لم تعد الخطابات البريدية وسيلة تواصل معتادة الآن، عندما استطاع كارولين كامل الحصول على مجموعة منها تعود إلى السبعينيات، اكتشفت من خلالها عالمًا آخر، يشبه عالمنا كثيرًا، لكنه أبطأ وأكثر حميمية.
١٩٧٩

(٨)
لا يكفُّ سيد المصري عن سؤال ابنه بخصوص تحديد موعد الزفاف، فكان صلاح يُجاوبه بأنَّ الخطبة لم يمر عليها سوى أشهر عدة، ثم يغيِّر مجرى الحديث موجهًا الدفة إلى شؤون شقيقتيه ومستقبلهما، وخطة شقيقه منصور بالالتحاق بكلية الطب.
يهزُّ والده رأسه ويبتعد بوجهه بعيدًا عنه، يتألم صلاح، ويحاول استعادة انتباه والده، ويقول له:
«هانت يا أبو صلاح.. الواد منصور هيجيب لك اللقب يا أبو الدكتور».
لا ينظر سيد إلى ولده، ويقول بالنبرة الهادئة المستسلمة:
«أنا عايز حاجتين من الدنيا يا صلاح.. أحج وأشيل عيالك قبل ما أموت».
يتساءل صلاح في نفسه عن إصرار والده بالدفع في تنفيذ مشروع الزواج، بينما لا يملك حتى دفع مقدم لشراء شقة، أو البدء في بناء شقته في العقار الذي يسكنون فيه، ولكنه يتفادى هذا النقاش حتى لا يضطر أن يُجيب عن سؤال والده ماذا فعل بالأموال التي تلقاها طوال سنوات عمله قبل الخدمة العسكرية.
حتى باغته والده في إحدى المرات، وقال له:
«أمك هتبيع الدهب بتاعها.. وتاخد الفلوس تجهز نفسك.. تشوف لك شقة بالإيجار.. لحد ما ربنا يفرجها وتبني شقتك هنا».
انتفض صلاح من العرض الذي قدَّمه والده بهدوء، وقال له بحسم إنه لن يقبل المساس بأي شكل بمصاغ والدته، لأنه كرجل يأبى على نفسه أن تدفع عنه والدته، ولأنَّه يشعر بالمهانة من الفكرة ذاتها التي تسلبه رجولته حتى وإن كانت لشراء مستقبل لا يريده هو شخصيًا، وقال لوالده بنبرة حزينة:
«يعني أمي تبيع الدهب اللي بعد عمر طويل يخص إخواتي البنات.. عشان آخده أنا أتجوز بيه.. عيب يا مصري الكلام ده».
تنهَّد والده واستكمل حديثه غير مبالٍ بالحزن في كلام ولده، موضحًا أنه سوف يرد قيمة هذا الذهب إلى والدته فهو بمثابة دين أو سلفة وليس هبة.
(٩)
تُشكِّل قراءة الجرائد التسليةَ الوحيدةَ لسيد المصري بعد تقاعده وقضائه وقتًا طويلًا في المنزل قبل أن يخرج إلى قهوة «الإمام» في المساء. يرتدي نظارة القراءة ويشرع في قراءة الأخبار. وحرص صلاح على إحضارها له كل يوم، حتى يتسنَّى له ملء الوقت بالحديث عن السياسة مع والدته التي لا تهتم بها، ولكنها تنصت إليه وهو يسرد على مسامعها الأخبار المحلية والدولية كافة كما وردت في الصحف.
اتسعت الهوة التي تفصل بين صلاح وبين شكل حياته اليومية في منزل أسرته، بعد أن واجهته التغييرات التي طالت منزله وهو يخدم في الجيش، تغيرت محطة الأخبار التي اعتاد والده أن يستمع إليها، وكانت الأغاني تصدح في الفواصل، وفي المساء ينصتون إلى المحطة التي تُذيع أغاني أم كلثوم، لم يعد أي من هذه الموجات يرن في منزلهم، وحلَّت محلها إذاعة القرآن الكريم فقط.
تحرص أمه على تشغيل الراديو في الصالة منذ أن تبدأ نشاطها اليومي، حتى لو لم يتواجد مَن ينصت إليه، ويستمر البث حتى تُطفئه قبل النوم.
في أحد الأيام عاد صلاح إلى المنزل وكان يحمل عدة دفاتر، وأخبر والدته أنه بحاجة إلى الجلوس في الصالة بمفرده للعمل على مراجعة الحسابات في هذه الدفاتر، أخبرته بأن شقيقتيه بالفعل عند خالتهم، ووالده مستلقٍ في غرفة النوم، وشقيقه منصور يلعب في الشارع، ولن يزعجه أي شخص.
