يتأمل عماد أبو صالح حياة شاعر إسبانا الأشهر لوركا، متذكرًا كتابات الآخرين عنه، كما يحدثنا عن رؤيته الشخصية له، في مقتطف من كتابه الممتع «أخي لوركا».

رغم فرض الحظر على معظم أعمال لوركا خلال سنوات حكم فرانكو، فإنه ظل الأكثر قراءة في إسبانيا بعد سرفانتس. لا ينحصر الاهتمام بالشاعر في الناطقين بالإسبانية فقط، بل يمتد إلى الثقافة الأنجلو- أمريكية. هناك مَن يرد «سحر لوركا» في الغرب إلى بشاعة اغتياله، بينما يرى آخرون أن عروض مسرحياته أسهمت في توسيع شهرته لأنها «تقدم مآسي ريفية تجذب الشماليين»، لكن الأمر أعقد وأبعد من هذين السببين.
يتناول جوناثان مايهيو في كتابه «لوركا الملفَّق»، ظاهرة «تكييف» أو «تزييف» أو «اختراع» الشاعر الإسباني وفقًا للرغبات الثقافية والأيديولوجية الأمريكية، حتى أصبح «لوركا الأمريكي» لا يشبه «لوركا الأصلي».
يرصد مايهيو أثر لوركا لدى عدد هائل من الشعراء الأمريكيين منذ خمسينيات القرن العشرين، من بينهم كونراد أيكن، أميري بركة، بن بيليت، بول بلاكبيرن، روبرت بلاي، روي كامبل، ليونارد كوهين، جيروم روتنبرج، روبرت كريلي، فيكتور هيرنانديز كروز، روبرت دنكان، آلان جينسبرج، دونالد هول، إدوارد هيرش، ستيفن جوناس، بوب كوفمان، هيلدا مورلي، فرانك أوهارا، ويليام جاي سميث، ستيفن سبندر، جاك سبايسر، ويليام ستافورد، جيمس رايت. كما يتطرق إلى تأثيره في «جيل البيت»، و«مدرسة سان فرانسيسكو»، و«مدرسة نيويورك»، و«حركة الصورة العميقة» التي تعطي الأولوية للصور الشعرية في توليد المعنى، وهي تقنية تستلهم أشعار وتنظيرات لوركا في «الغناء العميق». كان تأثيره الشعري في الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة أقوى منه في إسبانيا. كما اتخذته شريحة كبرى من اليسار بديلًا ثقافيًّا لأيديولوجيا الحقبة المكارثية، بما يمثله من تعددية ثقافية تنتصر لحقوق الطبقة العاملة وهويات السود والمثليين وسياسات مناهضة الفاشية. أدت مكانة لوركا بين جيل كامل من الشعراء الأمريكيين بعد الحرب العالمية الثانية، إلى إهمال الأصوات الأحدث في الشعر الإسباني المعاصر، رغم غناه الاستثنائي بشعراء مثل أنطونيو جامونيدا وأولفيدو جارسيا فالديس.
إن الشعراء الأمريكيين، وفق مايهيو، لا يشعرون بحاجة ماسة إلى قراءة الشعراء الإسبان الذين يكتبون بعد لوركا لأنهم لا يحققون شروط «اللوركية» بما فيها من رومانسية، وأشجار زيتون، ورقصات فلامنكو، ومصارعة ثيران، ودويندي، وبالتالي لا «مصلحة» للقارئ الأمريكي في قراءتهم. ويمكن القول إن الترجمات الإنجليزية، بداية من لانجستون هيوز، تقدم لوركا عبر «حل وسط» يتراوح بين الإخلاص للنص الأصلي و«مدى قبول الجمهور المستهدف»، ويؤدي المترجم الدور الرئيسي في عملية «التفاوض الثقافي» بين الطرفين.
