أحمد سعد التي أحب: «اختيارات مدمَّرة حياتي». بعد لحظات، انتبهت إلى تبدُّل معالم وجهها وإضاءة النور الأحمر في رأسها. اختفت الخطوط التي رسمت عينيها وحلَّ محلّها ما يشير إلى اتّصال هاتفي. تبع ذلك ظهور صورة وجه يزن؛ أحد اختيارات حياتي التي باتت تزعجني.

«شو بدّه؟ وشو مصحِّيه بكِّير؟»، تساءلت. لم أكن بمزاج للتكلّم معه بعد ليلة أمس، لذلك أشرت إلى تينا لقطع الاتصال. إلا أن رسالة وصلت منه بعد لحظة. عرضتها تينا على شاشة وجهها ثم قرأتها لي: «عبدو خبَّرني في حريق عنكم في البناية؟ طمنيني. كل شي تمام؟».

عبدو من؟ الآلي الخاص به؟

«وليه تينا؟ لحقتي تخبري عبدو؟»، اتهمتها مستنكرة قيامها بنقل أخباري بهذه السرعة. لكنها أنكرت وشرحت لي ارتباطهما بشبكة المعلومات نفسها، وكأنّي بلهاء لا أعرف. ادعت أن التنبيه قد يكون وصل عبدو كما وصلها، إن أعدَّه يزن لمتابعة الحالة الأمنية للأماكن التي أرتادها.

بدا لي كلامها منطقيّاً، لكنه زاد من انزعاجي من يزن. بات خوفه عليَّ يخنقني ويشعرني بالنفور منه. ومع أنّي تفهَّمت – إلى حدٍّ ما – اهتمامه الزائد كتعبير عن حبِه لي، إلا أنه تخطى الحدود ليلة أمس.

التصق بي طيلة الحفلة ولم يتركني أتنفَّس. أمضى الليلة عاقدًا حاجبيه ونافخًا صدره كالطاووس، مراقباً الذكور الآخرين ومحذِّراً إياهم، بلغة جسد عدائية، من الاقتراب منّي. كأنه يَعُدُّ نفسه حارسي الشخصي لا الشاب الذي أخرج معه. كأننا تحمَّلنا عناء الوصول للحفل لافتعال المشاكل عوضاً عن الاستمتاع بموسيقى الآلي الكوري الشهير كيم لي.

لم يكن خوفه عليَّ مبرراً رغم ازدحام المكان، فالمدينة آمنة، وأنا أعرف كيف أحمي نفسي جيِّداً. إلا أنه طالما أصرَّ على معاملتي كطفلة، متجاهلاً حقيقة قيامي بترتيب شراء التذاكر بعد فشله بذلك. نفدت التذاكر نتيجة تأخرّه وإهماله، لم يتعلّم درسه من المرّات السابقة. كما أنه أصرَّ على القيادة بنفسه عوضاً عن استقلال سيارة أجرة ذاتية القيادة، ما أدَّى إلى وصوله متأخرًا إلى منزلي ليقلَّني في طريقه، فاضطررنا الخوض في زحمة المرور رغم اختيارنا الطريق الجديد الأقل ازدحاماً.

اتخذنا الطريق المعلق فوق الجسور الأخرى لنصل مباشرة إلى طرف جزيرة النخلة الجديدة في عرض البحر حيث الحفلة. ولأننا خرجنا في وقت الذروة، فُرض علينا دفع تعرفة «سالك» المرورية المرتفعة كلَّما مررنا بواحدة (خمس مرات على الأقل). وعند وصولنا إلى منطقة الأرينا الجديدة في طرف نخيل ميجا مول علقنا لمدة ساعة أخرى بين السيارات في طوابق البناية المخصصة للاصطفاف. وبعد أن حالفنا الحظ بإيجاد موقف، متفادين عدة فرص للشجار بينه وبين سائقين آخرين، اختنقنا من شدة الحر بانتظار دورنا لاستقلال المصعد.

كدت أفقد وعيي مع ارتفاع نسبة رطوبة الجو ونحن نعبر الممر المؤدي إلى القاعة. وحين وصلت وسألت أحد الحاضرين عن مكان بيع الماء، تفاجأت بيزن يبدي امتعاضه. وعندما أسرعت نحو بائع المرطبات طلباً لزجاجة ماء، وجدته يمسك يدي ليمنعني، متصدياً للمهمة بنفسه وكأنها طريقته الوحيدة للتعبير عن رجولته في هذا العصر.

