من الهامش إلى العالم الشاسع

حامد عبدالله، "التسليم".

كريمة أحداد   By • 10 AUGUST 2026

تحكي كريمة أحداد عن التغيير الذي طرأ على حياتها بسبب الكتب؛ من الحسيمة في المغرب إلى إسطنبول، ومن فتاة صغيرة إلى كاتبة نسوية معروفة.

أنقذَت الكتُب حياتي. ولولاها لكنتُ في عِداد الموتى. وأقصد بالموتى أولئك الذين يعيشون ويتنفَّسون ويمشون دون أن يحْيَوا بالفعل، لأنَّ حياتهم محض دورٍ يؤدّونه على أكمل وجه، من أجل إرضاء الآخرين، وكسبِ التصفيق من المجتمَع. لا أعرف كيف، لكنني كنتُ لأكون تعيسةً، وبائسة. ولم أكُن لأجد الطريق إلى داخلي، إلى تلك النقطة العميقة التي تحدِّدني، وتعرِّفُ مَن أكون.
وُلِدتُ في الحسيمة. تلك المدينة المهمَّشةُ التي تقَع خلفَ جبالِ الريف البعيدة شمال المغرب. ونشأتُ في حيٍّ فقير يعدِم أبسط شروط العيش الكريم. لم يكُن لدينا مكتباتٌ عمومية، ولا مسارح، ولا قاعات سينما، ولا حتى حافلاتٌ عمومية تنقلنا من مكان إلى آخر داخل المدينة. لم تكُن لدينا وسائل ترفيه في منطقتنا، وباستثناء حديقة 3 مارس في شارع حجرة النكور بوسط المدينة (التي يسميها المحلّيون باركي تشيتا)، والشواطئ التي منحنا إياها الله، لم يكُن ثمَّة مكانٌ يلعب فيه الأطفال البسطاء. كان لدينا المساحات الخضراء الشاسعة، وحقول السّنابل والتين الشوكيّ، وزرقة البحر الأبيض المتوسّط في الأفق، وحكايات الجدّات.
لا أذكر أول كتابٍ وقعت عليه يدي، ولا كم كان عمري حين قرأتُ أول نصٍّ خارج المدرسة. ربّما كان قصةً قصيرةً للأطفال، أو مجرّد قُصاصة إخبارية في صحيفةٍ قديمة. لكنني ما أزال قادرةً على استرجاع إحساسي وأنا ألمس الورق، وأستمتع بطعم الكلمات في فمي، مقلّبةً إياها في عقلي، مأخوذةً بها، كأنها وحيٌ من عالمٍ آخر. كانت الحياةُ مُمِلّةً وصعبة، وكان أقصى ما تحلم به الفتيات هو الزواج وإنجاب الأطفال. لم يُغرِني هذا الحلم قط، حتى وأنا أنمو وأصبح مراهقة. بل لشدة ما كان مُبالغًا في تقديره، صرتُ أنفر منه، وأبتعد عن أيّ مكان يُذكَر فيه قدر الإمكان. كنتُ أنعزِل، وأبحثُ في كلّ مكان عن أيّ شيءٍ يُقرَأ.
ربّما لأنني كنتُ أرى كيف تعيش النساء في منطقتي، غارقاتٍ في قمامة المطابخ وفي الأشغال المنزلية من رؤوسهنّ إلى أخمص أقدامهنّ، يركضن باستمرار من أجل التنظيف وإطعام الأطفال والدواجن وكنس الفضلات عن الإسطبلات. عِشن حياةً شاقّة، يعمَلن باستمرار مثل آلاتٍ، بلا رواتب، ولا أجور، ولا حتى تقدير في بعض الأحيان. بل كانت تأدية تلك الأعمال تُعدُّ واجبًا عليهنّ، شرطًا للزواج، صفةً من صفات النساء الصالحات. وكلّما كانت المرأة قادرةً على العمل أكثر كانت مرشّحةً أفضل وأقوى للزواج، يصفّقون لها، ثمّ ما يلبثون يضيفون أعمالًا أخرى إلى لائحة واجباتِها. كنّ يشِخن باكرًا، وتتقوّس ظهورهنّ، وتتدلّى أكتافهنّ، وتهاجمهنّ الأمراض المزمنة، ويعِشن في حاجةٍ دائمة إلى مَن يمدّ لهنّ بعض الدراهم لشراء أدويتهنّ. رأيتُ هؤلاء النساء بأمّ عينيّ، وعِشتُ بينهنّ، وأحببتهنّ. كان القاسم المشترك بينهنّ هو أنهنّ لم يذهبن إلى المدرسة، أو في أحسن الأحوال ذهَبن، لكنهنّ انقطعن باكرًا.
