مقتطف من رواية: قانون تتبع الموتى

خالد التكريتي، "220 فولت".

ياسمين سعيد الجوهري   By • 1 JUNE 2026

في العام 2030، نجح فريق من الباحثين الأمريكيين في مختبر بولاية ويسكونسن في تحديد الجين المسؤول عن تحديد موعد الوفاة ضمن الحمض النووي البشري. تدور أحداث الرواية بعد ثلاثين عامًا من هذا الاكتشاف، لتسرد رحلات أربع شخصيات خضعت لهذا الاختبار.

رواية قانون تتبع الموتى من إصدارات ديوان، 2026.

«شركة WLSE هي أكبر شركة في العالم، بحصة تعادل حوالي 80% من إجمالي التجارة العالمية بمجموعة من المنتجات التي تجعل الحياة تجرِبة رائعة، كالمنازل الذكية (WLSA Homes)، وكذلك الهواتف المحمولة ببصمة الدماء لتحقيق أكبر قدر من الأمان والسرية لبياناتك، وتُجري الآن مجموعة كبيرة من الأبحاث لإيجاد وسائل لزيادة العمر البشري؛ لذلك ينبغي لك الاستثمار الآن في مجموعات شركات WLSE، فنحن نبني المستقبل لكم».
أمرت WLSA بإغلاق WTheater؛ فقد شعرتُ بالضجر الشديد ولم أعُد أريد مشاهدة مزيد من الإعلانات التي تُعاد ملايين المرات.
لا أعلم ما الذي حدث ولِمَ وافقتُ على عرضها، لِمَ سلمتها ما تبقَّى لي من وقت في هذه الدنيا؟! فبعد لقائنا الغريب وحديثنا بالسيارة، وبعد موافقتي على عرضها، أرسلت لي قائمة طويلة من الأسئلة المفصلة عن كل شيء في حياتي، أسئلة تطلَّبت مني أن أبحث في أعماقي حتى أجد إجابات عنها، ولكني وعدتها أن أجيب بصدق، وقد حافظت على هذا الوعد ثم أرسلت الملف والإجابات لها، وقد مر أسبوع حتى الآن ولم أسمع منها أي خبر، لم تهاتفني، لم تراسلني، ولا أي شيء، هذا الصمت يوترني، لا أعلم، هل كان شيء قرأته في إجاباتي؟ ربما تراجعت، ربما لم تعُد تود العمل معي.
جلستُ وحيدًا في غرفة الاستقبال أنظر إلى الفراغ، لقد كنت أعتقد أنه ما دمتُ أخيرًا لن أكون مضطرًّا للتدريب أو تأليف الموسيقى أو التجهيز لحفلاتي، سيكون لديَّ كثيرٌ من الوقت لممارسة العديد من النشاطات والهوايات التي اكتشفتُ خلال الأسبوع المنصرم أنه ليس لديَّ أيٌّ منها! فمنذ عشرين عامًا وأنا لا أفعل أي شيء في حياتي سوى العزف، سمحتُ له أن يتيهني بداخله، سمحتُ لألحانه بأن تكون إدماني الذي يُذهب عقلي ويُنسيني كل ما كان عليَّ مواجهته خارجًا، كانت النوتات الموسيقية هي الصاحب طوال الطريق، والآلات الموسيقية هن النساء اللاتي أتنقل بينهن بحثًا عن الأفضل والأجمل التي تعكس ألحاني بأفضل صوت وجودة، أما وحشي العاجي -البيانو خاصتي- فقد كان العائلة التي لطالما تمنيتها، يحتويني، يشعر بأناملي تلامسه فيجيبها بأروع الألحان، يلازمني في أي مكان على المسرح أو في البيت، لا أعزف إلا بوجوده، وبالطبع لم يخذلني أبدًا، كان دومًا هنا لأجلي.
ذهبتُ إليه، جلستُ أمامه أتحسس مفاتيحه اللامعة، لقد أذهلْنا الناس معًا ولكن ليس بعد، الآن يا صديقي سأتركك وحيدًا وأرحل، أرجو أن تغفر لي؛ فأنا لم أختر موتي، شعرت بالألم يكتسح صدري ولا أعرف لِمَ احتلت عقلي نغمات «قداس الموت» لموزارت، ربما لأنه مات في العمر نفسه الذي سأموت به، 35 عامًا، مات وهو يكتب «قداس الموت» آخر أعماله، ربما عليَّ أن أفعل مثله، يجب أن أؤلف مقطوعة جديدة، كلماتي الأخيرة في هذا العالم، تحركت الدموع في عينيَّ وكذلك أصابعي على مفاتيح البيانو وتدفقت النغمات من حولي.
* * *
أشعر بالتوتر الشديد وكأن الوقت لا يمضي والدقائق ترفض التحرك للأمام، تقف ساكنة في مكانها منذ أن حدثتني تحديدًا من نصف ساعة لتخبرني أنها آتية لزيارتي، لا أعرف لِمَ تأخرت هكذا، فالطريق من منزلها إلى هنا بالكاد يأخذ 20 دقيقة.
