تكتب مي المغربي عن رموز زمن الطفولة التي تحولت إلى أحمال ثابتة، قوى جذب لا يمكن للواحد إلا أن ينفر منها، حتى إن غابت عن العين تبقى عالقة في موضع غير محدد.
1
أدخلوني على أبي
لأودعَهُ الوداعَ الأخيرَ،
خلعتُ الأُكرةَ في يدي
وأنا أفتحُ البابَ.
كان نائمًا على السريرِ – أكرهُ هذا السريرَ لأنه يتركُ أمي عليهِ وحدها –
كان مبتسمًا – آه، هذه العضلاتُ المنبسطةُ في آخرِ مشهدٍ لها –
قميصُهُ كان باهتًا،
قدمُهُ مسترخيةٌ والبنطلونُ واسعٌ،
الشرابُ كان خفيفًا،
وحذاؤُهُ بجانبِ السريرِ
ناحيةَ يمينِ الداخلِ
غالبًا خلعتْ أمي حذاءه
لا أحدَ يموتُ بحذاءٍ في قدمِهِ.
كلما تقدمتُ خطوةً نحوهُ
أجدُ السيراميكَ يتكسرُ تحتي،
والحيطانَ تتقشرُ،
اشترينا كلَّ ذلكَ بفلوسٍ كثيرةٍ.
يتسربُ الموتُ من حذائِهِ،
أصدقاؤُهُ حولهُ
يأكلون يدهُ
وبأرجلهم
يزيحون حذاءَه عنهم
بينما أغرقُ في أسمنتٍ ناشفٍ.
2
في حفلِ تأبينِ بابا
كنا في قاعةِ نادٍ رخيصٍ
نظمتْهُ الشركةُ،
تتمرغُ ذبابةٌ على موكيتٍ أخضرَ،
تطيرُ فوقَ طاولاتٍ عليها مفارشُ سوداءُ
وتحطُّ على كراسيٍّ من الألمنيومِ
أنا وأخي وآخرونَ ماتَ أبوهم نتابعُها،
ننتظرُ سماعَ اسمِ أبينا من المنادي،
تنامُ الذبابةُ على شعري
أثناء صعودنا سلمًا قصيرًا
حتى نصلَ إلى المسرحِ.
يعطينا المديرُ هديةً،
رمزًا لانتهاءِ خدمته،
واحترامًا لسنيِّ عمرهِ
التي أفناها في الشركةِ.
مشينا في شوارعَ كثيرةٍ مع الهديةِ،
نتبادلُ حملَها
كلما أرادَ أحدٌ منا أن يولعَ سيجارةً.
وقفنا في شارعٍ،
نهايتُه مركزٌ لتعليمِ اللغةِ الإنجليزيةِ،
يبعثُ بصيصًا من نورٍ.
نفتحُ الهديةَ،
فتدخلُ الذبابةُ في العلبةِ قبلَنا
وتخرجُ مسرعةً.
الهديةُ طبقٌ زجاجيٌّ غويطٌ،
لا يعني ولا يرمزُ لشيءٍ،
تمامًا كمفهومِ العملِ
في شركةٍ يتمُّ خصخصتُها.
لم نتركْها؛ ركبنا وإياها الترامَ،
وذهبنا لبيتِ شخصٍ،
تعرفنا عليهِ منذُ شهرٍ.
كانتْ لحظةَ ضياعٍ مثاليةٍ،
على شكلٍ خماسيِّ الأضلاعِ:
أخٌ وأختٌ وطبقٌ زجاجيٌّ،
أبٌ ميتٌ وغريبٌ وسطَهم؛
حميميةٌ
وتبدو وكأنها الأخيرةُ.
ما الذي حدثَ وشرخَ ما بيننا؟
لسنينَ أنظرُ للطبقِ،
ويبادلني النظرَ.
أبتسمُ فيبتسمُ؛
طبعًا، فهو عاكسٌ،
لكنَّ ابتسامتَه مؤلمةٌ،
بداخلِها بواقي
أشرطةِ دواءٍ
منتهيةِ الصلاحيةِ،
لا تعني ولا ترمزُ لشيءٍ،
تمامًا كمفهومِ الأخوَّةِ.

3
كانتْ أموالُ الميراثِ إهانةً لي
أموالَ العتقِ.
