اليوم التالي للجائزة

رسم بلا عنوان لأوبري بيردزلي

بسمة الخطيب   By • 5 OCTOBER 2026

تسأل بسمة الخطيب عن ما يحدث بعدما ينال كاتبٌ جائزة، الإجابات مثيرة للاهتمام، وعلى الأخص من يرى أنها لعنة!

“كاد ’النمر الأبيض‘ أن يلتهمني”، هذه العبارة المعروفة للكاتب الهندي أرفيند أديغا، الفائز بجائزة بوكر الدوليّة العام 2008 عن روايته “النمر الأبيض”، تلخّص حال الكثير من الكتّاب الفائزين بجوائز أدبيّة تجلب لهم الشهرة والأضواء والأنشطة الاجتماعيّة والثقافيّة حول العالم، مع ما تحمله من أمان ماليّ واعتراف معنويّ وتكريس. لكنّ الكتّاب والنقّاد والمراقبين لحركة الجوائز وحال الفائزين بها يُجمعون على لحظة الارتباك والتوتّر والقلق التي يعيشها الفائز غداة التتويج. هكذا باح الفائزون بأنفسهم واشتكوا للصحافة والأصدقاء والناشرين والوكلاء الأدبيين، وهم طالما فعلوا بالتوازي مع تعبيرهم عن السعادة، فماذا عن انعكاس الجائزة ومفاعيلها على إنتاجهم الأدبي؟ سواء كَتب الفائزُ المتوّج كتابًا واحدًا أو عشرة كتب، بعد عام من التتويج أو عقد، ما قيمة تلك الكتب وكيف هندَست الجوائزُ البنيانَ الأدبيّ منذ نوبل للآداب وحتّى اليوم؟
عربيًا، بعد أربعة عقود من جائزة العويس وعقدين من الجائزة العالميّة للرواية وخمس عشرة سنة من جائزة الشيخ زايد واثنتي عشرة سنة من جائزة كتارا، وغيرها من الجوائز العربية وتلك الدوليّة التي نافس الكتّاب العرب عليها وفاز قلائل منهم بها (مثل نوبل وبوكر العالميّة) التي اتّسمت بالشهرة الإعلامية والاعتراف الثقافيّ والإقبال الجماهيريّ وكذلك القيمة الماليّة، توجّهنا بالسؤال إلى عدد من النقّاد والصحافيين العاملين في الحقل الثقافي لنسألهم كيف يقيّمون عمل الكتّاب بعد نيلهم الجوائز، وكيف ينعكس التتويج على المنجز الأدبي؟

سعادة ثم ضغط وارتباك
لأنّها اختارت الجوائز موضوعًا لأطروحتها في جامعة السوربون، توجّهنا أوّلًا إلى الصحافيّة اللبنانية كاتيا الطويل التي تستعدّ لإصدار كتاب حول هذا الموضوع، بعد أن تعمّقت في دراسته وتحليله أكاديميًّا وليس صحافيًّا فقط، والتي لفتت بدايةً إلى تهافت الكتّاب العرب وغير العرب على الجوائز الأدبيّة وسعادتهم بنيلها أيّما سعادة، ما تراه أمرًا طبيعيًّا، تحديدًا وأنّ اللحظات الأولى للفوز لا تتّسع لتقدير المستجدّات والعواقب، حيث تقول الطويل:
“لا تفوتنا حقيقة أنّ الجوائز تُعدّ مُشجّعة ومُخيفة في آنٍ واحد، نظرًا لأنّها تُمارس نوعًا من الضغط على الكاتب الفائز، حيث تحاصره أسئلة من نوع: هل يستحقّ الجائزة التي حصل عليها؟ ماذا سيكتب بعد حصوله عليها؟ هل سيتمكّن من إنتاج عمل جيّد بعد فوزه؟ كيف سيتلقّى القرّاء أعماله الآتية؟ يترتّب عن هذا أثر سلبيّ هائل لا يتنبّه إليه كثر، فهي تكبح إبداع الكاتب الفائز، وتزرع فيه بذور الخوف والتردّد، وتدفعه في الوقت نفسه إلى دائرة الضوء التي قد تشلّ أعماله القادمة إلى حدٍّ كبير، عدا عن أنّ العمل الفائز يتحوّل مباشرة إلى معيار يُقاس عليه كل ما يليه ويصبح من الشائع أن تمرّ الأعمال التي تلي الفوز مرور الكرام. هذا ما حصل مثلًا مع الكاتب التونسيّ البارع شكري المبخوت الذي نال الجائزة العالميّة للرواية العربيّة عن روايته “الطلياني” لكنّ أعماله التي تلتها لم تنل حقّها ولا النجاح الذي تستحقّ، سواء أكانت رواية أو مجموعة قصصيّة… وما يثير الاستغراب هو عجز الكثير من الفائزين عن إنتاج نصوص أفضل بعد فوزهم بجائزة. إنّ الخوف والقلق طبيعيّان لدى أيّ كاتب حقيقيّ، لكنّهما قد يكونان الضربة القاضية للإبداع والحرّيّة في التأليف بعد نيل جائزة مؤثرة. ثمّة عدد ملفت من الكتّاب الذين لم يستطيعوا أن يكتبوا كتابًا واحدًا جيّدًا أو ناجحًا بعد فوزهم، في الحقل الأدبيّ العربيّ والعالميّ، كذلك الذين لم يُعجَب القرّاء بأعمالهم التي تبعت الفوز”.

