اختراع ناعسة
Bil Arabi
Essay

اختراع ناعسة

لوحة جدارية تُصوِّر نساءً يندبن وينُحن في موكب جنائزي، من مقبرة "راموس" في طيبة بمصر، وتعود إلى الأسرة الثامنة عشرة من عصر الدولة الحديثة (حوالي 1411–1375 قبل الميلاد).

مي المغربي   By • 19 OCTOBER 2026

عن ناعسة زوجة أيوب وتمثلاتها في التراث الشعبي المصري، تكتب مي المغربي مقالًا محرضًا على التأمل.

جلس أيوب، بعدما خسر أمواله وصحته، مع أصدقائه الثلاثة بلدد الشوحي، أليفاز التيماني، وصوفر النعماتي، ليشكو لهم همه. في البداية بكوا معه، بل ووضعوا التراب على رؤوسهم ولطموا وجوههم، وبعد فترة شكوا أن أيوب ربما فعل شيئًا جعل الرب يغضب عليه، فشعر أيوب بالخذلان، فجادلهم، فلما لم يلتفتوا أخبرهم بوضوح أن “نكهتي مكروهة عند امرأتي…”.

لفت نظري أن تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي يذكر فيها أيوب زوجته في سفر أيوب، ذكرها بلا اسم وبعد تسعة عشر إصحاحًا من أصل إثنان وأربعون، شكى أيوب فيهم حالته النفسية والجسدية والخراب المادي الذي يعاني منه والفقد العائلي الذي ينهشه. وكما لا نجد ذكرًا لاسم زوجة أيوب لا نجد أي “حركة جدعنة” منها. كذلك في القرآن الكريم، لا ذكر لاسمها أو لفعل محوري منسوب إليها.

في كتاب الدكتور محمد عمران “موسيقا الغجر المصريين“، الذي جمع  قصص ومدائح من الريف والصعيد في السبعينيات، ذكرت قصة أيوب وزوجته “رحمة”، ونسمع الاسم أيضًا من مكرم المنياوي يغني نسخة موال أيوب ورحمة.

إذن، أين ناعسة؟ أيقونة الصبر النسائي العربي وتحديدًا الفلاحي المصري؟ وكيف يمكن أن أرى أيوب هكذا، وحده، في حين أني عشت عمري مع آخرين نتحرك داخل ثنائية “أيوب وناعسة”؛ المريض والمرافقة، وما تحمله الثنائية من مجازات اجتماعية وسياسية. ربما السؤال الأدق هو: من أين أتى زكريا الحجاوي مؤلف موال “أيوب وناعسة” بهذه الشخصية، بنت عم أيوب وزوجته الصابرة كما حكى، ولماذا أتى بها؟

في الحالتين، ناعسة ورحمة هما رمز للجدعنة والوفاء وتحمل الشدائد ورفض الإغراءات الدنيوية والمحافظة على الشرف. أي أن الحجاوي لم يختلق السمات الشخصية الرئيسية للزوجة، سواء كانت رحمة أم ناعسة، بل هي صورة جديدة لإيزيس، التي جابت مصر لتجمع أجزاء زوجها أوزوريس.

 رحمة (من كتاب موسيقا الغجر المصريين):

“خدت أيوب مشيت يا عيني يم الجبل، أول نهار وتاني نهار وتالت نهار ورحمة ع الجوع والعطاشى صابرة…”

ناعسة (في الموال الذي ألفه زكريا الحجاوي):

“مشيت نهار وتانى نهار وتالت نهار، رابع نهار بالجوع وناعسة صابرة

تشيل بعينها تلاقي عشة في الجبل قدامِها ميه زَلال ومسكره…”

