حوار عميق عن سوريا اليوم، بعد عقود من الحكم الأسدي، لا ينظر إلى المستقبل بقدر ما ينظر لبنية المجتمع في ذلك البلد الذي عانى لأربعة عشر سنة.
كان الشأن العام السوري قبل العام 2011 شأن الدولة؛ نظام الحكم الأسدي الأبدي. لم يكن السوريون مرئيين، لا كأفراد ولا جماعات، ولم يكونوا ذوي شأن حتى يكون لهم قول ورأي. بعد الثورة، تبين أن للسوريين وجوهًا وأصواتًا وآراء، ظهرت رغباتهم وطموحاتهم، على تنازعها وتنوعها. لكن مقابل ثمن باهظ؛ قتل وإخفاء وتدمير رهيب، ونزوح ولجوء امتد أربعة عشر عامًا. كانت «ثورة مستحيلة» لكنها تحولت إلى طور جديد مفاجئ وفريد ليلة الثامن من كانون الأول 2024 مع فرار الأسد. طور جديد طوى أربعًا وخمسين سنة من حكم كاتم الأنفاس.
غير أن مرور أكثر من سنة ونصف على الحكم الجديد، وما رافقه من تحولات سريعة ومجازر بحق العلويين والدروز، ثم قتال ممزوج بالتفاوض واتفاقات دمج مع الأكراد، لم تزل خواتيمها غامضة، يترافق كل ذلك ونشوء صبغة إسلامية لحكم سوريا، من تضييق على الحرية الشخصية التي هي أساس كل حرية وحق، ما يدفع إلى التساؤل، إلى الشك إن كانت هيئة الحكم الجديد تماثل حقيقة السوريين كأفراد؛ مواطنين يستحقون حياة عادلة وكريمة، قبل أن يُعرفوا بأصولهم ومنابتهم وهوياتهم. وهل استقلّ السوريون بأنفسهم عن هذه التعاريف التي تجمّدهم وتُحصرهم في ما يشبه انتماء قبليًا ودينيًا!
الهوية الفردية أوسع من الهوية العامة والنمطية التي تتقاطع مع الماضي وتمكث فيه غير قادرة على تجاوزه. والحال هذه، هل يصح القول إن المجتمع السوري مجتمع أفراد مستقلين وقادرين على تحويل فرديَّتهم إلى فعل ناتج عن رأي بالشأن السياسي وسواه من شؤون الحياة العامة. أم أننا إزاء ضربٍ من أفراد عموميين ومتحوّلين حسب قوة وضغوط المجتمع والظرف السياسي. أين الفرد السوري من العائلة، المجتمع، والسلطة وعالم اليوم.
حول هذه النقاط تدور الأسئلة التالية مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح.
– الفرد واحدٌ والعائلة جمْعٌ. قد يصح القول إن الفرد نثرٌ والعائلة شعرٌ بمعنى الشعور الجمعي والرمزي للشعر. خارج العائلة يدخل الفرد وسط جموع هي المجتمع بأسره.
بين داخلٍ هو العائلة والأصل، وخارجٍ هو المجتمع، أعرافه وأحكامه العامة، كيف يتحرك الواحد منا وينثر نفسه وسط هذين الجَمْعَين؟
– أتصور أن هناك عوامل عديدة تتصل بالطبقة والجنس والجهة، والعمر والتديّن، تحدد حركة الواحد منا أو «نثر نفسه» بين العائلة والمجتمع. الأمر يختلف بحسب ما إذا كنت رجلًا أم امرأة، شابًا أم كهلًا أم طفلًا، موسرًا أم تتدبر أمرك أم مملقًا، ريفيًا أم مدينيًا، متدينًا تضبط جسدك وأجساد من يرتبطون بك وفق أوامرَ ونواهٍ دينية، بما في ذلك خَرجاتهم ودخلاتهم، أم ليبراليًا، اجتماعيًا ودينيًا وحقوقيًا. وتعرف أن حركة النساء في كل بيئاتنا الاجتماعية أكثر تقييدًا من حركة الرجال، وأن دوائر حركة الشبان أوسع من دوائر حركة الأطفال والمتقدمين في العمر، وأن الريفيين من بيننا يتجهون إلى المدن من أجل التعلم أو العمل في مقتبل الشباب. ونحن نختلف في أشياء عن مجتمعات مغايرة ولا نختلف في أشياء أخرى. هذا للقول إن الكلام على «الفرد» و«العائلة» و«المجتمع» يحتاج لتَسْييق، وتوضيح السياق.
ثم إن آباءنا، أنت وأنا يا علي، وهم أول جيل بعد الاستقلال وبدء انتشار التعليم، فعلوا ما في وسعهم كي تكون لأبنائهم فرص حياة أفضل مما عاشوا هم. انطباعي، وأنا سِتينيّ، أن أبناء جيلي الذين ظلوا في أريافنا فقدوا الدافع لفعل الشيء نفسه حيال أبنائهم. التعليم كفَّ عن أن يكون قاطرة ترق اجتماعي (وكذلك العمل، والتنظيم الاجتماعي والسياسي). صارت السلطة والقرابة والثروة المحصلة بأي بطريقة هي القاطرات الجديدة، لكنها تقطر أعدادًا أقل من الناس.