طبعًا، يمكِن لأيّ امرأةٍ في هذا العالم أن تختار الزواج وإنجاب الأطفال هدفًا لحياتِها، فكلّ امرأةٍ حرّةٌ في اختياراتِها وأحلامِها. ولستُ هنا لأصدر أحكامًا على فئة معيّنةٍ من النساء، أو لأقول إنّ أسلوب حياةٍ أفضل من آخر، أو أنّ مَن فُرِض عليهنّ أسلوب الحياة هذا مرَرن على هذا العالم دون أثر، فكثيراتٌ منهنّ كنّ نساءً ذكيات وموهوبات، منحن الحبّ بلا شروط، وطبخن أطباقًا لذيذة، وتميزن في مجالات كثيرة مثل الخياطة والطرز والرسم، وعلّمننا معنى الإيثار والمسؤولية والطيبة.
لكنّ معظم هؤلاء النساء اللواتي أتحدّث عنهنّ لم تُتَح لهنّ الفرصة للاختيار. وسواء كنّ من الأجيال السابقة (جيل جدتي وأمّي)، أو حتى من جيلي، كانت هناك دائمًا ظروفٌ منعتهنّ من التعلّم، إمّا لأن المدارس بعيدة، أو لأنه لم تكن هناك مدارس أصلًا. في كثيرٍ من الأحيان، اضطرت الفتيات لترك الدراسة بسبب الفقر، وخرجن بدل ذلك للعمل من أجل إعالة عائلاتهنّ أو مساعدة آبائهنّ. في أحيان أخرى، تعرّضن للضغط بسبب الأعمال المنزلية الكثيرة والاهتمام بإخوتهنّ الصغار وتحمّل المسؤولية في سنّ مبكّر، فغادرن بمحض إرادتهنّ مقاعد الدراسة. وثمّة منهنّ مَن انقطعت عن الدراسة قسرًا، لأنّ مكان الفتاة في المنزل إلى جانب أمّها، تتعلّم الطبخ والقيام بأعمال التنظيف، قبل أن تنتقل إلى بيت زوجِها. كثيراتٌ منهنّ لم يكُنّ يعرفن القراءة أو الكتابة، أو يعرفن قليلًا فقط، أو نسين بفعل الزمن. ولم يكُنّ قادراتٍ على قراءة ورقة، أو لافتة في إدارة، أو بيانات مُنتَج ما من دون الاستعانة بشخص آخر.
كنتُ دائمًا متأكدة من شيءٍ واحد: هو أنه لو أتيحت لهؤلاء النساء الفرصة للتعلّم، لتألّقن وأبَنّ عن مواهب عظيمة.
بالطبع، ليست النساء وحدهنّ في المناطق المهمّشة مَن يعانين هذه الظروف، فالذكور أيضًا ذاقوا الشقاء نفسَه، وقاسوا انعدام فرص الشغل، حتى لم يعُد التعليم والترفيه من أولوياتهم. كانوا مشغولين بالحفر بحثًا عن الخبز، أو بالموتِ يأسًا في البِحار التي بلا قرار. مزيجٌ واحدٌ متماسكٌ من المنسيين نحنُ، تكالبت علينا وعورةُ الجغرافيا، ومآسي التاريخ.
ولذلك، اعتبرتُ القدرة على القراءة والكتابة نِعمة، نِعمة حقيقية لا تقلّ أهميتها عن نعمتي السمع والبصَر. استمتعتُ بكلّ لحظةٍ كنتُ فيها قادرةً على فتح كتابٍ وقراءتِه، ليس فقط لأن الكتُب منحتني مساحةً للاطلاع على العالم وعلى تجارب الآخرين المختلفة، بل أيضًا لأنها ولّدت داخلي الأمل. الأمل بأن التغيير ممكِن، ولو كان السبيل إليه بطيئًا وصعبًا، بأنّ التحوّلات الكبيرة تُطهى على نارٍ هادئة، وبأننا في انتظار ذلك كلّه، يمكننا، عبر الأدب والكتابة، استخراج الجمال من القبح واللذة من الحزن، وتحويل المنسيين إلى أبطال والهامش إلى مركز.
كنتُ ممتنّة للقراءة، لأنها جعلتني أفهم كثيرًا من الأشياء من حولي وأستوعبُها، وخاصّةً وضعي كامرأة. اكتشافي لسيمون دو بوفوار وفاطمة المرنيسي ومَي زيادة على رفوف مكتبة الثانوية التي درستُ فيها كان مفاجأة صاعقة قرّبتني من مفاهيم السلطة والقوة والطبقية والعلاقة بين الرجل والمرأة، وأفهمتني أن العقلية الذكورية تكتسح المجالاتِ كلِّها، وتعيد إنتاجَها النساء كما الرجال.


