في أحدث روايات رشا زيدان، يقع رجل إسرائيلي في حب سيدة فلسطينية، ليست قصة عب عادية على الإطلاق، مع أنها تشبه قصص حب كثيرة.

كانت أول مرة أدرك فيها أن للأنامل رغبة عندما قبضت كفيَّ حابسًا رغبتهما في لمس وجنتيها النابضتين حياة. لا أنكر أني تمنيت بشدة أن أُقبِّلها، ولكن ليس لأطفئ لهيب شهوة، وإنما لتخبرها شفتاي ما أظن أن الكلام لن يجد له وصفًا، فكيف أشعر هكذا من مجرد بضع كلمات تبادلتها مع امرأة لا أعرف إلا اسمها؟!
لم أستطع أن أقول شيئًا كأن لساني قد عُقِد. خرجت من بيتي أختلس الاستماع لمعازف زفاف فلكلورية فإذا بي أجد نفسي أمام سيمفونية تسلب عقلي وتهز كياني. ضحكتها كانت أقوى من أن تُقاوَم. جرأة نظرة عينيها الكحيلتين ومزيج الدلال والبراءة في نبرة صوتها أصابا قلبي -كما يقولون في الروايات الرومانسية- في مقتل، لكنها أصابتني في محيا فأحيت ما شارف على الموت. يبدو أن بعض المشاعر تُولَد عظيمة وغير مُفسَّرة، كأنها قوة خارقة تتلبس البشر فلا يملكون سوى أن يرضخوا لها. كنت منهم، ورضخت، فنطق لساني بما كان قلبي يريده حقًّا.
أريد أن أُولَد من جديد فلسطينيًّا مسلمًا من أجل -فقط- أن يكون ثمة احتمال أن أعانقها مرة.
تباطأت خطواتها شيئًا فشيئًا حتى توقفت، ونظرت إليَّ وقالت بنعومة:
– اقتربنا من الدار. لا يوجد جنود.
نظرت يمينًا ويسارًا وقلت:
– يجب أن أتأكد؛ ربما كان أحدهم مختبئًا هنا أو هناك!
ابتسمت برقة وقالت:
– يمكنك الانتظار، وإن خرج أحدهم من مخبئه تنقذني منه مرة أخرى.
نظرت في عينيها وقلت:
– بل أنقذه منك.

تعلقت أعيننا برهة بلا كلام كأننا لا نريد لهذا اللقاء القصير جدًّا أن ينتهي، لكنه انتهى. خطفت عينيها ومضت، وبقيت مكاني أرقبها حتى وصلت إلى دار كبيرة توقفت عندها والتفتت، فالتقت أعيننا مرة أخرى.
لم يكن شعوري شهوة عابرة، بل إن حصره في ما يشعر به الرجال تجاه النساء إهانة لأحاسيسي في تلك اللحظة. شعور جميل لم أجربه من قبل، يشبه الوصول إلى الوطن بعد سنوات التيه، ويشبه الصلاة الصادقة.
إذا كانت الأقدار ليست عشوائية، وكل شيء يحدث بترتيب رباني مسبق، فأعتقد أن الأمر بدأ فعليًّا قبل تلك الليلة، في ذلك اليوم عندما فرَّت من عيني دمعة صادقة وأنا أصلي عند حائط المبكى.
لم أنطق بأي قراءات من التوراة أو أدعية من التلمود. أسدلت الطليس على رأسي ووجهي، وحجبت نفسي عن كل ما حولي، وكلمت الرب بقلبي: “أعتقد أنني كنت عبدًا صالحًا وفعلت كل ما طلبته مني: لم أسرق، لم أزنِ، لم أقتل، لم أحلف باطلًا، لم أشهد زورًا، لم أشتهِ امرأة، لم أشتهِ ما لدى غيري، أكرمت أبويَّ، لكن قلبي لم يحبك. لا أطلب منك معجزة، ولا ملكًا لا يبلى ولا ينبغي لأحد من بعدي، أريد فقط أن أحبك! أنت الإله القوي الذي يستطيع أن يفعل أي شيء. أتوسل إليك، حرِّر قلبي من الجمود الذي أصابه، ورُدَّه قلبًا يشعر، واجعله يحبك”.
