مقتطف من رواية تفتيت البشر

"آن تمشط شعرها" للفنان ديفيد هوكني

ماجد وهيب   By • 17 AUGUST 2026

عن حمى الأشباه التي انتشرت في مصر، يكتب ماجد وهيب رواية رائعة، تتجاوز الواقع إلى خيال سوداوي ساخر.

وقت الأشباه

5

لم يكن أحمد سمير هو الأصلي الوحيد الذي قتله شبيهه، فبعد أشهر من موته وجدوا مطربًا مشنوقًا في حجرة نومه، ثم آخر مات في حادث سير، وثالثًا احترقت فيلته وهو فيها ولم يستطع أن ينجو بنفسه، وممثلاً مات في فراشه، وبالكشف اتضح أنه مات مسمومًا، ومذيعة ماتت غريقة في حمام السباحة في فيلتها، وفي كل هذه الحوادث لم تنجح المباحث في معرفة أي جانٍ، فأُغلقت كل قضايا موتهم بأن قُيدت ضد مجهول، يموت الأصلي ويأخذ الشبيه مكانه، وصار الموضوع حديث المهتمين بالشأن العام، وتكلم فيه الجميع: رجال الدين، ورجال السياسة وعلماء الاجتماع، والمثقفون والكُتّاب. بات الأمر ظاهرة أثارت الفزع والاستغراب الشديد، حتى لعنوا المثل الذي يقول: يخلق من الشبه أربعين. وامتلأت المواقع الصحفية بمقالات تناقش الظاهرة، وتساءلت الأقلام: لماذا يموت الأصليون؟ هل ما يحدث لعنة من فوق أصابت البلاد؟ هل سنصل إلى عصر يخلو من كل أصلي ولا يبقى فيه غير الأشباه؟ مَن وراء هذه الجرائم؟ ووجدت فكرة المؤامرة الخارجية مكانها عند الكثيرين من المحللين.
لكنَّ الناس في الشارع لم يعطوا من أوقاتهم للتعليق على ما يحدث إلا القليل، لم يؤرقهم كما يؤرق غيرهم، كانوا يعلقون بعبارات مختصرة قائلين إنها أعمار بيد الله وحده، ومنهم من كانوا يقولون: أخيرًا جاءت الفرصة لبسطاء مثلنا أن يتصدَّروا المشهد، معبرين بذلك عن موقفهم ودعمهم للأشباه أكثر من الأصليين، ثم يعودون إلى الكلام باستفاضة أكثر، وبهمٍّ أكبر، عن مشكلاتهم الخاصة، تلك التي تؤرقهم فعلاً، مثل الغلاء الذي ينهشهم ويُقلق منامهم.

