تتأمل كارولين الإسكندرية بعين من تزورها كل سنة مرة، من الكورنيش وحتى البساريا، مرورًا بالقطط ونجيب محفوظ وميزانية الشهر المتأثرة بالزيارة.
أتصل بفندق «كريون»، أحد فنادق الإسكندرية القديمة، أتأكد من أن الغرفة المُطلة على البحر شاغرة، لا أختار الغرفة المزودة بحمام لأنها أغلى قليلًا، واعتبر أن تجربة الحمام المشترك في آخر الردهة أشبه برحلات التخييم، حيث اعتدت مشاركة الحمام مع صديقاتي في الغرفة، وذلك بفضل نشأتي المسيحية، حيث المخيمات جزء أساسي من النشاط التربوي والترفيهي الذي تقدمه الكنيسة القبطية لأبنائها.
ابتلع ريقي عندما أفكر في تناول طبق «بساريا»، نوع من الأسماك صغيرة الحجم جدًا تُقلى أو تشوى حسب الرغبة، مع زجاجة بيرة ستلا في مطعم «كاليثيا» الذي يُقدم أيضًا أحد الأطباق المفضلة الأخرى عندي والذي أورثني والدي حبه، وربما لا يعرفه الكثير من المصريين ولا تقدمه المطاعم المصرية عادة، وهو طبق «الكرشة بالصلصة» مع إضافة القليل من الحمص الجاف.
أنا مغامِرة، لكني لا أتمتع بالعفوية على الإطلاق، وكثيرًا ما أتعطل ولا أستطيع أن أحسم القرارات، وقرار الرحلة إلى الإسكندرية هو جزء من الحكاية ذاتها، وجزء من كوني شخصية متحفظة قلقة، أتحرك بثقل وأعد الخطوات، إلا أني أتخذ بعض القرارات غير المدروسة غالبًا عقب تفسيري لتزامن أحداث ما أو تعاقبها، يتلخص التفسير في أن الكون يدفعني من خلال رسائله لاتخاذ قرار من دون إمعان التفكير.
وانطلاقًا من عشقي للقصص الغرائبية المبنية على ترابط المصادفات، على سبيل المثال: أن يصدح راديو التاكسي بأغنية ما، أو أن أمد يدي وأختار كتابًا من على رف المكتبة في منزلي لأقرؤه، وأجد فيه أحداثًا قليلة تتشابه مع ما يحدث حولي.
هذه الفلسفة – إن جاز لي أن أسميها فلسفتي في الحياة – وطدت علاقتي بالكاتب الأمريكي الراحل بول أوستر، ليكون واحدًا من كُتابي المفضلين. قبل الاتصال بفندق «كريون» كنت أقرأ روايته «ثلاثية نيويورك»، حيث يقول البطل: «وغدت العزلة ممرًا يفضي إلى ذاته».
أحببت بول أوستر بعد أن قرأت روايته السوداوية «في مدينة الأشياء الأخيرة»، ثم قرأت روايته المرهفة «تمبكتو» حيث الراوي كلب، يعتمد أوستر على جعل المصادفة المحرك الأساسي لتصاعد الأحداث، فكلها تقع من دون تخطيط من شخصياته، ولكنها تؤثر على طريقة اتخاذهم لقراراتهم.
يغلب على أعمال أوستر وصف المدينة كحيز مكاني تعيش فيه شخصياته، وبنسبة كبيرة يجدونها مكانًا يفترس نفسه بنفسه، ثم يعيد هذا المكان بناء ذاته مرارًا وتكرارًا من فائض الأنقاض، يجتر ما سبق أن لفظه بالفعل، يتعمد أوستر تشويش الواقع بالمتخيل وهلاوس شخصياته، ما ينعكس على القارئ ذاته، أو على الأقل هذا ما أشعر به.
![]()
ولأني أعيش في عزلة اختيارية لأسباب مختلفة، تركت القاهرة وعدت إلى المحلة الكبرى مدينتي في قلب دلتا مصر منذ سنتين حيث تقيم أسرتي، لا أخرج منها إلا لقضاء حاجات ضرورية، ومع عودتي إلى مسقط رأسي أعدت اكتشاف المدينة التي هجرتها منذ ستة عشر عامًا، وهو ما يتناوله أوستر في «ثلاثية نيويورك» من خلال اكتشاف شخصياته للمدن وعلاقتهم بها.
