مقتطف من كتاب ضلت غريبة لرشا حلوة

ثائر هلال، "الجوهر 4".

رشا حلوة   By • 20 JULY 2026

عن الغربة والأمومة، بين عكا وبرلين وأمستردام، بين الاشتياق إلى البلاد والتأقلم مع الأرض المنبسطة، «ضلت غريبة» هو أول كتب رشا حلوة الأدبية.

كتاب ضلت غريبة من إصدارات خان الجنوب، 2026.

من حسن حظي أننا في عصرٍ بإمكاننا أن نذهب فيه إلى المعالجة النفسية عبر رابط زووم. وصلني الرابط عبر رسالة نصية إلى الموبايل، ضغطت عليه، وكانت عبر الشاشة تنتظرني معالجتي. كانت الساعة العاشرة صباحًا من يوم الاثنين، أي أول الأسبوع هنا. ابنتاي في الحضانة، وأنا جاهزة لجلسة العلاج الأسبوعية.
كان الجو قد أصبح خريفياًّ، أي إنَّ النهار أصبح أقصر، والليل أطول، وهذا يعني، بكلمات أخرى، أننا نخطو، أو للأدق نتدحرج، نحو اكتئاب الشتاء، حتى إشعار آخر.
– كيف استيقظتِ اليوم؟
– ككل يوم.
– ماذا يعني ذلك؟
– يعني أنه في زمنٍ موازٍ، كنتُ سأبقى نائمة في الساعات التي عليَّ أن أصحوها.
(صمت)
– لكن في زمنٍ موازٍ أيضًا، كانت الأمهات لا يعرفن الكثير.
– عن ماذا؟
– عن كل شيء، عن أنفسهن وعن ما يحدث للأطفال وأمهاتهم على بُعد آلاف الكيلومترات عنهن.
(صمت)
– أريد أن أخصِّص وقتًا أكثر مع ابنتيَّ. أريد أن أخصِّص كل يوم ساعتين من الوقت لألعب معهما خارج البيت.
– هل يمكنك أن تكتبي هذه الجملة على ورقة؟ كرريها بصوتٍ
عالٍ عشر مرات.
«أريد أن أخصِّص كل يوم ساعتين من الوقت لألعب معهما خارج البيت».
«أريد أن أخصِّص كل يوم ساعتين من الوقت لألعب معهما خارج البيت».
«أريد أن أخصِّص كل يوم ساعتين من الوقت لألعب معهما خارج البيت».
«أريد أن أخصِّص كل يوم ساعتين من الوقت لألعب معهما خارج البيت».

ثائر هلال، “الجوهر 4″، أكريليك على ورق، 25 × 35 سم، 2021 (بإذن من معرض أيام دبي).