***
يشمل الولع الغربي بلوركا أدق تفاصيل حياته، ولا يقتصر على إبداعه. الأيرلندي إيان جيبسون هو الباحث الأشهر في سيرة الشاعر عبر أربعة كتب «تحصي أنفاسه» من الميلاد إلى الموت، أما الأمريكية ليزلي ستينتون فقد استغرقت 14عامًا في البحث، إلى أن أصدرت سيرة ضخمة بعنوان: «لوركا – حلم حياة» عام 1998. «لقد لاحقت لوركا أكثر من قاتليه»، حسب وصف النقاد لكتابها. أجرت مقابلات مع عائلته ومعارفه في مدريد وغرناطة، وتتبعت آثار خطواته في نيويورك وهافانا وبوينس أيرس، واستندت إلى عشرات الرسائل الخاصة والمواد الأرشيفية التي لم تتح للباحثين من قبل.
تكمن مشكلة السير الذاتية للوركا، في أنها تتضمن معلومات متضاربة، بسبب عدم الانتباه إلى حيلة «الأقنعة» التي كان مولعًا بها في حياته ومسرحياته. يقول شقيقه فرانسيسكو: «أحب منذ طفولته ارتداء الأقنعة. أعجبته فكرة ألا يتعرف عليه أحد». لقد أدى فخ التنكر الذي أتقنه الشاعر، إلى أن يقدم كل كاتب سيرة «لوركاه» الخاص، لا لوركا المتعدد. يلجأ بعض الباحثين، على سبيل المثال، للتفتيش عن «أدلة» تؤكد أن نشاطه السياسي كان دافعًا لمقتله الوحشي، بينما يصر آخرون على أنه كرس حياته للفن، واهتماماته السياسية هامشية. قس على ذلك تحليل كتاباته وسلوكياته لتحديد «هويته الجنسية» بالإيجاب أو السلب، وتتبع مسيرته التعليمية المتعثرة لإثبات ضعف قدراته الفكرية. إن مأزق السيرة الذاتية بهذا الشكل يتمثل في انتقاء وجه ما للشاعر، وإهمال وجوهه أو «أقنعته» الكثيرة وتكوينه الهجين.
يقرأ جون بوت، في «لندن ريفيو»، سيرة ستينتون من زاوية حذرة، باعتبارها لا تدحض الشك حول «ضحالة» لوركا كفنان وإنسان، رغم أنها تهدف إلى تخفيف مثل هذه الشكوك. يرى في مقال بعنوان: «أنا لست شاعرًا سعيدًا»، أن الكاتبة تحيطنا علمًا أكثر من جيبسون، بسجل لوركا الأكاديمي «الكارثي»: نزقه، عدم نضجه، حاجته الصبيانية الدائمة للمديح، أكاذيبه، غياب الكتب من غرفته وتفضيله الحفلات على القراءة، كراهيته للمناقشات الفكرية الجادة وانشغاله خلالها بالعزف على البيانو، مخطوطاته ممتلئة بالأخطاء، لم يتعلم أي لغة تكفي للتحدث بها، لغته الفرنسية لا تؤهله لقراءة النصوص الصعبة، يبدأ مشروعات إبداعية ولا يكملها، دائم الاعتماد ماليًّا على والديه، فاشل، لا أثر لشهادة على الحائط أسوة بزملائه، استغرق قرابة عشر سنوات للحصول على شهادته الجامعية، قال له صديقه أدولفو سالازار: «لا توهمني بأنك جاد، أنت طالب منفلت، مغمور بالشمس، وممتلئ بالأغاني»، وقال عنه صديق آخر: «طالب لا فائدة منه، دائمًا في إجازة»، أما أرتورو كامبورس الذي تعرف عليه في بوينس أيرس، فيصفه بأنه «أحمق، ومغرور، ودجال صغير، ويعطي انطباعًا بأن الشعر الإسباني بدأ وينتهي به، ويتحدث عن مسرحيته يرما التي لم يكملها بعد، باعتبارها تكملة للتراجيديا الإغريقية».كان لوركا، وفق قراءة بوت، يدرك ما يتداوله الناس عن معنوياته المرتفعة، وحاول «طمأنتهم» بأنه لديه أعماق مأساوية، قائلًا: «على عكس ما يعتقده الناس، أنا لست شاعرًا سعيدًا، أنا حزين». وإذا استثنينا حزنه بسبب علاقات الحب الفاشلة، فإن سيرة ستينتون تترك لدينا انطباعًا عن رجل عاش حياة عاطفية سهلة، مع هموم فكرية عادية. كان لديه خوف مرضي من الموت ينتج صورًا تقشعر لها الأبدان، لكن الأفكار العميقة قليلة. شارك في الطقوس الدينية التقليدية، واستمتع بالخرافات الشعبية، ومشى ذات مرة مع موكب التائبين، حافي القدمين وحاملًا صليبًا فوق ظهره في أسبوع الآلام بغرناطة، كما كان عضوًا في «الأخوية الدينية المحلية».