طلب منها أن تُعدَّ له كوب شاي، أخبرته بأن الماء مغلي بالفعل، تركته وذهبت إلى المطبخ. أغلق صلاح الراديو الموجود فوق الجزء السفلي من النيش بجوار علب الملبس الفخار، ومزهرية بداخلها ورد بلاستيكي، وجلس على الأريكة يعمل.
عادت والدته تحمل كوب الشاي على صينية وقطعة فطير، وضعتها على المنضدة، وقبل أن تتركه وقفت في الصالة ثم تلفتت حول نفسها، وسألت وصلاح:
«غريبة أوي.. مين اللي طفى الراديو؟».
جاوبها صلاح دون أن يرفع عينيه عن الدفاتر:
«أنا يا ماما عشان معايا شغل ملخبط شوية.. ومحتاج أركز في الأرقام».
اقتربت منه والدته، وقالت له بنبرة معاتبة:
«بس يا صلاح ده القرآن بيحمي البيت يا بني».
رفع صلاح رأسه وكان يرغب في أن يسألها عن الأخطار التي يتعرَّض لها المنزل، ويحُول دونها تشغيل الراديو، خاصة عندما لا يوجد أحد ينصت إليه، ولكنه اختار أن يُنهي النقاش، وقال لها بنبرة مفتعلة:
«الأرقام دي لو واحد فيهم غلط.. ممكن آخد فيها خصم كبير.. وأي صوت هيلخبط الحسابات في راسي.. معلش ممكن البيت يستنى شوية من غير صوت الراديو».
تنهَّدت والدته، ودعت له بإصلاح الحال، وألا تتعثر الأرقام في رأسه.
كالعادة ينتظر أفراد أسرة صلاح عودته من العمل وتناول الغداء جميعًا، الوجبة الوحيدة التي يشارك في تناولها الأب معهم على السفرة، إلا أن صلاح تأخر عن المعتاد، وأصرَّ والده على أن ينتظره الجميع، وقبل أن يبلغ تأخره ساعةً، كان صلاح يدق على باب الشقة، تعجَّبت والدته عندما فتحت الباب لأنَّ صلاح الوحيد من الأبناء الذي يحمل مفتاحًا ولا يحتاج للنقر أو دق الجرس.
عاد صلاح إلى المنزل وهو يحمل لبشة قصب، وكيسًا بلاستيكيًّل، قدمه إلى والدته، وقال لها:
«وأنا خارج من الشغل شفت القلقاس والقصب ونفسي راحت لهم.. النهارده عيد الغطاس مش المفروض ده الموسم، ناكل قلقاس ولا إيه؟».
ابتسمت والدته، وأخبرته بأنَّ القلقاس لا يحتاج إلى موسم حتى يطبخه المسلمون، تضايق صلاح من رد والدته ولكن لم يشعر بأي رغبة في استمرار النقاش الذي سيتحوَّل معه الكلام عن أي شيء إلى ضرورة الحصول على فتوى من شيخ المسجد، وجَّه كلامه إلى شقيقتيه ومنصور وقال لهم:
«نتغدى ونمصمص القصب في البلكونة».
وافقت والدتهم على أن يأكلوا القصب في الصالة بعد أن أبدى والدهم رغبته في تناول البعض منه، وبينما كانوا يتبادلون تذوق الأعواد، سأل سيد المصري ولده صلاح:
«صلاح يا ابني هو الجيش فعلًا نزل الشارع إمبارح زي ما الراديو بيقول؟».
تنحنح صلاح وقال بتردد:
«أيوه الجيش نزل إمبارح.. بس البلد مقلوبة أصلًا من يومين.. مظاهرات وخناقات على تكسير محلات».
أبدى والده علامات تعجب، وسأله:
«وهو الجيش من إمتى بينزل يفض خناقات شوارع.. الناس سرقت المحلات، دول حرامية يقبضوا عليهم».
ابتسم صلاح وقال:
«مين قال حرامية.. وبعدين بقولك ناس ياما.. مظاهرات في القاهرة والمحافظات».
لا يزال وجه والده ممتعضًا، وتابع حديثه:
«بس الرئيس قال إنهم حرامية.. والجرايد والراديو.. وبعدين مين الناس دي عايزين ايه؟».
ابتسم صلاح وقال لوالده:
«إنت مش كنت لسه بتكلم ماما إن إزاي معاشك مش ظابط الكام شهر دول في مصاريف البيت.. وإيه إللي اتغير عشان يحصل لنا ضغط كده.. أهي الناس دي زيك معاشها ومرتبها مبقاش ظابط معاهم بقالهم فترة.. فإزاي الرئيس في الوقت ده عايز يرفع أسعار العيش والرز والسكر وحاجات التموين.. فالناس نزلت تقول له لأ».
هزَّ والد صلاح رأسه وقال له:
«يعني اللي حاصل ده هوجة عشان الناس جعانة تقصد.. بس الناس دي مش قادرة تصبر شوية.. البلد لسه خارجة من حرب.. والراجل بطل وبيعرف ربنا.. عايزينه يعمل إيه تاني».
