عن مرونة أن يكون المرء كرديًا، واختلاف التعريف من وجهة نظر إلى أخرى، وفرادة الحالة الكردية، تكتب هيڤا نبي مقالًا شيقًا.
ليست هويات الشعوب، مهما بدت ثابتة، أشياء صلبة يمكن حصرها في تعريف نهائي جامع. فالهوية لا تُولد مكتملة، ولا تبقى على هيئة واحدة، إنها تتشكل من اللغة والذاكرة والأرض والتجربة، ومن الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه، والطريقة التي يُراد له أن يُرى نفسه بها. بهذا المعنى، لا تكون الهوية هوية واحدة تمامًا، بل مجموعة هويات متداخلة.
والهوية الكُردية، مثل غيرها، لا يمكن اختزالها في تعريف واحد. غير أن ما يميزها هو أن الخلاف حولها لم ينشأ من داخلها فحسب، بل تولّد عبر ظروف تاريخية وسياسية طويلة جعلت كل تعريف لها موضع نزاع. أي أن الالتباس حولها لا يعود إلى غموض الهوية التي يعرّف بها الكُردي نفسه، بل إلى المحاولات الخارجية المتكررة لإعادة تعريفه بطريقة تمهّد لإنكاره لاحقًا.
في هذا تبدو الحالة الكُردية فريدة إلى حد بعيد. فالكُرد تشظوا نتيجة منعهم من تطوير هوية مشتركة بحرية، لا بسبب عجزهم الداخلي عن انتاجها. فقد وُضعت هويتهم تحت ضغط أربع دول، وأربع لغات رسمية، وأربع سرديات قومية، وأربع خرائط مدرسية وأمنية. وهكذا تحولت التعددية الطبيعية داخل المجتمع الكُردي إلى حجة ضده.
يبدو سؤال الهوية، في ظاهره، سؤالًا عن الانتماء. لكنه بالنسبة إلى الكُردي ليس كذلك دائمًا. فالانتماء قد يكون بديهيًا، ولا يحتاج إلى أسس. يكفي أن يقول كُردي من كوباني، مثلًا، إنه كُردي، حتى يشعر بانتمائه إلى كُردي من إيران أو تركيا أو العراق. غير أن هذا الانتماء يصبح معقدًا حين يتدخل الآخر، أي حين تُحاول الدولة أو السلطة أو الخطاب الرسمي في هذه الدول وضع الكُرد داخل تعريف جاهز لا يعبّر عنهم، بل ويهدف إلى تهميشهم إو إلغائهم.
الكُرد شعب يضم عشرات الملايين، وفي أقل التقديرات يقترب عددهم من خمسين مليونًا، ومع ذلك عوملوا غالبًا بوصفهم أقليات متفرقة. وهذا يكشف طبيعة الخرائط التي صُنعت في المنطقة؛ فهي لم تُرسم وفق الحقوق والتاريخ، بل وفق مصالح الدول الكبرى وتوازناتها. لذلك لا يبدأ الحديث عن الكُرد من سياسات تركيا أو إيران أو العراق أو سوريا فقط، بل من نظام دولي سبق هذه السياسات وسمح بتحويل إنكار الكُرد إلى شأن داخلي داخل كل دولة.
في الحديث عن الأقليات والهوية لا بد أن نضع تحت الضوء أطروحة البروفيسور إسماعيل بيشكجي، المفكر وعالم الاجتماع التركي الذي كتب عن الهوية الكُردية في مواجهة سرديات الدولة القومية التركية. كرّس بيشكجي حياته لدراسة المجتمع الكُردي في تركيا من منظور علم الاجتماع، وفي كتابه المعروف بالإنجليزية باسم Kurdistan: An Interstate Colony، والمتداول عربيًا بعنوان “كُردستان مستعمرة دولية”، وضع القضية الكُردية خارج الإطار الذي حُشرت فيه طويلًا: إطار “الأقلية”.
أوضح بيشكجي أن الكُرد ليسوا جماعة صغيرة تطالب ببعض الحقوق الثقافية داخل دولة قومية مكتملة، كما تقول السرديات الرسمية، بل شعب حُرم السيادة ومن حقه في تعريف نفسه وأرضه. فالأقلية تطالب غالبًا بمساحة داخل تعريف الدولة لنفسها، أما الشعب المنكَر فيطالب أولًا بحقه في تعريف نفسه. وبين الأمرين فرق هائل.