أما عن أفكار لوركا السياسية، فهي لم تكن أعمق من التعاطف الفطري مع المستضعفين. لم يلتحق بأي حزب رغم ارتباط اسمه بالعديد من البيانات والحركات الراديكالية، بما في ذلك «جمعية أصدقاء الاتحاد السوفيتي». ومع أن ستينتون تؤكد شعوره بالقلق حين رأى خوسيه أنطونيو مؤسس حزب الكتائب صدفة داخل أحد المطاعم، إلا أن بوت يرصد حكاية مغايرة رواها الشاعر اليساري جابرييل سيلايا عام 1966، وكررها عام 1979، تشير إلى صداقة الاثنين. قال سيلايا إنه شعر بالرعب حين كشف له لوركا في مارس 1936، عن تناوله العشاء سرًّا مع خوسيه يوم الجمعة من كل أسبوع. لا تذكر ستينتون تلك الواقعة في كتابها، كما يتجاهلها جيبسون بوصفها «لا يمكن تصورها، إنها اختراع من الخيال»، لكن البعض يمكن أن يعدها لو كانت حقيقية، دليلًا على سطحية لوركا السياسية أو كذبه الطفولي.
يرى بوت أن لوركا لم يكن مفكرًا عظيمًا، لكنه كان شاعرًا رائعًا قاده خوفه من الكشف عن نوازع ذاته الحقيقية إلى التعبير عن كل ما شعر به وفكَّر فيه عبر الاعتماد على المجاز. أثرى الشعر القشتالي خلال الثلث الأول من القرن العشرين، ويتمتع بشهرة واسعة خارج بلاده لا ينافسه فيها شاعر إسباني آخر. إن أعمال معاصريه من الشعراء القشتاليين تكشف عن عوائق متنوعة: إنتاج خوان رامون خيمينيث الضخم كان رمزيًّا صوفيًّا غامضًا. شعر أنطونيو ماتشادو قديم الطراز، ويميل إلى التكرار. أونامونو مهووس بمشكلات دينية لا تهم إلا القليل من القُرَّاء في الوقت الراهن. رافائيل ألبرتي ينافس أحيانًا استعارات لوركا المتألقة، لكن ينقصه عنصر مهم: الفكر. يمكن قول الشيء نفسه عن ميجيل هيرنانديز: يحظى بالإعجاب في إسبانيا والتجاهل خارجها. كان من الممكن الرهان على لويس سيرنودا، لكنه رفض الحداثة فجأة، واتجه إلى شعر دائم الأسى، نثري وخطابي. خورخي جيين كان شاعرًا جيدًا، لكن لغته الأكاديمية تجعله غير عصري تمامًا. سر لوركا، وفق بوت، هو أنه أتقن جوانب الحداثة القشتالية التي لم تتحقق بالكامل في أعمال زملائه. توصل إلى لغة حداثية فريدة وخاصة، دون أن يقطع صلاته بالأغنية والشِّعر والموسيقى الإسبانية التقليدية، إضافة إلى أنه كان يساريًّا بشكل واضح، وتناول موضوعات الأعراق والمرأة والجنس، مما يجذب القُرَّاء ومنظري الحداثة إلى اليوم. كان يمثل تحديًا مستمرًّا ومثيرًا ضد جمود الحياة الإسبانية التقليدية، وكان الفاشيون، وفق منطقهم الفاسد، محقين في اغتياله، لأنه يرمز إلى كل ما يخشونه ويكرهونه: الإبداع والخيال والانفتاح.