ملحمة “أيوب المصري” أو “أيوب وناعسة”، أذيعت وانتجت بأشكال مختلفة؛ بدأت بموال ألفه زكريا الحجاوي ولحنه محمد عمر وغنته خضرة محمد خضر في الستينيات. ثم كمسلسل إذاعي أذيع على البرنامج العام من تأليف الحجاوي أيضًا، وغنت الموال في المسلسل كل من فاطمة علي وخضرة محمد خضر. كان المسلسل فكرة وإخراج يوسف حطاب، وساعده في الإخراج يوسف مرزوق. وبداية من العام 1968 بدأت إذاعة العرب في إذاعة موسيقى أيوب من تأليف أحمد فؤاد حسن وفي الخلفية كورال يردد الموال الذي ألفه الحجاوي. وفي العام 1969 أخرج يوسف مرزوق مسلسل “ناعسة” من تأليف فوميل لبيب وسيناريو محمد أبو سيف، كمحاكاة لمسلسل أيوب وناعسة الإذاعي الذي ألفه الحجاوي وكان مرزوق مساعده. وللمرة الثالثة يلعب يوسف مرزوق دورًا في هذه الملحمة وينتج في العام 1989 مسلسل أيوب المصري، كسهرة تلفزيونية ولكن هذه المرة من تأليف زكريا الحجاوي ومن إخراج فتحي عبد الستار وسيناريو وإعداد تلفزيوني أحمد عبد السلام.

حرضتني إعادة إنتاج قصة أيوب بشكل متكرر على مدار ثلاثين سنة على التساؤل والبحث عن أصل ناعسة أولًا، وأهمية هذه القصة كنص أدبي قبل أهميتها كمبدأ شعبوي ديني ثانيًا.

أيضًا، يدفعني فضولي إلى معرفة سبب اختيار واستثمار زكريا الحجاوي في تلك القصة تحديدًا دونًا عن قصص دينية أو شعبية مصرية من الريف أثناء جمعه وتدوينه التراث المصري من القرى والنجوع المصرية.  بالتأكيد، يكمن جزء من الإجابة في أنه عمل فني ناجح وشعبوي، فلماذا لا “نحلبه”؟

يتصاعد فضولي كلما شاهدت تلك الأعمال الفنية بسبب جرأة الموقف ككل، وخفة فنانين وجماهير ذلك العصر في التعامل الأدبي مع نص منبثق من نص ديني، ربما هي لحظة نوستالجيا بعيدة عن التعصب الديني، همها الأول والأخير الفن، حتى وإن نضح بالقومية. أحسست أنني أريد تتبع مدى تدخل الحجاوي لتعديل وتحرير النص الديني الأصلي أو القصة الشعبية المغناة في الأرياف ليناسب التعبئة القومية في تلك اللحظة، وكيف يمكن أن يكون اختراع ناعسة جزءًا من تلك التعبئة.


لوحة جدارية تُصوِّر نساءً يندبن وينُحن في موكب جنائزي، من مقبرة “راموس” في طيبة بمصر، وتعود إلى الأسرة الثامنة عشرة من عصر الدولة الحديثة (حوالي 1411–1375 قبل الميلاد).

أفتش في توجهات الإذاعة المصرية آنذاك لأنها كانت الأداة الأهم في تثبيت أركان الحكم فكريًا وثقافيًا، والجهة المضمونة لهذه الاستراتيجية القومية، التي أصبحت مظلة إنتاجية يعمل من خلالها الفنانون، انطلاقًا من خطاب صاغته وزارة الإرشاد القومي للتعبئة الوطنية الفكرية، وهو خطاب يرتكز على إدانة ثقافة وفن العهد السابق وتحديدًا الاستعمار. تدريجيًا دخل فنانون ومثقفون تحت هذه المظلة الإنتاجية ورضخوا وآمنوا بنبذ ما هو غير محافظ، لأنه يدل على حقبة الاستعمار المنفلتة والمخربة أخلاقيًا وثقافيًا. نرى ونسمع في منتصف الخمسينات ذلك الاتجاه ناحية إحياء التراث والاهتمام بالفلكلور، وزكريا الحجاوي كان من أهم  وأشد الداعمين له، وله رأي واضح كتبه في عدد من مقالاته في مجلة الرسالة الجديدة بين 1955 و1957.