ومن وحي متابعته الإعلامية والصحافية للإنتاج الروائي الإبداعي يوافق الكاتب السوداني أمير تاج السرّ على فكرة أنّ:

“غالبية الكتّاب العرب المتوّجين بجوائز أدبيّة وحتى الواصلين على القوائم القصيرة لم ينتجوا أعمالاً ترقى إلى المستوى المنتظر، بل إنّ كثيرين منهم يتوارون عن الساحة الأدبية ولا يظهرون إلا خفراً، لكنّ القلّة التي تستحقّ أن نتوقّف عندها ونتعلّم منها والتي تضرب المثل في هذا الشأن هي أمثال يوسا ومحفوظ، لقد أظهرا أنّ الجائزة لم تربكهما- حتى أنّ محفوظ لم يذهب لاستلامها- وذلك لأنّ مشروع محفوظ أكبر من الجوائز، لا يحتاج إلى التصريح بذلك، هذا مثبت في منجزه العظيم. وهذه هي النقطة الأهمّ، الجائزة تختبر مشروع الكاتب، هل يصمد أم ينحسر ويتداعى؟ ويرى تاج السرّ أنّ قلائل يصمدون. ويختم: “لكنّي أؤكد أنّ الكاتب العربي يفرح بالجوائز لأنّها تقدير معنويّ ولأنّها تعويض مادّي أيضاً والحافز الأهمّ في ظلّ غياب الحقوق المادّية للكاتب أو بشكل أدقّ في ظلّ ضعف قيمتها وكونها لا تُقارن بالمجهود والوقت اللذين يبذلهما الكاتب المبدع”.