تفتيت البشر من اصدارات يت الحكمة للثقافة، 2026

***
واستمر موت الأصليين، أو اغتيالهم بمعني أدق، وتفنَّن الأشباه في وسائل القتل، فأفلتوا جميعهم من العقاب. ووصل الأمر إلى خوف وذعر كل أصلي عندما يظهر له شبيه، بدا الأمر وكأن ظهور شبيه لشخص علامة لقرب موته، وصار الأصلي الذي لم يظهر له شبيه بعد أكثر سعادة من غيره، وظهور شبيه له فجأة كان حدثًا كفيلاً بتعذبيه.
ورغم أن الاتهامات عند كل حادث تذهب أولاً إلى الشبيه، باعتباره، بحكم التجارب السابقة، سيكون المستفيد الأول من موت الأصلي، كانت التحقيقات دائمًا ما تنتهي إلى لا شيء، ويخرج الشبيه من الشبُهات دون دليل واحد يُدينه، كأن القاتل كان شبحًا.
***
وبينما عمليات القتل للأصليين تزداد وتتسارع وتيرتها، بدأ الأشباه في مجال التمثيل بجني ثمار أكبر، فصُنعت لهم أفلام، أُنتجت بميزانيات محدودة، ودُفعت لهم أجور منخفضة. وكان من السهل عليهم أن يأخذوا كورسات في فن التمثيل تُمكِّنهم من الوقوف أمام الكاميرا، وبالطبع لم تكن أدوارهم، التي كُتبت لهم خصيصًا، تحتاج إلى قدرات تمثيلية عالية.
راهن المنتجون أن هذه الأفلام ستنجح وتحقق إيرادات تغطي تكاليفها وتفيض، وفي المقابل راهن عدد غير قليل من رواد مواقع التواصل الاجتماعي أنها ستفشل متسائلين في استنكار: مَن سيدخل فيلمًا لشبيه؟ لكن ما حدث أن الأفلام قد نجحت، والناس قطعوا التذاكر وشاهدوا الفيلم بدوافع مختلفة، فمنهم من شاهدها حنينًا إلى النجم الأصلي، وبعضهم شاهدها كرهًا فيه ودعمًا للأشباه قائلاً: هؤلاء شبهنا، عاشوا في الظل كما نعيش، لن يتكبَّروا علينا مثلما يتكبَّر الآخرون. وبعضهم شاهدها من باب الفضول، وبعضهم دفعته أخبار نجاحها إلى مشاهدتها ليقيِّمها بنفسه، حتى الذين راهنوا على فشلها، منهم من قطع التذكرة وجلس في مقعده وجلس يشاهد.
وأُنتجت أيضًا برامج لمذيعات ومذيعين أشباه، لاقت هي أيضًا نصيبها من النجاح. حتى كُتاب القصص والروايات، رغم أنَّ هذا المجال لا يُدر ربحًا ولا شهرة إلا نادرًا، ظهر فيه أشباه في نفس الوقت الذي ظهر فيه أشباه في المجالات الأخرى، وبالطبع كانوا أشباهًا للكبار المشهورين فقط، ولذلك كانوا قليلين جدًّا. في البدء اكتفوا بتقديم أنفسهم كأشباه فلان وفلان، ولكن لأنهم حاصلون على تعليم جامعي، وللمصادفة كانوا قراء لعدد غير قليل من الروايات الرائجة، لم يكن صعبًا عليهم بعد ذلك، عندما أصابتهم الغيرة من بقية زملائهم الأشباه في الفئات الأخرى، وهمس لهم الغرور، أن يدخلوا في مجال الكتابة وينشروا روايات بأسمائهم، وكما قتل زملاؤهم أصليين في مجالات أخرى، جاء الدور على روائي شهير، كانت رواياته تلقى تقديرًا نقديًّا كبيرًا، وقتله شبيهه، الذي كان بدوره قد نشر روايتين، ولم يكتفِ بالشبه الشكلي فقط، فقلد أسلوبه الأدبي أيضًا، وبعدما قتله، نشر رواية ثالثة، لاقت نجاحًا أكبر من العملين السابقين، ليس لأنه أخيرًا استطاع أن يكتب رواية جيدة، ولا لتطوُّر ملحوظ حققه في الكتابة، وإنما فقط لأنَّ كثيرين من قراء الروائي الشهير أحبوا أن يقرأوا شبيهه، وأن يدعموه لعله يكون خليفة له فعلاً.
وبالتزامن مع ذلك، كانت القصة نفسها تحدث في مجالات أخرى، ففي الشعر مثلاً ظهر شبيه لشاعر عامية شهير، ولم يكن يشبهه فقط في الشكل، وإنما أيضًا يقلد طريقته في الإلقاء، لكن طبعًا كان يوجد فرق كبير بين ما يقوله كل منهما، ففي حين كان الأصلي شاعرًا قديرًا، بدا الشبيه مجرَّد واحد يرصُّ الكلام جملة بجوار أخرى، وقبل أن يصل الأمر إلى القتل، مات الشاعر الأصلي ميتة طبيعية، فبدأت قصائد الشبيه في الانتشار أكثر، الحق أنها كانت زجلاً شديد الرداءة، لكن اختلط الأمر على كثيرين، فلاقى ما يقوله قبولاً وصيتًا وسُمِّي شعرًا.
حتى النقد الفني لم يسلم من هجمات الأشباه، فظهر شبيه لناقد سينمائي كبير في الستين من عمره، وصحيح أن الناقد كان أحيانًا يعظِّم من شأن فنانين متوسطي الموهبة، وفي المقابل لا يعطي مواهب قديرة حقها، بسبب مصالح أو ضغائن شخصية، لكنه يعرف جيدًا ما هو النقد، وعندما يترك القيادة لضميره الفني ويكتب بموضوعية ونزاهة، يكاد نقده يوازي الإبداع نفسه، وأحيانًا كان يُستعان به في النقد الأدبي. وطبعًا شبيهه لم يكن في مثل سِنِّه، وإنما في الثلاثين من عمره، لكن الشبه بينهما واضح مع وضع فارق السن في الاعتبار، فيمكن بسهولة الاعتقاد أن الشبيه هو الناقد في شبابه. كان الشبيه مُحبًّا للسينما والدراما، دون أي دراسة لمبادئ النقد، ودون أي امتلاك لذائقة فنية راقية. بدأ بنشر فيديوهات له وهو يمارس ما سمَّاه بالنقد، ثم زادت شهرته، كشبيه للناقد الشهير، وكشاب يمارس الكلام عن الأفلام بما اعتبره البعض خفة دم، ثم جاءت اللحظة ومارس هو أيضًا القتل في الأوقات نفسها التي انتشرت فيها عمليات القتل الأخرى، حينئذ زادت شهرته أكثر، وبدأ يتلقى دعوات لحضور مهرجانات فنية.