“والعجب أن الإذاعة التي عودتنا الإيمان بكل ما ينتجه الكبار من مدرسة التخت والآخذين من متاهات العالمية وأساتذة الغناء اللاقومي، قد عادت اليوم حظيرة الوطن ومالت نحو الفولكلور المصري تقدمه للناس كل يوم، والأعجب، أن سلطان الجاذبية القومية، قد أعاد إلى مصر ملحنيها الغرباء، فها هو عبد الوهاب في ألحانه الأخيرة التي يؤديها سعد عبد الوهاب، واللحن العظيم “ظلموه” الذي يؤديه عبد الحليم حافظ، إنما هي ألحان مصرية دمًا ولحمًا، مصبوبة من القالب الفولكلوري التاريخي”[1]

يرى الحجاوي الفلكلور كسلاح وطني قومي، نابع من فطرة وغريزة ابن البلد وابن القرية اللذان ينتميان إلى الفراعنة. وأننا كلما استثمارنا في سماعه وانتاجه – ولكن بشرط تهذيبه وتنقيته من أي شوائب خليعة – سيعيدنا إلى عظمة بناة الأهرام. وعليه، ركز زكريا الحجاوي في مقالاته المنشورة في مجلة “الرسالة الجديدة” على أهمية الفلكلور في هذه اللحظة القومية، ووصف المناصرين لإحياء الفلكلور بالحافظين للتراث المصري من الضياع، وقال إن الموال هو ثلاجة الثقافة المصرية. وفي العام 1956 كتب بشكل واضح في مجلة الرسالة الجديدة أن الفولكلور يأخذ طريقه القومي، وبعدها كتب أن الأدب الشعبي خاصة المواويل هو أدب وموال سياسي.

بالتوازي مع تسييس الحجاوي للفلكلور، طرح فلكلوره الذي يحبه، فلكلور مهذب ومشذب يخلو من أي لفظ قبيح أو إيحاء جنسي، وركز على الفلكلور المشتبك مع المقاومة والحرب والحب،  ليناسب اللحظة السياسية المأزومة. ما نادى به المثقفون القوميون، وهو منهم: أن كل ما هو مخل أدبيًا أتى من قبل الاستعمار، بينما ابن البلد المصري غير خليع. اهتم الحجاوي بسيرة أبو زيد الهلالي الذي يستشهد بها في كثير من مقالاته، يحب الحجاوي تلك السيرة بكل نسخها، حتى شبه عبد الناصر به، وبحسب وصفه، أبو زيد هو الشخصية الروائية الأقرب لفطرة المصري والعربي، ومن هنا وجدت اسم “ناعسة”. للأسف، تخلو مراجع تراثية هامة من هذا الاسم. ربما مع كل هذا الإعجاب – ولأن لا ظهور لناعسة قابلني حتى الآن سوى في ذلك السياق – استلهم الحجاوي الاسم من قصة “الناعسة بنت زيد العجاجي”، التي كانت حكاءة تحكي عن عرب بني هلال وعن زواجها من أبو زيد الهلالي وعن أبيها زيد العجاجي. اختار الحجاوي ناعسة ونحَّى اسم رحمة، لكنه احتفظ بصفاتها.

في مقاله “المداحون”[2] يشرح لنا الحجاوي حبه لسيرة أيوب ويدلل بها (مع سيرة ابو زيد الهلالي) على الداعين بأن المصريين شعب غير روائي، إنما شعب غنائي. ويرى أن في تأليف المصريين لتلك السيرة قدرة روائية عجيبة، ويشرح لنا لماذا رحمة وكيف، فيقول: “ولكنهم بفطرتهم الدراماتيكية الطبيعية، تلك الفطرة المتكونة في الشارع وعلى تراب التجارب الدنيوية التي تعلو بثقافتنا.. أدركوا أن شخصية النبي في جوهرها قد تقلل من التأليف الاسطوري ولا تزيده اكتمالًا، فمالوا إلى تنمية الشخصية الثانية وجعلوا منها البطل لأسطورتهم، وهي زوجة هذا الإنسان الصابر، واستطاعوا بذلك أن يفتحوا للخيال مجالًا رائعًا لتصور سماوات صافية، وللتأليف فرصة نادرة”.

بالفعل، أرى الخيال فيما قدمه المداحون القدامي في قصة أيوب ورحمة، بل إني معجبة بذكائهم في صياغة معادلة متزنة بين احترام النص الديني وبين التأليف أعلى منه. أيضًا، الحجاوي معجب بتلك النقطة فيخبرنا: “وتقرأ النص الشعبي لسيرة أيوب فترى المداحين العمالقة أخذوا مما نص عليه الدين في سيرة النبي جوهره، وذوبوه في تضاعيف أسطورتهم، أما نص الحوادث كما ذكرها الدين فلم يلتفتوا إليها كثيرًا، ذلك لأنهم يعرفون أنهم ينتجون دراما أسطورية ولا يكتبون تاريخًا”.