ماذا يجري داخل عقل الفائز؟
إن كان تلقّي القرّاء والنقّاد للأعمال بعد الجوائز محيّرًا، ولا قاعدة له، فإنّ الحيرة تتملّك الناقد السعودي طارق الخواجي في شأن آخر هو “القبض على ما يحدث في عقل الفائز بجائزة أدبيّة“. يتّفق الخواجي مع جميع من استطلع “المركز” آراءهم حول مشاعر السعادة المرتبطة بالتقدير والتتويج سواء لعمل محدّد بعينه، أو عن مجمل الأعمال والذي يكون غالبًا بعد مسيرة محكومة بالحركة والإنتاج، ولكنّه يستدرك قائلًا:
“هناك ما لا يمكن القبض عليه، وتحديدًا عندما نحاول أن نفهم تأثير الجائزة من خلال عمل الكتابة بالتحديد. لا أظن أنّ الأمر مرتبط بالكاتب العربيّ دون غيره، فهذه المسألة تبدو كونيّة من خلال ما نقرأه في الكلمة التي يقدّمها الفائز ليلة تتويجه، ومن خلال كتاباته اللاحقة، وربما من خلال سيرة ذاتيّة أو غيريّة تقع تحت أيدينا. أكتب في هذا الأمر مركّزًا على الكاتب العربيّ تحديدًا لأنّه هو من يهمّني في الأصل، لكنّني أفكّر في الموضوع من خلال أمر الجوائز في كلّ مكان”.
ما يجري في عقل كاتب بعد الفوز قد يكون غامضًا لنا، وننتظر سنوات لنفهمه ونحلّله لأنّه ينعكس بالتأكيد في أعماله اللاحقة إن تدفّقت أو خفّت وإن غابت أيضًا.
في هذا الشأن لا يتردّد الصحافي المصري سيّد محمود في ملاحظة تقلّص الإبداع الأدبيّ بعد التتويج، يقول:
“إن دخلنا عقل الكاتب بعد الفوز لن نعثر على أولويّة للكتابة الأدبيّة، وذلك نتيجة طبيعيّة للتغيّرات الضخمة التي تصيب الكاتب بعد فوزه بجائزة كبيرة أو مؤثّرة لأنّه يُلاحَق من وسائل الإعلام ويُطلب منه مثلًا كتابة زاوية صحافيّة أسبوعيّة أو يوميّة أو مقالات، إضافة إلى إجراء المقابلات الصحافيّة والدعوات الاجتماعيّة، فيأخذ هذا من وقت الكتابة الإبداعيّة إن لم يبتلعه كلّه، وليس ضيق الوقت وقلّة التركيز هما الأمر فقط بل ما يُعرف بالبلوك أو الحبسة، إذ يسأل الكاتب المتوّج نفسه عمّا يمكنه أن يقدّمه ليحافظ على هذه المكانة – وهو ما لم ينشغل به في إنتاجه السابق – لذا يتأخّر في تقديم عمل جديد، وحين يأتي ذاك العمل المنتظر في العادة لا يكون بالجودة نفسها، بسبب الارتباك بإدارة لحظة ما بعد الجائزة، ربّما أفلت نجيب محفوظ من هذا الفخّ لأنّه بعد الجائزة وتداعيات محاولة اغتياله وجد نفسه يعيد تأمّل الحياة، فأنتج نصوصًا ذات طبيعة متفرّدة مثل “أصداء السيرة الذاتية” و”أحلام فترة النقاهة” فرضها عليه ظرفه الصحّي واتّسمت بأقصى درجات الاختزال، إذ لم يعد في ذهنه ما يسمح له ببناء عوالم كالتي بناها في السابق”.
الحبسة التي لفت لها محمود قد تتحوّل اعتزالًا كما يشير الناقد المصري شعبان يوسف وكأنّ اليوم التالي للفوز هو حفل تتويج واعتزال معًا، ويفصّل فكرته بالقول:
“بعض الكتّاب يعرفون أنّ محطّة الحصول على الجائزة، ما هي إلّا فرصة للتقدّم نحو محطّات أخرى، ولكني أعرف كتّابًا وكاتبات كادوا أن يعتبروا الجائزة محطة أخيرة، وأنا حزين جًدًا لتوقف كاتبة موهوبة مثل المصرية أمينة زيدان بعد أن حصلت على جائزة الجامعة الأمريكية عن روايتها البديعة ’نبيذ أحمر‘، منذ أكثر من عشر سنوات لم تُصدِر عملًا واحدًا، نأمل ونتمنّى لها العودة بعمل جديد، وما حدث لأمينة زيدان، حدث للكاتبة الراحلة سميّة رمضان، وقد حصلت على الجائزة نفسها منذ أكثر من خمسة عشر عامًا ولم تنشر بعد ذلك، كأنّهما انتظرتا الحصول على الجائزة لتتوقّفا عن الكتابة، عكس الكاتب نجيب محفوظ الذي حصل على أعلى الجوائز الأدبيّة في العالم، وهي جائزة نوبل العام 1988، لكنّه لم يتوقّف، وظلّ يكتب حتّى اقترب من نهاية العمر. الأمر لا يتعلّق بالجوائز، بقدر ما يتعلّق بالكاتب، وتقديره للكتابة وحبّه لها، واحترامه لدورها في حياته وفي حياة الآخرين، بعيدًا عن مستويات الربح والخسارة التي تجلبها الكتابة، فالكاتب الجادّ يظلّ يكتب طالما أنّ الكتابة بالنسبة له انعكاس لحياته بعيدًا عن أيّ جوائز، حتّى لو كانت نوبل”.