أخيرًا، يخلص جون بوت إلى أن سيرة ستينتون قد لا تساعد كثيرًا على فهم شِعر لوركا أو مسرحياته، لكنها تقطع شوطًا طويلًا في شرح طاقته المذهلة وحبه العارم للحياة الذي غذَّى كتاباته. في البداية، راوده شعور بأن الكاتبة تميل إلى أن لوركا حصد نجاحًا سهلًا بفضل مواهب غير مصقولة في شتى الفنون، وتلألأ بلا عناء في سماء معتمة تملؤها نخبة من المتطفلين على الفن، أنصاف متعلمين في بلدٍ أميٍّ معزول أوائل القرن العشرين. لكنه في النهاية جذبته الصورة التي خلقتها عن تدفق لوركا، وحيويته، ومرحه، وكرمه الكبير. كما نجح وصفها المقتضب لمقتله في أن ينقل إحساسًا قاسيًا بنحر عبقري أصيل على مذبح الرداءة.
***
بديهي أن تفاصيل حياة شاعر ما، لا تعكس بالضرورة طريقة تفكيره. كما يستحيل على الشاعر الحقيقي تقديم «مانيفستو» أيديولوجي في قصائده لنمنحه «رخصة» المفكر، ونبرئه من السطحية. هناك شاعر «رؤية» كبير وشاعر «رؤيا» كبير، وتتعذر المفاضلة، شعريًّا، بين مرجعية العين ومرجعية العقل. ربما كان لوركا يلعب في المسافة بين «البصر» و«البصيرة»، متحاشيًا الانزلاق إلى «ذهنية» جامدة أو «عفوية» ساذجة، ولا يجوز أن نحبسه في وصفة شعرية واحدة، أو نحسبه على أفكار أو تيار.
لوركا نفسه أسهم متعمدًا في تناقض صورته بادعائه ذات مرة أنه «لم يقرأ في حياته سوى كتابين: الكتاب المقدس، وألف ليلة وليلة»، وتفاخره مرة أخرى بأنه «قارئ شره يلتهم كتابين في اليوم»، كأنه يرغب في عدم حصره ضمن إطارين: عميق أو ضحل. غير أن لويس بونويل ينفي في مذكراته الصورة السلبية التي يروجها الشاعر عن نفسه، ويروجها آخرون عنه: «لقد جعلني لوركا أكتشف الشعر، وخصوصًا الشعر الإسباني الذي يعرفه بصورة رائعة، كما ساعدني في التعرف على بعض الكتب». ووفقًا لجوناثان مايهيو، فإن قراءة شاملة لشعر لوركا ورسائله ومحاضراته، تضعنا أمام قارئ متمرس لكلٍّ من خورخي مانريكي، جارسيلاسو دي لا فيجا، سرفانتس، القديس يوحنا الصليب، لويس دي جونجورا، بيدرو سوتو دي روخاس، لوبي دي فيجا، سانتا تريزا دي أفيلا، كالديرون دي لا باركا، جوستافو أدولفو بيكر، روبن داريو، أنطونيو ماتشادو، خوان رامون خيمينيث، رامون جوميز دي لا سيرنا، إضافة إلى دراسته الجادة للشعر الكلاسيكي المجهول. كما أن مسرحياته تكشف عن دراية واسعة بمسرح هوجو، إبسن، جالدوس، بينافينتي، بيراندللو، جنبًا إلى جنب أعمال شكسبير والمآسي اليونانية. وبحساب الشاعر نفسه في محاضرته «لعب ونظرية الدويندي»، فإنه استمع إلى حوالي ألف محاضرة أثناء سنوات دراسته في الجامعة. ويثبت تنوع أساليبه بين ديوان وديوان وبين مسرحية وأخرى، أنه يمتلك درجة عالية من الثقافة أدَّت إلى قفزات فنية واسعة في سنوات قليلة، حتى وإن كان طالبًا متواضع المستوى.
