روك آند رول الأدب العربي

وجدان، عمل بلا عنوان.

مو مصراتي   By • 8 JUNE 2026

من شوارع كامدن وحتى المتحف البريطاني، يمضي صاحبنا متأملًا كل العبث الذي يحيطه، الندوة ورواد المتحف والأدب العربي. بين برلين ولندن، يكتب مو مصراتي روايته الأولى، وهذا مقتطف منها.

الساعة بالكاد بلغت العاشرة حين خرج من دكان الكتب. صباح برليني غائم وعتيق. سلك شارعًا غير الذي جاء منه. كان يبحث عن مكان يشرب فيه القهوة ويقرأ قصة التاروت التي اشتراها للتو وقرّر أن يهديها لها. لم يعرف شيئًا عن القصة. لم يهمّه منها سوى أنها عن التاروت. تحدّثا عن التاروت كثيرًا حين كانا يتكلمان أونلاين قبيل قدومه إلى برلين. فكّر حينها أن شراء هذه القصة لها سيكون هدية قيّمة. غير أن بإمكاننا اليوم القول إن السبب الحقيقي كان رغبته في تذكيرها بتلك الأيام. أيام لم يمضِ عليها سوى أيام، لكنها باتت تبدو الآن أيامًا خواليَ بالفعل.
وفي الطريق مرّ بمقاهٍ كثيرة، لكنه لم يرغب في الجلوس بين روائح الطعام. كانت حساسيته تجاه الأكل قد تفاقمت منذ تناولا البيتزا مساء البارحة. ومنظر الجالسين خارج المقاهي وهم يقضمون أقراص المعجنات أثار غثيانه. أراد مقهى يقدّم القهوة فقط. وإن كان لا بد أن يقدّم الطعام أيضًا، فعلى الأقل ألا يعرضه بفجاجة هذه المقاهي.
مشى امتداد الشارع العريض، وتوقف عند ناصيته واستعان بخرائط غوغل على هاتفه ليرى صور المحلات البعيدة وواجهاتها، وليقرر إلى أيّ منها سيمضي. تقدّم داخل الخريطة مسافة أطول، وحين ظهر أمامه اسم شونلاين شتراسه، شارعه الأثير ومركز رحلاته الفائتة مع باتريك، أغلق الهاتف وأعاده إلى جيبه ونظر حوله. كان يقف أمام مقهى بلا واجهة، شدّ انتباهه فورًا بسبب ملصق على الباب لحفلة مكتوبة بالعربية والإنكليزية. اقترب أكثر، ولاحظ أن تاريخ الحفل قديم، وأنه أقيم في بيروت. وفوق مقبض الباب، حين مدّ يده إليه، رأى ملصقًا صغيرًا لربع بطيخة. أدرك أنه وصل.
كان المكان واسعًا، تمتد فيه الطاولات على الجانبين، بينما تقع ناصية البار أمامه مباشرة. نباتات معلّقة، وأخرى مصطفّة قرب النوافذ الواسعة العريضة، ورفوف بألواح نحيفة تحمل كتبًا ومنشورات ومجلات. كان ضوء الصباح يشرح المكان كله. ومعظم روّاد المقهى المكتظّ عرب. غالبًا لبنانيين. فلسطينيين. سوريين. الجميع يجلس وأمامه جهاز لابتوب. الجميع يضع السماعات. بعضهم يتحدث بصوت عالٍ، وآخرون منهمكون في الشغل أو تصفح المواقع والأخبار. بدا المكان مثل نسخة مصغّرة من تلك الدوائر التي ظل يتحاشاها منذ سنوات طويلة.
وقف عند ناصية البار. نظر نحو ماكينة القهوة لبرهة. سبقه العطش إلى فمه. طلب زجاجة بيرة وأخذها إلى طاولة قريبة. شاهد على الحائط أعلى الطاولة ملصقًا لحفل آخر أقيم أيضًا في بيروت، لإحياء موسيقى أم كلثوم ورشيد طه. تذكّر أنه الملصق نفسه الذي صوَّرته هي الأسبوع الماضي وأرسلته له قائلة إنها تحس بشيء من روح رشيد طه فيه. وضع إيموجي قلب أحمر مشتعل على الرسالة ساعتها وكتب لها: ولكن صرتُ اليوم من دون شعر كثيف.
هذه المرة، هو من التقط صورة للملصق بهاتفه وأرسلها إليها من دون أن يكتب شيئًا. ردّت فورًا تسأله كيف عثر على رِواق. وبعدها، في رسالة ثانية، قالت إنها ستخرجُ للركض وترتيب بعض الأمور، ثم تلحق به إن بقي هناك.
