عن نجيب محفوظ الذي نحب، يكتب حسن عبد الموجود لحظات متخيلة من حياته في كتاب جديد بديع.

استغرقت تحاليلي في عيادة تابعة لشركة الشرق للتأمين يومًا كاملًا، وربما هيأتني ساعات الانتظار المملة وإعادة التحاليل أكثر من مرة لتقبُّل إصابتي بمرض السكري. ظل الطبيب صامتًا لفترة. قلَّب أوراق التحاليل كأن النتائج ليست مدونة ونهائية، أو كأنه يبحث عن ثغرة فيما يقرؤه لتبرئتي من المرض، لكنه رفع وجهه أخيرًا عنها وقال: «أنت مصاب بالسكر. نسبته في دمك 400، وهذه نسبة كبيرة جدًّا. أنت تحتاج إلى ثورة في نظامك الغذائي يا نجيب بك».
قلت ساخرًا: «400؟! إذن يجري في عروقي الشربات!»
ثم بدأت في ترديد شعارات الثورة المزمعة التي طلبها مني. صحت بأول شعار قفز إلى ذهني: «الفول التام أو الموت الزؤام!»
ضحك الطبيب، غير أن الدهشة ملأت وجهه. إنه غير معتاد بكل تأكيد على ضحك الناس إذا علموا أنهم مصابون بمرض مزمن. لكنها طبيعتي. أنا أكثر الناس تقبلًا لأنواء القدر وعواصف الزمن. أحزن، لكني لا أبالغ في الحزن. أشعر بالصدمة، لكني لا أسمح لها بأن تُغرِقني. أكتئب، لكني أحارب وحش الاكتئاب بالنكات. بدا لي أن الهيكل العظمي المنتصب في ركن الغرفة يبتسم ويقول لي: «غدًا، يوقفونك في عيادة عاريًا مثلي من الجلد واللحم». لكني رددت عليه في سري: «لن أموت اليوم على الأقل».
وقبل أن أغادر، صحت بشعار آخر: «تحيا الغِلال مع الحليب!» جاوبني الطبيب بضحكة صافية، ثم قال بجدية: «كما أخبرتك.. عليك بالمشي ثم المشي ثم المشي». ابتسمت، وكدت أخبره بأنهم يطلقون عليَّ لقب «المشَّاء العظيم»، لكنني صمتُّ، وفكرت أنني ربما أحتاج إلى مضاعفة خط سيري اليومي.
تقبلت حقيقة المرض فورًا، حتى إنني بمجرد أن خرجت إلى شارع طلعت حرب بدأت تطبيق النظام الصارم الجديد. انعطفت باتجاه شارع عبد الخالق ثروت وأنا أفكر في غرابة الدنيا. لقد اكتشفت المرض بالمصادفة. منذ أيام، شدني إعلان في صحيفة «الوفد» باللون الأخضر يقول: «أمِّن على حياتك». اتصلت بالشركة أسألهم عن الخطوات، والمبلغ المطلوب، فأرسلت إليَّ مندوبها فاروق المصري. كان يعرفني، وقرأ بعض رواياتي. سألني قبل أن ندخل في الموضوع: «هل شخصية المعلم كرشة في «زقاق المدق» حقيقية؟» استغربت، وتساءلت: «لماذا اختار تلك الشخصية؟!» وخمنت أنه يبحث عن النميمة مثل غالبية القراء. أشبعت رغبته بحكاية ابتكرتها في التو عن المعلم كرشة. قلت إنه توقف عن مطاردة الصبيان بعد أن رأى في حلم امرأةً شديدة الجمال لا مثيل لها على الأرض، أخبرته بأنها حورية من حوريات النعيم، وأنها هبة من الله له إذا كف عن إغضابه. استمع لي الموظف مبهورًا، ثم أمطرني بالأسئلة؛ عن زوجة المعلم كرشة، وماذا قالت بعد توبته، وهل يُسمَح لها بمرافقته في الجنة. قلت لنفسي وأنا أنظر إليه بغرابة: «هل يراني مُنجِّمًا؟! أنا أستاهل».