إحدى نقاط قوة لوركا هي أنه ابن التجربة الحرة، لا الكتب والمكتبات والتنظيمات والأحزاب. سهراته في المقاهي وضحكاته الصاخبة وصداقاته العديدة، ليست إلا محاولات هروب من وحدة داخلية عميقة، واحتماء بالحياة من مطاردات الموت إثر كل خطوة، لدرجة أنه كان يخشى عبور الشارع لئلا تلتهمه العربات، حسب شهادات مَن رأوه. لو أن السعادة دليل على رخاوة الفكر، فليس هناك أسعد من نيرودا، لا في الحب ولا الشعر ولا الحياة، ورغم «سعادته» فهو أحد كبار شعراء القرن العشرين، و«أقرب للدم من الحبر»، حسب وصف لوركا له.
تكشف محاولات الربط بين تعثر مسيرة لوركا الدراسية ومستوى تفكيره، عن رؤية نخبوية أبوية صرفة، تكاد تمسك العصا ليذاكر «الطالب الفاشل»، ويحصل على «درجات» تمكِّنه من الحصول على «وظيفة محترمة» في المستقبل. إن كان الفشل في «التعليم» هو المعيار الذي يثبت به البعض ضحالة أو خفة فكر لوركا، فإن رامبو فرَّ من المدرسة، مع أنه طالب نابغ، لأن: «من العار أن نبلي سراويلنا على مقاعد الدراسة»، وظل شاعرًا عظيمًا يستحيل تسطيح أفكاره. لم يكن تعثر لوركا الدراسي استهتارًا مجانيًّا، ولا محدودية قدرات. كان يشعر بالألم، خصوصًا أن والده كما يقول شقيقه فرانسيسكو، «أراد أن يحصل على دبلوم، أي دبلوم»، لكنه لم يستطع المواءمة بين الفضاء الحر للمعرفة، ونظام التلقين في المدارس والجامعات. ولم يكن عزفه على البيانو مجرد «لعب» للهروب من «الواجبات المدرسية» أو ترفيه عن الأصدقاء في الأمسيات، وإنما محاولة لتهدئة قلقه الروحي، أو على حد قول جاريث والترز: «مصدر بهجة خاصة لمقاومة إحباطاته».
إن صداقة لوركا -لو صحَّت- مع مؤسس حزب الكتائب، لا تمثل «خيانة» لأفكاره اليسارية. إنها تكشف عن وعي شاعر كبير قال في حواره الأخير، وقبل موته بفترة قصيرة: «أنا أخو الجميع»، كإشارة إلى أن روحه تتسع للضحية والجلاد، والقتيل والقاتل. لا يدهشني إعدام خوسيه بأيدي اليساريين بعد شهرين من إعدام لوركا بأيدي اليمينيين، ليجمع الموت، تحت تراب وطن واحد، بين شاعر وفاشي في «حرب الأهل». صحيح أنه كان يتجنب التنظيمات السياسية، ويشعر بالملل من الاجتماعات والبيانات، لكن ذلك لا ينفي انحيازه في شعره ومسرحياته لحقوق الأقليات والعمال والفلاحين، أي أنه يساري بروحه، لا ببطاقة عضوية من تنظيم أو حزب. كما أن اشتراكه في الطقوس الدينية التقليدية والاحتفالات الشعبية، لا يشي بسذاجته، ولا يثبت «رجعيته». إنه يأتي ضمن ولعه الدائم بالتفتيش في تراث الجماعة عن معنى لملء الفراغ الروحي للعصر الحديث، وهو ما يمكن أن نلمسه، رغم اختلاف اللغة والجغرافيا، عند ويليام بتلر ييتس أو رسول حمزاتوف.
