في عالم بعيد عن بلادنا، حيث تعيش وتعمل نهى في اليابان، نرى كيف يحول العنف المنزلي إنسانًا ليصبح عنيفًا وقاتلًا، مقتطف من رواية دعاء إبراهيم المرشحة لنيل جائزة البوكر العربية.
عرفتني «تومودا سان» على «كوماموتو». الصحبة هي من تصنع المكان. كانت رئيستي في العمل. رئيسة من دون مهام محددة أو حتى توجيه من جهة أعلى. دخلت المطعم لأعمل «الأي شيء» الذي اتفقت عليه مع أبي. وكان عبارة عن غسل الخضراوات وتقطيعها، وتعبئة الطلبات في الأطباق المخصصة، وغسل الأطباق. وفي نهاية اليوم، نتشارك جميعنا في تنظيف المطعم بالكامل، من أصغرنا لأكبرنا. قبل أن آتي، كانت «تومودا سان» تعمل «الأي شيء». وحين أتيت صارت بحكم جهلي رئيسة لي. تقوم معي بكل الأعمال مع بعض التوجيهات. تكرر الجملة ثلاث مرات كي أحفظها. أكررها خلفها ثلاثًا أخرى. ومع نفسي عشرات المرات. كانت وَدُودًا تؤدي دورها جيدًا مع ابنة المالك المكافحة. ظلت التعاملات بيننا مقصورة على جمل تروح وتجيء، روتين مقيت لكنه على الأقل أفضل من الخواء.
انجذبت لها بشكل خاص. تشبهني كثيرًا، هادئة مع لمحة حزن تغوص في عينيها الصغيرتين، تحيط بهما دوائر من الهالات السوداء. أدركت أنها لا تنام مثلي. ترتدي ملابس واسعة فيبدو جسدها من خلالها نحيلًا للغاية. وجهها أربعيني لكن روحها بدت أكبر. حين لم تخبرني عن زوجها وأبنائها ظننت أنها عزباء. وأرجعت انطفاء روحها لذلك. لكنني كنت مخطئة.
عرفت بعد ذلك أن ما فعله معي أبي بخصوص العمل ليس غريبًا هنا. فطلبة كليات الطب يعملون لأربع ساعات في مَحالِّ «سفن إليفن» و«يومي ماتو» وغيرها بعد انتهاء اليوم الدراسي؛ ليتمكنوا من سداد مصاريف الكلية. وأن عاملة محطة البنزين التى صرت أتعامل معها بعد أن اشتريت سيارة مستعملة، طالبة في كلية الحقوق. وبذلك لم أَعُد المسكينة ابنة المالك «المفتري». على العكس إنه يتصدق عليَّ ويدفع لي الإيجار.
مع الوقت صرت أفهم أغلب ما يُقال لي. لكنني ما زلت غير قادرة على التعبير عن نفسي بلغة سليمة. لكن ذلك لم يمنعهم من فهمي. وبمساعدة لغة الجسد، وإنجليزية المدارس الحكومية وجوجل ترانسليت صارت الأمور أفضل.
افتقدت زميلات المستشفى، على الأقل كن يخترقن وحدتي بجرأتهن على السؤال. يندسسن داخل روحي ويفتشن عن أخبار جديدة. لم أكن مثلهن، آتي كل يومين بعريس مختلف، وقصة مثيرة عن أمه وشروط الاتفاق. رغم ذلك لم يكففن عن الحكايات، ينسجن حكاياتهن حولي دون مواربة، أو خوف من حسد أو غيرة. ربما لأنهن متأكدات أن الأمر لا يهمني. لكن الحقيقة أن حكاياتهن ظلت مسلية، تقطع الوقت وتجعلني أغادر الاستقبال أسرع مما تخيلت.
أنتقل من مستشفى لآخر، حين أشعر ببعض الخطر من انكشاف أمر الغراب. أقدم طلب النقل بكذبة، تتبدل في كل مرة. أذهب لأماكن بعيدة لا يرغب فيها أحد؛ مما يجعل الموافقة أسهل. وهناك في كل مكان جديد حكايات تملأ الخواء داخلي. وتمنعهم من رؤية السواد الهائل الذي يحلق فوقي. في كل مكان جديد فرصة جديدة لأحصل على لقب «أفضل ممرضة». ليبقى امتنان المرضى وذويهم هدفًا ًسهلًا، لكن الصعب دومًا هو موتهم. والأصعب اختيار مَنْ سيموت؟!
دومًا يختار الغراب حالات حرجة كي يبدو موتها منطقيًّا. وحين تنفلت حالة قد تثير الاستغراب والقلق، يأمرني وقتها بحقن السائل بالتدريج، جزء صغير على مدار أيام كي تنهار الحالة ببطء. كأنني أضغط slow على المشهد، الموت البطيء أصعب على نفسي؛ لأنه يذكِّرني بحياتي. أنظر لذراعي المتخشب وأسأل: مَن يحقن الدواء الباهت بوريدي على مدار سنوات؟ ومتى سيريحني؟!