تخلصت منه بصعوبة بعد أن أوصاني بالمرور على عيادة الشركة لاستكمال الإجراءات الطبية الروتينية، ولم أعلم لحظتها أن حياتي توشك على التغير جذريًّا.

انتبهت في تلك اللحظة إلى رائحة التوابل القوية. أدركت أن قدميَّ قادتاني إلى الحسين. اقتربت من عربة عم ياسين. رأيته بذقنه البيضاء وطاقيته الشبيكة يعمل بهمة. يمرر السكِّينة في سجادة البسبوسة بسرعة ومهارة. يضع قطعًا متساوية في الأطباق، ويمنحها للأيدي الممدودة المتلهفة. سمعت أحدهم يقول له برجاء: «أعطِني قطعة أخرى.. لماذا لست كريمًا اليوم يا مولانا؟!» فيأخذ قطعة صغيرة على طرف السكينة ويضعها في طبقه. ابتلعت ريقي. انتابني الأسى الآن فقط. لن يكون بمقدوري أن أتذوق ولو فتفوتة من أحب حلوى إليَّ. ذهب عصر البسبوسة والكنافة والطوفي، وجاء عصر الجبن القريش والخضار المسلوق والزبادي والمدمس. انتهى عصر الشيشة، وبدأ عصر أنفاس السجائر المعدودة. انتهى عصر الملذات الكبرى، وبدأ عصر الصيام الطويل!
جئت لإحضار الصينية المعتادة للحرافيش، لكني تراجعت لأول مرة. إذا ذهبت بها إلى سهرة الأنس فقد يسيل لها لعابي. إنهم قوم يحبون الحياة. يُغنُّون وينتشون ويعاقرون الجنون، ولا يمكن في صحبتهم إلا أن تكون صهبجيًّا. ثم إنني لن أكتفي بالفرجة عليهم وهم يلتهمون البسبوسة، أو أتسلى بتفصيص الفول النابت وعضعضة الجزر والخيار.
بمجرد أن رأوني، صفقوا كأنني ممثل يظهر في أول مشهد له بالمسرحية، وخمنت أنهم حضروا قبلي بكثير. صاح عادل كامل وهو ينظر إلى يديَّ الفارغتين بإحباط: «أين البسبوسة؟!» قلت: «حقكم عليَّ، خيرها في غيرها. أنا ذهبت للطبيب اليوم وقال لي عندك السكر». سألني محمد عفيفي وتعابير وجهه الضاحكة تفضحه: «عندك؟! في أي مكان بالضبط؟!». قلت وقد أدركت أنهم في طريقهم إلى التسلي بي: «عندي هنا». وأشرت إلى ذراعي. قال أحمد زكي مخلوف وهو يتظاهر بالجدية: «ما رأيكم أن نغليه في كنكة لنرى نسبة سكره؟!»، وردَّ محمد عفيفي: «بما أنه موظف حكومي فالمؤكد عنده سكر تموين».، وقال يوسف جوهر: «حمَّامه مكعبات!»، وحاول الكابتن عاصم حلمي أن ينقذني بتغيير دفة الحديث: «أنا اشتريت في طريقي يوستفندي وبرتقالًا ومانجو. يمكننا التحلية بها». لكن محمد عفيفي لم يرحمه أو يرحمني. صاح: «يعني هو عنده سكر ونحن عندنا موالح؟»، لكني صحت: «عندك! هذه القفشة تخصني يا عفيفي». قال بأسف مصطنع: «السماح يا سكر!».
لم أتضايق. فليكن انتصارهم الأول عليَّ منذ سنوات. سوف أعود إلى الوراء خطوة لأهجم في الوقت المناسب. إن مشاعرهم غائبة في تلك اللحظات تحت طبقات الدخان وعنف السعال والضحكات، ومن الجيد أنني لم أكدر مزاجهم وأنهم لم يرثوني. استمروا في إلقاء القفشات، وكان من المهم أن أشاركهم السخرية من نفسي، وتلك حيلة تعلمتها لتقليل حجم الهجوم: «لي طلب واحد عندكم». سألوني بأعين دامعة: «ما هو؟» قلت: «سمُّوني نجيب مكرر!».
وهكذا عشت معهم ليلة من السعادة الصافية محت من نفسي أي كدر علق بها بعد زيارة الطبيب.