***
في عام 1926، زار لوركا الشاعر خورخي جيين في منزله، أستاذ جامعي مرموق، درس في السوربون، حصل على الدكتوراه من جامعة مدريد، ولديه زوجة وطفلان. يبدو أن جيين أحس الأسى في عينَي لوركا بسبب إخفاقه في أي إنجازات دراسية رغم اقترابه من الثلاثين، خصوصًا حين قال له: «أنا لست ذكيًّا، هذا صحيح، لكنني شاعر». بعد الزيارة بفترة قصيرة، أرسل جيين بطاقة بريدية إلى عنوان بيته في غرناطة، وتعمد أن يكتب على غلافها: «الشاعر دائمًا فيدريكو جارسيا لوركا»، لتتناقلها الأيدي، ويرد اعتباره أمام الكل.
بورخيس، عكس جيين، لم يحتمل لوركا. التقى الاثنان خلال زيارة لوركا للأرجنتين عام 1933، وتعامل الكاتب الأرستقراطي العقلاني مع الشاعر الإسباني على أنه يستعرض دور «الأندلسي المحترف». شعرية الدماغ تكبرت على شعرية القلب. أحس لوركا نفور بورخيس منه، وأراد استفزازه بطريقة ماكرة، عبر الضغط على عصب شرفه الفني: أفكاره. تحدث بجدية شديدة عن مأساة الولايات المتحدة الأمريكية، والشخص الوحيد الذي يجسد هذه المأساة. حاول بورخيس أن يخمن: «هنري ميلفيل، والت ويتمان، مارك توين، إدجار آلان بو؟». قال لوركا: «لا، أهم منهم بكثير».
«مَن هو؟»، سأله بورخيس باهتمام.
أجاب لوركا: «ميكي ماوس».
استاء بورخيس من الإجابة، رآها طفولية، وغادر غاضبًا. بعد سنوات كتب أن لوركا «شاعر قاصر»، مجرد مؤلف «تصويري»، قصائده «لا تثير الشغف»، وتكشف عن «برودة عاطفية». وأرجع الفكرة المثالية عنه في الأرجنتين، إلى أنه «محظوظ بإعدامه».
يتحدث بابلو سويرو عن زيارة لوركا بإعجاب شديد في مقابلة بعنوان: «وقائع يوم على متن سفينة مع فيدريكو جارسيا لوركا»، نشرتها صحيفة Noticias Gráficas الأرجنتينية يومي 14 و15 أكتوبر 1933. رافق سويرو الشاعر الأندلسي طوال الرحلة من مونتيفيديو إلى بوينس أيرس، ولاحظ أنه يمزج بين الجدية والمرح، والعفوية والعمق. كان يضحك طوال الوقت، حتى يصعب تصديق أن هذا الطفل كتب مأساة «عرس الدم». أكد لوركا في المقابلة أن الفنان لا يجب أن يظل ساكنًا أو راضيًا: «لا بد أن يمتلك الشجاعة لتكسير الأشياء التي تقف ضد الحياة، وبضربة رأس». بدا متواضعًا أثناء حديثه عن أعماله، وذكر أبناء وطنه باعتزاز وفخر: أونامونو «مثال فريد للروح الإسبانية الأصيلة»، ماتشادو «شاعر عظيم، وروح طاهرة»، دي فايا «قديس، زاهد، يحتقر المال والمجد». حكى عن فرحة جموع غفيرة من فلاحي غرناطة بسقوط الملكية، وأمله في عودة المسرح الإسباني إلى الشعب بعد أن دمرته الطبقة البرجوازية. كما حكى أسباب زيارته إلى أمريكا، وشعوره بالذعر من الحياة الحديثة، وحالات الانتحار التي رآها في شوارع نيويورك عقب أزمة الكساد الكبير.
لكن لوركا الذي أجاب هذه الإجابات الجادة العميقة، سأل سويرو فجأة:
«هل تعرف ماذا سيحدث نتيجة احتفائك بي؟ ستفرح أمي عندما ترى صورتي في نسخة من الصحيفة».
– «وهذا يكفي؟».
– «آه، يكفي وأكثر».
حكاية كهذه قد يظنها البعض سذاجة أو مراهقة، تليق بشاعر مبتدئ يريد أن «يبهج أمه بصورته في الجورنال»، أما أنا فأراها منتهى البساطة والبراءة والصدق، منتهى الجمال.