تصفّح قصة التاروت وقلّب صفحاتها الستّ والثلاثين متمهّلًا. قرأ الفصلين الأولين بتركيز متقطع، ثم مرّ بعينيه سريعًا على الباقي. تركها جانبًا وانشغل بمراقبة الناس الجالسين حوله. لم يستطع إبعاد الشبح القديم عن رأسه. حطّ عليه كما يفعل دائمًا كلما وجد نفسه داخل مكان كهذا، وربما لهذا السبب تحديدًا ابتعد عن هذه الدوائر كلها. تساءل إن كان يعرف أحدًا من هؤلاء، أو إن كانوا يعرفونه. متابعون قدامى على تطبيق العصفورة الزرقاء أو تطبيق الصور. أناس حضروا النقاش في المتحف البريطاني. أشخاص رأوا ما رأوا يومها. الكارثة، كما سمّاها مع تقادم السنين. تلك السنين التي ظل خلالها عالقًا في ذلك الصباح اللندني، بينما هم كبروا وتغيّروا، حتى وصلوا هنا وفتحوا لابتوباتهم في صباحات برلين.
مرّت عشر سنوات منذ ذلك اليوم. عقد كامل منذ واقعة المتحف البريطاني. كان صغيرًا. وجهه أنحف. بلا لحية. شعره كثيف. يكاد الآن لا يميّز نفسه كلما نظر إلى صورته في المرآة. الشيء الوحيد المؤكد أنه لم يقترب من دوائر الكتّاب العرب منذ ذلك اليوم الذي جلس فيه إلى طاولة مستديرة لنقاش موضوع عميق وتفكيكي حول الأدب العربي. لم يعلم بعد أن ما ينتظره هو عمق قعره وتفككه. أم تراها كانت الفوّهة يا ترى؟ فمنذ ذلك اليوم، أخذ طيفه يتبخر في تلك الأوساط حتى نُسي أمره. ومع هذا، ظل متمسكًا بحجج واهنة حول ما حدث، تحسبًا للقاء شخص حضر الندوة يومها وتعرّف عليه. مرات كان ينظر إلى نفسه في المرآة ويقول، كأنه يخاطب شخصًا آخر: إنه الاكتئاب. مرات يقول: إنه المرض. ولا يستفيض. ومرات، وهذا أكثر ما كان يحدث، يكتفي بالتفنيص في المرآة حتى تبتلعه أفكار أخرى.
فقط خلال أيام الأونلاين معها، في الأسبوع الماضي أو الذي قبله، قصّ عليها ما حدث. كانت أول مرة يستردّ فيها شجاعته ليحكي الواقعة بالتفصيل المملّ.
أخبرها أن علاقته بأناييس حينها وصلت إلى نهايتها كشريكين. كانت تفكر جديًا في تركه، لولا إحساس بتأنيب الضمير لازمها لأنها شهدت تحولاته خلال السنوات الثلاث من علاقتهما. حين تعارفا، عشية 12/12/2012، أثناء أمسية قصصية احتفاءً بصدور الترجمة الإنكليزية لكتاب حسن بلاسم، كان هو كاتبًا مشغولًا بإنجاز روايته الأولى، بكل ما تحمله هذه الصورة من كليشيهات وكرينج ذات عيار ثقيل، وكانت أناييس قد أنتجت فيلمها الوثائقي الأول وتستعد لبدء تصوير فيلمها الثاني. قالت له يوم تركته إن شغفه في تلك الأيام، وثقته العالية بنفسه وبما يكتبه، كانا أساس ما شدّها إليه. ولأنها منذ ذلك الحين شاهدت تحولاته أولًا بأول، ولأنه لم يعد باستطاعتها التعامل مع أناه الجريحة وانهزاماته المتعمّقة، صارت تحسّ بالعجز أمامه. ثم بدأت تعدّد تراكمات السنة الأخيرة من علاقتهما. إذ كلما غطس هو أكثر في الدوخة، ازداد عدد ساعات جلوسها للشغل؛ تحضر مهرجانات الأفلام والأمسيات الأدبية وحدها، وتراجع سيناريو فيلمها الجديد، وتواظب على دوامها الجامعي كل يوم. وحين كانت الخناقات تشتعل بينهما حتى الصميم، ويعلو صراخهما، كانت تحدثه عن الشغف، وتسأله أين ذهب الشغف. وهو لا يدري بالطبع أين ذهب الشغف. وكأي تجنّبي أصيل، لو كانت هذه هي الترجمة المناسبة حقًا للمصطلح الذي بات شائعًا، كان يغيّر مجرى الكلام بالقول إنه يحكي لها عن كل شيء يريد كتابته. ربما لهذا لم يعد بوسعه كتابة أي شيء مطلقًا. هل فكرتِ في هذا الاحتمال؟
“هيدا الحكي بيوجع كتير”، قالت أناييس بعد برهة، بصوت أهدأ هذه المرة.