سياسات النشر غداة الجائزة
يأخذ طارق الخواجي النقاش إلى منطقة مختلفة حين يلفت إلى أنّ الأمر يتعدّى إنتاج الكاتب الفائز، فالجائزة لا تؤثّر على إنتاجه (أو اعتزاله) فقط بل على سياسات النشر والترجمة وغيرها، يشرح قائلًا:
“لا يجادل اثنان في أنّ الجوائز صنعت شيئًا حيويًا للمشهد الروائيّ والمعرفيّ وحتّى في أعمال الترجمة، لكن على الأقل في الجانب الروائي تحديدًا هناك الكثير من الظواهر التي تبدو مربكة للمشهد وربما تكون خطرة عليه، ولعل أبرزها في أنّ دور النشر العربية وفي ركابها الروائيّ نفسه، أصبحت تخطّط للجائزة بشكل مصمّم وشبه منهجيّ، في محاولة الإلمام بجوهر مزاج لجان التحكيم، والإيمان بوجود المحاصصة التي لا قيمة لها في حقيقة الكتابة الإبداعيّة، وتورّط كثير من حكّام الجوائز في الميول الوطنيّة أو العلاقات الشخصيّة وهو ما يُضعف الموثوقيّة والمهنيّة التي يجدر باللجان التمسّك بها من دون توجيه أو دوافع. هذا بالطبع يذهب بالكتابة الروائيّة نحو اتّجاهات نجدها بين أيدينا عندما نقرأ لروائيّ فائز ونتساءل كيف حدث هذا، ويزداد التعجّب عندما نقرأ له ما كتبه فيما بعد”.

النجاة من مقام الفائز
تستذكر الصحافية الليبية رزان نعيم المغربي مقولة يوسا عن نوبل “حكاية خرافية لأسبوع وكابوس لعام“، حين كادت الدعوات والمقابلات تحرمه من الوقت الضروري للكتابة، غير أنّه تجاوز ذلك العام، وواصل كتابة الرواية والمقال حتى أواخر عمره، وتضيف المغربي:
“ما يلفتني في تجربة يوسا أنّه لم يتوقّف عن القراءة، ولا عن الاهتمام بما يكتبه من جاؤوا بعده، بالذات الأجيال الشابّة، كنت أقرأ بإعجاب مقالاته عنهم وأرى في ذلك جانبًا من قدرته على النجاة من مقام الفائز. لقد بقي قارئًا فضوليًّا، ولم يتعامل مع نوبل على أنّها تمنحه الحقّ في الاطمئنان إلى ما أنجزه. أمّا جوزيه ساراماغو فقال إنّه بقي بعد نوبل الشخص نفسه ولم يغيّر عاداته أو أصدقاءه أو انتظامه في العمل، ولم تحوّله الجائزة إلى رجل أفضل أو أسوأ. ربّما كان قادرًا على قول ذلك لأنّ نوبل جاءت بعد أن تكوّن مشروعه وترسّخت علاقته بالكتابة. عندما تصل الجائزة إلى كاتب في مرحلة النضج تختلف وظيفتها عن الجائزة التي وصلت إلى كاتب في بداية الطريق. وهنا تحضرني تجربة سعود السنعوسي الذي كان في بداية مسيرته حين فازت روايته “ساق البامبو” بجائزة دوليّة، استطاع التجاوز، من دون البقاء أسير الرواية المتوّجة، وانتقل في أعماله التالية بين أشكال معماريّة وموضوعات وأسئلة مختلفة، أكّدت وميّزت حضوره الروائيّ. أمّا محمد النعّاس، الذي فاز عن روايته الأولى “خبز على طاولة الخال ميلاد”، فقد وضعته الجائزة مبكرًا أمام امتحان الرواية التالية، لكن الحكم عليه الآن يظلّ مبكرًا، ومن الصعب تقييم تجربته، والقول إنّه تجاوز الفوز أم توقّف عنده”.
وتشير الطويل إلى بعض أشكال محاولات النجاة:
“نقع على كتّاب كثر وضعوا كتبهم بأسماء مستعارة ليحاولوا التملّص من شهرتهم وفوزهم السابق، منهم طبعًا على رأس القائمة كاتبة هاري بوتر، ج. ك. رولينغ التي وضعت كتبها بعد سلسلة هاري بوتر باسم مستعار، لكنّها، على ذلك، لم تنجُ من النقد ولا من المقارنة. اعترف عبد الوهاب العيساوي أنّه بعد نيله الجائزة العالميّة للرواية العربيّة تردّد كثيرًا قبل النشر وأخفى مخطوطه الأوّل بعد الفوز لمدّة قبل أن يجرؤ على التفكير في نشره. واحتاج محمّد عبد النبي قبل استئناف الكتابة، إلى الابتعاد عن الأضواء وصخب الإعلام والقرّاء بعد النجاح الرائع الذي نالته روايته “في غرفة العنكبوت” في العالم العربيّ والغربيّ. يقول عبد النبيّ إنّ كلّ كاتب يحتاج إلى أن ينزع عن نفسه نجاح كتابه السابق ليتمكّن من الانتقال إلى كتاب جديد وهو أمر صعب وخطر بمكان”.
يقرأ الناقد الفلسطيني تحسين يقين النجاة التي تحدّثت عنها المغربي والطويل من زاوية الحذر والتيقّظ، فبرأيه حصول المبدع على جائزة يضعه في موقع الاهتمام بالمنجز الجديد، بحيث لا يتراجع عن المستوى، ما يجعله يبدع بوعي خاصّ وحذر أيضًا، ولكن هل هذا يكفي؟ يجيب يقين قائلًا:
“ليس دائمًا. حصول المبدع على جائزة لا يعني ضمان تطوّره، حيث قرأت لكتّاب متوّجين أعمالًا أدبيّة سبقت تتويجهم أكثر إبداعًا من منجزهم بعد الحصول على الجائزة. ينطبق هذا على الأجناس الأدبيّة وكذلك الفنّية، لذلك بيت القصيد هنا هو وجود مسار إبداعيّ خاصّ ومتمكّن لدى المبدع، يستمرّ فيه في ظلّ وجود جوائز وفي غيرها، من دون أن نغفل أنّ الحصول على الجائزة يؤثّر إيجابًا على المبدع، فهي تمنحه مشروعيّةً ودفعة إلى الأمام”.
تُلاقي المغربي يقين ويوسف في نقطة “المسار الإبداعيّ” لافتةً إلى نقطة حسّاسة وهي:
“أنّ الجائزة تكشف المسافة بين نضج العمل الذي فاز ونضج المشروع الذي يقف وراءه. قد يكون العمل جديرًا بالتتويج، بينما صاحبه غير مستعدّ بعد لما يصنعه التتويج من اسمه. ما أتوقّعه، أنّه في اليوم التالي للفوز يجد الكاتب نفسه أمام قارئ مختلف، وناشر متأهّب، ونقّاد يقرأون عمله اللاحق تحت ضوء العمل المتوّج. ترتفع التوقّعات، ويُحسب أيّ تفاوت بين العمل الفائز وما يليه تراجعًا، مع أنّ التفاوت طبيعيّ في كلّ تجربة أدبيّة. وأحيانًا يكون الكتاب التالي جيّدًا، لكنّه يبدو أضعف لأنّ الجائزة ضخّمت سابقه في وعي القراء، وجعلته مسطرة يقيسون بها بقيّة أعمال صاحبه. تُبقي الجائزةُ العملَ مفتوحًا للنقد”.