وبعد ذلك، نحن نعيش في أحوال طوارئ مضاعفة ومركبة، أو طوارئ في طوارئ.
سورية بلد في أزمة مديدة، لم تبدأ بالثورة، وإن تكن هذه نقطة تحول كبرى. ما الأزمة؟ تغير عاصف لنسق الحياة المألوف، بما في ذلك ما يطاول الفرد وحركته، والعائلة ونظامها، والمجتمع الكلي وتفاعلاته. تضطرب بشدة العلاقة بين الوقائع والتوقعات فلا نعرف كيف نتوجه. أعرف ذلك وخبرته شخصيًا غير مرة، ومنها ما تسبب في تحطم عائلتي الصغيرة، زوجتي سميرة الخليل وأنا، العام 2013 بتغييب سميرة، وقبل ذلك بقليل تغييب أخي فراس، وتفرق عائلتي الأكبر، أختي وأخوتي وعائلاتهم، في أربعة بلدان، مع قدْر من تشتت عائلة سميرة كذلك.
وفي جيل أسبق كانت العائلة هي الوحدة الاجتماعية التي حاولت ما استطاعت حماية أفرادها، وتواتَرَ أن لم تنجح، فانهارت، أو نجحت نجاحًا جزئيًا وحاولت التقليل من الخسائر. تاريخ سورية في الحقبة الأسدية هو تاريخ تحطّمٍ جزئيٍ أو كلي لعدد كبير من العائلات، وعجزها عن حماية الأفراد. التمس كثيرون، بدرجات متفاوتة من النجاح، الحماية من العشيرة والطائفة، الأمر الذي جعلهما أقوى نسبيًا مقابل الأفراد، ومقابل العوائل كذلك.
ثم في السنوات الخمس عشرة الماضية، تعرضت العائلة في سورية لضغوط هائلة من قبل النظام وتشكيلات مسلحة متنوعة (بما فيها تجنيد قاصرين قسرًا، أو انضمامهم طوعًا لتشكيلات مسلحة سعيًا وراء دخل)، كما بأثر الشروط الاقتصادية والأمنية والخدمية، وهو ما ألجأ أكثر من نصف السوريين، ما لا يقل عن 13 مليونًا، إلى مناطق أخرى أو مخيمات لجوء داخل البلد، كما إلى بلدان أخرى، قريبة وبعيدة. أنت وأنا اثنان من مليون ونصف من السوريين الذين وصلوا إلى أوروبا، ولم يكن أي منا، ولا أكثر المليون ونصف، يفكر في ذلك من قبل. ثم إن حركاتنا تغيرت بشدة خلال سنوات الثورة والحرب وإلى اليوم. تعلم أنه أُرسِل نحو أوروبا أولاد صغار مع المهربين وعبر بحار وحدود ومخاطر شتى كي تلتحق بهم العائلة في وقت لاحق. ليس الآباء قساة القلب حتمًا بفعلهم ذلك، ولكن ربما يوازنون بين مجازفة غير مأمونة العواقب وبين السعي إلى فرص أفضل للعائلة ككل.
وأخشى أن هذه القصة الحزينة لم تنتهِ بنهاية الحقبة الأسدية. وضْعُ كثير من العائلات العلوية والدرزية مقاربٌ لما وصفنا من حيث التحطم أو الاحتماء بالأهليّ أو الهجرة واللجوء.
هل بقي للعائلة بعد أطراف سيرتها هذه خاصية شعرية؟ لم تعد عبارات الدفء العائلي وحنان الأم ورعاية الأب، حكايات الجدات، وجَمْعة العائلة في الأعياد تقول غير القليل والمتناقص من عائلاتنا.
– لدينا تقاليد عامة مستقرة جامدة منذ عهد طويل، وأغلبها ينضبط وفق مرجع ديني كابح. هذا عدا عن الخوف السياسي الخانق والمديد. الفرد، أو الأفراد السوريون بلا تقاليد خاصة بهم أي بلا حضور لهم كذوات مستقلة حرة. نكاد لا نجد أنفسنا وحدنا، أو يُستغرَب اِنطواؤنا على أنفسنا، وإنْ حدث وتكلمنا بأسمائنا تعثّرْنا وغالَبَنا العيُّ والاستِصْعاب. نكاد نكون بلا ألسنة تخصنا. إلى ماذا تعيد هذا الغياب الفردي، أو التعثر والإعاقة الملازمين لنا كأفراد.