– لديك زائر على الباب يا سيدي.
أمرت WLSA أن تُدخلها إلى المنزل، هندمتُ ملابسي وشعري وخرجتُ لأستقبلها، تقف في منتصف غرفة الاستقبال تحمل حقيبة عملاقة على ظهرها وأخرى تمسكها بيديها، تبدو وكأنها ذاهبة في رحلة تخييم، تلاقت أعيننا وحقًّا لا يمكن تجاهل جمالهما، تبدو خلابة، هادئة بوجهٍ صافٍ لا يحمل شيئًا من هموم هذه الحياة، كانت فقط تنظر إليَّ، لا تتحدث ولا أتحدث، وبعد دقيقة أدركتُ غرابة الأمر فتنحنحت مواريًا خجلي وطلبتُ منها أن تدخل ففضَّلَتْ أن نجلس في الحديقة، عرضتُ عليها أن آخذ حقائبها فأعطتني حقيبة اليد وأخبرتني أنها ستحتفظ بحقيبة الظهر معها، وضعت الحقيبة جانبًا ودلفنا إلى الحديقة، ما إن جلسَت حتى أخرجَت من حقيبتها مجموعة من الأوراق وصندوقًا خشبيًّا عملاقًا ووضعتها على الطاولة أمامنا، تعجبتُ حقًّا من كونها لا تزال تستخدم الأوراق العادية، ولكنها غريبة في كل تصرفاتها، فلِمَ لا تكون غريبة أيضًا وتستخدم مثل تلك الأشياء العتيقة التي قد مر عليها الزمن؟! قالت لي:
– جاهز؟ نبدأ؟
كنت أتوقع مقدمة أو أي شيء، ربما تعلِّق على إحدى إجاباتي عن أسئلتها أو تود أن تستفيض عن المعلومات التي ذكرتُها، لا أعلم، شعرتُ بعدم الارتياح، لماذا لم يؤثر فيها أي شيء قرأته عني؟ هل حياتي مملة بالنسبة لها؟ ترددتُ قليلًا ثم أشرتُ إليها بالإيجاب، وعلى الفور ناولتني إحدى الأوراق وطلبت مني أن أقرأها.
«اتفاقية بروتوكول الحياة
تنص الاتفاقية بين نور الدين حازم (الطرف الأول) وروح زهران (الطرف الثاني) على الآتي:
– يلتزم الطرف الأول بتوفير مسكن مناسب يتشاركه مع الطرف الثاني بدايةً من يوم توقيع الاتفاقية حتى تاريخ وفاته الموافق يوم……………… على أن يتوافر بالمنزل جميع الاحتياجات اللازمة للمعيشة، وبشرط ألا يكون أحد المنازل الذكية (WLSA Home).
– يلتزم الطرف الأول بتطبيق جميع القواعد والشروط المنصوص عليها في “بروتوكول الحياة” الذي أعده الطرف الثاني، ويتكون البروتوكول من أربع مراحل ممثلة في الأشهر الأربعة المتبقية من عمر الطرف الأول، على أن تستغرق كل مرحلة شهرًا للانتهاء من تطبيقها.
– سوف يتلقى الطرف الأول في بداية كل مرحلة من المراحل الأربع قائمة بالبنود التي توضح قواعد المرحلة التي سيكون الطرف الأول ملزمًا بتطبيقها بموجب النقطة السابق ذكرها.
– يتعهد الطرف الثاني ألا ينص أي من قواعده على أي فعل قد يسبب أذى جسديًّا أو نفسيًّا للطرف الأول ما لم يسمح الطرف الأول بذلك.
توقيع الطرف الأول: …………………………………….
توقيع الطرف الثاني: ……………………………………..».
نظرتُ بقلق إليها، الآن فهمت سر حقائب السفر التي أتت بها، ولكني لم أعِش مع أحد منذ سنوات، كيف سأفعل ذلك في آخر أيامي؟! ثم لِمَ بعض الكلمات موضوع أسفلها خط؟ هل تخبرني بأن أدقق القراءة فيها؟ هل توجد معانٍ خفية بداخلها؟ ما معنى ما لم يسمح الطرف الأول بذلك؟ هل سأسمح لها بأن تؤذيني؟! أشعر بقلق ولا أعرف ما الذي ستعنيه موافقتي على تلك الشروط، أخرجَتْ قلمًا من حقيبتها ثم قالت:
– لو خلَّصت قراية وموافق، هاحتاج تملا مكان النقط بتاريخ الوفاة وتوقَّع تحت.
– الحاجات اللي تحتها خط دي معناها إيه، وخصوصًا ما لم يسمح الطرف الأول بذلك؟
– معناها إن دي أهم جزء في البند، وبالنسبة لـ«ما لم يسمح الطرف الأول بذلك»، الأذى نسبي، يعني ممكن فعل أنا أشوفه تمام لكن بالنسبة لك يكون مؤذي، فأوعدك إننا مش هنتفق على تنفيذ أي حاجة إلا لو انت موافق عليها.

