في مديح الصوت العالي

"امرأتان" للفنان إدغار ديغا

كريمة أحداد   By • 14 SEPTEMBER 2026

صوت كريمة أحداد العالي، من أين جاء، ولماذا استمر؟ وكيف احتفظت في داخلها بكل أولئك الصاخبات.

قضيتُ سنواتٍ طويلة من حياتي وأنا أحاول أن أخفض صوتي. أن أتحدّث مثل “النساء المهذّبات والرزينات اللواتي يتمتّعن بحسّ أنوثةٍ عالٍ”، أن أكون “رقيقة” و”وقورة”، لأن الفتيات الوقورات يتحدّثن بصوتٍ خافت. كان لديَّ اعتقاد راسخ أنّ صوتي العالي عيب، صفةٌ مشينة عليَّ التخلّص منها. أخجل من نغمات صوتي، ومن اللكنة الأمازيغية التي تطبع حديثي بلغاتٍ أخرى، ومِن تمرّد كلماتي وخروجها عن طوعي وأنا أتحدّث في موضوع يعنيني، إذ تنفلت وتطير عاليًا، بالرغم من محاولاتي ضبطها وتغليفها بالهدوء والرّقة.
بلغتُ الثالثة والثلاثين الشهر الماضي، وما زلتُ الفتاة نفسَها، يرفض صوتيَ العالي أن يغادرني، بالرغم من المجهوداتِ كلِّها التي بذلتُها من أجل تدريبه على الهدوء والخفوت.
سمِعتُ عباراتٍ من قبيل “اخفضي صوتكِ”، “اسكتي، سيسمعوننا”، “لا تفضحينا”، في اليوم ألف مرّة.
مع أنني لم أكُن أتفوّه بأمور سيّئة، ولم أكن أفشي أسرارًا، ولا أغتاب أحدًا. كنتُ، ببساطة أبدي رأيي في بعض الأمور، وفي القضايا التي تشغلُني، وأحيانًا أعبّر عن غضبي على أوضاع ما، واحتجاجي على أشياء تؤلمني مثل الظلم والتمييز والقمع والاستبداد والعنف…
لم أكن أنتبِه وأنا أتكلّم أنّ صوتي مرتفعٌ أكثر من اللازم. ربّما يرجع ذلك إلى المكان الذي جئتُ منه، إلى عائلتي الكبيرة والصغيرة، إلى القبيلة التي أنتمي إليها والتي عاشت في الجبال لقرون طويلة، وفي المنحدرات الوعِرة الممتدّة على البحر، حيث كان الناس يتحدثون ويصدحون بأغانيهم وأشعارهم وآلامهم وأفراحهم بأصوات عالية.
لماذا يزعج الصوتُ العالي؟ هل يتعلّق الأمر بحساسية المواضيع التي نتحدّث عنها، أم بالخوف من إقلاق راحة الآخرين؟ ما السببُ الذي جعل الصوتَ العالي يتحوّل إلى نقمة وقد كان قبل ذلك مجرد أسلوب عيش؟
إلى عهد قريب، كانت الحياة في منطقة الريف المغربي، حيث نشأتُ وعاشت عائلتي لقرون، تجري في الهواء الطلق، في الحقول، وعلى سفوح الجبال. كانت البيوت تُبنى متباعدةً، محاطةً بأشجار التين الشوكيّ. لم تكُن هناك هواتف، ولا ميكروفونات، وكانت أجهزة الراديو حتى الثمانينات حكرًا على طبقةٍ معيّنة من المجتمع. في تلك الجبال الوعرة والصخرية، وفي البوادي، والأسواق، والجوامع، كان الناس في حاجة إلى قوة حناجرهم للعيش، يعتمدون عليها لإعلان الزواج والموت والولادات، للمناداة، وللغناء، وتلاوة القرآن، ونشر الأخبار. وكان البرّاحون (المنادون التقليديون) يُعلِنون قرارات شيوخ القرى والقيّاد (القايد هو ممثل السلطة المخزنية في البوادي) في الأسواق إلى حدود خمسينات القرن العشرين من دون الاستعانة بمكبّرات صوت.
