يوتوبيا المستقبل في فلك الخيال العلمي الفلسطيني: قراءة في قصة «الوطن الرقمي»

صقر القتيل، "بدون عنوان".

رواد الهاشمي   By • 3 AUGUST 2026

قراءة مستفيضة لقصة من أدب الخيال العلمي الفلسطيني، نُشرت ضمن مجموعة قصصية شهيرة تستشرف المستقبل، يقدمها الناقد الليبي رواد الهاشمي.

فلسطين + 100 من إصدارات Comma Press، 2019.

على الرغم من أن الخيال العلمي ليس شائعًا في الأدب الفلسطيني سابقًا، إلا أنه أصبح يحظى باهتمام بعض الكتاب والكاتبات الفلسطينيين والفلسطينيات في الداخل والشتات في الآونة الأخيرة. تُوِّج هذا الاهتمام بإنتاج بعض الأفلام القصيرة مثل أفلام الفنانة الفلسطينية لاريسا صنصور: «هجرة إلى الفضاء» (2009) و«مبنى الدولة» (2012) و«في المستقبل أكلوا من أرقى أنواع الخزف» (2016). بالإضافة إلى نشر بعض الأعمال الأدبية مثل رواية «سفر الاختفاء» (2014) للكاتبة ابتسام عازم، وصدور مجموعة قصصية بعنوان «فلسطين + 100: قصص بعد مرور قرن على النكبة» Palestine + 100 -Stories from a Century after the Nakba التي نُشرت في العام 2019، من تحرير الكاتبة الفلسطينية بسمة غلاييني. شارك في هذه المجموعة القصصية كل من سلمى دباغ وعماد الدين عيشة وسالم حداد ومازن معروف وأحمد مسعود وأنور حامد ومجد كيال وعبد المعطي مقبول وتسنيم أبو طبيخ وسمير اليوسف وروان ياغي وطلال أبو شاويش. تعد المجموعة من أحد الأعمال المهمة التي تصور القضية الفلسطينية في المستقبل لكونها خطوة غير مسبوقة في المشهد الأدبي الفلسطيني، وتمثل إضافة قيمة ضمن أدب النكبة وما بعدها. الجدير بالذكر أن نمط الخيال العلمي الفلسطيني يتناول موضوعات مهمة تتعلق بالقضية الفلسطينية، بما في ذلك الاستعمار والنكبة والصدمة والعنف والذاكرة التكنولوجيا والانتماء والحنين إلى الماضي والسياسة واليوتوبيا والديستوبيا والهوية والتغير المناخي… وغيرها.
بشكل عام، ظهرت عدة تسميات للإنتاج الأدبي الفلسطيني بعد العام 1948 فهناك أدب النكبة وأدب اللجوء وأدب السجون وأدب المنفى وأدب المقاومة؛ كل هذه التسميات تعبر عن مدى أهمية الأدب بالنسبة للقضية الفلسطينية. من خلاله شارك عديد من الأدباء والأديبات في قضيتهم المصيرية، وكتبوا عنها في أعمالهم الصادرة في حقول أدبية متنوعة مثل القصة القصيرة والرواية والشعر وغيرها، كما كان لهم دور ملحوظ في تسليط الضوء على همجية الاحتلال الصهيوني وسياساته الاستيطانية المتزايدة منذ العام 1948 إلى يومنا هذا. من أبرز هؤلاء الكتاب غسان كنفاني ومحمود درويش وسميح القاسم وإميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا، وغيرهم كثير. لذلك لا يمكن التقليل من دور الأدب في القضية الفلسطينية، لإن المقاومة لا تقتصر فقط على لغة الاحتجاج ورمي الحجارة وضرب الرصاص، بل تعد الكتابة شكلًا من أشكال المقاومة.