“الحقيقة دومًا مؤذية”، قالها هكذا حرفيًا. بالفصحى أقصد.
صباح ذلك الأحد، يوم واقعة المتحف البريطاني، وبعد ليلتين طويلتين قضاهما في حفلة تِكنو بغابة شمال المدينة ولم ينم خلالهما، وكان أيضًا يوم عيد ميلاده الخامس والعشرين، وصل إلى المتحف رفقة أناييس وباتريك، الذي لم يفارقه طوال الليلتين الماضيتين. عند الباب، قال باتريك إنه سيجد لنفسه بارًا يجلس فيه ريثما تنتهي الندوة. حسده صاحبنا، وكاد يقول إنه هو أيضًا سيذهب معه، لولا أن أناييس سبقته وسحبته من ذراعه قائلة إن عليه الالتزام بالحضور. لم تعلم أناييس بعد أنه وباتريك قد وضعا تحت لسانيهما عقار إلسدي قبل لقائها في محطة هولبورن. ربما لو عرفت قبل وصولهم إلى المتحف البريطاني لتركته وشأنه، يذهب مع باتريك إلى البار أو أي مكان آخر. أو من يدري، لعلّها كانت ستبقى مصرّة. فقد رأته مرارًا يعمل أو يدير صفقات مشبوهة ودماغه معمّر بالمهلوسات. غير أنها، حين رأت بياض عينيه وهي تسحبه من ذراعه، أدركت أن صاحبها في عالم آخر.
سألته: أخذت آسيد؟
كان باتريك ينظر إلى راحتيه، وقد أصاب الهلع ملامح وجهه، لكنه انتبه للسؤال ورفع عينيه إليها، وكشّر عن ابتسامة قط تشاشير التي عُرف بها وهو فاقد. قال:
You are fucked, bro.
You’re fucked too, Pat، قالت أناييس.
قال باتريك: على الأقل أنا ذاهب إلى البار.
ومشى باتريك واختفى بين زحام السيّاح الداخلين إلى المتحف والخارجين منه. راقبه صاحبنا وهو يبتعد. أما أناييس، فلم ترفع عينيها عن صاحبها. ظلّت تنظر إلى مقلتيه، إلى ألوانهما وهي تتبدّل بين لحظة وأخرى، ثم وضعت يديها على كتفيه، وهزّته برفق، وقالت: خلّينا نفل.
ظلّ لبرهة ينظر إلى الباب الخارجي للمتحف. ثم استدرك شيئًا وقال لا، إنه ملتزم بالحضور. أصرّت أناييس على أن الأمر غير ممكن. قالت إن عليه أن ينظر في المرآة ليرى بأي هيئة وصل. كان العرق يتصبّب من جبينه، وقميصه ملتصقًا بصدره وظهره. عيناه مفتوحتان أكثر مما ينبغي، حدقتاه متسعتان، وفي بياضهما لمعة زجاجية. وجهه شاحب، وفمه يتحرك أحيانًا كأنه يوشك أن يقول شيئًا ثم ينساه. ومع ذلك ظلّ مصرًّا. نفخت أناييس، وفكّرت، ثم قالت إن عليه أن يغسل وجهه.
وأضافت: لازم كمان تشرب مي كتير. المي أوّل شي. وين نضاراتك؟ إيه، حطّن. أحسن تضلّ فيهن. هلّق عالأقل.
وارتدت نظارتها السوداء الكبيرة أيضًا، ومرّرت ذراعها تحت ذراعه، ثم مضت به إلى داخل المتحف. كانت تمشي بخطوات واثقة، بينما مشى هو بخطوات مرتخية، متأمّلًا تفاصيل الواجهة الخارجية للمبنى. بدا لأناييس كما لو أنهما يمضيان إلى حتفهما. هكذا فكرت وقتها. وفكرت أيضًا أن مشيتهما الغريبة، بهاتين النظارتين، تجعلهما يبدوان كعاشقين غريبي الأطوار. وكان لعب هذا الدور أفضل بمراحل من أن يرى الحضور عينيه وهما تتحولان بين الرمادي والأزرق والبياض. طوال الوقت، كانت تهمس إليه وتسأله إن كان قد تراجع عن قراره. بإمكانه الاعتذار للمنظمين. لا يزال بوسعهما العودة إلى البيت الآن. خلّينا نفلّ بليز. سكّرَ دماغه وبقي مصرًّا.

وجدان، عمل بلا عنوان، ألوان مائية وغواش وحبر على ورق مقوى، 37 × 50 سم، 1994 (بإذن من “وادي فينان” للفنون).