جئتُ من هذه البيئة، ولو أنني كنتُ أنتمي إلى جيل التسعينات الذي عرف التلفزيون والهواتف وأجهزة التسجيل، وعاش قريبًا من المدينة، والتحقَ بالمدرسة، وتعلّم لغاتٍ أخرى. كانت ثقافتنا الأمازيغية في الريف ثقافة شفهيةً ، وما زالت. والدليل أننا لا نكتب لغتنا بحروفها الأصلية، ولم ندوّن بالتالي قصصنا وحكاياتِنا وأغانينا وأشعارنا (أسباب ذلك بالطبع متعدّدة ومعقّدة يتداخل فيها التاريخيّ والسياسي والاجتماعي)، لكننا ما زلنا نردّدها ونحتفظ بها إلى اليوم، سبيلُنا الوحيد إلى ذلك ما تختزنه ذاكرتنا وما تنطق به أصواتُنا.
كنتُ في الثامنة عشرة عندما تركتُ مدينتي أول مرّة. والحسيمة – لمَن لا يعرفُها – مدينةٌ صغيرة تقَع في منطقة الريف شمال المغرب، متواريةٌ بين الجبال، ومفتوحةٌ على البحر الأبيض المتوسّط. ذهبتُ إلى العاصمة الرباط للدراسة في معهد الصحافة، وكنتُ أحمل على ظهري أحلامًا كبيرة يتطلّبُ الشروع في تحقيقِها المشي عشر ساعاتٍ في طريقٍ ملتوية ووعرة، والعيش بعيدًا عن عائلتي وثقافتي ولُغتي الأمّ. في الرباط، كان عليَّ التخلّي عن لغتي والحديث بلغة أخرى لا أمتلك مفاتيحها، وأجهل كثيرًا من مفرداتها ومصطلحاتِها، كوني لم أطلع عليها حتى دخلتُ إلى المدرسة في سنّ السادسة، وتعلّمتُها مِن معلّمين ريفيين يترجمون عادةً من اللغة الأمازيغية، أو يتحدّثون بلهجة شمالية تختلف عن لهجة الرباط ومناطق المغرب الأخرى. كان عليَّ التخلّي – بالإضافة إلى التخلي عن لساني – عن نبرتي، وصوتي العالي، وثقافتي، وتبنّي لغةٍ جديدة، بنبرةٍ مختلفة. يشبِه ذلك الانسلاخ عن جلدك، وارتداء جلد آخر، أو حِفظَ دورٍ وإتقان تمثيلِه. أن تصبِح شخصًا آخر غير الذي تعوّدتَ أن تكونَه. ربّما ذلك ما يفسِّر نبرة صوتي التي تتغيّر تمامًا كلّما تنقّلتُ بين لغةٍ من اللغات التي تعلّمتُها واستخدمتُها وعِشتُ بها حياتي حتى الآن.
في هذه الفترة من حياتي، كان الهمّ الذي أحمله والهدف الذي أسعى إليه هو التخلّص من صوتي العالي، وتعلّم الحديث بصوتٍ خافت.