هل يتوقع مني الرد عليه بعد أن خرب عليَّ الاستمتاع بالحفلة التي انتظرتها لأشهر؟ بعد أن دفعت ألفي درهم ثمناً لتذكرتي؟

قررت تجاهله والطلب من تينا تذكيري بالتزاماتي لليوم. اختفت ملامح وجهها مجدَّداً وظهر مكانها جدول مواعيد. تلته عليَّ:

٩:٠٠  صباحاً، حصة يوجا في دبي هيلز.

١١:٠٠ صباحًا، تانينغ في فندق فيدا في جي إل تي.

٢:٠٠ ظهراً موعد تقليم وطلاء الأظافر في صالون بيوتيفي في دبي هيز مول.

٣:٠٠ موعد تصفيف الشعر في ميديا سيتي.

٤:٠٠ غداء مع عبير في المطعم اليوناني في مدينة جميرا.

٦:٠٠ مساء، جلسة مساج في المنزل.

٩:٠٠، حفل عمل في فندق حياة ريجنسي في خور دبي لإطلاق نكهة جديدة من شوكولاتة دبي.

اشتد الصداع مع سردها لقائمة الالتزامات. وضعت يدي على جبيني وطلبت منها إيقاف الموسيقى. كيف لي القيام بكل ذلك وأنا لم أرقد ساعة واحدة الليلة؟ أدركت وجوب تنازلي عن بعض الالتزامات. راجعتها على عجل وقررت. لم يكن لديَّ طاقة للقيام باليوجا ولن تحصل مصيبة إن أجَّلت لقاء عبير إلى الأسبوع القادم. يمكنني تناول أي شيء في الطريق وتوفير ساعتين من الوقت. ستزعل عبير ولكنها ستتفهم وضعي بعد شرحي لها.

طلبت من تينا الغاء حصة اليوجا والاعتذار من عبير ولكنّي تفاجأت بها تنبهني: «غرامة عدم حضور حصة اليوجا ١٥٠ درهم سِت هبة. مفروض كان لازم تلغي قبل ٢٤ ساعة!».

«أوف شو هالنصب؟! مش دافعة ١٥٠ درهم»، اعترضت. لم تعجبني نبرة صوتها وكأنها تلومني على خطأي. لم أجادلها. سأبدل الإعدادات الخاصة بها لاحقاً أو أعيدها إلى المتجر وأطلب رد نقودي.

«خلص خلي الحصة، بروح وبعمل حالي تعبانة وبطلع بنصها».

جاء رد عبير بعد لحظات: «عرفت رح تلغي كالعادة آخر لحظة. كلبة!»

تجاهلت رسالة عبير مع نزولي آخر درجات السلم. فتحت الباب الجانبي للبناية وخرجت للانضمام إلى الجيران الذين سبقوني بالنّزول. وما إن أُغلق الباب خلفي شعرت بصعوبة بالتنفس. سال العرق على جبيني كالدوش من حرارة الجو وشدة رطوبة الصباح. فيما طلبت من تينا منديلًا لأمسح وجهي، انتبهت إلى وقوف الجيران في صفٍّ واحد يراقبوني مع مساعداتهم الآلية، وكأنّي صعدت إلى خشبة مسرح لعرض الأزياء.

تجاهلتهم وجلت ببصري باحثة عن منطقة قريبة من المراوح الملطفة للهواء للوقوف فيها. لم أجد. سبقوني باحتلال المكان مع مساعداتهم. نظروا إليَّ بصمت من دون أن يتبرع أيّ منهم بإفساح مساحة لي.

ترددت للحظة قبل أن أتجرَّأ بالاقتراب من إحدى الجارات. جارة يابانية بدت لي لطيفة وكانت في مثل عمري. شابهتني في لباسها وقبَّعة رأسها ونظارات الشمس على عينيها. ألقيت عليها تحية الصباح باللغة الانجليزية ولكنها تجاهلتني، لربما لم تسمعني. رفعت صوتي ولوَّحت أمام وجهها لجذب انتباهها، ثمّ أشرت إلى المساعدة الآلية الخاصة بها وطلبت منها بأدب، «كان يو موف يور روبوت تو ذا سايد؟»، وضعت يدي عند رقبتي وأضفت: «أي أم سافوكيتينغ».