تأثر الإنتاج الأدبي الفلسطيني بواقع ديستوبيا الاحتلال الصهيوني
النكبة كانت ولا تزال نقطة تحول مصيرية في التاريخ الفلسطيني والعربي، ومأساتها لا تزال تلقي بظلالها إلى وقتنا الحالي. هذا الحدث المأساوي الذي شُرِّد فيه ما يقرب من 800 ألف فلسطيني خارج أرضهم وتم توطين الصهاينة بانتداب بريطاني لإقامة دولة إسرائيلية عليها. من هنا بدأت القضية الفلسطينية وقصة كفاح الشعب الفلسطيني في مواجهة أسوأ ما يمكن تصوره من اضطهاد واعتقال وتعذيب وتشريد ونهب وتهجير وقتل واستيطان وتطهير عرقي ومجازر بشعة. في ظل هذا الاحتلال، يعاني الشعب الفلسطيني من غطرسة الصهاينة واستيطانهم المتزايد يومًا بعد يوم، باستخدام أحدث التقنيات والوسائل التكنولوجية لاضطهادهم واعتقالهم وقتلهم وتدمير منازلهم والاستيلاء على أرضهم، وتضيق الخناق عليهم ببناء الجدار العازل ونقاط تفتيش وأبراج مراقبة ومحاولات مصادرة المسجد الأقصى وتهويد القدس. حيث أصبح الواقع الفلسطيني واقعًا مريرًا تحت وطأة هذا الاحتلال، ما أثر بدوره على إنتاج الأدب الفلسطيني بشكل عميق. في هذا السياق، تقول بسمة غلاييني في مقدمة «فلسطين + 100»: «الحياة اليومية للفلسطينيين تحت سيطرة الاحتلال الشمولي الحديث هي نوع من الديستوبيا، يحتاج الفلسطيني من الضفة الغربية إلى تسجيل رحلته إلى العمل أو التحدث إلى جندي من جيش الاحتلال الإسرائيلي عند نقطة تفتيش، أو إذا نسي إحضار بطاقة هويته، أو حتى إذا ألقى نظرة من نافذة سيارته إلى الجدران والأسلحة والأسلاك الشائكة التي تلاصق المناظر الطبيعية، هذا أمر لا يمكن للناس في الغرب أن يفهموه إلا من خلال لغة الواقع المرير، الديستوبيا». عليه، فإن نمط الديستوبيا يعكس الوضع الراهن لحياة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي. وهذا الواقع المرير أثر بدوره على إنتاج الأدب الفلسطيني، فمثلًا، يطغى على «فلسطين + 100» – المستوحاة من النكبة – نمط الديستوبيا، باستثناء قصة عماد الدين عيشة التي تنفرد بطابع اليوتوبيا.

رسم باستيل على ورق للفنان الفلسطيني صقر القتيل
(Zawyeh بإذن من) صقر القتيل، “بدون عنوان”، باستيل على ورق، 50×35 سم، 1990