رسمة "التسليم" من عمل حامد عبدالله، أكريليك على ورق وكرتون، من سنة 1977
حامد عبدالله، “التسليم”، أكريليك على ورق وكرتون، 46×65 سم، 1977 (بإذن من Artsy).

أدركتُ من خلال الكتُبِ أنّ حِرمان النساء والرجال من التعليم على حدّ سواء مجرّد قفصٍ من الأقفاص التي يوضعون فيها ليسهُل استغلالهم والتحكّم فيهم. ينبغي أن يبقى الفقراء منشغلين بفقرهم، والمهمّشون بمشاكلهم الصغيرة وصراعاتهم اليومية المتعلّقة بالخبز والدواء والحصول على ورقة بسيطة من الإدارة، حتى لا يصدّعوا رأس السّلطة بمطالب أكبر. كنّا مع ذلك نريد جامعةً في مدينتنا، ومستشفى يليق بإنسانيتنا، أما أنا فكنتُ أريد فوق ذلك مكتبةً ضخمة أضيع فيها.
كنتُ أدخل إلى تلك المكتبة الصغيرة في الثانوية التي درستُ فيها، وأمشي بين رفوفها، سعيدةً برائحة الكتُب القديمة، والعناوين المختلفة، والمجالات المتنوّعة المتوّفِرة هناك. أذكر أنني بدأتُ علاقتي مع الرواية وأنا بنتُ الخامسة عشرة من خلال الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف ورائعته «الآن هنا أو شرق المتوسط مرّةً أخرى»، وكانت قد أعارتني إياها مدرّسة اللغة العربية (وهي بالمناسبة المرأةُ التي حبّبني صوتُها وهي تقرأ النصوص وأسلوبها في التدريس في الأدب والرواية)، ثمّ اكتشفتُ نجيب محفوظ، وسُهيل إدريس، ومحمد شكري، وشِعرَ محمود درويش والماغوط والمعرّي وجلال الدين الرومي، وتعرّفتُ إلى الجاحظ والمقامات وبديع الزمان الهمذاني. أصبح الأدب مُتعتي وأُنسي في تلك الحياة الشاقّة. وكلّما قرأت أحسستُ بعطش أكثر إلى القراءة. قرأتُ بلزاك وهوغو وفلوبير وكافكا وريلكه، واكتشفتُ أنّ هناك كاتباتٍ نساء عظيمات أكثر بكثير ممّا كنتُ أظنّ، ومِمّا قدّمته مقرّراتنا الدراسية، وهكذا وقعتُ في حبِّ جين أوستن، وجورج صاند، وجورج إليوت، وشارلوت برونتي، ولويزا ماي ألكوت، وسيدوني غابرييل كوليت…
القراءة هي النور الذي يضيء أعماقنا، نورٌ ساطع وقويّ لا يجعلنا نرى أين نضع أقدامنا فحسب، بل يسمح لنا بمعرفة الطرق والاتجاهات المتعددة في الحياة، لنختار أيها يناسبنا، وفي أيها نجد سعادتنا. الكتب تفتحُ أعيننا على العالم، وتعلّمنا التعاطف، والأمَل، وتجعلنا نكتشف نقاط ضعفنا وقوتنا، وتُرينا الإمكانات الهائلة التي يزخر بها هذا الكون العظيم والشاسع واللانهائي، وتعلّمنا طرق التحليل والتفكير والتفكّر من أجل أن نستطيع فتح أعيننا على هذه الإمكانات. تُعلّمنا الكتب كم نحن صغار وتافهون ومحدودون. كتبت إيريكا يونغ ذات مرّة: «لقد مضيتُ قدُمًا بالرغم من خفقان القلب الذي كان يقول لي عودي أدراجك». تقول لنا الكتُب إنّ الخوف ليس إلا فكرةً في رؤوسنا، أنّنا «لن نجد الشمس في غرفة مغلقة»، كما قال غسّان كنفاني، أنّ «على المرأة أن تمتلك غرفة خاصّة وبعض المال كي تكتب عملًا روائيًا» كما قالت فيرجينيا وولف…
ولذلك انطلقتُ في الحياة، ناسيةً الخوف والقيود، كما لو أنني في حلم. علّمتني الكتُب أنّ التجربة الإنسانية واحدة ومتعدّدة في الوقتِ نفسِه، أننا نتشابه رغم اختلافاتنا، أنّ ما يحدّنا جميعًا عن الحياة هو الخوف، أنّ الألم هو نفسُه، ولو اختلفت طرُقه، أنّ السعادةَ هي الهدف الذي يسعى إليه الإنسان، مهما تخبّط البعض في طريق الوصول إليه. ربّتني الكتُب، وأعادت خلقي من جديد، وحرّرتني من العجز والخوف.
هل كانت الصدفة، أم الحظّ، أم هما معًا؟ هل يعود الفضلُ لوالدَيّ اللذين درّساني بالرغم من الظروف الصعبة، أم لي لأنني تجلّدتُ أمام تلك الظروف ولم أستسلم عند أوّل مطرٍ قويّ يبلِّلُ جسدي الصغير في الطريق إلى المدرسة؟ ماذا كنتُ لأصبِح لو أنني لم أذهب إلى الثانوية، لو أنني لم أكتشف الكتُب والأدب؟