«نو واي!»، تفاجأت بها تمسك بذراع الآلي وتشبك ساعدها بساعده. مالت عليه بدلع وأجابتني ببرود أعصاب: «هاروتو كانت توليريت هيوميديتي».

هاروتو لا يتحمّل الرّطوبة، أمّا أنا، بنت البطة السوداء، أتحمّلها؟ «كلّه إلاّ هاروتو»، قلت بصوت خافت بعد أن تذكرت الوله الذي يكنّه اليابانيين لمساعداتهم الآليات. لا بُدّ وأنّها اعتبرته حبيبها لا مساعدها. وجب عليَّ استنتاج ذلك من هيئته، من اختيارها لهيكله الفولاذي؛ أكتاف عريضة وصدر واسع وخصر نحيل يحاكي أجساد الرجال، بما في ذلك طوله الذي فاق طول تينا بمسافة، ولباسه الثمين من شورت وقميص بولو رالف لورين، إضافة إلى الشعر المصطنع الناعم القصير الذي غطى أعلى رأسه.

لا بُدّ وأنها دفعت ثمنه أضعاف ما دفعت لاقتناء تينا.

تركتها والتفتت حولي أبحث عن جار مستعد للتنازل عن مساحة الظّل التي يحتلّها مساعده الآلي؛ إلى يميني وقف الجار النيجيري اللطيف. كدت أطلب منه التنازل عن مساحة لي لكنّ مساعده كان يحمل طفله ويداعبه. لن يضحّي براحة طفله من أجلي، ولا أتوقع منه القيام بذلك. تلاه الجار الأسترالي ومساعده الراعي لكلابه الثلاثة. أمسك بها من حبالها بثبات مانعاً إيّاها من الإفلات والانطلاق خلف قطط الشارع. لن يسمح الجار بإبعاد كلابه عن منطقة الهواء بالتأكيد. جلت ببصري على باقي الجيران فانتبهت إلى جارة لبنانية تقف على مسافة منّي إلى جانب مساعدتين آليتين. صادفتها عدة مرات صباحاً منذ انتقالها للسكن في البناية عند خروجي للعمل، وطالما سبقتي بإلقاء التحية بالفرنسية بحماس: «بون جور». اعتدت الرّد عليها: «بون جور» من دون أن أفتح حديثاً معها. اقتربت منها معتقدة أنها ستتفهم وضعي لدى رؤيتها العرق على وجهي، لكنها فاجأتني برفضها القاطع زحزحة أي من مساعداتها من مكانها. تذرَّعت بخوفها عليهما من العطب قائلة: «ما فيها لا روز ولا كلوديت تتحمَّل الرطوبة. بخاف تنتزع».

ما في مشكلة إذا «انتزعت» أنا مثلاً؟ أمسكت نفسي عن الخوض بجدال معها، مُدركة أنها لا تختلف عن الجيران الآخرين. لا أحد فيهم «عاتل هم» التاني. لم أجد أمامي حلًا سوى الالتصاق بإحدى تلك المساعدات على أمل وصول بعض الهواء لي. طلبت من تينا البحث عن أي شي يمكن تهويتي به ووقفت بانتظارها وأنا على وشك الانهيار. لازمت مكاني خمس دقائق إلى أن جاء الفرج على يد جارة فرنسية ممتلئة.

شعَرَتْ بمعاناتي وطلبت من المساعد الخاص بها ترك مساحته لي. شكرتها ممتنة، وكأنها أكرمتني بمعروف العُمر. أسرعت باحتلال المساحة الضيقة التي تركها المساعد بينها وبين زوجها لكنّي ندمت بعد لحظة. شعرتُ به ينظر إليَّ نظرات غير مريحة وكأنني فتحت الباب له على مصراعيه للتحرّش بي. لو رآني يزن في ذلك الحال لافتعل شجارًا معاه. قررت تجاهله. نظرت إلى الجهة الأخرى تاركة تينا متابعة مهمة تهويتي.

ما إن استنشقت بعض الهواء وخفَّ تدفق العرق إذ بصوت الصّفارات يتوقف.