كان صلاح قد اعتاد حديث والده السياسي المفعم بإعجاب شديد بشخص الرئيس أنور السادات، ويعتبره منقذًا هبط على المصريين من السماء، ولكن أكثر ما كان يزعج صلاح في حديث والده، هو تبريره لكل ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات مهما بدت غريبة وغير منطقية إكرامًا لشخص الرئيس المتدين. الحديث عن الدين كان من المستجدات التي طرأت على شخصية والده في السنوات الأخيرة، ولكنه تجنب الخوض في الحديث معه عنها، خوفًا من تدهور حالة والده الصحية بسبب الانفعال.
اكتفى صلاح بهز رأسه، وقال بصوت مجروح:
«كان واجب عليّ أنا كمان أنزل المظاهرات.. طالما أنا مش عارف أتجوز وأنا داخل على الثلاثين».
شهقت والدته وطلبت منه ألا ينساق خلف هذه الأفكار التي يروِّجها المخربون، وطلبت منه أن يهتم فقط بحياته وخطيبته، وقالت له بنبرة باكية:
«صلاح متورينيش فيك يوم وحش يا ضنايا.. ملناش غيرك.. كلنا في رقبتك بعد أبوك طبعًا، ربنا يخليهولنا عايشين بحسه».
وفي حال لم يتحدَّث سيد المصري مع ولده عن السياسة، كان يكرِّر عليه سؤاله إن كانت الحكومة قد أعلنت عن بدء صرف المكافأة المالية للجنود البواسل بالفعل، لأنه لم يرَ أي أخبار بخصوصها، فكان صلاح يخبره بأنه لا يعلم عن أي مكافآت يتحدث.
يشرح له والده أنه ظنَّ كما ظنَّ آخرون مثله بعد نهاية الحرب، أن الشباب البواسل الذين قضوا سنوات طويلة في التجنيد وحاربوا، ستكون لهم مكافأة تعويضية عن تلك المدة، التي قضاها أقرانهم المعافون من التجنيد يعملون ويجنون المال وبدأوا حياتهم بالفعل، بينما قضى صلاح وغيره من خيرة شباب مصر شبابهم على الجبهة.
ضحك صلاح وقال بنبرة تكشف حزنه:
«الوطن مش محتاج يكافئنا دي تضحية واجب وشرف.. بس أنا مش عارف أبدأ منين.. الدنيا إزاي بقت كبيرة وغالية كده.. أنا في حاجات حتى مقدرش أحلم بيها، والغريب أن أصغر مني وكانوا أفقر مني عملوها».
أنهى صلاح كلامه، ونظر إلى والده، ورأى الدموع على خديه، أسرع إلى الأريكة حيث يجلس والده، ومال على يده وطبع قبلة، وطلب منه أن يدعو له ويغفر له يأسه وكدره.
منذ اليوم الذي صارح فيه صلاح والده وبكى الأخير بسبب كلامه، لم يتحدَّث أي منهما مرة أخرى عن المكافأة، بل تجنب والده حتى الحديث معه عن الأحوال السياسية، وفقد رغبته في مطالعة الصحف، واكتفى بالإنصات إلى إذاعة القرآن الكريم.
في أحد الأيام عاد صلاح إلى المنزل، وهو يحمل عددًا من الصحف، قدَّمها إلى والده، وقال له بنبرة عتاب:
«أوعى تكون بطلت تقرا الجرايد بسببي».
ضحك والده وقال له إنه يمتنع عن فعل الأشياء التي ترفع له الضغط دون داعٍ، ويُفضِّل أن يترك الفرصة لقطعة جبن من المِش الذي تحرمه منه الست رؤيات، وتسمح له روايح ابنته بتذوق القليل منه. ضحك صلاح وقال لوالده إن صحف اليوم تحمل خبرًا سارًّا، ليس عن المكافأة وإنما قرار قد يساعده على أن يُعوض ما فاته.
اتسعت عينا والده وسأله عن أي قرار يقصد، أخرج صلاح جريدة من الرزمة، وقرأ بصوت عالٍ:
«أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة عن مكافأة (دفعة نعيم) التي أنهت خدمتها العسكرية مؤخرًا، بإنهاء استدعائهم للاحتياط حتى لمَن لم يبلغ الخامسة والثلاثين كما هو منصوص عليه بالقانون».
قرأ صلاح الخبر وساد صمتٌ بينه وبين والده، وبعد لحظات أخبر والده بأنَّه الآن يحق له السفر والعمل في إحدى دول الخليج دون الحاجة إلى موافقة القوات المسلحة. أبدى والده عدم فهمه للكلام بشكل كامل، فقال له صلاح بكلمات واضحة:
«أنا هسافر العراق أشتغل».