الرواية والهرب من الأسلوب

"زائد وناقص ٢"، سلوى روضة شقير

علي جازو   By • 21 SEPTEMBER 2026

يكتب علي جازو عن مفهوم الرواية، ويعيد النظر إلى ما تتميز به من تماسك وانضابط، ويناقش إن كان كمال الرواية يؤثر على إبداع كاتبها.

ربما لم يبق من الرواية غير أسلوبها وطريقة سردها.
ليس الأسلوب، أسلوب أي كاتب، أقل من الإبداع نفسه. إنه أقرب إلى ابتكار وخلق منه إلى طريقة معهودة في الكتابة. على الأرجح هو مقابلة وتضاعف، تركيز أقرب إلى ازدواج وتناقض. مقابلة ما لم يكن مرئيًا من قبل، وتضاعف حدثٍ كان في البداية هامشيًا ثم تحول إلى بؤرة وإلى مركز، وتناقض لا يبحث عن تفسير ولا شرح.
يحدث أن يمدح أحدنا الإحاطة والتمكّن من الأسلوب. وهذا عادة غير مستغرب، بل قد يكون بمثابة نصيحة دائمة. لكن إلامَ نردّ أمر الهرب من الأسلوب الصحيح أو الدارج! ثم ألا يكون الدارج هو غطاء اللا أسلوب عينه، ألا يكون التكرار والعمل وفق نموذج مسبق، وهل الرواية في أسلوبها هي العمل وفق تصور مسبق، أم أن الشكل يولد مع الفكرة، مع الكتابة، الأسلوب كلمة كلمة وسطرًا بعد سطر!

الضبط والتحكّم
تبدو الرواية، في أحد وجوهها، فنًّا يقوم على السيطرة، على الإحاطة الكافية بموضوعها، على معمار مختار وبناء متدرج خطوة خطوة. إنها هندسة سردية: تحكم في سرد النص، اقتدار لغوي، وتنظيم الإيقاع وتواتر الانتقال من فصل لآخر، مع الحرص على تتبّع الشخصيات داخل مسار خطيّ متماسك. الكتابة الخطية وزمنها المتقدم فصلًا تلو آخر، والالتزام بإيقاع، كلها عناصر تمنح النص وحدة ظاهرية، وتماسكًا معينًا، ما يوحي بأن العالم السردي خاضع لوعيٍ قبْليٍّ. القارئ، حين يلمس هذا الانسجام، يألف الأسلوب، يعجبه الاسترخاء في نص وثير، فكل شيء مرتب في مكانه، وكل تفصيل يخدم بنية محكمة. تتوالى الأحداث بلا غموض، إنها مرتبطة بالواقع ومتأتيّة بعضها من بعض، غير أن السؤال الذي يظهر من خلف هذا البناء المتقن: ماذا يحدث لما يفلت؟ لما لا يخضع للضبط؟ لما هو شبيه التمزق والتقطّع والتراكب والتداخل، لسردٍ يتلقى أكثر من صوت في آن واحد، ويرى أكثر من صورة؟
تتقدم الحكاية من نقطة بداية إلى ذروة ثم إلى خاتمة. هذا النمط يتيح بناءً سببيًا متماسكًا، تواليًا منطقيًا محميًا بالموضوعية والتسلسل ويجعل التحولات مفهومة ومبررة. لكن هذه الخطية الصارمة قد تختزل التجربة الإنسانية. الذاكرة، على سبيل المثال، لا تتحرك في خط واحد؛ إنها تقفز، تعود، تتشظّى، وثمة ما يحل فيها من أثر الفعل لا الفعل نفسه كما بدا أول وهلة. تتداعى وتفارق ما ابتدأت منه، والزمن يتشتت يتقارب ويتباعد. حين تُصرّ الرواية على تجاهل هذا التحول، فإنها تخاطر بسرد عالمٍ يبدو أكثر ترتيبًا من الحياة ذاتها.
أما تكرار التيمات فهو أداة فعالة لتثبيت المعنى وتعميقه. يشعر القارئ بأن ثمة خيطًا خفيًا يجمع العناصر المتباعدة، وأن النص يعمل وفق منطق داخلي دقيق. غير أن التكرار، إذا تحوّل إلى إصرار ميكانيكي، وضبط آلي قد يفقد طاقته الإيحائية ويغدو تقريرًا يشبه نمط الأخبار ونقل المعلومات، وهذا ما يشلّ التحول. النقل، ذو الطابع الخبري، يمنع التحول والمضي إلى الأمام المُعتم والمجهول، فالنقلُ في حركته الثابتة ليس سوى السير في الماضي، وأسلوب الخبر أقرب إلى نشرٍ إلى إعلان منه إلى كتابة بعيدة عن النشر. الخبر تصنيع للماضي ربما وتحويله إلى موضوع. والتيمة التي تُفرض على كل مشهد قد تُفرغ المشهد من انبثاقه الخاص، مما قد يحمل تعددًا مضمرًا، وتحولًا مفاجئًا، وتجعل الشخصيات تبدو أدوات تخدم أفكارًا، تبدو توظيفًا ونمذجة.
الالتزام بالإيقاع عنصر آخر من عناصر التحكم. فالإيقاعُ ليس شأنًا شعريًا فحسب، ليس نغمًا، بل هو جزء من السرد: طول الجمل أو قصرها، اعتمادها على الحدث الأساسي أم الوصف الحركي للحدث، توالي الفصول. الإيقاع المنتظم، الفجوات والفواصل، تجسير مقطع إلى آخر وجبْره ليتماسك يمنح النص نغمة يمكن التعرف إليها، ويخلق انسجامًا يجذب القارئ. لكن الحياة، مما تصاغ عبر الرواية مرة أخرى، لا تخضع دومًا لإيقاع منتظم. على العكس انها ربما الانفلات مما هو منتظم. هناك تعثرات، انقطاعات، توترات، صمت مفاجئ. وإذا لم يسمح السرد بهذه الكسور والانقطاعات فإنه يبدو مصقولًا أكثر مما ينبغي.