كلُّ صفعةٍ كانتْ بنحو ثلاثمئةِ جنيهٍ
الشتائمُ كانتْ تُقدَّرُ بمئةِ جنيهٍ
وآثارُ الجروحِ
التي نتجتْ من
الحزامِ
الخرطومِ
والشمعِ
كانتْ بنحو ألفِ جنيهٍ.
أما الاهتزازُ النفسيُّ
وانخفاضُ القيمةِ الذاتيةِ،
الترددُ
نتفُ الشعرِ
قضمُ الأظافرِ،
وعدمُ القدرةِ على اتخاذِ القراراتِ
فكانتْ بربعِ جنيهٍ
عندما صرفتُ أولَ شيكٍ من ميراثي
سألوني في خدمةِ العملاءِ:
دماءُ مَنْ التي كُتِبَ بها الرقمُ؟
4
ماذا فعلتِ اليومَ؟
لا شيءَ أقولُ،
رغمَ أنني دفنتُ عائلتي للتوِّ.
حفرتُ حفرةً مستطيلةَ الشكلِ
– أظافري وحزني كانا أدواتي –
وضعتُهم فوقَ بعضِهم،
وضعتُ أمي فوقَهم جميعًا؛
تعاني من مشاكلَ في التنفسِ،
وفكرةُ وجودِ أشخاصٍ فوقَها
صعبةٌ وثقيلةٌ
حتى وإنْ كانتْ ميتةً.
لم أحكِ عن ذلكَ الشجارِ الذي نشبَ
في مؤخرةِ رأسي
وأدخلني في نوبةِ صداعٍ.
لم أحكِ عن كوبِ القهوةِ الساخنِ
الذي اندلقَ عليَّ
وكلَّلَ جلدي ببقعٍ ورديةِ اللونِ،
موجعةٍ وغيرِ متماثلةٍ
ولا عن قلمي المفضلِ
الذي غرزتُه
في عينِ أوراقي
ممزقةً بهِ
ما كتبتُه وما لم أكتبْه بعدُ.
في الصباحِ وقبلَ أنْ تسألني
قررتُ الفرارَ
والبدءَ من جديدٍ،
فوجدتُ سيارةً
تدهسُ قدمَ كلبٍ
ولا أحدَ
يعبأُ بعويلِهِ..
فبكيتُ.
5
لا بدَّ أنَّ هذا ما يعنيهِ موتُ الأبِ،
كلُّ المِيتاتِ فيما بعد تشبهُ
موتَ أبيكَ.
المِيتةُ التي حينَ يخبرُكَ أحدهم
أنهُ تعرضَ لها
تخبرُهُ بثقةٍ
أنكَ تفهمُ ذلكَ،
أنكَ تشعرُ بهِ،
أنكَ كنتَ معهُ
لكنَّ الزمنَ كانَ مختلفًا.
6
جالسةٌ في غرفةِ المعيشةِ، ماما على يساري وإخوتي على يميني
وبابا أمامي.
أخبرُهُ أنني اخترتُ شعبةَ الأدبيِّ، قلتُها بثقةٍ،
وتقبَّلَ هو هذه الثقةَ،
بل وتقبَّلَ اختياري وهنأني.
لم يتدخلْ هذه المرةَ في اختياري،
ولم يحاولِ التقليلَ من ذكائي.
كنتُ أنظرُ إليهِ بحبٍّ؛
أخيرًا حياتي تتحسنُ،
أخيرًا
أحصلُ على عائلةٍ عاديةٍ.
لكني كلما أمعنتُ النظرَ بهتتِ الألوانُ،
اختفتِ ابتسامتي،
وظهرتْ خيوطُ الماريونت
المشبوكةُ في يدي.
دختُ وبدأتِ الخيوطُ تلفُّ ذراعي ثم كتفي؛
فدخلتُ الحمامَ،
والحمامُ في الحلمِ جليتش
كانَ حمامَ مطارٍ،
ما إنْ جلستُ على القاعدةِ
وخزني الشطافُ في فرجي،
كانَ عليهِ دمُ أحدٍ غيري
أنا في حلمِ شخصٍ آخرَ،
أرمي لهُ الخيوطَ فيستيقظُ،
ويرمي عليَّ دمَهُ
فأستيقظُ.