في المطعم نتبادل كلمات قليلة. أغلب العاملين من الباكستانيين. لم أكن أسمع منهم سوى: «السلام عليكم”. هذا كل ما يعرفونه عن العربية. ومع حاجز اللغة بقي الحديث قليلًا ومختصرًا. لكن الأمور تغيرت حين أخبرتني «تومودا سان» عن رغبتها في تأجير شقة مشتركة؛ لكي توفر بعض المصاريف. عرضت عليها الإقامة معي دون أن تدفع شيئًا، في مقابل أن تعلمني اللغة، ليس بالتلقي فقط بل تعلمني كيفية الكتابة والقراءة. رحبت بالفكرة. وبدأت بالفعل في جمع أغراضها لنقلها إلى شقتي. كانت حاجياتها قليلة تشبه حاجياتي. إلى أي درجة نتشابه يا عزيزتي «تومودا سان»؟!
غمزت للغراب المتفرج عليَّ، كخلفية سوداء زاحفة على المشهد.
– ألا تفهم ما يُقال… للأسف لم تتعلم اليابانية.
ضحكت على سكوته الغامض. وتأملت عينيه بخبث!
اقتسمت مع «تومودا» الحياة والخبز، أو الأرز لأنها لا تتناول الخبز إلا نادرًا. تستيقظ في الصباح كل يوم في عجلة، تركض نحو الحمام، لا تبادر بصباح الخير، تكتفي بإيماءة وغمغمة غير مفهومة. أراقبها وهي تكبس بيدها حبات الأرز وتقذفها في فمها، حيث تلتفت إلى ساعة الحائط، القابعة في مواجهة باب الشقة كل دقيقتين، لا أحب تومودا سان في الصباح، يبدو العالم بالنسبة إليها واقفًا على قدميه، فيما أنظر إليها وإلى الحياة بأسرها على أنها محض عبث لا بد منه. أستيقظ متكاسلة، أتأمل عجلتها ودقة مواعيدها بسخرية، لا تنتظرني إذا تأخرت ولن تفعل أبدًا.
وجود تومودا معي في نفس الشقة جعلني أتعرف إلى اليابانيين عن قرب، أو هكذا ظننتُ، امرأة شديدة النحافة، بجسد مسطح ووجه مسحوب، يعجبني شعرها الكثيف الحريري، كان أجمل ما تملك، لا تتحدث إلا قليلًا، خَجُول، هادئة، تلمع عيناها حين تسألني عن مصر، أو حين نتبادل النميمة على أحد العاملين في المطعم. تتحدث كثيرًا وتضحك أكثر حين نسكر معًا، لكنها ما إن تُفِقْ في الصباح حتى تعاود هدوءها المعتاد، كأن التي كانت معي في الليل امرأة أخرى. كنت في البداية متحفظة. أعرف كم يعشقون المسافات. حاولت الحفاظ على عاداتهم قدر استطاعتي حتى لا تتضايق من وجودي. مع الوقت ذاب الجليد تدريجيًّا بيني وبينها. بدأ الأمر بالذهاب إلى العمل والعودة معًا، بعدها صرنا نتساءل عن الخطط المحتملة في الإجازات. لكننا ظللنا نحترم خصوصية بعضنا بعضًا. لا أسألها عن شيء إلا إذا تحدثت هي فيه. لكنها كثيرًا ما كانت تسألني عن مصر، وعاداتنا، وعن حياتي هناك بدافع الفضول. بالنسبة إليهم وجود أجنبي خارج حدود آسيا أمر غريب. خصوصًا في المدن غير الصناعية، التي لا تُعدُّ كبيرة مثل «كوماموتوا».
شعرت للمرة الأولى منذ فترة طويلة أنني حية، اشترينا ملابس جديدة ومساحيق تجميل. شجعتني صديقتي الجديدة على العودة للطفلة الصغيرة التي كانت تتمنى أن تكبر، أن تسيل دماؤها كل شهر، أن يعاكسها الأولاد في المدرسة المجاورة. تسحبني من يدي تدريجيًّا بشغف غير واضح على ملامحها الفاطسة، شغفٌ مُتأنٍّ ومرن بكل أمور النساء، يبدو عفيفًا شفافًا. لكنها كانت عفة غير حقيقية.
تسابقنا أثناء ركوب الدراجة. كنت أسبقها دومًا كاسرة الإشارات أمامي. تشرحها لي بالإنجليزية، ثم مرة أخرى باليابانية ظنًّا منها أنني لا أفهم، لم تتخيل قط أن هناك من يكسرها عمدًا. كيف لا تفهم أن لون الدم يعني تقدم. الطريق ملك لك!
في كل مرة تشرحها أومئ برأسي وأقول: «واكاريماشتا».