– والله يا صديقي علي عندي مشكلة مع هذا الضرب من السوسيولوجيا الشائعة، الانطباعية والمجملة وغير التاريخية، كما مع السياسة التي تقوم عليها، وأراها سياسة ضد ديمقراطية، أو أكثر. متى بدأ هذا «العهد الطويل» من «تقاليد مستقرة جامدة» في مجتمع سوري لم يستقر على حال طوال أعمار جميع السوريين الأحياء تقريبًا (96% من السوريين دون الستين من العمر)، وإن استقرت سلطته فوق إلى حين، وبثمنٍ رهيب معلوم: عشرات الألوف في سنوات شبابي، ومئات الألوف في سنوات كهولتي؟ وعن أي «مرجع ديني» متحكم نتكلم، حين كان المقدس الوحيد طوال جيلين (اعتمد اعتبار الجيل 25 عامًا) هو النظام السياسي الذي كان يتبنى علم اجتماع مثل المُضمَن في السؤال، وعلم سياسة توافَقَ مع المجازر والتعذيب وسنوات الاعتقال الطويلة؟
هناك نكتة مصرية بديعة تلخص علاقة القوة بين المُقدَّسَين الديني والسياسي في سورية وغيرها من بلدان إقليمنا. تقول النكتة إن صلاح نصر، رئيس المخابرات أيام جمال عبد الناصر، استدعى نجيب محفوظ بعد صدور رواية «أولاد حارتنا»، وسأله: من تقصد بالجبلاوي؟ عبد الناصر؟ فرد محفوظ بوجل: الجبلاوي هو ربنا يا باشا! نحن نعرف أن الجبلاوي هو «ربنا»، الأمر الذي تجنب محفوظ قوله لخطورته الدينية، ولكن هذا الخطر كان مَنجاه أمام رئيس المخابرات المرهوب. تعلم كذلك أن في سجن تدمر كانت الصلاة ممنوعة، وكذلك في «الجيش العربي السوري»، ومن يفعل يتبهدل وقد يخسر حياته.
في مثل شروطنا المعلومة، «الخوف السياسي الخانق» ليس استدراكًا يُضاف إلى جمود التقاليد والانضباط العام بها (من ينضبطون؟ السوريون متنوعون جدًاً…)، حتى لو لم يكن هذا الخوف تعبيرًا ملطفًا عن واقع تدمير اجتماعي واسع النطاق خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة.
نحن مجتمع في حالة اِصْطِخابٍ وتقلّبٍ وأزمةٍ مديدة، آخر ما يمكن أن يوصف به الاستقرار والجمود.
وخلافًا للانطباع الشائع، فإننا مجتمع بلا تقاليد، وفشلت حداثتنا في أن تتشكل في تقليد خلافًا لما هو الحال في أوروبا: لا قوانين مطرّدة ولا مؤسسات كافلة للاستقرار ولا ضمانات حقوقية للأفراد والمجموعات، ولا نظام تعليم يتطور، ولا اقتصاد إنتاجي متمركز حول العمل، ولا «عطف على الصغير» ولا «احترام الكبير» مما كنا نتعلم وجوبه في المدارس. وهذا بفعل شرط الأزمة الدائمة والاضطراب الاقتصادي والاجتماعي والجيوسياسي المديد ومنهج الطغيان السياسي في «حيونة الإنسان»، بتعبير الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان.
ورأيي أن التطرف الديني السياسي نفسه نتاجٌ لِافتقارنا إلى تقاليد، أو لانحلال تقاليدنا الأقدم في القرنين الأخيرين بفعل الاستعمار والرأسمالية والدولة، وعدم تشكل تقاليد بديلة. ليست الاختلاجات الدينية السياسية التي خبرها المجتمع السوري مرتين في الحقبة الأسدية، ولا الحكم الحالي، استمرارًا لتقاليد جامدة، وفق حكمٍ مسبقٍ يبدو لي هو ذاته جامدًا، بل هو أوثق صلة باللاقانونية العامة، بشرط المجتمع البرّي وقانون الأقوى المسيطر منذ ستينات القرن الماضي. وما ظهر بعد الثورة في الواقع هو أن «المرجع الديني الكابح» عاجزٌ عن أن يوفر تقليدًا لمن لجؤوا إليه، هذا حين لم يَتَحيْوَن هو ذاته مثلما حدث كثيرًا في سنوات صراعنا العنيف، وهو ما يعني أنه غير قادر على أن يكون مرجعًا. ظهر الإسلاميون لذلك في صورة تشكيلات مسلحة بلا قواعد من أي نوعٍ، قوىً بلا عوائد وأعراف حية، شراذم مؤذية، بريّة، لا ضوابط لها من أي نوع. وهي أثارت حيرة مسلمين مؤمنين قبل غيرهم، وإن لم يدركوا أن جانبًا من السرّ وراء ظهورها هو فقدان التقليد الإسلامي تماسُكَه وقدرته على توجيه الأفعال والمسالك (أي بالضبط فقدان تقليديّته، وعدم ظهور تقليد جديد).
وإنما لأن التقليد الإسلامي بالمعنى القوي للكلمة تَدَاعى، لم يعد يمكن للإسلاميين أن يكونوا سلطة بغير الإكراه الشديد مثلما نعرف من السيرة السورية، بالأمس واليوم. وقد يكون السر في تميز «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقًا) عن غيرها هو أنها طورت قدرًا من انضباط بين مُحازبيها في إدلب بعد العام 2016، وعملت على الابتعاد عن الإكراه المباشر، فوجدت نفسها مضطرة كذلك للابتعاد عن فكرة الحكم الديني. ويبدو لي أن جانبًا من اضطراب حكمهم اليوم مردُّه التذبذبُ بخصوص هوية الحكم ومناهجه وأساس شرعيته، لا يستطيعون بناء «دولة إسلامية» ولا التخلي عن الفكرة صراحةً. وهم يجدون بتصرفهم اليوم عِتادًا دينيًا لا ينفع في حكم مجتمع مُعقد، فَيتراوحون بين العنف السائل وغريزة الإمساك الطائفي بالسلطة، وبين براغماتية بلا أساس فكري، والوضع مفتوحٌ على احتمالات متنوعة. وأستطيع أن أتنبأ بقدر طيب من الثقة أنهم سيطورون نظامَ طغيانٍ عنيفًا إن حاولوا ما يفضّله بعضُهم: حكم إسلامي، أي فئوي وطائفي. وهذا لأن هذا الحكم لا يستند إلى أي تقليدٍ حيّ، هو إيديولوجية انقلابية، تنقلب على الدولة والمجتمع معًا.