قراءة في قصة عماد الدين عيشة: «الوطن الرقمي»
ما يميز هذه القصة عن غيرها هو نموذج اليوتوبيا الذي يصوره الكاتب في الفضاء الإلكتروني. ظهر أول استخدام لكلمة «يوتوبيا» كعنوان لكتاب الكاتب البريطاني توماس مور الذي نشره في العام 1516 ويصف فيه جزيرة خيالية ينعم سكانها بحياة مثالية متكاملة. لغويًا، يرجع أصل الكلمة إلى اللغة الإغريقية: (οὐ + τόπος) وتعني حرفيًا (لا مكان)، ولكن بشكل عام، يُطلق مصطلح «يوتوبيا» على وصف المدينة المثالية التي ينعم سكانها بالسعادة والعدالة والمساواة والخير والسلام، وبالتالي فهي خالية من الشر والظلم والفساد والحرب والإجرام. تكررت كلمة «يوتوبيا» في قصة «الوطن الرقمي» أكثر من مرة، حيث أشار الكاتب إلى كتاب الفارابي «آراء أهل المدينة الفاضلة» وقال إنه مستوحى من كتاب «الجمهورية» لأفلاطون، كما ذكر نموذج المدينة المنورة كمثال واقعي للمدينة الفاضلة في عهد الرسول محمد، حيث قال الراوي: «كان للعرب يوتوبيا في عهد الرسول، ولكنها انهارت بعد ذلك».
تتمثل جوانب اليوتوبيا في سرد نهاية سعيدة، وذلك بتأسيس أول حكومة فلسطينية افتراضية في العالم وعودة جميع الفلسطينيين في الشتات إلى وطنهم الأم وتحرير فلسطين في الفضاء الإلكتروني، وذلك من خلال لعبة افتراضية. وصف الكاتب الوطن الرقمي (الفلسطيني) في العام 2048 بتميزه بتصميم معماري إسلامي معاصر وبوجود مباني لعديد من المساجد والكنائس والمعابد. كما يعتمد على الطاقة الشمسية الصديقة للبيئة، وأهم ما يميز سكانه هو «الابتسامة والسعادة والصحة ومع ذلك فإنهم لا يكتفون بذلك، بل يتطلعون للأفضل في حياتهم، ويستمتعون بذلك، ويأملون دائمًا في مستقبل أكثر إشراقًا، بغض النظر عن مدى جودة الحياة في الوقت الحاضر».
تدور أحداث القصة حول آسا شومر وهو المسؤول عن وحدة الشاباك، جهاز الأمن الإسرائيلي، ومهمته الأساسية هي حماية الأرض الموعودة من الهجمات الإلكترونية التي أمضى شومر حياته المهنية بأكملها في مقاومتها، ولكن تم اختراق نظامه المحمي من هاكر يدعى «هانيبال»، الذي انتشر اسمه كالنار في الهشيم في جميع منصات وسائل التواصل الاجتماعي، بالطبع، اختيار الكاتب اسم «هانيبال» ليس مصادفة. نجد هذه الشخصية تلعب دور البطل في قصة «الوطن الرقمي»، حيث قام هانيبال بانتفاضة رقمية ضد الكيان الصهيوني وهجم على البورصة ووسائل الأعلام الإسرائيلية ما أدى إلى هبوط حاد في أسهم شركات الاتصالات والطاقة والبنوك ومناها بخسائر اقتصادية فادحة. أثرت هذه الهجمات المباغتة على إسرائيل وأصبحت تباع جوازات سفرها بأبخس الأثمان لأشخاص من أميركا الشمالية وأوروبا، وذلك للمحاولة إلى تعزيز عدد سكان الضواحي في إسرائيل. كما تمت خصخصة جيش الدفاع الإسرائيلي والشاباك نفسيهما، وباع جهاز الموساد خدماته لتجار المخدرات الكولومبيين. وفي خضم الهجوم الإلكتروني، استعان هانيبال بالذكاء الاصطناعي وكتب كلمة «الخوارزمي» على خلفية سطح المكتب على جميع شاشات أجهزة الحاسوب في الشاباك، ولم يتمكن فريق الحماية من إزالتها.
بالإضافة إلى ذلك، كان أحد خطوط الهجوم الإلكتروني هو التعريب، حيث قام هانيبال بتحويل الحروف العبرية إلى العربية ونجح في تبديل جميع أسماء الشوارع بأسمائها الحقيقية السابقة، أي قبل العام 1948. كما بدَّل بجميع الأسماء العبرية أسماء عربية، حتى في خرائط الكتب. يهدف عماد الدين عيشة من خلال هذا السرد إلى تسليط الضوء على الاستيطان الإسرائيلي الذي يتوغل يومًا بعد يوم في الأراضي الفلسطينية ويستولي على ممتلكات الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم. فلو قارنا خريطة فلسطين في العام 1948 لوجدنا الاستيطان اليوم منتشرًا كالسرطان في الأراضي الفلسطينية. لا يخفى على الجميع كيف استولت الحكومة الصهيونية على الأرضي الفلسطينية بعد النكبة والنكسة، وما زالت تمارس سياسية الاستيطان الممنهجة والتعسفية بشكل مستمر. بسبب ذلك تغيرت الخريطة الفلسطينية ومعها الديموغرافيا واللغة والتاريخ، وذلك باستخدام الاحتلال اللغة العبرية لتسمية الأراضي والأماكن الجغرافية والمعالم التاريخية التي يستولي عليها كجزء من بناء الدولة الصهيونية على الأراضي الفلسطينية. مدركًا لخطورة هذا الاستيطان في تقليص ومحو الخريطة الفلسطينية، قام الكاتب عماد الدين عيشة بإعادة تاريخ البلاد الى أصحابها الفلسطينيين وترسيخ هويتهم الأصلية إلى ما قبل العام 1948 عن طريق إعادة أسماء الشوارع والأماكن والمعالم الفلسطينية الى سابق عهدها، ومسح عبرنة الاستيطان الإسرائيلي، حتى نظام الجي بي آس والأقمار الصناعية تحولات إلى اللغة العربية.
في نهاية القصة، تبين أن الهاكر الذي لقب باسم هانيبال هو نفسه آسا شومر، حيث تساءل: «من كان بحاجة إلى تحرير فلسطين إذا كان بإمكانك تحويل إسرائيل إلى فلسطين؟ لن تحتاج حتى إلى بناء عالم جديد، كل ما عليك فعله هو إعادة ترسيم العالم الحالي». تمتاز هذه الحبكة بغموض مثير وأسلوب مميز بطريقة تكنولوجية مؤثرة على إيقاع القصة وسردها للقضية الفلسطينية في العالم الرقمي، التي تحمل في طياتها رسائل ترسخ حق العودة للاجئين الفلسطينيين وإقامة دولة فلسطينية محررة وعاصمتها الأبدية القدس.
من خلال هذه القصة أيضًا انتقد عماد الدين عيشة الوضع السياسي الداخلي الفلسطيني، وذلك بوصف الحكومة بجمهورية الموز: «لم يكن للفلسطينيين دولة واحدة ليحكموها لفترة طويلة. وبدلاً من ذلك اكتفوا بسلسلة من جمهوريات الموز المجزأة». لجأ الكاتب إلى فضاء جديد موازي حيث تسنى له الإعلان عن تشكيل أول حكومة فلسطينية افتراضية في العالم، تتكون من مجلس لشخصيات تاريخية بارزة معروفة بنضالها ضد الاحتلال الصهيوني مثل ياسر عرفات والشهيد عز الدين القسام والناشطة السياسية حنان عشراوي وغيرهم. قال الراوي: «أخيرًا، أصبح للفلسطينيين حكومة واحدة تطفو في بحر رقمي». ختم الكاتب القصة بنهاية سعيدة يتمناها كل فلسطيني بقوله: «وأخيرًا رفرف العلم الفلسطيني على قبة الصخرة وأصبحت القدس عاصمة فلسطين مرة أخرى». الجدير بالملاحظة أن هذه الجملة تحمل في طياتها معانٍ سياسية قوية وتأتى ردًا على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي اعترف رسميًا بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني في 6 ديسمبر 2017، علمًا بأن تاريخ نشر القصة هو 2019.
على الرغم من كتابة القصة قبل الأحداث الراهنة والمأساوية التي يشهدها قطاع غزة منذ شهر أكتوبر 2023 والتي تعجز الكلمات عن وصفها، أشار الكاتب إلى غزة في قصته ووصفها بأنها معسكر اعتقال لكنها: «مستعصية على الكيان الصهيوني ورفضت الغرق في البحر». تؤكد هذه الكلمات المعبرة على مكانة قطاع غزة كرمز للشهامة والمقاومة وجسر للفداء لما تقدمه من قوافل الشهداء، على الرغم من حصارها الشمولي برًا وبحرًا وجوًا، والتطهير العرقي لأبنائها والمجازر المرتكبة بحق الناس الأبرياء، تبقي غزة صامدة رغم الدمار تتنفس فوق الرماد في متحف الأنقاض… غزة خارطة البقاء.