أما أشباه لاعبي كرة القدم، فكانوا الأسوأ حظًّا، لأن الموهبة في كرة القدم واضحة جدًّا ولا يمكن تزييفها، فهي محكومة أولاً بما ينجزه اللاعب على أرض الملعب حسب موقعه، والسبب الأهم في سوء حظهم، أن اللاعب ينضم إلى أحد الأندية منذ صغره، ولا يمكن لشبيه أن يأخذ مكان اللاعب الأصلي ويبدأ مسيرته الكروية وهو في الثلاثين من عمره، وهي نفسها السن التي يستعد فيها اللاعب لأن يُنهي مسيرته، لذلك اكتفى الأشباه في هذه الحالة بالظهور في البرامج والتقاط الناس للصور معهم في الشوارع.
لكن بعد ذلك، في ظل عمليات القتل الكثيرة للأصليين وبالتزامن معها، حدث أنَّ لاعبًا أصليًّا، متوسط الموهبة، يلعب في نادٍ صغير، وجد نفسه يشبه لاعبًا آخر أكبر موهبة وأكثر شهرة وأغلى سعرًا، ويلعب في نادٍ كبير، وبدافع من الغباء، فضَّل اللاعب الصغير أن يكون شبيهًا للكبير على أن يظل أصليًّا، وفكَّر أنه إذا مات الأصلي فربما يشتريه النادي الكبير بعده فيحتل مكانه، خاصة أن الاثنين كانا يلعبان في نفس المركز، واستمرارًا لعمليات إخلاء البلاد من كل أصلي، ارتكب الشبيه جريمة القتل نفسها التي ارتكبها كل الأشباه، واستمرارًا لعمليات إحلال الأشباه مكان الأصليين، استطاع أحد السماسرة أن يقنع المسؤولين في النادي الكبير الذي كان يلعب معه الأصلي، أن يشتروا الشبيه، وفعلاً تمَّت عملية البيع، وارتدى الشبيه نفس الفانلة التي كان يرتديها الأصلي.
وهكذا استمر الأشباه في التزايد والنجاح، حتى فكروا أن تكون لهم نقابة. اجتمعوا وتناقشوا في الأمر، وأعجبت الفكرة الجميع، ثم اختاروا سيد عجيب نقيبًا لهم، كونه أول شبيه ظهر على الساحة، وشرعوا في الإجراءات بحماس وهمة، بمجهوداتهم الذاتية فعلوا كل شيء وأنفقوا من جيوبهم، حتى أسَّسوا نقابتهم وسمُّوها: نقابة الأشباه، واتخذوا لها مقرًّا فخمًا في واحدة من المدن الجديدة. وكان كارنيه النقابة الخاص بكل واحد فيهم، يُكتب فيه المجال أو الفئة أو الشعبة التي ينتمي إليها، وجعلوا لكل شعبة مسؤولاً.
***
وكما بدأ الأمر بفكرة طرأت على ذهن سيد عجيب، قتل بعدها أحمد سمير وأخذ مكانه، وتكرَّرت كثيرًا بين أشباه في مجالات الفن والإعلام والثقافة… إلخ، فكر واحد من الأشباه المنتمين إلى شُعبة السياسة أن يقتل الأصلي، وكان شبيهًا لرئيس حزب كبير، والشبيه عضو في نفس الحزب أيضًا، يشبه الأصلي في تكوينه الجسماني وملامحه بدرجة غير قليلة، لكنَّ فرقًا كبيرًا بين طلة كل منهما ونظرته، فالأصلي كانت لطلته هيبة ونظرته توحي بالذكاء، في حين كان الشبيه لا ينعم بأي هيبة، ولا توحي نظرته إلا بالبلاهة.
استقرَّت الفكرة في عقل الشبيه، ونفَّذها بحرص مثل كل زملائه، ومثل كل زملائه أيضًا كان هو المتهم الأول، وكون القتيل هذه المرة رجل سياسة، جعل التحقيقات أشد بكثير، لكنه، مثل كل القتلة من الأشباه، لم يترك وراءه دليلاً واحدًا يُدينه، فخرج، وقُيِّدت القضية ضد مجهول.
وكأنَّ الأمر يمضي إلى قدَر محتوم لا يمنعه شيء، أُجريت انتخابات لرئاسة الحزب، وترشح الشبيه، ففاز بالمنصب، وتزامن حدوث ذلك مع مقتل عضو مجلس شعب في دائرة من دوائر الصعيد، قتله شبيهه، وكان الشبيه موظفًا في وزارة الكهرباء، وفي الدورة الانتخابية التالية رشَّح نفسه، وحدث أنَّ الناس أعطوه أصواتهم قائلين في أنفسهم نفس الجملة: مننا وعلينا، وسوف يخدمنا. وفي اجتماع مغلق في النقابة، قال النائب الشبيه وهو يُريح ظهره إلى الوراء على المقعد ويبتسم ابتسامة ماكرة:
ـ الآن دخلنا مجلس الشعب، وغدًا يظهر منا شبيه لرئيس وزراء، وربما بعده يظهر شبيه لرئيس من الرؤساء السابقين ونحكم البلد.
***
وكما ظهر شبيه لرجل دين راحل، ظهر بعد ذلك شبيه جديد لرجل دين حي، والسؤال الأول الذي طرح نفسه على عقول كل من كانوا مقتنعين بأنَّ الذين يقتلون الأصليين هم الأشباه حتى وإن لم تثبت عليهم الأدلة: هل كون الشبيه رجل دين هذه المرة سيمنعه من قتل الأصلي، أم لا؟ لم يتركهم الشبيه في حيرتهم طويلاً، فبعد وقت قليل من ظهوره وانتشاره، وُجد الشيخ المُعمَّم مشنوقًا في حجرة نومه، وبدا الأمر كأنه انتحار، لكنَّ الأغلبية لم تصدِّق أن شيخًا مثله ينتحر وهو يعرف حرمانية قتل النفس، لكنَّ آخرين اقتنعوا ووجدوا في ذلك فرصة ليثبتوا أن الانهيار النفسي لا علاقة له بالإيمان من عدمه.
***
وسط كل هذا النجاح والزحف الشديد للأشباه، لم يكن نقيبهم سيد عجيب فرِحًا وراضيًا، حتى إنه بدا في حفل تنصيبه متجهمًا، وبصعوبة استطاع أن يرسم ابتسامات زائفة للكاميرات. لقد كان أكثرهم أصالة رغم أنه البادئ، كانوا مسخًا أكثر منه، فأحسَّ أنه يحتقرهم، ولم يرَ في تكاثرهم السريع وانتشارهم الشديد ما يُطمئن، وامتلك، رغم كل ما فعل، حسًّا وطنيًّا جعله يخاف على البلد ويرى في تزايد الأشباه بهذا القدر خرابًا، وكان أي اجتماع بهم في النقابة يُشعره باشمئزاز شديد، فكره أن يراهم، وكره ما يشعر به وهو معهم. وجوده بينهم يُذكِّره بحقيقة أنه واحد منهم، مجرَّد شبيه. لقد رأى أنهم مسوخ بشعة، وحينما يجلس معهم في النقابة، يرى نفسه مسخًا مثلهم، لكن سرعان ما يهمس لنفسه قائلاً: لا، لستُ مسخًا إلى هذه الدرجة، لستُ سيئًا إلى هذا الحد. وكان يُنهي اللقاء سريعًا، وإذا استطاع أن يتهرَّب من الحضور تاركًا الأمر لنائبه لا يتردد.