ونحن الأفراد لسنا خارج هذه الأوضاع المضطربة. تُطوّرُ لنفسك قواعدَ وتقاليدَ وروتينًا ولغة شخصية بقدر ما تتحكم بحياتك. ومن أين يأتي التحكّم حين تكون محدود الدخل، متّسع الحاجات، مقتلعًا من بيئتك، مرميًا في عالم معقد، لا تستطيع حماية نفسك ولا يحميك شيء؟ ظهور فلتات من الأفراد ممكنٌ في أسوأ الظروف، لكن فرص ظهور الفرد العام، أو تعمُّم الفرادنيّة، رهنٌ بارتفاع نسبة من يتحكمون بحياتهم، أي بتوسّع مراتب الطبقة الوسطى. الفردانية في أوروبا أخذت بالظهور مع تقدم الاقتصاد الرأسمالي واتساع المدن ومراتب الطبقة الوسطى وانتشار التعليم ودولة القانون، أي بقدر ما شكلت الحداثة تقاليدها الجديدة.
على أني موافقٌ تمامًا على عِيِّنا وافتقارنا إلى ألسنة تخصنا. أعتقد أننا لا نجيد الكلامَ الدالَّ أو ذا المعنى، أننا مصابون بعِيّ معنويّ، وأن أُمّيتنا مضاعفة، أبجدية ومعنوية. أكثر ما يقال من كلام إيديولوجي وديني بلا معنى، وقلما جرى الاهتمام من قبل المثقفين والمفكرين بصنع المعنى والتدرُّب على المعنى. وضعُ الفلسفة الهامشي في مجتمعاتنا يشير إلى ضعف الطلب على المعنى، حتى في أوساط المتكلمين في الشؤون العامة. أعتقد كذلك أننا نفتقر إلى الموضوع والذات معًا، «الموضوع» النوعي للكلام والتفكير، ولا أراه غير التجارب الحية والانفعالات التي تثيرها، ثم «الذات» التي تتكلم وتعني، وتفكر. وسائل التواصل الاجتماعي تعزز شرط الأمية المعنويّة، هنا لا يلزمُ موضوعٌ ولا ذاتٌ. الإباحية الانفعالية تشمل الجميع، تجرفهم في سيالة عكرة كثيرة الزبد والأوساخ.
– عاد معظم السوريين خلال سنوات النار الضارية إلى ملاذات آمنة سواء دينية أو عرقية. نواة هذه الملاذات هي العائلة. الحاجة والخشية فرضتا العودة، قد نحسب. هل كانوا حقًا خارج عوائلهم بما هي أفكار ومعتقدات، أم أن الاضطرار والاضطراب دفعا بهم إلى هذه العودة إلى الأصل بما هو ملاذ صغير وأخير.
– أعتقد في آنٍ أنّ العودة جزئية وغير كاملة ولا شاملة، وأن الوضع ديناميكي ومتغير بحسب الأوضاع والشروط العامة. بلى، كان كثيرون قد فطموا أنفسهم عن دفء العائلة وشِعْرها، مثلما يفعل نظراؤهم في كل مكان في سن الشباب، ورأينا عبر السنوات أن بعضهم عادوا قليلًا، وبعض آخر عادوا كثيرًاً، وبعضهم لم يعودوا. عادوا إلى ماذا؟ إلى شيء تغير كثيرًا فلم يعد دافئًا وحنونًا وطيبًا. مجتمعاتنا اليوم ليست في الغالب مجتمعاتِ أُسَرٍ ممتدة مثلما كانت وقت الاستقلال، تكفل أفرادها وفروعها. الأسرة النووية: أب وأم وأولاد، هي الشكل القياسي للأسرة راهنًا بما في ذلك في الأرياف، لكنها لا تتمتع بالكفاية ولا بالأمان. وليس هناك نظام تكافل اجتماعي يحمي الأشد فقرًا، ولا تقوم الدولة بدور اجتماعي يُذكر.
وأعترف أني شخصيًا مررت بمرحلة حنين للدفء أو مرحلة هويّاتية لثلاث أو أربع سنوات بين أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، أي قبل الثلاثين وبعدها بقليل، وكنت وقتها في السجن. هناك عوالم سياسية، محلية وعالمية، وعوامل عائلية، فضلًا عن شرط السجن ذاته وراء «عودتي» تلك. تناولت الأمر في كتابي «بالخلاص يا شباب».
في مجتمعاتنا سيرورة الفردنة أقل قوة، لكن سيرورة التضامن الاجتماعي والحمايات الاجتماعية أقل قوة كذلك، وهذا يترك الأفراد والمجموعات منكشفين، ليس أمام سلطة الدولة القامعة فقط، وإنما كذلك أمام الشروط الاقتصادية المتدهورة. وهو ما يدفع إلى الهجرة باتجاه الغرب أو الغيب، وقد يتقاطع الاتجاه الأخير مع الركون إلى النطاقات الخاصة الآمنة، أو مع هَجْر حتى هذه النطاقات مثلما هو متواتر عند السلفييّن الجهادييّن.