المفارقة
من هنا تبدو المفارقة: ما يجعل الرواية “على سوية واحدة” أي منسجمة ومضبوطة، قد يكون هو نفسه ما يحرمها من الانفلات الضروري. من الأسلوب الهارب، فالانفلاتُ ليس فوضى ولا خللًا، وليس تخبطًا بل هو الرئة غير المستعملة التي تتنفس فيها الشخصيات خارج مخطط مسبق للأحداث.
في هذه المساحات غير المحكمة تمامًا وغير المراقبة، يشعر القارئ بأن النص ليس آلة تعمل وفق نمط محكم، بل كائنًا حيًا، شأنًا طارئًا يفاجئ ويتوارى ثم يظهر، يتقلص ثم يسترخي، ينفعل أو يهدأ، وفي هذا يصدر عن النص ما يجعله وليد اكتشاف جديد، رفع طبقة عما هو مدفون، أو بالكاد يُسمع ويرى، أنه هذا الملمح الضئيل غير المقروء، ما لم ننتبه إليه.
الانضباط، بطبيعة الحال، ليس نقيصة للرواية. من دونه قد تتبعثر الحكاية وتفقد اتجاهها. لكن الانضباط إذا صار غاية بحد ذاتها، الى شأن تقني بارد الروح، قد يتحول إلى قيد.
الرواية، في جوهرها، فنّ يعكس تعقيد التجربة الإنسانية، إنها زمن التحول نفسه، ثم أنها بالأساس اختراع شكلٍ للقول. والإنسان لا يُختزل في نسق واحد، ولا يُحاط به من جميع الجهات. لذلك فإن الرواية التي تسمح بشيء من الانفلات في البنية، في الزمن، في اللغة، تقترب أكثر من هذا التعقيد الذي لا يعني أنه مُراد بحد ذاته، أي أنه ليس التوضيح ولا التفسير، قدر ما هو الالتباس العضوي، اللامفهوم بوصفه أساسًا لا مقابلة ضد بضد، أو تعقيد بتبسيط، ليس انعاكسًا آليًا للتناقض.