جذبتني نشوة المغامرة، لم يبقَ سوى تدبير تكاليف الرحلة التي زاحمت أساسيات ميزانية هذا الشهر. ورثتُ عن أمي حسن التدبير، اعتادت – كغالبية الأمهات المصريات – أن تطوع الدخل الشهري حتى يكفي ويفيض منه للادخار، وإذا ما استمعت لصوت أمي فستكون الرحلة ضربًا من البذخ لا معنى له، ولكن إغراء المصادفة قوي وتكاليف الرحلة سوف تضر بالمصاريف الأساسية المتمثلة في احتياجاتي الشخصية وطعام القطط.
أتعامل مع قططي على أنهم شركاء، شرعت أشرح لهم عن حاجتي إلى السفر، ما قد يضطرنا إلى المزيد من إجراءات التقشف، على الأخص عدد مرات تناولهم «التريت»، لا أظن أن كلامي قد أعجبهم، وبادرني أكثرهم تحذلقًا بالسؤال عما يفعله البشر من شرور تؤثر في النهاية على ميزانية منزلنا المرتبطة بتغير سعر صرف الدولار وزيادة الأسعار المتواصلة، قبل أن أشرح له، استأنف حديثه عما يفعله البشر من إشعال الحروب وما ينعكس على الشعوب من خسائر فادحة؛ أرواح البشر والحيوانات وتلاشي مدن بأكملها من الوجود.
فورًا أورط نفسي حتى لا يهزمني التردد، أحجز تذكرة القطار، ولا تغيير في عدد مرات تناول «التريت»، ولكن سأشتري فاكهة أقل، وسأتنازل عن بعض الرفاهيات القليلة المرتبطة بي، نعم للديمقراطية واحترام القطط.
البحر أشهر رمز للانهائية؛ الهرب من الضيق الداخلي إلى براح الاتساع ومدى الرؤية، الصديق الذي لا يغير مكانه، تسير بمحاذاته وقت الحاجة إلى فضفضة، كاتم السر الأمين، وحافظ الرسائل التي لا يتسلمها أحد، في الإسكندرية ٢٠٢٦ أصبح أسير الخرسانة والحواجز الزجاجية، ولم تفلح مساعي السكندريين في تحريره من قبضة المنشآت الخاصة على طول الكورنيش الممتد.
لم يعد البحر صديق من لا صديق له، لأن الجلوس برفقته مرهون بدفع الأتاوة، المتمثلة في الزيارة الجبرية لأحد المقاهي التي احتلت الممشى، أو التعرض لمضايقات وتحرش المطلوقين من الرجال في هيئات مختلفة برعاية الدولة، لتقييد حرية المواطنين والحد من خصوصيتهم.
«تساءلت في طريق عودتي إلى الإسكندرية هل استحق الحياة؟ إني أبحث عن حل لمتناقضات شتى. حل عسير فيما يبدو. فلم لا يكون الموت هو الحل الأخير؟».
ترد الفقرة السابقة على لسان إحدى شخصيات رواية «ميرامار» لنجيب محفوظ، واحدة من أقرب الروايات إلى قلبي، تقفز إلى ذهني كل مرة أبيت في فندق «كريون» الذي يشبه قليلًا بنسيون ميرامار، ترسم لي الرواية صورة لمدينة الإسكندرية في الستينيات، قبل أن تبهت صورتها التي تغنى بها ولها الأدباء والشعراء والفنانيين.
تُشرح رواية «ميرامار» المجتمع على المستوى السياسي والاجتماعي، وتوضح التغيرات التي طرأت على مصر منذ حركة الجيش المصري في العام ١٩٥٢، ما عرفت بحركة أو ثورة الضباط الأحرار، كتب محفوظ «ميرامار» ونشرها قبل وقوع نكسة ١٩٦٧ بأسابيع قليلة.
زهرة فتاة تهرب من زواج مدبر بعجوز في قريتها إلى الإسكندرية، وتلجأ إلى بنسيون «ميرامار» مستنجدة بـ«مدام ماريانا» مالكته التي تعرف والدها من خلال تعاملات تجارية سابقة.