وعمومًا، لا أرى خصوصيةً لمجتمعاتنا لا تشرح بلغة السياسة والاقتصاد والديمغرافيا والجغرافيا ومناهج العلوم الاجتماعية. من الركائز المنهجية في عملي منذ ما قبل «الربيع العربي» رفضُ الخصوصية، إنْ بصيغة إيجابية أو سلبية، سواءٌ رفعَ رايَتَها الإسلاميون، وزعموا أن عتادهم العقائدي يُغني عن الديمقراطية والمُواطَنة وحكم القانون وحقوق الإنسان، والشعار الضمني أو الصريح هنا: الإسلام هو الحل؛ أو أخصام «علمانيون» لهم يعيدون الفشل إلى الخصوصية، ذاتها مختزلة إلى الدين، مختزلًا بدوره إلى الإسلام (ضمنًا هنا: الإسلام هو المشكلة).
ورأيي أن نقد الخصوصية هو المنطلق الصحيح للنظر في مشكلات مجتمعاتنا كَمشكلات دنيوية تاريخية، سياسية واقتصادية واجتماعية وسكانية، وثقافية ودينية كذلك، لكن دون عزل الأخيرة عن غيرها من مشكلات مجتمعات موجودة مثل غيرها في العالم وفي التاريخ. أرى الخصوصية في صورتَيْها متوافقةً مع ضرب من الانتهازية المنهجية نظريًا، يلعب الهوى والهوية دورًا كبيرًا فيه، وعمليًا يعادي الديمقراطية، هذا حين لا يتواطأ مع العنصرية.

– لقد تمزق النسيج العائلي السوري العام. الأب والأم في مكان والأولاد والبنات في مكان آخر. ويحدث أن يفترق الأبناء أيضًا عن بعضهم. لدينا ملايين، أغلبهم شباب خارج الكنف العائلي، لاجئون، نازحون، هذا إن لم نذكر الأيتام والأرامل.
هناك النموذج المحلي الريفي وشبه الريفي للعائلة، حيث العيش سوية، ومعظمه داخل سوريا. وهناك نموذج الشتات الهائل، ولنسمّه الشتات في العالم.
بتنا في وضع سوري يمكن أن يوصف بالعائلة – الفرد في العالم، وقد فقد الصلة بالأصل الجمْع. هل من آثار ملموسة لهؤلاء على شعورهم العائلي وعلى عائلاتهم نفسها.
– ظهرت في سنوات الثورة والحرب ما يمكن تسميتها سورية العالمية Global Syria، الأرخبيل السوري المتناثر في العالم، قريبًا وبعيدًا من جغرافيتنا الأصلية.
وبالطبع لهذا الشرط آثار ملموسة على البنية والشعور العائليين، وإن تكن متفاوتة جدًا، بحسب الطبقة والجهة والجنس وغير ذلك. عامة، يدفع الأضعف كلفة الأوضاع الأقسى، ودفعت النساء في المخيمات والمناطق المدمرة في سورية الداخل، وكذلك سوريو الخارج في مخيمات لبنان والأردن. وظهر جيل من المراهقين والشبان فقدوا الحياة العائلية، ولم يدخلوا المدارس إلى لمامًا، ومال كثيرون منهم إلى الجنوح داخل الفصائل المسلحة أو خارجها.
لدينا في تصوّري مئات الألوف من أناس جانحين جامحين، تلاقى لديهم التستوسترون والكبتاغون والسلاح لتشكيل مجموعات مفرطة الذكورية، خشنة، برية، تبدو لي مسؤولة عن قدر من اضطراب الأمن في البلد اليوم، وعن جانب من أشكال العنف الوحشية التي رأيناها في الساحل ثم في السويداء. تفكك العائلات يمكن أن يكون مدمرًا إذا رُمي الأولاد في الشارع أو إلى بيئة قاسية للانحراف الجنوح. ربما يكون ارتخاء قبضة العائلة على الأفراد إيجابيًا إن كان الإطار الاجتماعي الأوسع آمنًا ويوفر فرص تعلم وعمل وترق اجتماعي. ليس هذا الحال عند أكثرنا.
في أوروبا، بادرت نساء مقموعات في أسرهن إلى تطليق أزواجهن المعنِّفين لأنهن وجدن حماية قانونية منهم. هذا تطور مهم، ولسبب ما تواترت هذه الظاهر في مدينة إيسن الألمانية حتى سُميت بين السوريين مدينة المطلقات. لكن هنا تعمل ديناميكيّتان متعاكستان. واحدة تشجع الأفراد، النساء والرجال، على الاستقلال والوقوف على أقدامهم، وواحدة تدفعهم إلى التمسك بِروابطهم وعقائدهم وعوائلهم بفعل ما يتعرضون له من تمييز في المجتمع المضيف. وتظهر بعض الدراسات عن الهجرة أن الجيل الثاني، أي جيل أبناء الآباء المهاجرين، يميل إلى التعلم والاستقلال عن آبائهم والاندماج، وأن الجيل الثالث يبدأ بالبحث عن الجذور وقد يعود إلى مواقع أقرب إلى ما كانه الآباء من حيث العوائد والعقائد. هجرتنا الجماعية نحن السوريين لا تزال حديثة العهد، ولا نحيط بعد بغير قليل من آثارها.