لكني لا أرى أي أفق جديدة في “ناعسة”، ولا أجدها تقدم ما لم تقدمه “رحمة”، بل أنني أفهم مدى الاندماج الشعبي مع محنة النبي أيوب في موال “أيوب ورحمة” لدرجة أن ونيس كتبه، وغير أحواله في نص شعبي يوازي النص الديني، خاصة وأن موال “أيوب ورحمة” – حسب الحجاوي – بدأ ظهوره في فترة المماليك، وهي فترة – من الناحية الأدبية – مليئة بالتأليف واللعب والتجارب في اللغة، التي كانت مليئة بالقباحة والهزل والسخرية، ولا أتخيل أنه يمكن أن نرى ذلك اليوم مثلًا.

أيضًا، يظهر أيوب التوراتي غاضبًا وغير راضٍ بالبلاء، بينما يظهر أيوب في القرآن صابرًا تمام الصبر. نحى الحجاوي في مواله الصورة التوراتية لأيوب ورسم له صورة أقرب للسلبية، ذلك أنه لا يتحدث إلى ناعسة ولا يتفاعل مع أحدٍ حوله، بينما أيوب الغجري يتحدث مرة مع الديدان التي تنهش جسده، ويرد على رحمة ويكلم نفسه ويكلم ربه ويكلم الجمادات، حتى إنه يظهر ندًا لرحمة حتى وهو في القُفة.

يمكننا تصور أيوب كحيز عام، وناعسة كحيز خاص، فكما تمت برمجة الحيز العام على الصبر والاستسلام والرضا بحكم ولي الأمر، سواء كان الله أم الحكومة في عهد عبد الناصر، وُضع نظام المرأة؛ أن تكون صابرة وراعية وألا تترك زوجها في أحلك الظروف الاقتصادية. حتى إننا نجد الموال في فيلم الزوج العازب لفريد شوقي وهند رستم، يعمل كجزء من الموسيقى التصويرية – التي وضعها حلمي بكر – أثناء اكتشاف زوجاته الثلاث بأن لديه زوجة رابعة، يشتغل الموال ضمن الموسيقى التصويرية ليذكرهن بأن عليهن الصبر على وضع كهذا.

“ناعسة خدت أيوب في مقطف من الأشيم منه تفوح المسك ويا العنبره

مشيت نهار وتاني نهار وتالت نهار، رابع نهار بالجوع وناعسة صابره

تشيل بعينها تلاقي عشة في الجبل أودامِها ميه زلال ومسكره

قامت على العشة فرشتها دره من بعد نومه على الحرير العنبره

ناعسة سابت أيوب وطلعت على البلد وأهي رايحة تشحت فى البلاد العامره”

بالنسبة إلي، أهم ما يطرحه موال زكريا الحجاوي بشكل ضمني هو ألا تعمل ناعسة، يمكن لها أن تتسول وتبيع شعرها، لكن فكرة العمل غير مستحبة أو مطروحة في الموال.

“شعركِ اللي على الخلخال جدايل من ورا

ما دام شحتي العيش تبيعي شعركِ

اللي على الخلخال جدايل من ورا

أن كنتِ يعني على البلاوي صابرة

قالت لهم بس اشتروا وأنا أبيع لكم”