دخل حمّام رجال بعيدًا عن القاعة المخصصة للندوة، آملًا ألا يُصادف أحد المنظمين أو المشاركين. بقيت أناييس واقفة عند العتبة مستندة بظهرها إلى الباب المفتوح، تراقبه وتتحدث إليه لتبقيه حاضرًا على هذا الكوكب، وتسلّم بابتسامة متوترة على سرب رجال مرتبكين، يدخلون الحمّام ويخرجون منه. غسل وجهه وشعره، وتفادى النظر إلى المرآة أو إلى وجوه الرجال وهم عند الحوض يغسلون أيديهم. ثم دخل إحدى الكبائن وأغلق الباب خلفه، وتناول سطرًا أبيضًا فوق غطاء المرحاض. ولما خرج، نظرت إليه أناييس ورأت في عينيه شيئًا من العادية أو الطبيعية قد عاد، رغم أن حدقتيه ما زالتا جاحظتين. قال لها مبتسمًا إنه خلاص، استعاد وعيه. ما حدث كان لحظة بدء تأثير العقار ليس أكثر، وإنه الآن صار بخير. لم يبقَ من الرحلة سوى المعتاد منها. مجرد سحب وخطوط وألوان. رسوم متحركة وأنوف حمراء كبيرة. هذا كل شيء.
ارتاحت أناييس. أو لعل الراحة انتابتها حين رأته مبتسمًا وعينيه حاضرتين. عاد إليها ذاك الإحساس بأنه مُسيطر حتى وهو تحت تأثير المهلوسات. هكذا رأته كل مرة تناولا فيها الإلسدي معًا. لكن ما لم يكن هو ولا أناييس يعرفانه بعد، أن باتريك، بسبب استعجاله، كان قد حوّل الرحلة كلها إلى مقامرة. فحين غادرا الحفلة متجهين إلى المتحف البريطاني، كان عليهما أن يتوقفا أولًا في كامدن تاون للتزوّد بما ينقصهما من مخدرات. ذهب باتريك إلى الكومونة التي يقيم فيها الدكتور بيلي لشراء ورقة المئة قرص من العقار، بينما ذهب صاحبنا إلى كومونة أخرى قريبة لشراء كوكايين. كان الدكتور مشغولًا بشيء ما ولم يقطّر السائل على الأقراص بعد. قال إنه يحتاج مزيدًا من الوقت. لكن باتريك لا يطيق الانتظار، وقد اتفق مع صاحبنا على اللقاء أمام محطة كامدن بعد قليل ليستقلا القطار نحو هولبورن، فعرض على الدكتور ثلاثمئة جنيه إضافية مقابل تغطيس ورقة المئة قرص مباشرة في صحن سائل العقار. وافق الدكتور، وإن لم يبخل عليه بالتحذير من تبعات الرحلة لو فعل ذلك.
نسي باتريك أن يخبر صاحبنا بهذا التفصيل حين سأله الأخير لماذا الورقة مبلولة هكذا. كانت مبتلّة إلى درجة أن قصّ قرصين منها صار مهمة معقدة. عادةً يسهل قص ورقة الإلسدي بسبب الغرز الفاصلة بين كل مربع وآخر، غير أن الورقة هذه المرة كانت طرية ورخوة فخرجت القطعتان معوجّتين وغير متناسقتين. قال باتريك: يمكن من عرق يديّ. بدا الجواب منطقيًا لصاحبنا، وعلّق على الموضوع برمته، بينما كان يمصّ القرص، بأن طعم عرقه مُر.
لهذا، وبما أنهما لم يعرفا هذا التفصيل بعد، ارتاحت أناييس وعادت متوهجة. أو بالأحرى هكذا رآها هو. أي لما ترتخي عيناها ويتسع فمها قليلًا، فتبدو أجمل. سألته إن كان يحتاج إلى قهوة أو شيئًا يأكله. قال إن كل ما عليه فعله الآن هو أن ينهي هذه الندوة ويخرج سليمًا في قطعة واحدة. فانطلقا إلى القاعة، ذراعه في ذراعها، حيث لقاهما القيّم على الندوة. رجل لبناني أصلع وضخم على نحو لافت. اقترب القيّم من وجهه أكثر مما ينبغي، وتحدث إليه بصوت مبحوح، فيما أصابع يديه تتحرك أمامه في كل الاتجاهات: تأخرت كتير. كتير تأخرت. ظل القيّم يرددها، وكان لسانه يدور حول فمه ويلحس شفتيه: تأخرت كتير، كتير تأخرت. لم يقل صاحبنا شيئًا. بقي ينظر إليه مفزوعًا. شيء ما؛ بدلته الرسمية التوكسيدو وشارباه الرفيعان المفصولان عند منتصف الشفة جعله يشبه شخصية رئيس خدم في رسوم متحركة. جرى القيّم مبتعدًا في الممر المؤدي إلى القاعة، ملتفتًا إليهما بين حين وآخر، مشيرًا لهما بالاستعجال. وحين رفع صاحبنا عينيه إليه مرة أخرى، رآه يتسلق الحائط، ويتقلص حجمه شيئًا فشيئًا حتى اختفى داخل الزاوية أعلى الباب.