لا أعرف الجواب عن هذا السؤال. ففي الوسط الذي نشأتُ فيه، كان ثمة قائمةٌ طويلة وغامضة وهلامية من الأشياء التي تُفسِد أخلاق البنات، مثلَ الوقوف مع زملائهنّ الذكور في المدرسة، والخروج مع صديقاتهنّ، والحديثِ إلى فتياتٍ معيّنات، والمرور من شارع ما يعتبره الآخرون مشبوهًا، والعودةِ إلى البيت بعد ساعةٍ محدّدة… لكنّ الكتُب لم تكُن ضمنَها. لم يتخيّل أحدٌ أن فتاةً قد تنزاح عن الطريق الذي حدّده لها المجتمع بسبب كِتاب! أو أنّ قصّة يمكن أن تفتح نافذةً في رأسِها، وتحفّزها على الحلم بأمور ممنوعة.
كنتُ إذن أقرأ الكتب في العلَن، لكنّ تلك العملية، عملية القراءة، لم تكن تخلو من حذر، فماذا لو اطلع أحدٌ على الأفكار التي تدور في رأسي والأحلام التي تتبلور فيه بحياة أفضل أكون فيها حرّةً وخلّاقة، تمامًا مثل الكاتبات التي أجلّهن وأقدرهنّ؟ ماذا لو عرفوا أنني بسبب هذه الكتُب ألعن نظامهم الاجتماعي كلّه بأفكاره القديمة وعاداته البالية وقواعده؟
لم أكن حُرّةً في القراءة لأنني نشأتُ في وسط يشجّع على القراءة، بل لأنني عشت في مجتمع غير واعٍ بـ«خطورة الكتب»، وبقدرتها الهائلة على تشكيل الوعي الإنساني. يمكن أن نسمّيها حظًا، أو أثرًا جانبيًا غير مقصود، أو مفارقةً ساخرة.
لا أستطيع تخيُّل كيف كانت لتبدو حياتي من دون الكتُب. لأنّها لم تشكِّل شخصيتي فحسب، بل هويتي كلّها، وهي التي حدّدت مسار حياتي بكاملِه، واختياراتي، وشغفي، وأصدقائي، وأعدائي. فتحت الكتُب عينَيّ على كثير من الحقائق، وجعلتني متعطِّشةً أكثر للبحث، والسؤال، والفهم، مستمتعةً بالطريق وما أتعلّمه منه، أكثر من الوصول. أصبح هدفي من الحياة هو التعلّم، والسعي في سبيل العلم، والتطوّر الدائم. أن أستفيد وأفيد إن استطعت. أستفيد عبر القراءة، وأفيد عبر الكتابة.
تشكّل حلمي في أن أصبح كاتبة مبكّرًا جدًا. ربّما كانت البذرة موجودةً بالفعل في داخلي، لكنّ الحلمَ كبُر وترسّخ بالتوازي مع القِراءة. كنتُ أكتب دائمًا منذ أن كنتُ في الثانية عشرة، قصصًا وشعرًا وخواطر ونصوصًا طويلة. لم أتوقّف قط حتى ذهبتُ إلى معهد الصحافة في نهاية العام 2011، وكانت نصوصي تنضج مع الوقت، ومع القراءة المستمرّة (أؤمن أن الكتابة لا تنضج ولا تتقوّى إلا بالقراءة، إذ إن الكاتب قارئٌ أولًا). كتبتُ أول قصصي القصيرة وأنا في الرباط. لم تكُن حينها علاقتي مع الكتّاب المغاربة المكرّسين تتجاوز المعرفة عبر مواقع التواصل، أو من خلال العمل الصحافي، لكنني مع ذلك استجمعتُ شجاعتي، وعرضتُها على بعضهم مِمّن كانوا يتابعون كتاباتي على فيسبوك. كانت الآراء بشكل عامّ إيجابية ومشجّعة، ونصحني أصدقاء بجمعها ونشرِها في كتاب، أو التقدّم بها إلى جائزة اتحاد كتّاب المغرب للأدباء الشباب التي كانت أبواب الترشّح لها مفتوحة آنذاك.
في نهاية العام 2015، حصلتُ على جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب عن مجموعتي القصصية الأولى. كانت تلك اللحظة بمثابة تأشيرة لي لدخول لعالم الكتابة، فقد رأيتُ اسمي أخيرًا على غلاف كتاب، ورأيتُ كلماتي بين أيدي القرّاء، وسمِعتُ آراءهم، وحضرتُ تظاهرة ثقافية احتُفِي بي خلالَها ككاتبة. كأنني وضعتُ قدمي الآن في المكان الذي أنتمي إليه، وأصبح عليَّ فقط أن أبقى فيه. ولعمري إنّ البقاء فيه هو أصعب من الدخول إليه، وزملائي الكتّاب والأدباء يعرفون ذلك حقّ المعرفة. إذ يستدعي ذلك عملًا كثيرًا، ومجهودًا حقيقيًا، لا يقدر عليه إلا أصحاب الإرادة القوية والمهووسون بالكتابة.
مرّت عشر سنواتٍ على حصولي على تلك الجائزة، وقد أصدرتُ منذ ذلك الوقت ثلاث روايات ومجموعة قصصية، وأعمل الآن على روايتي الرابعة. يمكنني القول، بعد هذا الوقت، إنّ الكتابة بالنسبة لي هيَ الروحُ التي أحسّ عبرَها بالحياة بعُمق، وهي الجِسر الذي يربطني بالعالم، واللعبة التي تجعلني أستمتع بوجودي في هذه الدنيا.
اليوم، لا أنظر إلى أيّ شيءٍ حولي إلا عبر منظار القصص والحكايات. وبفضل الكتُب والكتابة، خرجتُ من الهامش إلى العالم الشاسع، وأصبحتُ قادرةً على جعل الهامش مركزًا، والمنسيين أبطالًا لا يُنسَون.