وتتجاوز أطروحة بيشكجي عن “المستعمرة الدولية” والتي يطلقها على كُردستان، مفهوم الاستعمار الكلاسيكي كما يُعرف في الهند أو الجزائر أو أفريقيا. ففي الاستعمار الكلاسيكي، مهما كان عنيفًا، كانت للمستعمرة حدود واسم وموقع واضح في الوعي السياسي وعلى الخرائط. كان المستعمِر يعرف أنه يَستعمر، والمستعمَر يعرف أنه واقع تحت الاستعمار. أما في الحالة الكُردية، فالمفارقة أشد قسوة، فقد أُنكرت كُردستان اسمًا وحدودًا وكهوية وطنية. واستُعمرت قبل أن تنهض كدولة. لذا يرى بيشكجي أن كُردستان لم ترقَ حتى إلى وضع “مستعمرة” بالمعنى الكلاسيكي.
فلو كانت كُردستان مستعمرة لدولة واحدة، لكان الصراع أوضح، وربما كان الاعتراف الدولي أسهل. لكنها، في الحقيقة، تقع عند تقاطع مصالح دول متعددة. وكل جزء كُردي يُعامل داخل الدولة التي تسيطر عليه باعتباره مشكلة داخلية معزولة. فإذا تحرك الكُرد في تركيا، عُدّ ذلك شأنًا تركيًا. وإذا تحركوا في إيران، صُوّر الأمر تهديدًا لإيران. وإذا تحركوا في العراق أو سوريا، اختُزلت مطالبهم إلى نزعات انفصالية أو خطر داخلي.
بهذا تتحول القضية الكُردية إلى سلسلة من “المشكلات الداخلية” المنفصلة، مع أنها في جوهرها نتيجة تقسيم دولي واحد. ولهذا يجد النضال الكُردي نفسه، بخلاف كثير من حركات التحرر التي واجهت دولًا استعمارية، أمام أربع دول لكل منها مصالحها وعلاقاتها داخل النظام الدولي. وهكذا يستطيع الكُردي أن يكون مواطنًا في دولة، وجنديًا في جيشها، ويدًا عاملة في اقتصادها، ورقمًا في إحصائها، لكنه لا يستطيع أن يكون كُرديًا ببساطة وأن يعبر عن نفسه من خلال هذه الهوية تحديدًا.
فهم بيشكجي، الذي دفع ثمنًا باهظًا لمواقفه وكتاباته، أن إنكار الكُرد لم يتم بالقوة وحدها، بل أيضًا عبر اللغة والتتريك والتعريب والمناهج والخرائط. ففي تركيا مثلًا عندما تُسمّى كُردستان “الشرق” أو “الجنوب الشرقي”، وعندما يُسمّى الشعب “جماعات محلية” أو “أتراك الجبال” أو “مواطنين من أصول مختلفة”، لا تعود المسألة سياسية فقط، بل تصبح معركة على حق الاسم والوجود. لذلك كان بيشكجي يؤكد أن إنكار كُردستان ليس نتيجة عارضة للسياسة، بل شرط أساسي لاستمرارها.
في سوريا، أخذ سؤال الهوية الكُردية شكلًا أكثر قربًا وحساسية. وهنا أيضًا لم يكن بالإمكان فصل المطلب الهوياتي الكُردي بسهولة عن السياسة. ومع أنه لم تكن هناك حركات تحرر كبرى في هذا الجزء من البلاد إلا أن إنكار الكُرد فيها كان دائمًا العنوان الأول في سياستها اتجاههم. قد تُقبل الأغنية الكردية أحيانًا، والزي التراثي، وبعض مظاهر الفولكلور، لكن السؤال يصبح أكثر صعوبة حين ينتقل إلى الحق الثقافي وإلى الأرض، واللغة وحق التعلم بها، والوجود الاجتماعي والاعتراف السياسي. هنا تظهر حدود قبول الآخر: قد يُقبل الكُردي كثقافة ضمن شروط كثيرة، لكنه لا يُقبل كصاحب قضية وحق.