– أناييس، شفتيه كيف اختفى؟
– مين؟
– رئيس الخدم.
لا، قال الـ butler، هكذا بالإنكليزية، ولم يقل رئيس الخدم. للأمانة يعني.
– الباتلر. شفتيه؟ تحوّل لحشرة.
بقيت أناييس تنظر إلى فزع أصاب وجه صاحبها. وقالت:
– شو باتلر ما باتلر! خلينا نفل أحسن.
– لا لا، عادي. فقط رسوم متحركة. هذا كل شي.
وكان ينظر إلى القيّم/الباتلر وقد صار داخل القاعة الآن يلوّح له. أصابعه في كل الاتجاهات، ولسانه في كل الاتجاهات، وعيناه في كل الاتجاهات. صعد صاحبنا درج المسرح، ووقفت أناييس تودّعه وتراقبه وهو يبتعد عنها خطوة خطوة. بدا لها كأنه يصعد منصة إعدامه. وهو تقريبًا كان كذلك. فما إن جلس مع بقية المتحدثين ورفع عينيه، حتى اكتشف حجم الندوة الحقيقي. كانت القاعة أوسع مما تخيّل، وممتلئة على نحو لم يضع له أي حسبان. الحضور تجاوز الألف. صفوف متتالية من الوجوه والأكتاف والرؤوس، وأيدٍ تمسك أكوابًا ورقية للقهوة، وأخرى تعبث بالهواتف أو تقلّب كتيّبات البرنامج. همهمات تتصاعد. امرأة تبحث عن مقعد. مقاعد تُرفع وتُخفض. أكواب تُفتح أغطيتها البلاستيكية. أحدهم يضحك. أحدهم يرفع يده لصديق رآه بين الصفوف. والمترجمون الفوريون داخل صناديقهم الزجاجية الصغيرة على الجانبين يستعدون، يضعون السماعات على آذانهم، وينظرون إلى أوراقهم وشاشاتهم. وفي الأعلى، كانت كاميرات كبيرة تصوّر الندوة. عدسات سوداء معلّقة بدت له كعيون حشرات ضخمة تراقب فريستها.
ولم يكن قد خطر له كل هذا. ظن حتى آخر لحظة أن الندوة ستكون صغيرة أو متوسطة. من هو العبيط الذي سيستيقظ باكرًا يوم أحد ليحضر ندوة عن الأدب العربي؟ لكنه الآن جالس على المسرح، أمام قاعة مكتظة بأناس استيقظوا فعلًا، وجاءوا فعلًا، وكل واحد منهم تقريبًا يحمل كوب قهوة ومستعدًا للاستماع بتركيز. وبفضل الإضاءة المسلّطة، صار بإمكان الجالسين في آخر القاعة ملاحظة اللون الغامق لقميصه عند الصدر والكتفين، مقارنة ببقية القماش. أما الجالسون في الصفوف الأولى، والمشاركون حول الطاولة، فقد لاحظوا العرق يتصبّب منه بغزارة. صارت الأصوات تخفت شيئًا فشيئًا. وصارت الهمهمات موجًا خافتًا. وجوه المشاركين حوله بقعًا شاحبة. الأكواب الورقية نقطًا بيضاء تتحرك في العتمة. ورأى أناييس تتحرك حتى عثرت على كرسي في الصف الأول قرب الباتلر، وكان الباتلر لا يزال يلوّح له. أصابعه في كل الاتجاهات. ولسانه في كل الاتجاهات. وعيناه في كل الاتجاهات.
وحين جلست أناييس، مال مقيّم الندوة نحوها وقال:
– شوفيه ما شاء الله عليه. روك آند رول الأدب العربي. حاسس رح يكسّر غيتارتو بآخر الشو.
– هيدا اللي خايفة منّو.
ردّت أناييس.