من جذوري الماركسية ومن الانخراط السياسي المبكر، أحتفظ بتصوّر اجتماعي للتحرر، يولي أهمية كبيرة للوفاء بحاجات الناس المادية والنهوض بمستوى التعليم ومقاومة ضروب التمييز، إن بين الجنسين أو بين المنحدرين من منابت أهلية وجهوية مختلفة، وفي الوقت نفسه الدفاع عن الحريات العامة، حرية التعبير والاعتقاد والنشر وحرية الاجتماع والتنظيم. وأرى أن هذا ما تعنيه حداثةٌ ذات حساسيةٍ اجتماعية، وقابلة للتشكّل في تقليد.
والقوة المركزية في هذا الشأن هي الدولة، التي يتعين أن تكون حارسة في آن للحريات وللقانون. نحن مجتمع بلا دولة منذ أكثر من جيلين، وهذا الشرط حاضر مستمر اليوم. النضال من أجل التقاليد هو في وجه أساسي منه النضال من أجل الدولة الدستورية.
– هناك بيت شعر مشهور لدريد بن الصمة يعد علامة على الانتماء التام للقبيلة (العائلة):
وما أنا إلا من غزية إن غويتْ غويتُ وإن ترشد غزية أرشد
والحالة السياسية المجتمعية اليوم في سوريا، التي تنتعش فيها أيضًا ثقافة الشعر العمودي/العائلي، تشبه فحوى البيت المذكور.
كيف يفك الفرد هنا نفسه من هذا الحشد الأعمى الذي ربما يختصر في العودة المخيبة للعائلة بما هي أسْرٌ؟ كيف نسير وحدنا في ليل يَسرّنا خارج ليل الأهل؟
– أنا ممن يعتقدون بأن الماضي لا يتمادى إلى الحاضر إلا لأن هذا الأخير يَستحضره. الحاضر هو زمن الأحياء، وهم من قد يجرّون الماضي أو أشياء منه إلى اليوم، فتبقى معاصرة لنا. في المخزون التراثي أشياء متناقضة، منها ما يشد الفرد إلى القبيلة ويرهن رشاده برشادها، على طريقة ابن الصمة، ومنها عكسه أو خلافًا له.
يقول الشنفرى مثلًا في مطلع لامية العرب:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل
الشنفرى كان من الشعراء الصعاليك، المنشقين بلغة اليوم.
ويقول شاعر آخر، غير مشهور:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
وهو يختار الهوية الدينية على حساب الهويات القبلية.
وفي التراث كذلك فردانية المتنبي العُظامية:
سيعلم الجمعُ ممن ضم مجلسنا بأنني خير من تسعى به قدم
أو
يقولون لي ما أنت في كل بلدة وما تبتغي، ما أبتغي جل أن يُسمى
وفيه إنسانية المعري النافرة من الدين:
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
و
أفيقوا، أفيقوا يا غواة فإنما ديانتكم مكر من القدماء
أنت وأنا لا نتعرف على أنفسنا في بيت ابن الصمة، والهوية الدينية لا تُغوينا ولا تخاطبنا. ولعلنا ككتاب نمزج بين الخروج من القبيلة والقبليّة وبين فردانية ملتزمة بهذا القدر أو ذاك وبين إنسانية نقدية.
وفي مجتمعنا الأوسع، نستحضر القبيلة أو الدين أو ننشق عن هذا أو ذاك بحسب معادلات يختلط فيها الفردي بالمجتمعيّ. وأعتقد أن تفكير الناس عمومًا يتجه لأن يطابق زمان العيش، أي يكف عن جرّ الماضي إلى الحاضر، في شروط الأمان العام والكفاية العامة.
هناك من ينحازون للقبيلة والجماعة الدينية، أو القومية، أو يمارسون درجات مختلفة من الانشقاق، تتراوح بين الثورية والعدمية. تلبي فكرة الهوية الحاجة للانتماء والاحتماء أو الملاذات الآمنة. فإذا صح تحليلي فوق، فإن من شأن أمان عام، الأمان المتساوي لجميع الناس، أن يُغني عن هذه الملاذات أو يضعف اضطرار الناس إليها. الأمان العام شرط قيام المجتمع، وحين نحصل عليه نحن أحرار في أن نتمرد ونخرج من القبائل أو نخرج عليها.
ودعنا، بخصوص الوضع السوري الراهن، نفرق بين شيئين: ثقافة الشعر العمودي المنتشرة اليوم بالفعل، والحال السياسية المجتمعية المضطربة والفوضوية التي لا أرى أنها تشبه هذه الثقافة، إلا بمرسوم فوقي اختزالي، تجعل من شعراء العمودية المعتمدين في البلاط، شعراء الأموية العضويين، وحدهم من يخاطَبون في شأن النشيد الوطني مثلًا.