اللعنة
وضع الصحافي المصري حسن عبد الموجود عبارة “لعنة” عنوانًا لمساهمته في هذا التحقيق. الأمر عنده ليس مجرد ضغط وتوتّر وارتباك ولا هو اعتزال أو استراحة، وقال شارحًا:
“إذا أخذنا نوبل كمثال، يمكن القول إنها تتحوّل إلى لعنة في بعض الحالات. نوبل تضع الكاتب تحت ضغط الشهرة، وتفرض عليه إيقاعًا جديدًا، وتقلب حياته. يحضرني الكاتب الأمريكي سول بيلو بعد فوزه بنوبل العام 1976 ناعتًا الجائزة بأنها قُبلة الموت. وبعد حصول وليام فوكنر عليها العام 49 قال هيمنجواي إنّ أحدًا لا يمكنه كتابة رواية جديدة بعد نوبل. هيمنجواي حصل عليها بعد ثلاث سنوات على مقولته، أي في العام 52 وعانى في كتابة عمل يضاهي جودة أعماله الشهيرة. الأميركيّ جون شتاينبك هو أدقّ مثال على اللعنة، قال إنّ الكاتب حين يحصل على نوبل يسأل نفسه: ماذا يمكن أن أكتب بعدها؟ شتاينبك أجاب بنفسه، حين حصل على الجائزة العام 62 ولم يكتب عملًا آخر حتّى مات. أي أنّ نوبل صارت مقبرته. الياباني كينزابورو أوي فاز بها العام 94 وأعلن أنّه سيتوقّف عن الكتابة للعناية بابنه المصاب بتلف الدماغ. صحيح أنّه كان قرارًا اختياريًّا، لكنّه مرتبط بإحساس الكاتب بأنّه وصل إلى الذروة ويستطيع أن ينهي علاقته بالكتابة. كاواباتا حصل عليها العام 68 وانتحر بعد أربع سنوات اختناقًا بالغاز. أورهان باموق حصل عليها العام 2006 وكان قبلها حديث العالم، فأين باموق اليوم؟ هل تقاعد؟”
يعرف عبد الموجود أنّ باموق لم يتقاعد وأنّه أصدر أعمالًا بعد نوبل لكنّ شهرته سبقت الجائزة، وحول ما إذا كانت نظرته سلبيّة لما بعد الجائزة بالمطلق أجاب:
“الجوائز الكبرى وما يرتبط بها من ثروات مفاجئة وجماهيريّة قد تؤذي الكاتب، لكن من حسن الحظّ أنّ ذلك ليس القاعدة”.
يستعمل الصحافي المصري إبراهيم عادل أيضًا “اللعنة” في مقاربته لما يلي الجائزة الأدبيّة، لكنّه يقول:
“لحسن الحظّ أنّ المشهد الأدبيّ عندنا متعدّد المستويات في هذا الأمر، فلدينا من لم يتوقّف بعد روايته الفائزة، واستطاع ببساطة أن يصدر عملًا بل عملين، ربما تتفاوت نسبة النجاح وتختلف عن الرواية الفائزة، ومن استطاع أن يتجاوز الرواية الفائزة بالفعل في الكتابة والأسلوب والنجاح أيضًا، مثل بعض الفائزين بجائزة البوكر العربيّة، وأركّز بشكل خاصّ على الشباب الذين وصلوا إلى القائمة القصيرة أو فازوا بالفعل بالجائزة، ذلك أنّ الأكبر سنًّا من المفترض ألّا تضيف الجائزة لهم كثيرًا، فلديهم مشاريعهم الكتابية الراسخة، وأتوقّف هنا عند ثلاثة مؤلّفين فازوا بالبوكر العربيّة، هم محمد حسن علوان، وسعود السنعوسي، ومحمد النعّاس. ورغم أنّ تجربة علوان الروائية تسبق بسنوات روايته “موت صغير” (المتوّجة 2017)، لكنّ القرّاء