حاول الخروج من هذه الحالة التي اعترته بأن تبادل كلامًا مع بقية المشاركين. أحدهم، جالس قربه، روائي وسيناريست سوري قرأ له رواية وشاهد مسلسلًا كتب حلقاته لما كان طفلًا. سأله صاحبنا عن حاله، وعن أهله في سوريا، سؤالًا اعتقد أنه عادي قبل أن ينفتح منه باب لم يكن مستعدًا له. بدأ الروائي يحكي عن أخته في حلب، عن المدينة، عن الظروف الصعبة، عن أخبار متقطعة تصل وأخرى لا تصل، وعن أيام لا يعرف الواحد فيها كيف يطمئن على أحد. كان يحكي بصوت منخفض، لكن كلماته ثقيلة وشفتيه تذوبان كلما انبثقت منهما كلمة. طأطأ المشاركون الآخرون رؤوسهم، وبقي صاحبنا ينظر إليه ويهز رأسه شاعرًا بأن السؤال بات أكبر منه. ما أنقذ الموقف، أو بالأحرى ما أحسّ أنه أنقذ الموقف وليس بالضرورة أنه كان كذلك، هو أن الندوة بدأت.
سار كل شيء على ما يرام خلال الدقائق العشرين الأولى. قدّمهم ميسّر الندوة واحدًا واحدًا، واستطرد يشرح الأفكار والمَحاور التي سيتناولونها، قبل أن يطلب من الروائي السوري قراءة نصه حول موضوع الجلسة. قرأ الرجل مقتطفًا من فصل في إحدى رواياته، ثم جاء دور المسرحي العراقي، فقرأ هو الآخر نصًا أقرب إلى مقال أو قصة، لكنه حتمًا لم يكن مسرحية. بعدها جاء دور صاحبنا. قرأ، عبر قارئه الرقمي، ورقةً أعدّها خصيصًا لهذه الندوة. وكانت أناييس تحرّك شفتيها مردّدةً النص الذي تعرفه بحذافيره، فقد حررت مسودته الإنكليزية ودققته معه وراجعته مرارًا. مرّت الفقرة الأولى بخير. صوته انبلج غريبًا عند مطلعها، لكنه مسيطر أو هكذا بان، حتى وصل إلى مطلع الفقرة الثانية. عمّ السكوت أرجاء القاعة فجأة.
بقي ينظر إلى شاشة قارئه الرقمي. ينظر ولا يقرأ. أدار رأسه قليلًا، وقرّب عينيه من الشاشة كأنه اكتشف داخلها شيئًا ما، وبقي هكذا زمنًا لا بأس به. تهامس الحضور في ما بينهم، ثم أخذت الأصوات تعلو تدريجيًا. ضحك فجأة. هكذا. ضحكة صغيرة يتيمة انبثقت من حنجرته، فضحك الجمهور كله، وعلت الأصوات أكثر. حتى أناييس والقيّم ضحكا بمودّة، وسرى بين الحضور جو حميمي وكلام جانبي، كأن الجميع افترض أنه صنع لحظة لطيفة، أو ارتبك ارتباكًا عفويًا. لم تطل تلك اللحظة. فقد قطعَ ذلك الجو بدخول مفاجئ، وواصل القراءة من مطلع الفقرة الثانية، وبصوت أعلى هذه المرة إلى أن ختم النص. منذ تلك اللحظة تحديدًا بدأ التداعي. ببطء أولًا، لكنه كان حتميًا.
طوال فقرة النقاش التي تلت بقي مأخوذًا بالضوء، والوجوه الشاحبة، والأنوف الحمراء، والأفواه التي تتسع وتضيق في العتمة. لعلّه تساءل عمّا جاء يفعله هنا. إذ صار كل شيء يتداعى أمام بصيرته. نعم. يتداعى. تلك اللحظة تحديدًا حدث الانهيار. ففي رأسه بدت فكرة الثقافة، فكرة الأدب، فكرة التفكير، فكرة الكتابة، كلّها اختراعات بشرية غير منطقية. وها هو يجلس أمام جمهور يرتدي ملابس أنيقة، غير مدركين أنهم مجرد بيادق بائسة في نظام فاسد يدّعون نقده، ويقتاتون على الألقاب وبضع امتيازات اجتماعية توفرها لهم هذه الدوائر. تساءل، وهو شارد ينظر إليهم، بينما ميسّر الجلسة والمشاركون يتحدثون وتصل أصواتهم إليه خافتة، إن كان يكتب لهؤلاء فعلًا. إن كان ينشر ما يكتبه فقط ليصل إلى هنا، إلى هذا المكان البائس، ليدلي بدلوه حول موضوع سخيف، وإن كان عن الأدب، وإن كان عن الأدب العربي. لما قرر أن يصير كاتبًا وهو غرّ لم يتجاوز الثالثة عشرة، كان العالم الذي انجذب إليه أقرب إلى الشارع منه إلى هذه التجمعات. كل الكتّاب الذين جرّوه إلى الأدب كانوا سجناء قدامى وصُيّع يكتبون عن عوالم المطحونين، وكانوا هم أيضًا منها. كتبوا ونشروا من دون انتظار مقابل، ومن دون تحولهم إلى منظّري أدب. ربما كان سبب ذلك مكتبة أبيه التي امتلأت بهؤلاء الكتّاب. كان أبوه المسرحي يقصّ عليه حكايا فناني مسرح المحرومين، الذين انجذب هو أيضًا إلى شغلهم منذ سن مبكرة. وها هو اليوم، الابن الضال، يجلس في المتحف البريطاني، بكل ما يحمله هذا المكان من غثيان، وفي ندوة ينتظر جمهورها أن يسمع تنظيراته عن الأدب العربي، بكل ما يحمله هذا الوصف من ادّعاء. عنده وكيلة وناشر صار لهما أربع سنوات ينتظران مخطوط روايته الموعودة عن طفولته في ليبيا. عنده مترجم، كلما أكمل فصلًا ترجمه له فورًا، كأن حياته كطفل ليبي مهمة إلى درجة تجعل قارئًا بريطانيًا يهتم بها. ما زكمّ العبث هذا كله الزَّب؟ هكذا تمتم، بصوت واطي، وتمتمته خلف الميكروفون خرجت متحشرجة. ها هو يجلس وسط قعر أوهامه التي صارت ذات لحظة، لا يدري متى حدثت بالضبط، حُلمًا.
