مشروع نوبل الموازي، فكرة عمر التي نراها تتحقق في رواية مروان عثمان، والهدف هو تكريم الأدباء الذين لم تلتفت إليهم أكبر جائزة أدبية. النتيجة رحلة ممتعة في عالم الأدب والكتابة.

عاد عمر مجدَّدًا إلى الشقة التي تحمل لافتةً كُتب عليها «دار صائد الجوائز للنشر والتوزيع»، لكنه هذه المَرَّة بوجهٍ أكثر تشوُّقًا وأقل خجلًا، إذ وصلته رسالة منذ أيام تخبره بموعد هذا الاجتماع، مما يعني قبوله رسميًّا في نادي حماة الأدب السري الذي يشبه مجموعات الكتب القديمة، تلك المجموعات التي زال نشاطها وأصبح مقتصرًا على الإنترنت، صحيح أنهم أعلنوا مسألة قبوله تلك في المرة الأخيرة وأخبروه بضرورة تسجيل رقم هاتفه عند الخروج، لكن لمّا تأخرت رسائلهم في الوصول إليه، ظنَّ أنهم تشاوروا بعد مغادرته فيما بينهم بخصوص انضمامه أو بخصوص مشروعه الخاص برد الاعتبار للأدباء الذين أغفلتهم جائزة نوبل عمدًا منذ نشأتها، وهجس عقله بأنهم ربما لم يتحمسوا له بسبب خجله، وعندما واجههم بتلك الهواجس بعد دخوله وسلامه على كل الموجودين، قال رجلٌ مهيب الطلة بشاربه الأبيض الكث وشعره الذي لم تتمكن الصبغة من إخفاء كلّ مساحته البيضاء، لم يكن حاضرًا في المَرَّة الأولى:
– أهلًا وسهلًا بك يا عمر، سمعتُ عنكَ الكثير من الكلام المبشر من صلاح ونصار.
هزَّ عمر رأسه متمنيًا في داخله أن يكون عند حُسن ظنِّهم به، وتابع الرجل الذي سيعرف عمر بعد دقائق أنه جمال فؤاد صاحب دار صائد الجوائز التي يجتمعون فيها:
– على العكس، لقد تحمّسنا كثيرًا لمشروعك، خضع بيننا لعدة مناقشات وسيُناقش أكثر بالتأكيد، ففكرة كفكرتك تلك لا أظنُّ الكلام عنها ينتهي، أو الحماس لها يخفت. واستلم منه صلاح الرفاعي دفة الحديث قائلًا:
– لقد وافق الجميع على انضمامك منذ الاجتماع السابق، لكننا كنا منشغلين بعضَ الشيء بالتحضير لحفلة خالد مكرم، ألم تسمع بما حدثَ؟!
هزَّ عمر رأسه وقال:
– بالطبع سمعت بالأسئلة المحرجة التي وُجِّهت إليه، لقد ظننتها منذ البداية مدسوسة من بينكم، وها قد صدق حدسي!
قال نصار:
– البرَكة في نرمين، هي من أدت تلك المهمة نيابةً عنا.
انتقل عمر بنظره إلى نرمين التي ابتسمت وقالت:
– أنا لم أفعل شيئًا يستحق الشكر، ماذا كنتم لتقولوا لو كانت عزة قرأت كل الأسئلة التي كتبتها له، قد لا تملكون وقتًا لشكري إذًا!
قال جمال فؤاد:
– لن نملك وقتًا لأننا سنموت من الضحك بالتأكيد!
قهقه بصوت أجش، وانتقل بالسؤال إلى منير عمار:
– وماذا عنك يا منير؟
وجَّه هذا السؤال إلى منير لأنه لاحظ شروده، فما كان من منير إلا أن قال:
– أجل، وما كان سيتسنى له لعب دور البطولة كما فعلَ في الإجابة عن السؤال المحرج الذي وُجِّه إليه، فحتى السؤال الذي تعدونه انتصارًا يسعدكم، نجح في قلبه لصالحه، وخرج من المعركة كبطل لا يهزم!
هنا تلاشت ضحكات الجميع من أثر الحِدة التي اتسم بها تعليق منير، وقال جمال فؤاد:
– ماذا جرى لك يا منير؟ لا تكن متشائمًا هكذا، لم يحدث شيء لكل هذا!