والنقّاد يعرفون تمامًا أنّ تجربة “موت صغير” في الكتابة والتناول مختلفة تمامًا عن كلّ ما سبقها، حيث خرج أخيرًا من عالم روايات القصص العاطفيّة، إلى رواية تاريخيّة تتمثّل سيرة ابن عربي بشكل متميّز ومختلف، ويشير البعض إلى أنّ علوان حاول الاستفادة من تجربة الرواية التاريخيّة في روايته التالية “جرما الترجمان” 2020 ولكن لم يحالفه التوفيق، بالإضافة إلى انشغاله بالعمل كمدير لهيئة النشر والترجمة في السعوديّة بعد ذلك. ولكن يختلف الأمر مع السنعوسي، الذي عرفه القرّاء والنقّاد من خلال روايته “ساق البامبو” (المتوّجة 2013) فرغم أنّه أصدر قبلها “سجين المرايا” إلّا أنّه يعتبر “ساق البامبو” روايته الأولى الحقيقيّة، وسرعان ما تجاوزها برواية أكثر ثراءً وتحمل قضايا شائكة أكبر وهي “فئران أمّي حصّة” العام 2015، ورغم النجاح الجماهيريّ الذي لقيته تلك الروايات فإنّ السنعوسي واصل الكتابة والتركيز على أفكاره وعالمه فخرج برواية “حمام الدار” العام 2017، التي تختلف عن كلّ ما سبق من خلال البناء الذي اعتمد على التجريب بشكل كبير، ولا يزال يواصل الكتابة والنجاح. أمّا محمد النعّاس فقد فازت روايته الأولى “خبز على طاولة الخال ميلاد” العام 2022 بالجائزة العالمية للرواية العربيّة وهو أصغر الحاصلين عليها عمرًا، وأثارت بعد فوزها جدلًا كبيرًا في بلده ليبيا باعتبارها رواية تهاجم المجتمع الذكوريّ والقوالب المجتمعيّة النمطيّة، فانتقل إلى القصّة القصيرة، وأصدر مجموعته “مكان لا تجوبه الكلاب” في عام الجائزة نفسه، ولكنها شأن المجموعات القصصيّة لم تحظ برواج كبير، ثم تلا ذلك برواية ساخرة ومختلفة هي “العراك في جهنّم” العام 2024، لم يكن حظّها كبيرًا في القراءة أيضًا، ليصدر مؤخّرًا رواية “الرحيل إلى الجنّة” وأظنّ أنّ حظوظها ستكون أوفر في القراءة والنقد. هذه النماذج الثلاثة توضح أنّ الأمر يختلف تبعًا لاهتمامات كلّ كاتب ورؤيته، وأنّ بعضهم يتمكّن بالفعل من تجاوز ما تمنحه له الجائزة من نجاح وانتشار، وبعضهم الآخر لا يمثّل لهم ذلك الانتشار شيئًا، هو فقط يتابع الكتابة”.
لا يعترض الناقد التونسي طارق عمراوي على صفة “لعنة” ولكنه لا يتبناها، فهو يشبّه الحصول على الجائزة بالصعود إلى قمّة، الوصول إليها صعب ولكن الحفاظ عليها هو أصعب بكثير ويقول:
“يصير الكاتب في مرمى النقّاد والمتابعين الجديّين والخبراء، ما يتطلّب منه جهدًا مضاعفًا ومراجعات عديدة فهو يعرف ويتوقّع أنّه سيتعرّض للمقارنة مع النصّ الفائز، لذلك انهار كثيرون على طريق القمّة وسقط آخرون عنها، هؤلاء ليست أعمالهم لعنة أو غولًا يبتلعهم بل أشبه ببيضة الديك، إذ يفشلون في تقديم مادّة إبداعيّة أو فكريّة تضاهي ما قدّموه قبل الجائزة”.