– وأنت، ما رأيك يا محمد؟
كان سؤال ميسّر النقاش قد أيقظه من لحظة التداعي تلك.
– رأيي بماذا؟
– بما قيل.
هزّ صاحبنا كتفيه. لم يجد ما يقوله. لم يكن يعرف السؤال أصلًا، ولا عمّا كانوا يتحدّثون. وحين طالت لحظة الصمت نظر إلى الميسّر وقال:
– ما رأيك أنت؟
ضحك الجمهور. ابتسم الميسّر بارتباك وقال:
– أنا لا أعرف.
– ولماذا إذًا تعتقد أنّ عليّ أنا أن أعرف؟
منذ تلك اللحظة صار النقاش هزليًا، من دون مبالغة. طرح عليه المحاور مباشرة بعدها سؤالًا آخر يفتتح به محورًا جديدًا، عن الكتابة بالعربية اليوم، أو عن الأدب العربي في المهجر، أو ربما عن تحديات الكاتب العربي بعد ثورات ألفين وحداش، أو أي سؤال فضفاض آخر على هذه الشاكلة. جاء رد صاحبنا متوازنًا بدايةً، ثم شرح مواقف ناقض خلالها نفسه. كلام ما إن يطرأ على باله حتى يترنح خارج سياقه ويتحوّل إلى موضوع آخر. وكل هذا وهو يتقلب بين الإنكليزية والعربية؛ جملة تبدأ بلغة وتنتهي بأخرى. نصف فكرة بالعربية، ونصف فكرة تالية بالإنكليزية. ولم تساعده الحيرة التي أخذت تعتري وجوه زملائه المشاركين، ولا محاولات الميسّر توضيح معنى ما يقوله. هو نفسه لم يستطع التركيز في ما يقوله الميسّر ليؤكد إن كان هذا بالفعل ما قصده. حاول الميسّر ترقيع ما لا يمكن ترقيعه، ملحًّا عليه أن يختار لغة واحدة للكلام لأن ثمة مترجمين فوريين. التفت صاحبنا إلى صناديق المترجمين الزجاجية، فرآهم يتناقشون في ما بينهم. خلع بعضهم سماعاته، ومسح آخرون العرق المتصبب من جباههم، فيما كان اثنان منهم يتحدثان معًا وينظران إليه، فخُيّل إليه أنهما يتناقشان حول الحَصْلة التي بلاهم الله بها. عاد صاحبنا إلى موضوعه، هذه المرة بالعربية. تلخبطت اللغتان مجددًا وتفاقمت الحبال بينهما. سكت قليلًا، ثم عاد يتحدث بالإنكليزية. غير أن الجمل مع تداعيها أخذت تنزلق إلى لغة لا هي إنكليزية تمامًا، ولا عربية تمامًا. شيء أقرب إلى العربية الأعجمية، أو إنكليزية مرصّعة بعربية محطمة. كان الحاضرون أثناء كل هذا ساكتين ومشدودين لهذا العرض الغريب وغير المتوقع في ندوة ثقافية صباح يوم الأحد. وربما حتى أولئك الذين يسرحون عادة في هذه المناسبات؛ أولئك الذين لم يتحمسوا أصلًا للحضور، صاروا الآن آذانًا صاغية، يتابعون كل شيء بدهشة. بعضهم متعاطف، ربما. بعضهم مرتبك، ربما. بعضهم مشفق، ربما. وبعضهم، وهذا ما لم يرد صاحبنا التفكير فيه، مستمتع بما يحدث.