في سوريا، لم يكن الإعلام أو الخطاب الرسمي يذكر الكُرد قط. فهم إما سكان الجزيرة السورية أو شمال شرق سوريا، لكنهم لم يسموا كُردا يومًا. بل حتى التلميح إلى وجود هذا المكون جرى تضييقه. وإن صدف أن سمع المواطن الكُردي موسيقى في خلفية برنامج تراثي أو كلمة عابرة لممثل في الكومبارس، يشعر بفرح غريب ممزوج بالخجل: فرح لأنه لمح نفسه في العلن، وخجل لأنه مُغيّب إلى هذا الحد.
وفي ظل هذا التعتيم على الوجود الكُردي، كانت القنوات التي أبقت الصلة بالهوية الكُردية حيّة محدودة جدًا، وغالبًا ما جاءت من الخارج؛ عبر برامج كُردية في إذاعات مثل إذاعة يريفان وطهران وبغداد، التي كانت تبث بلهجات كُردية مختلفة. لم تكن هذه الإذاعات مجرد وسائل إعلام، بل كانت بالنسبة لكثيرين دليلًا على أن اللغة المحاصَرة في المدرسة والإدارة والشارع والصحيفة ما زالت قادرة على أن تصل من بعيد، وأن الوجود الكُردي، رغم التعتيم عليه، لا يزال يقاوم ويحفظ صلته بذاته. أما في الداخل، فكانت مساحات التعبير عن الهوية أضيق وأبسط من أن تُقدَّم كاعتراف أو كإنصاف: الاستماع إلى الكُردية ولهجاتها عبر الكاسيت، والقصائد الشعبية، والأعراس، والمجالس العائلية، ثم لاحقًا عبر شاشات الهاتف وما يُنجَز في المنافي.
لكن بقاء الهوية لا يعني أنها بقيت كما كانت. فالهوية التي تُحارب طويلًا تتغير. تصبح أكثر حساسية تجاه الأسماء، وأكثر تعلقًا باللغة، وأكثر خوفًا من فقدان الذاكرة. في بيوتنا كانت كُردستان حاضرة في صورة على الجدار، في أغنية، أو في حكاية نضالات لم نستطع حتى قراءتها في الكتب، لأنها كانت ممنوعة بشكل كامل.
ومع ذلك، لا تعني هذه الازدواجية ضعف الهوية. ربما تعني العكس. فالهوية التي تعيش رغم منعها تمتلك صلابة خاصة، صلابة البقاء.
إلى جانب هذا الإنكار الذي لم يستثني الكُرد في سوريا كما في غيرها من الدول، اتخذ سؤال “ما معنى أن تكون كُرديًا؟” في الحالة السورية شكلًا أكثر قسوة، إذ بدأ بالنسبة لبعضهم من السجل المدني. فقد عاشت آلاف العائلات الكُردية عقودًا وهي موجودة اجتماعيًا، لكنها مغيّبة قانونيًا. ففي الإحصاء الاستثنائي الذي جرى في محافظة الحسكة العام 1962، جُرّد نحو 120 ألف كُردي من الجنسية السورية، أي ما يقارب 20% من كُرد سوريا في ذلك الوقت.
بالنسبة إلى الكُردي السوري الذي وُلد بلا جنسية، تحولت كُرديته إلى عقوبة إدارية. كان عليه أن يثبت وجوده أمام دولة تعرفه جيدًا حين تريد مراقبته، لكنها لا تعترف به حين يطلب التعليم أو الملكية أو السفر أو العمل. ولم تكتفِ الدولة السورية بإنكار الخصوصية الكُردية ثقافيًا، بل أنتجت فئتين من الكُرد خارج المواطنة الكاملة: الأجانب والمكتومين. كان “الأجانب” مسجلين كغير مواطنين، أما “المكتومون” فكان وضعهم أشد قسوة، لأنهم غير مسجلين في الدولة أصلًا.
كان بيشكجي يرى أن فصل الثقافة عن السياسة في تركيا جزء من المشكلة. فالاعتراف باللغة الكُردية لا يكتمل إذا بقي محصورًا في خانة “الحقوق الثقافية”، بينما تُنكر كُردستان كفضاء سياسي وتاريخي. وهذا لا يعني تحويل كل حديث عن الهوية إلى خطاب سياسي مباشر، بل يعني أن الثقافة نفسها، في الحالة الكُردية، لم تكن يومًا بعيدة عن سؤال الاعتراف بكردستان. فاللغة هي انتماء ومدرسة واسم وذاكرة ومؤسسات وحق في الظهور وتمثيل الذات في الداخل والخارج.