من لم يفوزوا
ثمّ يوسّع الخواجي دائرة النقاش ليشمل من لم يفوزوا، لافتًا إلى أنّ فوز اسم واحد بين عدد من المتنافسين في لائحة ما يعني خيبة الآخرين. يقول:
“ثمة نقطة لها تأثيرات عجيبة على الروائيين، وهي الترشيحات المتكرّرة من دون الفوز، وحتّى في حال الكلام عن كاتب عربي مرشّح لنوبل كلّ عام، هذه الترشيحات تلعب دورًا كبيرًا في الإحباط الذي يظهر على إنتاج الأديب والروائيّ والشاعر، ما يجعلني رغم إيماني بتأثيرات الجوائز الإيجابيّة، أراها تعمل كصندوق باندورا الذي يفتح الباب على مصراعيه في المحامد والمصائب التي تلمّ بالكتّاب، وتجعلهم في فقّاعة وهميّة من الإنجاز من دون أن يكون ذلك مرآة لكتابتهم التي تكرّست مرّة واحدة من خلال الجائزة أو الترشيح لها، بينما ينتظر القرّاء منهم كتابةً قادرة على التواصل معهم بشكل مؤثّر وحقيقي”.
وتنظر الطويل إلى من لم يفز نظرة إيجابيّة، فهي تقول إنّ عدم نيل جائزة يمنح الكاتب قدرًا من الحرّية والإبداع. هذه ليست مواساة أو مجاملة لكنّها نتيجة دراسة وأطروحة تجملها الطويل بالقول: “الجوائز الأدبيّة تُساعد الكُتّاب على دخول عالم الأدب بقوّة، وعلى تغيير مسارهم المهنيّ، وهي تُشكّل من دون شكّ نقطة انطلاق نحو الشهرة والنجاح، مع ذلك، يُدير كلّ كاتب هذا النجاح المفاجئ وفقًا لثباته النفسيّ، ويُوظّف هذا المجد وفقًا لعاداته ومكانته في المجال. يتعامل كلّ كاتب مع الفوز والشهرة بطريقته، لكنّ الأكيد أنّ الجائزة قد تُلحق أحيانًا ضررًا كبيرًا بصاحبها وبمسيرته”.
يوافق محمود على الفكرة قائلًا: “في الحالات التي تمكّنت من متابعتها دائمًا ما يشكّل الفوز بجائزة كبيرة مأزقًا واضحًا لدرجة أننا لا نكاد نذكر كاتبًا عربيًا كبيرًا تمكًن من أنتاج عمل مؤثّر بعد فوزه بالجائزة، وحتّى كلّ الكتاب الذين أنتجوا أعمالًا بعد التتويج لا يمكن مقارنتها بما قبل الجائزة، لا تحضرني أسماء أدباء عالميين، لكن في العالم العربي نعم يمكن القول إنّ السمة الغالبة هي هذا التراجع. الدفقة الخاصة بالإبداع بشكل فيه مغامرة وقدرة على التخلّص من الضغط الإعلامي تكون أفضل في غياب الجائزة”.