«الحمدالله!»، انتهى الكابوس أخيراً وبات بإمكاني العودة إلى شقتي والنوم لبعض الوقت.

أشعلت سيجارة لتهدئة أعصابي المتوترة، وما أن سحبت نفساً منها وإذ بمنسق الأمن الخاص بتطبيق إجراءات إخلاء المبنى عند الحريق يقترب منّي ومساعده الآلي خلفه. سألني عن اسمي ورقم شقتي ودونهما في ملفه. أشار بعد ذلك إلى مساعده الذي دوَّن وقت إخلائي المبنى، وقال إني تأخّرت عن الفترة المسموح بها مدة عشر دقائق. سألني مباشرة عن السبب، وحين فشلت في إعطائه إجابة مُقنعة، سجَّل ملاحظة في ملفّي.

أعطاني محاضرة بوجوب الالتزام بالتعليمات لتفادي أي حوادث في المستقبل، وحذّرني من غرامة مالية إن تأخَّرت عن النزول في المرة القادمة.

أزعجني أسلوبه ولم يرضِني تسجيله لتلك الملاحظة، جادلته بعصبية متظاهرة بالتعب والمرض مشيرة إلي وجوب مراعاة إجراءاتهم أيام العطل، كنهاية الأسبوع والأعياد التي يسهر فيها السكان ولا يصلون إلى بيوتهم سوى في ساعات متأخرة من الليل. لا يجوز لهم أن يفاجئونا بتدريبات إخلاء المبنى في اليوم الوحيد الذي نستطيع الراحة فيه.

بينما انهمكت بالجدال معه، بما في ذلك تهديده بتقديم شكوى في حقه وحق الشّكة المسؤولة عن إدارة البناية، وإذ بأصوات الجيران تعلو.

التفتت حولي لاستطلع ما حصل، وانتبهت إلى الجارة اليابانية تشير إلى أعلى باتجاه شقتي وتصرخ بصوتها المزعج، «فاير فاير». وما إن خطوت مبتعدة عن المبنى ونظرت إلى حيث أشارت إذ بي أرى ستائر محترقة بالفعل.

أُدركت أن النار تشتعل في شقّتي لا غيرها!

«تيييينااااا شو عم يصير؟»، صرخت بها بلا وعي. كيف حصل هذا؟ ألم نترك الشقة سليمة قبل قليل؟

وقفت مكاني مشلولة، أتابع مع باقي السكان وصول المسيرات الطائرة مع رشاشتها المائية إلى شقتي في محاولة للسيطرة على الحريق، فيما عرضت لي تينا، على شاشة وجهها، ما حصل داخل الشقة من امتداد الحريق من الحمام إلى غرفة الجلوس والمطبخ وغرفة النوم، إلى إغراق الشقة كاملة بالماء.

حين انتهى كل شيء، استنتجت تينا مصدر الحريق.

أعادت تشغيل الفيديو الذي صورته الكاميرات المزروعة في الشقة لتصل إلى لحظة دخولي إلى الحمام وإشعالي السيجارة ورمي عقب في سلّة المهملات. ركزت الصورة على ما تبقَّى من السيجارة التي أشعلت ورق الحمام في السلة. احترق الورق والحمام واحترقت الشقة، وراحت مع الكل أي راحة انتظرتها في عطلة نهاية هذا الأسبوع، والأسابيع المقبلة!

«إلغي كلّ المواعيد وأرسلي ليزن. خبريه إنّا جايين نسكن عنده»، طلبت من تينا بنبرة منهزمة.

وتركتها تقترب منّي وتحضنني.

«ما إلي غيرك… والله..».

فادي زغموت كاتب أردني وناشط في مجال النوع الاجتماعي. حاصل على ماجستير في الكتابة الإبداعية والتفكير النقدي من جامعة ساسكس في المملكة المتحدة. له أربع روايات منشورة: «عروس عمان»، «جنة على الأرض»، «ليلى والحمل»، و«إبرة وكشتبان». تُرجمت أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية. في العام ٢٠٢١، كان أحد المرشحين النهائيين لجائزة خريجي المملكة المتحدة العالمية ضمن فئة التأثير الاجتماعي. يغرد من خلال @fadizaghmout.

اختياراتي مدمرة حياتيفادي زغموتقصة قصيرة

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Become a Member