جدير بالذكر أن بنسيون «ميرامار» يعد بؤرة الأحداث التي تتشعب في المدينة الساحلية، على الرغم من أن غالبية الشخصيات ورواد البنسيون ليسوا من أبناء المدينة، هم إما وافدين بحثًا عن فرصة للحياة، أو فارين من ماضي وذكريات جعلت حياتهم مستحيلة.
تتعدد الشخصيات النسائية في الرواية بما تحمله من اسقاطات اجتماعية وسياسية، ولكن تبقى كل من ماريانا وزهرة عقدتي الأنشوطة الأنثوية، هما وجهان للإسكندرية، أو ربما لمصر بشكل عام، الأولى المرأة المسنة اليونانية التي كانت فائقة الجمال في شبابها، يشتهيها الرجال، والآن لم يبقَ لها من زهو الماضي سوى ذكرى يتداولها رواد الفندق.
والوجه الآخر ليافعة مصرية فلاحة لا تعرف القراءة والكتابة، ولكنها تتمتع بصفات نادرًا أن تجتمع في امرأة واحدة، الجمال والبراءة، الذكاء والطيبة، تُثير فضول الرجال جميعهم، تستفز مشاعر الأبوة لدى البعض، بينما يشتهي مضاجعتها وفض براءتها آخرون، يقول عنها أحدهم:
«زهرة.. لا يغرك منظرها في الفستان وجاكتة المدام الرمادية.. أنها قطة متوحشة».
![]()
من لا يحب القطط؟
قد يستفز سؤالي البعض، أو يسئ البعض الآخر فهمه خاصة المصابين بما يسمى «رهاب القطط»، ولكن لأكون صريحة قليلًا – وليس لأن لديَّ قطيع صغير في منزلي مكون من ثلاث قطط – ألا يُمثل هذا الحيوان الصغير غير المروض بالكامل بعد – وهذا أكثر ما يميزه – في ذهنية قطاع واسع من البشر رمزًا للنساء بشكل عام، والمغضوب عليهن بشكل خاص؟
أليست النساء قططًا متوحشة تخمش الأيادي التي تُطعمها، أم أنها كائنات كسولة تسعى إلى لفت الانتباه وتلقي التدليل من قِبل البشر رغم عدم فائدتها، هاتان السرديتان اللتان يهوى البعض اسقاطهما على القطط من حيث أنهن نساء، أو العكس!
في كتاب «القطة: التاريخ الطبيعي والثقافي» لكاثرين روجرز، تسرد الكاتبة الأفعال الجنونية الممنهجة التي مارسها الإنسان على مدار التاريخ ضد القطة مدفوعًا بخرافات دينية – أغلبها مسيحية – ربطت بين القطة كحيوان متوحش لا يخضع للإنسان، وبين المرأة كمخلوق عصي على الترويض.
تؤنسني قطط الكورنيش، كما تؤنس غيري من محبيها، تركض مبتعدة إذا ما زجرها البعض، ولكنها تعود وتفرك رأسها في من تثق أنهم من عشاقها المخلصين، كما هو الحال معي، لا أمانع في تلقي تلك الخدوش غير المؤذية، فالقطط ما أن تفرك ظهرها وتتحمس للعب، تطلق لأظافرها العنان كما تفعل مع بني جنسها.
أليس الإنسان هو من أطلق على بعض العلامات الجسدية الناجمة من نشوة اللعب الجنسي مع بني جنسه أسماء مثل «عضة الحب»!
في المخيلة الشعبية، البراءة لدى النساء ميزة، لا يصمد حتى الجمال في أي مقارنة قد يعقدها الرجال بين النساء في المجتمعات المحافظة التي تربط الشرف بأجسادهن، وهو ما يحدث في رواية «ميرامار»، مقارنة واضحة بين ماريانا وزهرة.