التتويج اختبار آخر
يخلص يقين إلى أنّ اليوم التالي للتتويج هو بداية امتحان من نوع خاصّ، امتحان الكاتب مع الصورة التي صنعتها الجائزة له. قد يحوّلها إلى عتبة يتقدّم منها، أو تتحوّل إلى سقف يظلّ أسيره سنوات. ويبدأ الصعود على سلّم النجاح حين يستعيد علاقته الأولى بالكتابة، بعد أن تنطفئ أضواء المنصّة ويخفت التصفيق، ويبقى بينه وبين العالم نصّه.
وفي الختام تؤكّد الطويل أنّ المراحل التي تلي الفوز بجائزة هي الأصعب، “تدفع الجوائز الكاتب الفائز إلى صدارة المشهد الأدبيّ؛ إلاّ أنّ هذا الاهتمام الجماهيريّ قد يتحوّل إلى رهاب من الكتاب التالي. إنّ الشهرة المفاجئة والساحقة تُصيب الكاتب بذهول، فهو يُدرك أنّه قد بلغ ذروة مسيرته المهنيّة بطريقة أو بأخرى، فيتوجّب عليه أن يقرّر ماذا سيكتب وكيف سيكتب”…
الكتّاب الذين لا يفكّرون في الجائزة بقدر ما هم في حاجة ماسّة إلى التعبير عن أفكار وهواجس وتصوّرات للعالم لا يمكن أن تبقى حبيسة صدورهم هم من يتّجه تفكير الخواجي نحوهم وهم من يشعرونه بالفرق، أكثر بكثير ممن ينتظرون جائزة أو تقريرًا صحفيًا أو مقاطع إعجاب في وسائل التواصل الاجتماعي يقوم الكاتب أو الكاتبة نفسها بعرضها للمتابعين في تسوّل للتقدير مؤلم.
وتختم المغربي بالإشارة نحو ما تسمّيه “أصعب اختبارات اليوم التالي للتتويج” وهو اختبار أن ينظر الكاتب إلى عمله الفائز بمسافة نقديّة، يرى فيها عناصر قوّته وما يحتاج إلى تطوير، ويتعامل مع اختيار لجنة التحكيم بوصفه تقديرًا لعمل بعينه، استحقّ التتويج، وتقول:
“عندئذ يبدأ الامتحان الحقيقي. إمّا أن يستعيد الكاتب علاقته الأولى بالكتابة بعيدًا عن التصفيق، وإمّا أن يظلّ يطارد لحظة التتويج. وربما تقوده المطاردة إلى تكرار الصيغة التي نجحت، أو إلى استعجال عمل لم ينضج، أو إلى صمت يطول لأنّه لم يعد قادرًا على الكتابة والتجاوز”.

بسمة الخطيب

بسمة الخطيب بسمة الخطيب، كاتبة وصحافيّة ومحرّرة أدبيّة. حائزة على إجازتين في الصحافة، والتربية قسم الطفولة المبكرة. عملت مراسلة لإذاعة بي بي سي العربيّة، وصحافيّة في عدد من الصحف والمواقع الالكترونيّة مثل "السفير" و"الحياة" و"المدن"، وفي قناة "براعم" وإذاعة "صوت الشعب"... أصدرت مجموعة من الكتب منها: رواية "حائكات الأزل" ورواية "برتقال مرّ"- دار الآداب، و3 مجموعات قصصيّة "دانتيل"- دار المدى، "شرفة بعيدة تنتظر"- دار الآداب، "نحر الغزال"- منشورات المتوسّط. تُرجمت بعض كتبها إلى الإنجليزية، أبرزها "برتقال مرّ"، "قنديل ألمى"، "حديقة منسيّة"، "شيء ناقص في عالمي".

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Essays

قوائمهم وقوائمنا

1 JUNE 2026 • By بسمة الخطيب
قوائمهم وقوائمنا

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

twenty − 19 =

Scroll to Top
Views: 1