والحالة السورية لا تختلف عن التي في تركيا. اللغة هنا أيضًا ليست تفصيلًا ثقافيًا. إنها قلب المسألة. فمنع اللغة أو تهميشها لا يعني حرمان الطفل من الدراسة بلغته الأم فقط، بل يعني قطع العلاقة الطبيعية بين الأجيال. حين يكبر الطفل الكُردي في مدرسة لا تعترف بلغته، يتعلم مبكرًا أن هناك لغة للبيت ولغة للدولة. يتعلم أن ما تقوله الأم لا مكان له في الكتب، وأن ذاكرة العائلة لا يمكن مشاركتها في الشارع. هكذا تدخل الدولة في أبسط أدوات تعريف الفرد لنفسه.
ومع ذلك، لم يكن صراع الكُردي السوري مع جاره العربي. المشكلة كانت في تعريف رسمي لسوريا لم يترك للكُرد مكانًا واضحًا إلا بوصفهم هامشًا في أفضل الأحول. إلى ذلك، يُطلب من الكُردي أن يكون سوريًا كاملًا في الواجبات، يدفع ثمن الحرب، ويخدم في الجيش، ويعيش فقر الأطراف. لكنه حين يطالب بلغته أو اسمه أو تاريخه، يتحول فجأة إلى انفصالي أو مرتبط بأجندة خارجية.
بعد العام 2011، ظهر سؤال جديد: هل يمكن للكُرد في سوريا أن ينتقلوا من هوية مضطهدة إلى هوية مؤسسة؟ فتحت تجربة الإدارة الذاتية في روج آفا أو شمال وشرق سوريا، هذا الباب، لكنها كانت تجربة معقدة ولم تعبر عن الآمال. من جهة، منحت التجربة الكُرد مساحة علنية للغة والاسم والإدارة. ومن جهة أخرى، دخلت في تعقيدات الحرب السورية، وفي علاقات القوى الدولية، وفي انتقادات حقوقية وسياسية. لذلك لا يمكن القول ببساطة إنها كانت نتيجة للكفاح الكُردي في هذا الجزء من بلاد الكُرد، لكنها مع ذلك كانت بالنسبة لهم لحظة انتقال من الصمت إلى الفعل.
والأمر أعقد من القول إن “العدو المشترك” هو ما يوحّد الكُرد. هذه عبارة جذابة، لكنها ناقصة. فالعدو المشترك قد يدفع الجماعة إلى تعريف نفسها فقط بما تعارضه، لكنه لا يصنع هوية. والأعمق من ذلك أن الهوية الكُردية ليست رد فعل على القمع، بل حقيقة تاريخية وسياسية سبقت أشكال القمع الحديثة واستمرت رغمها.
من هنا، يمكن القول إن معنى أن تكون كُرديًا ليس أن تحمل هوية مكتملة ومغلقة – من الخطأ أصلًا البحث عن هوية واحدة مصمتة، فليست هناك هوية حية بلا تعدد، ولا شعب كبير بلا فروق في اللغة والذاكرة والتجربة – بل أن تعيش داخل سؤال طويل فرضه التاريخ عليك وتعيش عبر أشكال متعددة للوجود والتمثيل الذاتي. قد يعني ذلك أن تتحدث لهجة لا يفهمها كُردي آخر تمامًا، قد تكون ابن دياربكر أو كوباني أو مهاباد أو السليمانية أو عفرين أو دهوك، أو ابن قرية لم تعد موجودة على الخريطة، وقد تعرف كُردستان من ذاكرة أبويك أكثر مما تعرفها من الكتب أو الخرائط، لكن كل تلك الاختلافات تتراجع حين تعرّف بنفسك للآخر: أنا كُردي.
في النهاية، ربما تبدو كُردستان “أحجية” لأنها تكشف عجز الخرائط الحديثة عن الاعتراف بما لا تريد الاعتراف به. لكنها ليست أحجية بالنسبة لأبنائها. فالهوية الكُردية لا تكمن في تعريف واحد نهائي، ولا في نقاء متخيّل، ولا في وثائق رسمية. إنها تكمن في الإصرار على التسمية، وعلى التحدث باللغة رغم منعها، وفي سرد الذاكرة التي انتقلت رغم الخوف، وفي قدرة شعب كامل على أن يشعر بانتمائه لنظيره بمجرد أن يقول: أنا كُردي.