فالأنثى التي لم تتزوج بعد لا تزال بريئة لأنها لم تمارس الجنس، ولكنها تملك جسد امرأة، وهذه السمات تُشكل في ذاتها حافزًا جنسيًا للرجال، العفة والجسد الذي لم يصله «فاتح» بعد، وهو ما يجعل من العذرية صك براءة وإثبات إن لم تقدمه العروس في ليلة الدخلة، حق للزوج قتلها في عُرف وقانون العديد من الدول العربية حتى يومنا هذا.
ولكن من ناحية أخرى، هذه البراءة وإن ارتبطت بمفهوم السذاجة أو البلاهة، صارت سلاحًا ضد المرأة، يستغله أصحاب النوايا الخبيثة، حيث يسهل للرجال الإيقاع بهن، وإشباع رغباتهم الجنسية بأجسادهن، ثم تحقيرهن فيما بعد.
الدفاع عن النفس من أجل البقاء، الذي هو غريزة طبيعية لدى كل كائن حي، قد يستلزم حنكة، ولكن أحيانًا تكفي المقاومة البدنية القوية، التي لا يُفترض وجودها عند النساء، وإذا وُجدت أصبحت مثار للتندر، وحده الإنسان «المختل» يتعجب عندما تخمش قطة يد بشرية تحاول إيذائها.
على مستوى قراءتي الشخصية لرواية «ميرامار» كانت ماريانا اليونانية السكندرية المسنة تُقاتل من أجل بقائها، ليس فقط كإنسان يصارع من أجل البقاء، ولكنها أيضًا كانت تدافع عن هويتها الجندرية أي وجودها في العلن كأنثى، ولكنها بمقاييس المجتمع لم تعد تملك المؤهلات التي تُبقي للنساء أنوثتهن.
بينما زهرة، على الرغم من سعيها إلى الترقي بالتعليم تارة أو الزواج من رجل متعلم تارة أخرى، تنهزم علنًا، بعد أن يُعلن هذا الرجل الذي آمنت به عدم نيته الارتباط بها فقط كي يرتبط بامرأة متعلمة ومن أسرة تضمن له الترقي المجتمعي، ويُفصح عن إحباطه من أن عروسه لم تكن في جمال زهرة.
تبدو رمزية الوطن/ الأرض/ مصر/ الإسكندرية متمثلة بوضوح في جسد الإناث، وهذا ما يجعلني أتساءل ماذا لو كانت الإسكندرية امرأة بالفعل، كيف ستكون صورتها في العام ٢٠٢٦؟
«النقاء»… نعم، إنها إحدى المرادفات لكلمة «البراءة»، التي اتسمت بها زهرة بطلة رواية محفوظ، في الفترة ذاتها التي شهدت صعود العديد من الأدباء مثل نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، كان هناك كاتب مصري آخر ذاع صيته شعبيًا ربما أكثر منه أدبيًا، وهو خليل حنا تادرس الذي تعرضت أعماله لكثير من النقد اللاذع لما عُدَّ محتوىً أدبيًا مناهضًا للقيم المجتمعية المحافظة في مصر.
![]()
تنوعت أعمال تادرس ما بين ترجمات أدبية وعلمية مرتبطة بموضوع أساسي شائك؛ الجنس، وصدر له عدد كبير من الروايات والقصص القصيرة ذات الطابع الإيروتيكي، كانت أعماله الأكثر مبيعًا في فترة الستينات والسبعينات، وأعيد طبع معظمها أكثر من مرة، وباع أكثر مما باع توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، كما أشارت الكثير من التقارير الصحفية.
لأغراض بحثية حصلت بصعوبة على عدد لا بأس به من رواياته ومجموعاته القصصية، لأن أعماله لم تعد متاحة الآن، ويصعب الحصول عليها حتى من أسواق الكتب المستعملة، اخترت مجموعة بعنوان «الرغبة السوداء»، الكتب صغير الحجم وتسهل قراءته في القطار أو على الكورنيش.
يا للمصادفة! كانت القصة الثالثة في المجموعة بعنوان «كبرياء امرأة»، وتدور أحداثها في الإسكندرية؛ رجل يحتمي من المطر بالوقوف قرب كشك بائع جرائد، هناك أيضًا تقف امرأة جميلة تتصفح المجلات تزجية للوقت، تعجبه طلتها وهيئتها الأنيقة، لكن من دون أي بادرة منها تُثير غضبه، ويقول: «أثارت اهتمامي بكبريائها.. أردت لو أستطيع أن أحطمه.. شعرت نحوها بشعور عدائي مبرح نفس الشعور الذي به الرجل ناحية امرأة تترفع عنه».