ضحكَ منير ضحكة مريرة وقال:
– مُتشائم! لا اطمئن يا أستاذ جمال، لم أعد متشائماً البتة، لم أعد متشائماً منذ اللحظة التي دخل علينا فيها خالد مكرم من هذا الباب، وهو شابٌ لا يجد وظيفة، وترجّاني كي أتوسط له عندك ليقابلك ويعرض عليك مشروع روايته الأولى لتشتريها، وها نحن الآن، أنا صرت روائيًّا فاشلًا لا أملك نصفَ مقروئيته، وأنت توقفت عن الربح من النشر، ها نحن نتندر عليه بعدما حصل على أعلى جوائز الدولة في الأدب، كيف عساني أتشاءم إذًا؟!
صمت الجميع لانفجار منير غير المتوقع، وقال جمال بهدوء جاهد لافتعاله:
– تعالَ معي يا منير، أريدك في الغرفة الأخرى..
طاوعه منير وسبقه مُذعنًا إلى الغرفة الأخرى التي أشار لها جمال بإصبعه، وقال الأخير بصوت خفيض وهو يتبعه:
– معذرة يا جماعة، أنتم تعلمون أن أعصابه متعَبة هذه الأيام.
هزَّ الجميع رؤوسهم، وعندما خرجوا قالَ نصَّار:
– أعصابه متعَبة بالطبع، وكيف لا تتعب في مثل هذه الأيام؟!

بينما قامت نرمين لتحضر من الثلاجة الموجودة في المطبخ مشروبًا غازيًا باردًا لخفض حرارة الأجواء، تناوله منها عمر وتمتم بكلمات شكرٍ في خجل، وأخذه نصَّار دون الالتفات إليها، بينما قال صلاح الرفاعي:
– لا، لا أشرب المياه الغازية، أريد قهوة!
هزت نرمين رأسها واتجهت للمطبخ لإعداد القهوة التي غابت لدقائق وعادت حاملة إيَّاها فوق صينية، تناول صلاح الرفاعي فنجان القهوة وقرَّبه من أنفه ليشمه، ثم وضعه أمامه وتابع الحديث الذي بدأه نصَّار للتو وقال لعمر:
– أتعرف لماذا أعجبني مشروعك المتعلِّق بجائزة نوبل؟! لشعوري بأن كلَّ هذا الذي نمر به مؤامرة علينا من الغرب.
قال عمر بصوتٍ يخلو من الخجل لأوَّل مرَّة تقريبًا:
– مؤامرة!
وفكَّر في داخل نفسه:
– لقد كفَّ الناس منذ زمن عن ترديد تلك التعابير الهدَّامة فارغة المعنى، تفرَّغوا للبناء والعمل، وتركوا أمر التفكير في المؤامرات الكبرى للجهات المنوطة بالتصدي لها.
وانتبه لنصار الذي بدأ يوضح ما يقصده:
– أجل مؤامرة! لكنها تحتاج إلى مثقفين أمثالك وأمثالنا حتى يستطيع المرء الوقوف عليها بوضوح، المؤامرة تقوم على ما نحن فيه الآن، لقد عرفونا منذ زمنٍ وتآمروا على أجدادنا، لكنهم وجدوا منهم مقاومة شديدة لكل تلك الألاعيب، مقاومة بأكثر من طريقة، من ضمنها الكتابة، عندما كان الكاتب يكتب عن مشكلات عصره ويلجأ للحيل للهروب من مقص الرقيب، لكن ها نحن الآن، تأمل معي الواقع الراهن، أغرقونا في الرفاهية، وجعلونا نظن أننا صنعناها بأيدينا، ألغوا الرقابة وكلَّ تلك المنغصات وصنعوا حرية لا حدود لها، والآن تأمل النتيجة، لا نجد ما يستحق أن يُكتَب ويُدوَّن، لا موضوعات جادة باقية، لقد أعطونا مخدِّرًا قويَّ المفعول، والمجتمع أدمنه!