يختصر لنا الحجاوي في مقالاته رأيه حول دور المرأة في المجتمع فيقول: “المرأة في بيتها ترعى أسرتها وتقوم بواجباتها العامة، وتحكي حكايات للأطفال”. نلمح مرة أخرى تأكيده على أن ناعسة أيوب يجب أن تكون كناعسة أبو زيد الهلالي، حكاءة تملأ فمها بمغامرات البطل، وتحتفظ بها حتى يتعب فتلفظها لتصبره على البلاء بدلًا من مساعدته ومساعدة نفسها. يوازي ذلك أيضًا أن سياسات عبد الناصر فرضت تناقضًا بين المساواة في دستور 1956 الذي أكد على حق التعليم والعمل لجميع الفئات، وبين الحملات الدعائية لتنظيم الأسرة وتقويض دور المرأة ومكانتها، عبر اختزالها في دور الأم والزوجة، خاصة في الأعمال التي لا تضمن تعبئتهن من أجل المشاركة في الإنتاجية العامة. يظهر التناقض بأن ليس كل الأعمال ترحب بالنساء، طالما لن تضمن التعبئة الانتاجية العامة، وأن قانون الأحوال الشخصية والمجال الخاص محافظ، يتحكم فيه رب الأسرة. فارتدت الدولة الناصرية عباءة المحسن والحامي لمواطنيها. بالتزامن مع حل الأحزاب ومنهم الاتحاد النسائي المصري، والحزب النسائي المصري. فاحتكرت الدولة وتحكمت في قضايا النساء وتحركاتهن. حيث لا أيدولوجية أو ذاتية مستقلة مرحب بها كما في الموال.

“تقف على الأبواب تنادي يا محسنين

حنوا على واحد عليل جسمه انهرى

يمدوا أياديهم ويدوها اللقم

وتقول يا رب لحكمك صابره

شافوها ستات البلد دول ودول

ماعنتيش تيجى في بلدنا يا غندره”

أعود وأحاول تفكيك دور ناعسة الذي لا يقدم جديدًا عن رحمة، وأرى أن انشغال الحجاوي بحفظ التراث عن طريق حفظ المواويل قضى على أن يكون له أفق أوسع لدور للبطلة ناعسة، بما أنه لا يستطيع أن يلعب كثيرًا مع شخصية أيوب بسبب مكانتها المقدسة، فوضع ناعسة في قالب يختزل دور المرأة في لحظة التحرير ليحقق أحلامه عن الفولكلور، ويتسق مع سياسات ناصر تجاه المرأة البطلة أو شكل المرأة البطلة، لأنه يراها مع الموال “ثلاجة الفن المصري” ويرى أن العلاقة بين الأطفال وأمهاتهم تتمثل في أن يحفظوا المواويل عبر الهدهدة قبل النوم على سبيل المثال، فبالنسبة إليه، وحسب ما كتبه في مقاله “كيف ندون تراثنا الشعبي” فإن خروج المرأة للعمل والاستعاضة عنها بـ”الدادة” هو أكبر خطر يهدد التراث.

ربما سيظل الغموض يلف المووايل والقصص الشعبية التي لا نعرف تاريخًا دقيقًا لإنتاجها، ولا نعرف مؤلفيها. لكن لحظة إعادة إنتاجها ستظل تطرح أسئلة حول أسباب إحيائها وستشكك في أصالتها، خاصة وإن أعيد إنتاجها لسبب سياسي. كما يدفعني التفكير في الأصالة إلى التفكير في نظرية إعادة الاستشراق، أو استشراق الذات. يبدو أن الحجاوي، في لحظة إعادة إنتاج للفلكلور المصري كفعل مقاوم للاستعمار، استخدم نفس أدوات الاستعمار الاستشراقية في محو وقصقصة وتخريب هذا التراث ليتسق مع فكرته عن الشرق. يحرر الحجاوي ويعدل ويختار ما يتسق مع فكرته عن فطرة المصري، ويمحي غير ذلك. وبينما يرتكز استشراق إدوارد سعيد على كيفية بناء الغرب لـ”الشرق” و”الغرب”، فإن إعادة الاستشراق ترتكز على كيفية تقبُّل المُنتجين المثقفين ذوي الانتماءات الشرقية لشرقٍ مُستشرق، سواءً من خلال الامتثال للتوقعات المُتصوَّرة للقراء الغربيين، أو من خلال التلاعب بها، أو من خلال تجاهلها تمامًا. في الحالتين، يحدث انتهاك للأدب أو التراث الفني أثناء إعادة إنتاجه. لأن الأصل يخرب ومن ثم يختفي ويبقى المنتج المرضي عنه الذي يحمل اتجاهًا معينًا سواءً كان سياسيًا أو اجتماعيًا في دوامة من إعادة التدوير، ليخدم مصالح السلطة المنتجة والراعية له، فيصبح هذا التراث مادة استهلاكية كالشاي والسكر، مسلٍ ولذيذ، لكن غير قابل للتفكيك أو لقراءته في مجال أوسع من لحظة إعادة انتاجه.