تشبه الكثير من اليابانيين. يحترمون الطريق، الآخرين، الأوامر، عادات الأكل، الأساتذة، الزبائن، مديري العمل، الطابور، الآلهة الساكنة في الشوارع، داخل أبنية صغيرة غير مرئية لغير العارف. كنت أمرُّ خصيصًا جوارها لأجمع الأموال الموضوعة هناك. فالآلهة لا تحتاج إلى التسوق.
بدا لي المجتمع من الخارج مجتمعًا كاملًا من الملائكة. هذا ما جعلني أكرههم. بدوا جامدين كروبوتات من حديد، مهذبين لدرجة محرجة، يتشابهون في كل شيء؛ طريقة الحديث، وإيماءات التعجب والاستغراب، وتناول الطعام، وأوقات تناولها، كأنهم جميعًا خرجوا من مصنع واحد، مسخهم جميعًا على هيئة واحدة. الجميع يحترم الإشارات دون وجود رقيب أو رادارات، كأنهم فُطروا على كبت جماحهم وبشريتهم. صرت أعرف ما يمكن أن يحدث لشخص يتمنى لو يكفر بالعادة. لن يتخلص أبدًا من الشعور بالذنب.
يقف العجائز ويحملقون في وجهي، ثم يسألون عن بلدي، ويتبعونها بكلمة ”كوايي” أي جميلة، رغم نظرات الإعجاب التي ترسو على وجهي لأنني أجنبية، لم أغفر لهم. لا يمكن أن أمرر الشعور الزاحف نحوي، حين أكون بينهم، أنني بشرية أو شيطانة وسط ملائكة لا يخطئون! ما أسوأ أن تشعر بذلك!
أغلقت عليَّ الحجرة واستلقيت على الأرض. تركتني «تومودا سان» لتنام في حجرتها. أشعلت سيجارة وأنا أتأمل دخانها الحي. يتشكل أمامي على هيئة أعرفها، ناديت: قابيل! رأيته لا يزال جالسًا على الصخرة المجوفة، يتأمل خسارته. لا أحد يعرف ما مر به غيري. تحركت قليلًا حتى صرت في محيط رؤيته. اكتشفت أنني عارية. يختبئ مكمن أنوثتي خلف غابة من الشعر الكثيف، حملني وأجلسني على الصخرة الضخمة. ثم تركني متوغلًا بين الأشجار التي تحجب الشمس، وتطفئها خلف ظلال عملاقة وأوراق هائلة، ليبدو قرص الشمس كرة صغيرة ضائعة وسط الكون الكبير، هو أيضًا كان طويلًا جدًّا كنخلة عالية.
عاد إليَّ بعد أن خاط من فروع الشجر وأوراقها الكبيرة سترًا لعورتي. أعطاني إياه وأدار وجهه. ذرفتُ دموعًا فجائية، وأنا أرتدي الورق الأخضر الكبير. كأنني كنت عارية منذ ولادتي، وفي تلك اللحظة فقط، أحتمي بشجرة تعوضني عن كل الأشياء التي فقدتها؛ أمي، أبي، جدتي، بيت هادئ. تلمست الورق الأخضر بتربيتة عَطُوف، وأرحت ملامح قابيل في رأسي. رأيت هذه الملامح من قبل، كصبغة باهتة رديئة على وجوه الجميع. عينان عاجزتان عن التمسك بلون محدد، يتأرجح لونهما بين الأسود والبُني والعسلي، أو لعلهما بين الأخضر والأزرق المائل إلى الحمرة، أنفه، جبهته، لون بشرته الخمري. كأنه هيئة البين بين. معتدلًا بين ضدين. هو الشخص الوحيد القادر على استيعابي. رغم ذلك هناك حاجز بيني وبين الحكي. إذ إنني حين أردد ما فعلته بصوتٍ عالٍ أنتبه لما اقترفته، أسأل نفسي في حسرة: «كيف فعلتُ كل ذلك وحدي؟!».
لعلكَ كنت معي شبحًا في أرجاء المستشفى، تعلمني كيف أفرغ قذيفتي، أزرعها ببطءٍ وتَروٍّ، أرتعش حين تمس كتفي كمعلم وتلميذة مرددًا: «أحسنتِ». أسحب نفسًا عميقًا وأحبسه داخلي حتى تفرغ القذيفة من رميتها، ثم أزفر كأنني أودع حملًا ثقيلًا. ينتفض جسدي حين يسكن الجسد الآخر. وقتها أرتعش تلك الرعشة التي لا تتكرر إلا عند موت أحدهم. عند شعوري أنني نجوت. أخيرًا.
أشرت لصخرة كبيرة مصبوغة بدم متجلط وسألته:
– بهذه الصخرة؟
نظر للأرض وبكى ثم قال بصوت خفيض:
– أخي.
– انظر.
فتحت يدي لتظهر السرنجة لامعةً تحت ضوء الشمس الخفيف. التقطها من بين أصابعي. وتساءل متعجبًا.
– بهذه فقط؟! هل صار الإنسان ضعيفًا إلى هذه الدرجة؟!
– صار محترفًا.