ماجد وهيب

ماجد وهيب ماجد وهيب، كاتب وقاص وروائي مصري، صدر له عدة روايات وأعمال أدبية، منها رواية "آلام يهوذا"، و"أخبار الأيام الأولى"، و"ألعاب وحشية"، جميعها عن دار المرايا، بجانب مجموعته القصصية "العالم في حفلة تنكرية"، كما كتب العديد من المقالات في الفن والفلسفة والأدب.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Fiction

مقتطف من رواية عائلة شجرة الليمون لحامد الناظر

27 JULY 2026 • By حامد الناظر
مقتطف من رواية عائلة شجرة الليمون لحامد الناظر
Fiction

مقتطف من رواية اتخدعنا لدينا شحاته

6 JULY 2026 • By دينا شحاته
مقتطف من رواية اتخدعنا لدينا شحاته
Fiction

مقتطف من رواية مصنع السحاب لحامد عبد الصمد

29 JUNE 2026 • By حامد عبد الصمد
مقتطف من رواية مصنع السحاب لحامد عبد الصمد
Fiction

مقتطف من رواية: قانون تتبع الموتى

1 JUNE 2026 • By ياسمين سعيد الجوهري
مقتطف من رواية: قانون تتبع الموتى
Fiction

مقتطف من رواية سومر شحادة: حكاية السيد البرغي

18 MAY 2026 • By سومر شحادة
مقتطف من رواية سومر شحادة: حكاية السيد البرغي

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

one × 2 =

Scroll to Top
Views: 1