يكمن الارتباك في فكرة إعادة الاستشراق من قبل المثقفين الشرقيين هو أنهم لم يعودوا يتعرضون للآخر (الغرب) فقط، بل إنهم في خضم عملية طويلة ومركبة من تحويل أنفسهم إلى آخر، عبر تحديد مواقعهم الجديدة تحت مظلة مقاومة الاستعمار في قمة الهرم، متمتعين بهيمنة معرفية وسياسية ناعمة، تمارس التمييز والتهميش ولكن بشكل معاكس لتمييز وتهميش المستعمر للفلاحين، مثلًا كما رأينا سخرية الحجاوي من ابن المدينة.

تُشير نظرية إعادة الاستشراق إلى مكامن الخلل في تواطؤ الشرقيين فيه. فعلى سبيل المثال، يميل هذا التواطؤ إلى توسيع الهوة بين الشمال والجنوب العالميين، بدلًا من ردمها، وهو هدفها المُتباهي. بمعنى ما، فإن إعادة الاستشراق، و/أو الذين يُنصّبون أنفسهم “مترجمين”، يُترجمون ثقافة إلى/لصالح ثقافة أخرى، أو يكتشفون تراثًا على حساب تراث آخر، لديهم دور مزدوج يتمثل في فتح قنوات التواصل – مثلما جاب الحجاوي مع فرقته الفلكلورية قرى مصر وروسيا – ولكن أيضًا في الفصل بين الجانبين، أي ابن القرية وابن المدينة، واحتقاره لابن المدينة لأنه اتسخ بأفكار الاستعمار والعهد البائد. يأتي هذا الفصل كعتبة مهمة لأنه يُضفي أهمية متزايدة على الدور الثقافي.

بالنسبة إلي، يحمل سفر أيوب تحريضًا على التأليف والتحرير، لأنه أولًا وأخيرًا سيرة ذاتية كتبها أيوب عن نفسه بنفسه. رغم أن الأصحاحين الأول والأخير مكتوبين بصيغة الغائب، ومن المفارقة أن من كتبهما هو صديق أيوب الرابع “أليهو”، الذي حرر النص بل ووضع نفسه كحكيم ينصح أيوب قبل أن يأتي الرب بنفسه ليكلم أيوب ويهدئه. أليهو المحرر شجعنا على التعامل بخفة مع ذلك النص، وبسببه لا أستطيع ألا أتخيل لو أن الحجاوي موجود الآن بيننا، وشرع في إعادة إنتاج قصة أيوب، كيف سيقدم ناعسة في ظل ذلك الاختناق السياسي؟

[1] الموسيقى الشعبية سلاح في معارك التحرير، الرسالة الجديدة، عدد 39، 1 يونيو 1957.

[2] المداحون، الرسالة الجديدة، عدد 42، 1 سبتمبر 1957.

مي المغربي

مي المغربي كاتبة وصحفية من مصر، تخرجت في كلية الآداب جامعة الإسكندرية قسم علم نفس في العام 2019. نشرت عددًا من القصائد والنصوص والمقالات النقدية والحوارت في عدة مواقع وصحف، منها مدى مصر، مجلة فم، مدينة، معازف، آخر قصة، Arabpop، چيم، باب مصر، سرد أدبي. حصلت على منحة المورد الثقافي لإنتاج روايتها الأولى «الخروج من غيط العنب» في العام 2023.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Poetry

مي المغربي: الأحلام – أيضًا – موت

16 JUNE 2026 • By مي المغربي
مي المغربي: الأحلام – أيضًا – موت
Uncategorized

مقتطف من رواية مي المغربي: الخروج من غيط العنب

24 NOVEMBER 2025 • By مي المغربي
مقتطف من رواية مي المغربي: الخروج من غيط العنب
Arabic

قصة قصيرة لمي المغربي: النوم أمام قهوة الجمهورية

30 JUNE 2025 • By مي المغربي
قصة قصيرة لمي المغربي: النوم أمام قهوة الجمهورية
Arabic

ممكن نتواصل مع حضرتك؟

20 JANUARY 2025 • By مي المغربي
ممكن نتواصل مع حضرتك؟

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

seventeen − ten =

Scroll to Top
Views: 1