تدور الأحداث كما هو متعارف عليه في هذا النوع من الأدب الإيروتيكي الشعبي؛ تجمعهما المصادفة، يتحمس ويطاردها كفريسة في غابة، يُضاعف حماسه علمه بأنها امرأة متزوجة، وعندما يرى زوجها عن قرب يجده رجلًا قبيحًا ومنفرًا، تنتفخ ذاته لأنه يرى أنه أكثر وسامة، ويعقد العزم على ممارسة الجنس معها، وعندما يفلح في الخروج برفقتها في يوم عاصف مطير على كورنيش الإسكندرية، تتبلل ملابسهما، ويحتميان بفندق حتى تجف، تتسارع وتيرة الأحداث ويصل إلى المشهد الذي ينتظره القارئ المتلهف لمشهد حميمي، وبعد أن يمارس معها الجنس يشعر بالانتصار، ولكنه يتعمد جرح كبريائها واحتقارها.
هكذا بدت غالبية القصص الإيروتيكية؛ تكمن الحبكة في مطاردة رجل لامرأة، حتى وإن كانت المرأة متزوجة أي لم تكن بريئة بالمفهوم الشعبي، لأنها لم تعد عذراء، في البداية لم تستجِب بطلة الحكاية لمحاولات هذا الرجل، وهو ما اعتبره كبرياء يجب تحطيمه. ينفر الرجل من المرأة بسبب كبريائها، وبعد أن يفرغ شهوته ينفر منها لأنها خضعت له، بالإضافة إلى احتقار شريحة من الرجال لشهوة النساء بشكل عام.
ينظر بطل الحكاية إليها وهي تخرج من غرفة الفندق ذليلة وفي ثوب لم يجف بعد، ويتساءل لماذا لم تصمد مقاومتها له.
واللافت أن السطر الأول في قصة «كبرياء امرأة»: «كان يومًا ممطرًا من أيام فصل الشتاء بدت الإسكندرية على غير العادة في ثوب ذليل يوشك أن يتهتك ويتمزق».
أميل إلى زيارة الإسكندرية في فصل الشتاء، حينما تُعلَّق عند الشواطئ لافتات «ممنوع نزول البحر»، وتُرى الكراسي البلاستيكية متراصة فوق بعضها، أميل لها في ذلك الفصل لأنها تذكرني بمزاجي الذي يتغير في قفزات أرنبية سريعة متكررة، وبسنوات من وصمي بأني متقلبة كالبحر المتوسط، يومًا يكون هادئًا وديعًا يسمح بالاسترخاء والسباحة، وفي اليوم التالي هائج مضطرب، تُعلق الرايات السوداء على شاطئه.
منذ سنوات تم تشخيصي بـ«الاكتئاب ثنائي القطب»، ووجدت إجابة عن سؤالي «ماذا حدث لمزاجي؟»، الصخب والطاقة والدوشة وتراكم الأفكار وفورة الأنشطة، فأكون المرأة المرغوبة، والصديقة المحببة، والأبنة المرحة. ثم من دون سابق إنذار تنطفئ الأضواء، وجهي المزين بالمساحيق يسود، ويبقى خط الكحل ملطخًا وجهي لأيام عديدة، لم أغسله بعد ساعات البكاء المتواصل، فقدان الرغبة والاختباء والعزلة والاعتزال والصمت، حيث لا أحد، أو ربما لا أسمح أنا لأحد أن يرى وجهي المسود بنوبة الاكتئاب، لا أحد يحب المكتئبين، وقليلين مثلي يحبون الاستمتاع بفصل الشتاء في مدينة ساحلية.
«الثوب الذليل المتهتك المتمزق»، مفردات تادرس مرتبطة أدبيًا وجنسيًا بشكل واضح بالأنثى، متلازمة فعل الاقتحام والإخضاع، البراءة والدنس، الاستسلام والتوحش، الشباب والشيخوخة، المرأة فقط من تقع تحت طائلة هذه المتلازمة، وحدها تفقد البراءة وتتقدم في السن ويتلاشى بريقها وبزواله تتضاءل قيمتها، فلا يحق لها الحياة بعد أن تصل إلى سن معين.