بمجرد أن أنهيت صلاتي وقلت “آمين”، وقبل حتى أن أمسح دمعتي، ضرب رأسي جناح يمامة بيضاء من يمام ساحة المسجد الأقصى، وأسقطت برازًا وافرًا على كم بذلتي السوداء النظيفة. في العادة، كنت سأغضب وأنظفه متأففًا، لكني لم أغضب! رفعت رأسي، فوجدتها تُحلِّق فوقي. حينها، انتابني شعور لطيف، واستبشرت خيرًا، وتصورت أنها قد تكون ملاكًا أرسله الرب يُؤمِّن على دعائي، وتعلقت أكثر بالفكرة لما رأيت سربًا من اليمام في السماء، وتخيلت أنهم ربما يكونون قبيلة من الملائكة حضروا صلاتي وأمرهم ربي بتحرير قلبي من جموده، وأن البراز تعويذة بركة ألقوها عليَّ. من يدري؟!
ثم، للحظة، عبر في مخيلتي مشهدان خاطفان: مشهد في بداية فيلم أمريكي مشحون بالعاطفة، يطلب فيه البطل بإصرار طلبًا من ربه، ثم تهب رياح قوية ويستجيب الكون لمطلبه. لكن، مع أحداث الفيلم، يجد البطل نفسه يواجه تحديات كان في غنى عنها. وفي مشهد نهاية الفيلم، يتوسل البطل إلى ربه لتعود حياته كما كانت قبل تحقيق أمنيته.
صرفت المشهدين عن خيالي بسرعة، وطمأنت نفسي أنني لم أطلب شيئًا عظيمًا تنقلب بسببه حياتي مثل بطل الفيلم، وذهبت إلى أحد الباعة الجائلين في الساحة، اشتريت منه قمحًا، وأطعمت اليمامة من كفي. كنت أريد أن أصدق أن هذه اليمامة ملاك أُطعِمه مكافأة لتوصيله البركة المرسل بها من السماء؛ فطالما صدقت في التعاويذ وأثرها، وكم رأيت جدتي طفلًا تشعل عيدان المريمية وتدور بها في أرجاء البيت تنفخ دخانها متمتمة بكلمات لا أفهمها، وعندما سألتها عن السبب ذات مرة، أخبرتني أن هكذا تطرد الأرواح الشريرة وتبطل السحر وأثر الحسد.
وإن كان الأمر بدأ تلك الليلة أم بدأ يوم صلاتي عند حائط المبكى، فإني -في الحالتين- أومن بالشطر الأخير من عبارة فاطمة: “الله لا يخطئ.” وإن كان قد رتَّب لقائي بها فبالتأكيد هو يعرف ما يفعل. هو إله قوي بلا شك، يفعل المعجزات ويغير مصائر البشر بشكل مدهش. بعضهم يعجبه التغيير، وكثيرون لا يعجبهم، ويقاومون، ومنهم قومي. وللحق، يجب أن أعترف أنني فعلت مثلهم وقاومت، إلا أنني لم أحب قط تذمرهم المستمر واستعذاب الاضطهاد، وساهم ذلك في الفجوة التي طالما كانت بيني وبينهم، وأيضًا كان سبب رسم تلك الابتسامة الزائفة على وجهي.
رافقت ليلتي نظرة فاطمة التي رأيت فيها تساؤلات لم تنطقها، أما عيناي فحملتا رغبة أكبر من تساؤلاتها. كانت تقول بعينيها: من أنت؟ وعيناي تقولان بلا خجل: أريد المزيد منك. لم أقاوم التفكير فيها ولو من باب المحاولة الكاذبة، حتى إنني خطر ببالي -من شدة ما شعرت- أن تكون فاطمة مناورة من إبليس يشعل بي اشتهاءها لأقترف خطيئة يهزمني بها وأندم بعدها. لكن، حتى هذه الفكرة، كان لها وقع مختلف عما يجب أن يكون. أحببت أن تكون فاطمة خطيئتي، بل تمنيت أن أقف أمام ربي ويسألني: لماذا شعرت هكذا تجاهها وكان يجب أن تتحكم في مشاعرك العابرة؟ فأقول له: خلقتها صاخبة أعظم من أن أقاومها، فما كان لي إلا أن أدرك عظمتك وأستسلم لها، وفي ذلك تقديس لشأنك.