البعد عن البرهان
لعل ما “يفلت منا” في خضم الحرص على البناء المتماسك هو ذلك البعد الذي لا يمكن ضبطه بالكامل: الغموض، التناقض، الرغبة غير المفسّرة والاحتمالات الممكنة. يفكر الواحد منا بالعديد من الأمور في وقت واحد، أو أنها تتداعى إلى المخيلة من دون استدعاء مسبق.
هذا البعد المتداخل لا يخضع لقوانين سببية صارمة، ولا يتكرر بوصفه تيمة، ولا ينتظم في إيقاع محسوب. ليس منطقًا يمكن الاعتماد عليه ولا هو حجّة تدحض وتبرهن. فن الرواية بعيد كل البعد عن البرهان، مع ذلك، فإن هذا البعد هو ما يمنح النص عمقه. القارئ لا يتذكر الروايات المحكمة فحسب، بل يتذكر تلك اللحظات التي أربكته، التي جعلته يتوقف، ثم يعيد قراءة المقطع نفسه.
إن الرواية التي تسعى إلى انسجام كامل ربما تنجح في تحقيق وحدة شكلية، لكنها تخاطر بخسارة التوتر، وهو توتر يتخلل الجمل نفسها المتنقلة بين نظام فكري متناسق وفوضى حسية منفلتة. أما الرواية التي تعي حدود السيطرة، فتعرف أن مهمتها ليست فرض نظام على الكلام، بل خلق مساحة يلتقي فيها المجهول بالمعلوم، ويصبح الانفلات ـ الهرب جزءًا من بناء الكتابة لا نقيضًا لها. يوصى بالدقة، لكن الحياة المروية أوسع من أن تُختزل في دقة ربما تفضي، من دون تدارك، إلى جمود.
يمكن القول إن فرادة الرواية لا تكمن في إحكام قبضتها على كل تفصيل، بل في قدرتها على الموازنة بين أن تبني عالم سرد مقنع، وأن تترك فيه شقوقًا وفجوات وتقطعًا. فالشقوقُ ليست خطأ يجب تصحيحه، بل علامة على أن النص لم يدّعِ التحكم ولا هو في طور منجز وكامل. وفي الاعتراف بعدم الكمال هذا، تولد حيوية السرد، ويولد ذلك الإحساس بأن ما نقرأه ليس مجرد بناء منطقي متتال، بل تجربة نابضة، ويحس بمكامن ابداعية لم تخطر لنا على بال. إنه ما يحيا ويدوم خارج نظام مسبق.
الراوية، ربما، هي إحلال المتناقض واللا مقال محل الأليف والدراج. والتناقض هنا ليس شكلًا وحسب، ليس اسمًا ولا لفظًا. أنه اللاشكلُ وقد عثر على جسم، على هيئة، كما لو أن قناعًا تائهًا وجد أخيرًا ما يجدر بحياة الأقنعة، وهو بهذا الوجود الهارب عثر ملاذ، على نداء بمقام نجاة من كل قيد.

علي جازو

علي جازو علي جازو شاعر كردي سوري من مواليد عامودا 1975 . درس الحقوق في جامعة دمشق، وعمل كاتباً ومحررًا في الصحافة الثقافية والنقد الفني في سوريا ولبنان. صدرت له عدة مجموعات شعرية، منها «الغروب الكبير»، و «ابتهالات»، ومجموعة قصصية بعنوان «قصص بحجم حبة كرز».

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Essays

من الهامش إلى العالم الشاسع

10 AUGUST 2026 • By كريمة أحداد
من الهامش إلى العالم الشاسع
Interviews

حوار: الفرد والعائلة والسلطة في المجتمع السوري

11 MAY 2026 • By علي جازو, ياسين الحاج صالح
حوار: الفرد والعائلة والسلطة في المجتمع السوري
Essays

صاعد النخل الذي سقط إلى الأبد

27 APRIL 2026 • By أحمد الجمال
صاعد النخل الذي سقط إلى الأبد
Fiction

ثلاث قصص قصيرة لعلي جازو

6 APRIL 2026 • By علي جازو
ثلاث قصص قصيرة لعلي جازو
Essays

على الجسر: بين لغة الأم ولغة الأمَّة

16 MARCH 2026 • By محمد عبد النبي
على الجسر: بين لغة الأم ولغة الأمَّة

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

8 − eight =

Scroll to Top
Views: 1