من عالم نورهان أبو عوف الواسع، خمس قصائد عن ما رأته في فترات مختلفة من حياتها.
عثرتُ على صورة لولد في العشرين:
وجه أملس
عينان لا يمكن أن تكونا عنيفتين
وجسد نحيل لا يمكن أن يحمي أحدًا
أو يهدم بيتًا.
في هذه اللحظة بالذات،
أنا الأكبر سنًّا منه.
أطيل النظر إلى صورته
أهذا هو الغول؟
أمسح العنكبوت عن وجهه الصغير:
كيف لكل هذا الخوف
أن يكون صنيعة هذا الولد الهزيل؟
***
رائحة التبغ المحروق كانت تسبق يده
حين امتدت ذراعه
لم أفهم الصفعة كعقاب
ظننتها إشارة لبدء الحركة
قبضت بأصابعي الصغيرة على طرف قميصه
تشبثت بقماشه
ودرت حول قدميه الثابتتين
أميل مع كل دفعة
كمن يحاول ممارسة خطوات مجهولة
مع جسد لا يريد أن يرقص
كنت أسمع أعقاب السجائر تنكسر تحت أقدامنا
ورائحة التبغ تتسلل إلى خصلات شعري
وتظل عالقة فيها طوال الأسبوع.
***
في الأوتوبيسات المزدحمة
وعلى المقاعد الخشبية في المحطات
كنت أتشبث بأكتاف الرجال الذين لا أعرفهم
أميل برأسي الصغير
وأنام فوق أفخاذهم الصلبة
غير آبهة بأيديهم المرتبكة
وهي تحاول إبعادي
كنت أظن
أن لكل بيتٍ أمًّا واحدة،
أما الأب
فيمكن العثور عليه
في أي ركبةٍ
أستطيع النوم عليها.
***
كلما دخل بيتنا رجل
أركض إليه بورقة الامتحان
أمد القلم
وأشير برأس إصبعي إلى أسفل الصفحة
أطلب توقيعًا محفورًا
أو يكفي أن يترك شرطةً حادة أو حرفًا مائلًا
أي أثرٍ خشن يمزق طرف الورقة
كي تبدو الحقيقة أكثر صلابة أمام زملائي
لم يكن التوقيع ممنوعًا على أمي
لكنها كانت أضعف من إعارتي خطًا
فهي أيضًا
كلما طُرق الباب
ترتدي دبلتها في يدها اليسرى
وتقف مثلي
خائفة من العري نفسه.
***
مات أبي قبل أن أولد
شنق نفسه عند شجرة الحديقة أمام المنزل.
في السادسة عشرة مات مرة أخرى
حين احتجت إلى رجل
يخبرني أيَّ الرجال يجب أن أخاف.
وفي العشرين مات عند أول حب.
الآن،
يمكنه أن يعيش كما يشاء؛
فلم تعد لي سنوات أخرى يموت فيها.