وبعد فاصل الفوضى الخلّاقة، أغمض صاحبنا عينيه وقال للميسّر:
– أنت تسبّب لي الصداع. بإمكانكم الاستمرار في النقاش وحدكم، واتركوني أنا وشأني.
حلّ صمت رهيب على القاعة. صمت طويل، صار فيه الجميع ينظرون إلى الجميع، حائرين، وربما غير مصدّقين. حتى الميسّر، الذي حفظ وقاره طوال ما حدث، ارتبك الآن وراح يراجع أوراقه مجددًا، تاركًا الصمت يتمدّد. لم يتهامس الجمهور حتى. بقي الكل ساكتين. وفي هذه الأثناء، رفع صاحبنا عينيه إلى حيث كانت تجلس أناييس، فرآها تدفن وجهها في راحتيها.
ظهيرة ذلك اليوم، بعد الندوة، صار صاحبنا حيوانًا طليقًا في شوارع بلومزبري. كان يسير بلا قميص، وأناييس تمشي وراءه تاركةً مسافة محايدة، تراقبه بحذر من يعرف هذه الرحلات جيدًا. كلما أقبل على تسلّق محطة حافلة، شتّتت انتباهه. وكلما أشعل الرعب في قلب رجل يمشي رفقة كلبه في الحديقة المقابلة لمحطة يوستن، أو تحدث مع امرأة تقف في محطة الحافلات وهي تتراجع خطوات، متأهبةً للهروب، أعادته أناييس إلى الطريق ببطء. تعرّى بالكامل حين وصلا البيت وفقد وعيه فورًا فوق السرير.
في اليوم التالي أغلق مدونته وحسابه على تطبيق العصفورة الزرقاء، ومسح حسابيه على موقع الفضاء الأزرق والآخر المخصّص للصور. ترك البيت وذهب إلى الكومونة التي يعيش فيها باتريك. بقي هناك أيامًا لم يفعل خلالها شيئًا. أما باتريك، فلم يعد. لم يره منذ اختفى بين السيّاح الداخلين إلى المتحف البريطاني والخارجين منه. ولا أحد كان يعرف أين اختفى ولا أحد سأل عليه. هذا باتريك كما يعرفه الجميع. يغيب كأن الدنيا ابتلعته، ثم يظهر مجددًا كأنه لم يغب.
ثم عاد باتريك بعد أربعة أيام. دخل الصالون ذات صباح مفزوعًا ويرتجف، وارتمى على الكنبة كأنه غاب ساعة لا أكثر، وقال لصاحبنا:
– لن تصدّق ما حدث لي منذ تركتك البارحة يا برو.
– ماذا حدث؟
سأله صاحبنا وهو يمدّ إليه الجوينت. لم يجد داعٍ لإخباره أن أيامًا عديدة مضت منذ افترقا على باب المتحف البريطاني.
نظر إليه باتريك نظرة طويلة وعميقة. اتسعت عيناه كأنه استرجع شريط حياته، ثم قال:
Nothing
نُبالغ لو قلنا إنه فكّر في واقعة المتحف البريطاني هكذا بحذافيرها بينما كان يشرب البيرة في مقهى رواق، في هذا الصباح البرليني الغائم والعتيق. لكننا لا نبالغ إذا قلنا إن وجوده هنا، وصوت زكي ناصيف يطربه وهو يغنّي حلوة ويا نيالها، ذكّراه بسنوات علاقته بأناييس. الزبائن حوله ازدادوا عددًا، لابتوباتهم مفتوحة وسماعاتهم في آذانهم. كان قد أنهى البيرة الثالثة للتو حين قرر فتح هاتفه. التقط صورة لأجواء المقهى وأرسلها إلى أناييس عبر التطبيق الأخضر، ثم أتبعها برسالة أخرى كتب فيها: مقاهي بيروت الشعبية (2024–2024).
ردت أناييس فورًا: “إنت ببيروت؟”.
“برلين.”
“برلين؟”
“برلين.”
“إنت منيح؟ بدك نحكي؟” كانت أناييس تعرف علاقته المعقّدة ببرلين، وضياعه الدائم فيها.
في تلك الأثناء، دخلت هي المقهى. لمحها عند الباب، فكتب لأناييس: “لا”، ووضع الهاتف جانبًا.

مو مصراتي

مو مصراتي مو مصراتي، كاتب وُلد في طرابلس ليبيا، ويعيش حاليًا بين تونس ومانشستر. نشر نصوصه في عدد من المطبوعات والمواقع الأدبية.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Fiction

روك آند رول الأدب العربي

8 JUNE 2026 • By مو مصراتي
روك آند رول الأدب العربي

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

fifteen − 9 =

Scroll to Top