الخلاصة
ناقش عماد الدين عيشة القضية الفلسطينية بطريقة غير مسبوقة، وذلك بتوظيف الخيال العلمي كوسيلة للتعبير عن حق العودة لجميع الفلسطينيين في الشتات إلى أرضهم المقدّسة بعد تحرير بلادهم من خلال ثورة رقمية وإنشاء حكومة موحدة مستقلة في الواقع الافتراضي كما ورد في القصة: «لقد حان وقت العودة». من خلال قصة «الوطن الرقمي»، نجح عماد الدين عيشة في رفع علم فلسطين على قبة الصخرة وسجل اسم فلسطين وعاصمتها القدس في العالم الرقمي بشكل إبداعي مميز. تجسد هذه القصة مسارًا جديدًا للمقاومة عن طريق ثورة تكنولوجية وإنشاء وطن رقمي في الفضاء الإلكتروني، حيث الثوار هم الهاكرز الذين نجحوا في تغيير اللغة العبرية الى اللغة العربية، وضرب الاقتصاد الإسرائيلي وإعادة خارطة الفلسطينيين إلى سابق عهدها أي ما قبل العام 1948. تعتبر القصة نقلة نوعية في تاريخ أدب المقاومة، وتوسع من آفاقه وإبداعاته وتثري السرد الفلسطيني بنماذج فكرية مستقبلية من أجل استمرار النضال. لذلك فإن سرد المستقبل الفلسطيني والاندماج في قضيته المصيرية من منظور الخيال العلمي يجسد روح البقاء والاستمرار في نضاله ضد الاحتلال الصهيوني، حتى تحقيق المنال.

رواد الهاشمي

رواد الهاشمي الدكتور رواد الهاشمي، كاتب وأكاديمي من ليبيا، وعضو هيئة تدريس في جامعة طرابلس - كلية الآداب واللغات. شارك في عديد من المؤتمرات الدولية في الأدب والترجمة، وله عديد من المؤلفات باللغتين العربية والإنكليزية، ونُشرت له أعمال في مجلات دولية مرموقة، من بينها Translation Today, English Studies, Translation Matters, Extrapolation, Interventions, Mashriq & Mahjar, Interdisciplinary Literary Studies, Arab World English Journal for Translation & Literary Studies, and Critique: Studies in Contemporary Fiction.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

2 × 1 =

Scroll to Top
Views: 1