خالد التكريتي، “220 فولت”، أكريليك على قماش، 106 × 160 سم، 2014 (بإذن من غاليري أيام).

ارتحتُ قليلًا عقب جملتها الأخيرة، ما دام تطبيق أي شيء مرهونًا بموافقتي، إذًا فلن أفعل أي شيء عكس إرادتي، اعترضتُ أيضًا على رفضها العيش بمنزلي الذكي، ولكنها صممت على قرارها وأخبرتني أنها تكره العيش في مكان يراقب كل تحركاتها، وبعد قليل من التفكير تذكرت منزلي الذي يقع بإحدى القرى الصغيرة بالعلمين الجديدة، وحينما أخبرتها بالفكرة رحَّبت كثيرًا وقالت إنها تعشق البحر، فاتفقنا أننا سننتقل إليه بدايةً من الغد، بعدها كتبت تاريخ وفاتي ثم وقعت على الورقة ووقَّعت هي بعدي، ثم أخبرتني أنه قبل بدء تطبيق المرحلة الأولى عليَّ أن أعرف أولًا ما «صندوق الحياة».
فتحَتِ القفل الذهبي الصغير بمقدمة الصندوق الخشبي وقرَّبته مني لأنظر بداخله، ينقسم الصندوق إلى قسمين من الداخل ومحفور على غطائه من الداخل صورة لوجه مبتسم في جهة وفي الجهة الأخرى وجه حزين، ثم قالت إنه يتبقى لي في الحياة 122 يومًا، وما عليَّ فعله هو كتابة 122 شيئًا يسبب لي السعادة و122 شيئًا يسبب لي الضيق، وأكملَتْ في حماس أننا سنضع عند الوجه المبتسم أسباب السعادة، وعند الوجه الحزين أسباب التعاسة، ثم سنختار كل يوم عشوائيًّا أحد مسببات السعادة وننفذه، وفي اليوم الذي أقرر ألا أنفذ أحدها سينبغي لي أن أختار أحد مسببات التعاسة وأنفذه عقابًا على رفضي اختيار السعادة في هذا اليوم.
اعتراني القلق، كيف سأتمكَّن من التفكير في 122 مسببًا للسعادة؟ أنا حتى لا يمكنني أن أعد عشرة أشياء! يبدو أنها قد قرأت من جديد أفكاري فوجدتُها تخبرني ألا أقلق؛ لأننا سنكتشف هذه الأسباب بداخلي معًا، ثم أخبرتني عن نظريتها التي تدعوها «السعادات الصغيرة الدائمة».
وَفقًا لنظريتها، فإن السعادة التي تحدث نتيجة الأسباب الكبيرة، كالوقوع في الحب مثلًا أو الحصول على وظيفة الأحلام وغيرها من الأمور التي تتسبب بتدفق السعادة في أروحنا، مقدَّر لها منذ بدايتها الموت؛ لأن المخ ببساطة لا يستطيع الحفاظ على هذا القدر المهول من السعادة دائمًا؛ فهو سيبحث دومًا عمَّا يقلقه، يخيفه، يفزعه.. وفي النهاية سينهي هذه السعادة بنفسه، ولكي نتمكن من خداعه يجب أن نعطيه دومًا قدرًا صغيرًا من السعادة بشكل يومي ثابت ومستمر، قدرًا لا يحاول جاهدًا محاربته، كتلك اللحظة التي تدغدغ فيها أول قطرةِ قهوة عقلك أو حينما تشتم رائحة المخبوزات الطازجة وغيرها من ملايين الأشياء، تلك التفاصيل الصغيرة التي تهربها إلى روحك ببطء فتجعلك تحيا من جديد كل يوم، تلك الأشياء التي تكون مهمتك الوحيدة اليومية هي حمايتها بألَّا تسمح لعقلك أن يعتادها فيتخطاها، لتسمح لنفسك دومًا بأن تكون سعيدًا، سواء كنت وحيدًا أو وَسط ملايين الناس؛ لأنك سوف تعلم دائمًا أنك تحتفظ داخلك بتلك السعادات الصغيرة الدائمة.
أنهت حديثها ثم قالت في حماس وهي تناولني إحدى الأوراق من يديها:
– خلينا نبدأ على طول، مفيش وقت نضيعه.