هل الإسكندرية امرأة تكافح للبقاء؟ أم قطة لم تفارقها بريتها ولن تخضع؟ أم مدينة زال بريقها؟
في مصر يختفي الخط الوهمي الفاصل بين فصول السنة الأربعة، يمكن القول ببساطة أنه فصل صيف ممتد مع بعض الموجات من التغيرات الموسمية الطفيفة، مثل انخفاض درجات الحرارة أو الرياح والغبار، ولكن لا يمكن أبدًا متابعة تعاقب الفصول بشكل جلي كما يحدث في الكثير من مناطق العالم.
شخصيًا، تأكدت أن فصل الخريف هو الأقرب إلى مزاجي، خريف المناطق التي تُعلن فيها الطبيعة بوضوح عن تبدلها، الألوان الساخنة وصوت تفتت أوراق الشجر تحت الأقدام.
غياب مظاهر فصل الخريف في مصر يجعل من الشهور التي يُعلن فيها فصل الشتاء عن نفسه باستحياء بزخات المطر والسماء الرمادية الأقرب إلى مزاجي، أجد متعتي في الإسكندرية المهجورة بشكل ما في هذه الفترة مقارنة بفصل الصيف الحار الرطب وجماهير المصطافين.
من مكاني أستمتع بمراقبة أمواج البحر الهائج، والناس يركضون للاحتماء من البلل، بعد أن كنت بينهم قبل لحظات استمتع بالقليل منه، وقبل أن أهرع إلى بار كاليثيا لتناول البساريا المقلية وزجاجة بيرة، وأتأمل الإسكندرية جميلةً في فصل الشتاء، والقطط بعنفوانها وشراستها، فطرتها السليمة وسلاحها للبقاء، وذاتي وعزلتي ورحلتي.
يصل طبق البساريا المقلية، مصحوبًا بليمونة واحدة فأطلب المزيد، حتى يستقيم مزيج المذاق الحامض مع رشفات البيرة، واستخدم عصارة القشرة الصفراء لغسل أصابعي، لا أنفر من رائحة الزفارة العالقة بكفي بعد تناول السمك طالما امتزجت برائحة الليمون، حتى تبقى ذكرى استمتاعي بتدليل ذاتي وبوحدتي أطول فترة ممكنة.
ما إن أعتاد غرفتي الصغيرة في الفندق، وشرفتها المذهلة المطلة على البحر، حيث أحتسي القهوة سريعة التحضير (للأسف)، وأشعر بالألفة أخيرًا مع الفراش الذي أحضرت له ملاءة خاصة بي، ينهشني اشتياقي إلى قطيعي من القطط في المنزل، الذي لا يعوض غيابه إطعام عشرات القطط على طول كورنيش الإسكندرية، لأني في نهاية اليوم لا أجد بجواري هؤلاء الصغار الذين يزعجون منامي وفي الوقت ذاته يدفئون الفراش.
أجمع حاجاتي، فالرحلة أيضًا ضمن ميزانية محددة تستوجب أن تنتهي حتى لا تخل ببنود الشهر أكثر مما ينبغي، أودع المدينة الرمادية في الوقت الحالي، لا ينتظرني الكثير من الضوء في مدينتي المحلة الكبرى، فالطقس لدينا أقرب إلى الطقس الساحلي، ولكنه المنزل؛ حيث الراحة والعزلة.
ابتسم لنفسي مطمئنة أن كل مراحل العمر بالنسبة لي كامرأة لن تكون أبدًا بطاقة تعريفية تخصني، كما يمارس المجتمع سلطته على النساء، ويفرض قوانينه للعزل والفرز بناء على اشتعال الشيب في الرأس، واستفحال خطوط السن على الوجه.
انتظر بفارغ الصبر أن يتحول شعر رأسي من الأسود إلى الرمادي، الذي أجده أكثر إثارة وجاذبية لامرأة اكتسبت المعرفة بخبرتها في الحياة.