هذا شعر بلاط وغزيّات وغزو وفخر وتبلد أحاسيس، ليس شعر مخيمات ولا شعر لجوء ولا شعر تعذيب وتغييب. وتبدو لي «الأمويّة» التي ينتحلها العهد الجديد والشعر العمودي الصاعد في كنفها عمليتين مُصطنعتين إلى أقصى حد، ليستا تعبيرين تلقائيين عن تجارب المجتمع السوري أو حتى تجارب السنّيين العرب السوريين الأحدث. إنها اختيارات سياسية إيديولوجية لفريق في السلطة وإيديولوجيّيه، وعلى خلفية أزمة وطنية واجتماعية مديدة، صعد في نهاية طورها السابق فريق محافظ اجتماعيًا وثقافيًا وفكريًا، وهي تنفتح اليوم على طور جديد. المفارقة اليوم أنه إذا نحت الأمور نحو التعافي الاقتصادي والسياسي والنفسي، فإن هذين المُصطَنعين، الأموية والشعر العمودي، سيزولان لأنهما تعبيرا أزمةٍ ضَحلان ومُصطنعان، وكي يستمرّا يجب ألا نتعافى «إلى الأبد»، أو «إلى يوم القيامة» مثلما يقول مقطع مبتذل للشاعر الوزير.
وبالمناسبة، دُشن في آذار الماضي في دمشق مُجسَّم للأبد، يبدو من الصور أنه يشبه إشارة اللانهاية. ومن يعرف سيرة الأبد السورية لا بد أن يجد في ذلك إشارة فظة إلى حكم أبدي، لا نهائي. أي إلى اللادولة من جديد.
ومن طبائع الأبد أن يُطبِّع نفسه بالأوابد: الطوائف والعشائر و«الأُسَر»، التي يقال لنا إنها أشياء ثابتة، مستمرة، طبيعية، تنبع من طبيعة مجتمعاتنا، وليس في واقع الأمر كصنائع سياسية، تصعد وتهبط، وتقوى وتضعف، في ارتباط وثيق مع نمط ممارسة السلطة. وكان من الأوابد في الحقبة الأسدية، فضلًا عن التَطييف الضمني للبنية الاجتماعية، تماثيل حافظ الأسد الكثيرة. القوم اليوم ضد التماثيل، لكنهم يجعلون من ثقافةٍ مُصطنعة، باسم الأصالة والخصوصية، أصنامًا، أوابدَ العهد الجديد.
يحدث اليوم كذلك ترسّخٌ جديدٌ للأهل. الروابط الأهلية الموروثة، مفهومة كروابط دم حقيقية أو متخيلة. وهذا يحدث ليس لأن هناك روحًا سريّة سارية في مجتمعنا عبر القرون والألفيات تبقيه هكذا، بل لأن الأهلَ منهجٌ للحكم الأبدي، يبرر نفسه بحقيقة أن كثيرًا من الدم الأحمر ساح على الأرض. سياسة الأبد/ الدم هي مدخلنا لفهم تقلبات العلاقة بين الأفراد والعوائل والجماعات، وليس الذهنيات الأبدية. وهذا رغم أنه ليس هناك ما هو أقل أبدية من سياسة الدم في التاريخ الفعلي، ولا نحتاج إلى ابن خلدون لمعرفة ذلك. يكفي أن نتذكر الحقبة الأسدية التي لم يدمْ أبدُها أكثر من 54 عامًا، أقل من جيلين خلدونييّن (الجيل عند ابن خلدون 40 عامًا).
ومن جديد أكرّرُ نقدَ الخصوصية، الركن الركين للثقافويّة التي ازدهرت أيّما ازدهارٍ سوريًا وعربيًا بعد نهاية الحرب الباردة، وفي غير قليل من الحالات على يد ماركسيين سابقين، انقلبوا هنتنغتونيين (نسبة إلى صاموئيل هنتنغتون صاحب صدام الحضارات) بين ليلة وضحاها. أدين بهذا النقد كذلك لجُذوري الماركسية، ولكن كذلك لمفهوم الإنسانيات بالذات الذي يقوم على أننا نوع بشري واحد، لا نتمايز في استعداداتنا وأهلياتنا الأساسية، ولكننا ربما نطور مسالك أكثر أو أقل ملاءمة للتفاعل مع البيئة ومع التاريخ وتحدياته، لكن ليس بيننا من هم غير قابلين للتعلم وتعديل مسالكهم. وكما أشرت من قبل، لب المسألة أننا لا نحتاج إلى مناهج لدراسة مجتمعاتنا مختلفة عما نحتاج إليه لدراسة أي مجتمعات أخرى. هذه المناهج هي العلوم الإنسانية: علوم الجغرافيا والديمغرافيا والسياسة والاقتصاد والاجتماع، والأنثروبولوجيا والتاريخ والفلسفة، وهي مناهج مفتوحة على التجريب والتطور والإغناء.
ولا أرى أن في نقد الثقافوية في هذه الجولة الخامسة من حوارنا ما يحول دون نقد الثقافة، اللغة والدين والآداب وغيرها. أعتقد في الحقيقة أن الثقافوية تسيء طرح المشكل الثقافي حين تعزله عن غيره وتجعله مفتاحًا لكل الأقفال. ناقشت هذه القضايا بقدر من التوسع في كتابي السجالي الوحيد: «الثقافة كسياسة».