ظلَّ عمر ينتقل بعينيه بين نصَّار الذي أسهبَ في شرح نظرية المؤامرة التي أسَّسها وبين صلاح الرفاعي الذي يعطي جلَّ تركيزه لفنجان القهوة، أغلب الظن أنه سمع تلك النظرية من قبل عدة مرَّات حتى اعتادها، أو أنه لا يتفق معها بتاتًا فيتعمَّد عدم التركيز فيها حتى لا يحدث جدال فارغ، لكن نصَّار لاحظ عدم انتباهه وسأله:
– ماذا ترى يا أستاذ صلاح؟
ارتبكَ صلاح الرفاعي، ليس فقط لأنه سحبه من شروده، بل لأنه تعمد مناداته بـ«الأستاذ» أي قام بتعظيم مكانته ليضمن أنه لن يقوم بتصغيره أمام شاب في مثل سنِّ أبنائه، فقال بعدما ارتشف رشفةً طويلةً من القهوة فكَّر خلالها في كل تلك السيناريوهات وأتى بالرد الأكثر دبلوماسية:
– واللهِ، كلُّ شيء جائز، أنا شخصيًّا لا أستبعد حدوث أي شيء في هذا العالم المجنون!
وقال نصَّار وقد فطنَ عمر أنه كان يلتقط أنفاسه من الخطبة الطويلة لا أكثر:
– ويتساءل الحمقى لماذا لا أقرأ سوى الكلاسيكيات، ولا أقتنع بسواها، لأنها قالت وتقول كلَّ ذلك قبل حدوثِه بكثير، نحن فقط من لا ننتبه لها، ونحتاج إلى استعادتها أكثر من مرَّة كي ندرك كنهها وما ترمي إليه من مقاصد، ألم يقل ابن خلدون كلَّ ذلك في مقدمته؟
هنا فوجئ عمر بصلاح الرفاعي ينفعل:
– طبعًا قاله ونصف أيضًا.
وتابع نصار:
– لقد تبنَّى نظرية مفادها أن الحضارات تنشأ على يد رجال أقوياء ينشرون فيها العدل والرفاه، فيُربى الجميع على الدعة والراحة، وسرعان ما ينتقل المُلك بمرور الأيام إلى هذا الجيل الذي تربى في عصر الرفاهية والدعة فتنهار في عهده الحضارة.
قال صلاح الرفاعي وقد بدا أنه تسلطن، ولا يدري عمر أبفعل الكلام أم بفعل القهوة؟!
– يا سلام! كم كان داهية ابن خلدون هذا! لقد تكرَّر هذا مرارًا في التاريخ القديم والحديث، ولم يتَّعظ البشر بَعدُ، هكذا هي الدنيا!
قال نصَّار بحِدَّة مَن وصل إلى الجزء الذي يسعى إليه منذ البداية:
– لا يتعظون لأنهم لا يقرؤون الكلاسيكيات وأمهات الكتب، يعتبرونها موضة قديمة ووَّلت، مَن لم يقرأها ويستعِدْها أكثر من مرَّة فليس بمُتأدِّب.
احمرَّ وجه عمر وجفل قليلًا لهذا الانفعال الذي تفاجأ بحدته، ولكنه عاد ليصغي السمع إلى صلاح الرفاعي الذي وجَّه الحديث إليه:
– وهذه هي أهمية مشروعك يا عمر، التي لم تدركها بعد، ليس إعادة رد الاعتبار للأسماء العظيمة التي اخترتها فقط، وإنما أبعد من ذلك بكثير، إعادة نفخ الروح في أعمالهم الكلاسيكية وتسليط بؤرة الضوء عليها لحماية الأدب، وهذا ما يتعينُ علينا جميعًا القيام به، لقد بُني المجتمع، وبُنيت الحضارة، ويظنُّ هؤلاء الذين يعيشون في غيِّهم أنَّ الأدب بالضرورة في هذا العصر، قد برز، لكن لا شيء يبرز من تلقاء نفسه.
وهنا أدركَ عمر أن مسألة انضمامه إلى نادي الكُتَّاب هذا تتجاوز فكرة التسلية بأميال، فحتى أفكاره التي عبروا عن إعجابهم الشديد بها، يبدو أنهم لا يزالون مختلفين عليها، عسى أن تطمس الأيام هذه الخلافات الكامنة من أجل صلاح الأدب.