كررتُ الجملة، ومع كل مرة بدت أقرب وأثقل. وبينما تسمع معالجتي صوتي وأنا أقرؤها، وترى وجهي يتحوَّل إلى أحمر تجهيزًا للبكاء، لم يكن لديها أي فكرة عمَّا يدور في رأسي. لا أعرف إن كان هذا من حسن حظي أم لا. من كان يتخيَّل أصلًا أننا سنعالج الاكتئاب عبر الشاشة يومًا ما؟
«أريد أن أخصِّص كل يوم ساعتين من الوقت لألعب معهما خارج البيت».
أولًا، لنحدِّد ماذا تعني كلمة «بيت ». في عالم ابنتيَّ. البيت هو المنزل الذي نسكنه في أمستردام. وعلى الرغم من أني لا أخالفهما الرأي، فإني أحاول دومًا أن أحكي لهما عن بيتي الآخر، من دون أن أتطرق، على الأقل الآن، إلى كيف سُرق مني، أو للأدق، كيف سُرق من جدتي.
عندما كانت جدتي سلمى في الثالثة عشرة من عمرها، احتُلَّت قريتها الصغيرة، إقرث، عام 1948 ، ولاحقًا قصف وفجَّر الجيش الإسرائيلي البيوت والحدائق، تاركًا خلفه الكنيسة والمقبرة ليلة الميلاد من العام 1951 . أنا وُلدت في العام 1984 . ربما تعرَّفتُ على هذه القصَّة كطفلة قبل أن أستطيع أن أحكي جملة كاملة. ربما ليس عليَّ أن أمرِّر هذه التراوما لطفلتيَّ بعد. أو قد أصبح الأمر متأخِّرًا الآن؟
على أي حال، أريد فعلًا أن أخصِّص كل يوم ساعتين من الوقت كي ألعب معهما خارج البيت، وهذا يعني أني سأحدِّد أكثر ساعات عملي اليومية في المنصة الإعلامية بثماني ساعات بدلًا من إتاحة الذات الدائمة، وأني سأجهِّز الطعام في أثناء وجودهما في الحضانة، وأني سأتعلَّم أن في هذه البلاد المطر والبرد هما الثابتان.
وأن الشوارع ليست كلها مخيفة، وأن هناك مدنًا في العالم تضع الأطفال وسعادتهم في أعلى سلَّم أولوياتها، وأن ساشا، جارنا الطفل الروسي الذي وصلت عائلته إلى عكَّا، ولعبتُ معه وأنا طفلة حتى قرَّر أن يخبرني بأني «عَرَڤياه مِلوخليخت»، أي «عربية وسخة»، هو شبح من الماضي. وأنا كبيرة الآن، أتحدث الإنجليزية على الأقل في مدينة صديقة وغريبة عن هذه اللغة، ولن يسخر من لغتي العبرية أحد. وهذه ليست عكَّا، ولن تقرر زميلتي في الصفِّ أني مش من المدينة لأنَّ أمِّي لا تقول «الأربعا» بفتح الهمزة بل «الإربعا» بكسرها كالفلاحين.
«أريد أن أخصِّص كل يوم ساعتين من الوقت لألعب معهما خارج البيت».
بسيطة. قليل من التخطيط، وترتيب المواعيد، والملابس الدافئة، والبحث عن مساحات لعب داخلية في حال كان الجوُّ ماطرًا. سأخرج من البيت مرفوعة الرأس، كالمنتصرة في معركة لا يعرف بشأنها غيري أنا وعقلي. سأرفع الإصبع الوسطى للاكتئاب أو الخوف أو القلق. لا يهمُّ أصلًا. سأنزل درج البيت مع ابنتَيَّ، سأضعهما في العربة الأمامية للدراجة العائلية، وأضع عنوان ساحة الألعاب على غوغل مابس وأنطلق.
«أريد أن أخصِّص كل يوم ساعتين من الوقت لألعب معهما خارج البيت».
سهلة. وصلنا. أوقفتُ الدراجة، أنزلتهما. كان الجوُّ باردًا لكنه محتمَل وليس ماطرًا. الريح قوية حرَّكت الخصلات المجعَّدة من شعري، تلك التي نسيتها تغييرات الحمل. مشينا باتجاه الألعاب. ركضت كلٌّ منهما باتجاه مختلف؛ واحدة نحو المرجيحة، والثانية نحو الزحليقة، وأنا جلستُ على مقعد أستطيع أن أراهما منه، وهاتفي في الحقيبة. لن ألمسه، لن أفتح الرسائل، وبالتأكيد لن أقرأ الأخبار. أنا خارج الدوام أصلًا. صحيح. هذا لا يهمُّ فيما يتعلَّق باستقبال الأخبار.
أخذتُ نفسًا عميقًا، ونظرتُ إلى السماء. كانت الأوراق الصفراء تتساقط من الأشجار المحيطة. تأمَّلتها وهي تطير باتجاه الريح، لكن واحدة ذهبت في مسار مختلف؛ نحو الزحليقة. كان كلُّ تركيزي معها، وقلبي أيضًا. بُم بُ بُم بُم بُم بُم.. تسارعت دقَّاته مع سرعة الورقة التي لامست رأس ابنتي. بُم بُ بُم بُم بُ بُم.. ومن ثمَّ سقطت أرضًا.
نفس عميق، احبسيه قليلًا. زفير. مرَّة أخرى. نفس عميق، احبسيه قليلًا، زفير.
«انظري حولك، ماذا ترين؟ اذكري شيئًا أو أكثر»، يقول صوت معالجتي في رأسي.
أطفال يلعبون، أمهات سعيدات، بيوت مضيئة بشبابيك مفتوحة، أشجار، وقنابل… أقصد، أوراق أشجار صفراء تتساقط.

رشا حلوة

رشا حلوة رشا حلوة، كاتبة وصحافية ومحرِّرة وحكواتيِّة فلسطينية من مدينة عكَّا، تحمل درجة البكالوريوس في علم الاجتماع وعلوم الإنسان. عملت صحافيَّة ومحرِّرة، بدايةً في الإذاعة، ثم في المجلات والصحف والمواقع الإلكترونية، ونشرت نصوصها في عديد من المنصات الإعلامية والأدبية العربية، وتُرجم بعضها إلى الإنجليزية والهولندية، كما عملت في الحقل الثقافي داخل فلسطين وخارجها، منسِّقة وقيِّمة برامج ثقافية وفنية. تعيش في أمستردام، التي احتضنتها أيضًا كأم، حيث أعادت اكتشاف حبِّها لفنِّ سرد القصص والغناء، وتخصِّص لهما مساحة في عروضها على المسرح.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Fiction

مقتطف من ماء ورد لسنابل عبد الرحمن

22 JUNE 2026 • By سنابل عبد الرحمن
مقتطف من ماء ورد لسنابل عبد الرحمن
Essays

مقتطف من كتاب رنا عيسى: إن عشتم عشتم

4 MAY 2026 • By رنا عيسى
مقتطف من كتاب رنا عيسى: إن عشتم عشتم

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

16 − ten =

Scroll to Top
Views: 1