واليوم يستعيد نقد الثقافوية في صيغتها الإسلامية، ومعها نقد الانتهازية المنهجية، أهميته بالنظر إلى اتجاه الديني والسياسي إلى التطابق في سورية. قد أعمل في هذا الاتجاه في السنوات القادمة.
– في مثابة تمهيدٍ لرواية كل الأسماء لجوزيه ساراماغو ترد العبارة التالية فقط:
«أنت تعرف الاسم الذي أطلقوه عليك، لكنك لا تعرف الاسم الذي هو لك».
قياسًا على التسمية والحق فيها. التسمية التي هي بيان وتعريف وهوية، من منا يسمي الآخر، نحن الذين بالكاد نعرف أنفسنا، أم الجمع/ الأهل/ القرابة.
هل تبقى أسماؤنا رهن القيد البيولوجي، أليست سوريا اليوم في طور من أطوار البيولوجيا الأهلية/ العائلية؟
– مثير للتفكير التقابل بين الاسم الموروث من الأهل والعشيرة والبيولوجيا، وما يحتمل أن يكون اسمًا مكتسبًا أو مختارًا للواحد منا. أو ربما بين الهوية الموروثة من الماضي والمغلقة بالتالي، والهوية المكتسبة التي هي مشروع راهن ومفتوح على المستقبل. هذا تصور أنحازُ إليه، أفهمه كاختيار للحرية وصنع المصير في مواجهة الامتثال لما وجدنا أنفسنا عليه. أذكر قولًا نافذًا لجيمس بالدوين: «لسنا ما فعله تاريخنا بنا، بل نحن ما نفعل بهذا التاريخ». الجملة أنيقة وعميقة في آن، وهي ضد ضروب الحتمية سواء نُسبت إلى الهوية أو التاريخ أو القدر الإلهي.
ننطلق من التاريخ، تاريخنا، لكن لا نبقى تحت خيمته. هو أساس وليس سقفًا. التاريخ- السقف هو سجن، إلغاء للحرية. والحرية في نظري هي شرط التفتح البشري بقدر ما هي محتوى هذا التفتح.
أنا أتصور الحرية كتغييرٍ للذات والعمل مع آخرين لتغيير العالم من حولنا. بتَغْيير الذات نصير غيرنا، أكثر من أنفسنا، نصير مجتمعًا. الفرد مكون من مجتمعات أكثر مما هو المجتمع مكون من أفراد.. هل يصير لنا اسم آخر أو أسماء أخرى؟
ألاحظ أن تعدد أسماء وهويات الأشخاص في التاريخ ارتبط بالحركات الثورية والتحررية، بالحياة الخطرة بين عالمين أو عوالم. كان لي غير اسم حركي في سنوات ما قبل السجن، وإن كنت ككاتب آثرت أن أنشر باسمي الصريح. أشتاق لزمن تعدد الأسماء، بصورة ما تعدد العوالم التي تتحرك بينها.
وبالمقابل، من يا ترى يحرص على وحدانية الأسماء، أو استقرار الهويات في المقولات الدالة عليها؟ الدولة التي هي السجل العام لساكنة بالملايين عشرات الملايين ومئاتها، ولك اسم واحد عندها: علي، اسم أبيه فلان، واسم أمه فلانة، عمره كذا وعنوانه كذا. وغير الدولة كل ما يقتضي استقرارك في اسم أو هوية: عملك الكتابي مثلًا. قد لا تطابق هويتك الكتابية الاسم الذي تلقيته عند قدومك إلى العالم، لكنك تستقر في الاسم الذي اعتمدته.
ما قد يختلف عندنا هو تصلب أسماء الفئات أو الهويات، وميلُنا إلى نسبة الناس إليها وتفسير مسالكهم بهذه الأسماء الجمعية، وهو سلبٌ للشخصية والحرية والمسارات الشخصية. نحن لا نؤمن بأن غيرنا أحرار، وعلى الأرجح لأننا نحن لسنا أحرارًا.
هل يمكن تصور عالم تتعدد أسماء الناس فيه ولا يبالي بمبدأ الهوية؟ هذا ربما عالم بابلي ومبلبل. أو نتصور عالمًا الناس فيه بلا أسماء؟ هذا الأخير ربما يكون مجتمعًا شموليًا، الناس فيها عينات من نموذج صحيح أو عدد محدود من النماذج. تعرف أن المعتقلين كانوا بأرقام في بعض المقار الأمنية والمشافي في سورية، مَطموسي الهوية، كي لا تنتشر قصصهم بين الناس.
لا أعرف إن كانت هذه الخواطر تجيب على سؤال الأسماء، يا رفيق علي.
يخطر لي جانب من السؤال يتصل بما نطلقه نحن من أسماء على مخلوقاتنا، حين نكون روائيين أو كتاب قصة أو سينمائيين وغير ذلك، أو حتى حين نسمي أوضاعًا وعلاقات وعمليات بمفاهيم نجدها أنسب. هذا الجانب يظهر أن التسمية فعل خلق وفعل سلطة، من الله وآدم الذي جرى تعليمه الأسماء كلها إلى اليوم. وقد نبني على ذلك فكرة بسيطة وأساسية: الخلق، بما هو خلق للجديد يكسر الهويات، ينفلت منها. إذن بدل التذمر من الهويات والقبائل، علينا أن نكون خلاقين. لعل هذا هو الترياق لجمود العالم.