كريمة أحداد

كريمة أحداد كريمة أحداد، روائية وكاتبة مغربية مقيمة بإسطنبول. صدرت لها ثلاث روايات «بنات الصبار» و«حلم تركي» و«المرأة الأخرى»، ومجموعة قصصية «جرح أسفل البطن». حصلت على جوائز عِدّة منها جائزة اتحاد كُتّاب المغرب للأدباء الشباب العام 2016، وجائزة محمد زفزاف للرواية باللغة العربية عن روايتها «بنات الصبار» العام 2020. تركّز كتاباتُها على استكشاف المناطق المظلمة والحميمية في حياة النساء، بأسلوب بسيط وساخر وشاعريّ، وتخوض عبر قصصهنّ في تعقيدات الحياة الأسرية وقضايا الاغتراب والحبّ والجسد. تُرجِمت نصوصها إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والسلوفينية.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Essays

صاعد النخل الذي سقط إلى الأبد

27 APRIL 2026 • By أحمد الجمال
صاعد النخل الذي سقط إلى الأبد
Essays

على الجسر: بين لغة الأم ولغة الأمَّة

16 MARCH 2026 • By محمد عبد النبي
على الجسر: بين لغة الأم ولغة الأمَّة
Uncategorized

مقال لمي المغربي: سيادة الجنون في عالم عبثي

10 NOVEMBER 2025 • By مي المغربي
مقال لمي المغربي: سيادة الجنون في عالم عبثي
Arabic

أشلاء زمن وانمساخ وطن

15 SEPTEMBER 2025 • By دعاء سعيد
أشلاء زمن وانمساخ وطن
TMR Bil Arabi

مقال لدينا شحاته: حين اختبأت مع القطة تحت السرير

4 AUGUST 2025 • By دينا شحاته
مقال لدينا شحاته: حين اختبأت مع القطة تحت السرير

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

2 × three =

Scroll to Top
Views: 1