أعطتني الورقة وقالت إننا سنبدأ المرحلة الأولى الآن، وتلك هي قواعدها.
«بروتوكول الحياة: المرحلة الأولى
وَفقًا للشروط السابق ذكرها في اتفاقية بروتوكول الحياة، سوف يلتزم الطرف الأول (نور) بتطبيق القواعد الآتية التي حددها الطرف الثاني (روح) في المرحلة الأولى:
– يلتزم الطرف الأول بمواعيد الطعام ولا يمكن تخطي وجبة، ويكون الإفطار في تمام التاسعة صباحًا والغداء في الثالثة مساءً والعشاء في السادسة مساءً من كل يوم، وستقدَّم الوجبات وَفقًا لقائمة طعام قد أعدَّها الطرف الثاني مسبقًا.
– يلتزم الطرف الأول بأداء نصف ساعة صباحًا يوميًّا من أحد البرامج الرياضية التي سيحددها له الطرف الثاني.
– يلتزم الطرف الأول بتقديم عرض في نهاية كل أسبوع، يروي فيه كل التفاصيل الممكنة عن موضوع محدد سيقوم الطرف الثاني بتحديده له في بداية كل أسبوع.
– يلتزم الطرف الأول بتطبيق أسباب السعادة يوميًّا، وفي حالة رفض تنفيذها سينفِّذ أحد أسباب التعاسة، اختيار الأسباب في الحالتين يكون عشوائيًّا.
– يلتزم الطرف الأول بالتوقف تمامًا ونهائيًّا عن العزف على أي آلة موسيقية طوال مدّة المرحلة الأولى».
– نعم؟! أبطّل عزف؟! انتي عارفة انتي بتطلبي مني إيه؟!
صحتُ باستهجان بعد قراءة قاعدتها الأخيرة، كيف أتوقف عن العزف؟! لا يمكنني أن أقبل بهذا الشرط؛ فأنا لم أتوقف عن العزف يومًا واحدًا منذ عشرين عامًا، قالت لي بنبرة هادئة محاولةً احتواء غضبي:
– أنا عارفة إنها قاعدة صعبة، بس انت وثقت فيَّ واديتني أغلى حاجة بتملكها دلوقتي، وهي وقتك، وكل اللي باطلبه منك إنك تفضل مصدق إني هاستغل الوقت دا بأحسن طريقة ممكنة وتثق فيَّ.
نظرتُ بطرف عيني عبر الحديقة وصولًا إلى غرفة الاستقبال التي يقبع بمنتصفها وحشي العاجي، أراه ينظر إليَّ كما أنظر إليه، ربما حتى يسأل نفسه: هل أصبحت يائسًا حقًّا إلى هذه الدرجة؟! أعتذر منك يا وحشي، فقد تملَّكني يأسي بالفعل ولا أود الموت وحيدًا، أدرتُ عيني بعيدًا عنه وأخذت نفسًا عميقًا ثم قلت لها:
– موافق.

ياسمين سعيد الجوهري ياسمين سعيد الجوهري، كاتبة مصرية، روايتها الأولى "قانون تتبع الموتى" من إصدارات ديوان.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Fiction

مقتطف من رواية: قانون تتبع الموتى

1 JUNE 2026 • By ياسمين سعيد الجوهري
مقتطف من رواية: قانون تتبع الموتى
Fiction

مقتطف من رواية سومر شحادة: حكاية السيد البرغي

18 MAY 2026 • By سومر شحادة
مقتطف من رواية سومر شحادة: حكاية السيد البرغي
Fiction

مقتطف من رواية ألعاب وحشية

27 APRIL 2026 • By ماجد وهيب
مقتطف من رواية ألعاب وحشية
Fiction

مقتطف من رواية مروان عثمان: وصفة الأدب النظيف

13 APRIL 2026 • By مروان عثمان
مقتطف من رواية مروان عثمان: وصفة الأدب النظيف
Fiction

مقتطف من رواية رشا زيدان: سيدي الحب

6 APRIL 2026 • By رشا زيدان
مقتطف من رواية رشا زيدان: سيدي الحب

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

five + 17 =

Scroll to Top