ولكي أتخلّص منه، كان عليّ أن أتخلّص أيضًا من اللكنة الأمازيغية التي تنفلِتُ مني بينما أتحدّث بالدارجة، ومِن عاداتنا وتقاليدنا الريفية، وأن أتبنّى بدلها تقاليد وعاداتٍ جديدة، وأن أرميَ حقائبي التي جئتُ بها من الحسيمة، بلغتها ومفرداتها الإسبانية وتعابيرها ونُكَتِها وأغانيها وحكاياتها وأطباقها وغُربتها و”غرابتها” وغبنها، وأن أترك ورائي تلك الحسيمة الصغيرة التي لا يعرفها أحد، (التي يبتسمون حين يصطدم اسمُها بآذانهم)، بآلامها وماضيها وعنادِها وكِفاحها وتاريخها الأليم والدمويّ. حاولتُ أن أطفئ الأضواء في غرفة رأسي التي تعجّ بالتجارب، بالنساء على وجه الخصوص. يجلسن على الكنبات القصيرة المزركشة في بيوتهنّ البعيدة عن المركز، يمددن أرجلهنّ أمامهنّ وهنّ يتحدّثن ويضحكن بأريحية وينادين أولادهنّ بأصواتٍ عالية. يحكين قصصهنّ الحزينة، ويشتكين من أعباء الحياة ومحنِها، ويصِحن ينادين أطفالهنّ، ويغنّين، ويضربن على البندير، ويرقصن، غير عابئاتٍ بالنوافذ المفتوحة، لأنها تحمل أصواتهنّ إلى الجبال، ولأنّ الجبال تبتلع الكلام وتحفظ الأسرار.
الجبال. ذلك السدّ المنيع بين الرّيف والمركز. بين التهميش والحضارة. بين الصوتِ العالي والصوتِ الخفيض.
كنتُ أشعر بالخجل والغضب حين يقول لي أحدٌ إنني ريفية وإنه اكتشف ذلك بالتحديد من خلال نبرتي. عادةً ما يتبع ذلك ازدراء على شكل مُزاح، أو أفكار نمطية عن الريفيين تصوّرهم على أساس أنهم صعبو المراس وعنيدون، أو أحكام مسبقة عن مدينتنا ومنطقة الريف بشكلٍ عامّ تدعي كونَها منطقةً منغلِقةً على نفسِها، و”تبحث ساكنتُها عن المشاكل”. يقصدون بذلك تاريخ سوء الفهم الطويل بين الريف والدولة المغربية منذ الاستقلال، الراجع إلى إحساس ساكنة هذه المنطقة بالتهميش.
ربّما كان خجلي ذلك نابعًا من الإحساس بالنقص، أنني أقلّ من الأشخاص الذين أواجههم وأتعلّم لغتهم الآن، لأنني أنتمي إلى الهامش، وهم ينتمون إلى المركز، المركز الذي ترعاه الدولة وتهتمّ به، وتشمله برامج التنمية. ولذلك كان عليّ تعلّم لغتهم في المدرسة، حيث مُنِع علينا تمامًا الحديثُ بلغتنا الأمّ. اللغة التي يفترض أن الجميع يتحدثونها في بيوت وشوارع مدينتي.
للإشارة، لم تُرَسَّم اللغة الأمازيغية (التي يتحدّثُها نصف الشعب المغربيّ، أو أكثر) إلا العام 2011، بعد أحداث 20 فبراير التي انبثقت في سياق ما سُمّيَ الربيع العربيّ، وطالبت بإصلاحاتٍ سياسية ودستورية في المغرب.
مع الوقت والممارسة، تخلّصتُ من اللكنة الأمازيغية أثناء حديثي بالدارجة. لكنّ صوتي ظلّ عاليًا: وأنا أضحك، وأتكلّم، وأتناقش بالدارجة في النسوية والدين والأدب والحياة مع صديقاتي في الحيّ الجامعي بالرباط حتى الرابعة صباحًا، ثمّ وأنا أتحدّث بالإنجليزية والتركية واللهجات السورية واللبنانية في إسطنبول لاحقًا.
حتى وأنا أجيبُ باللغة العربية الفصحى في الحوارات التلفزيونية وعلى الراديو بعدما أصبحتُ كاتبة، بينما يتحدّثُ المضيفون دائمًا بلهجاتهم العربية المحلّية. لطالما كان التحدّث بلغة أخرى حتميًا في تجربتي الحياتية. لكنّني فعلتُ ذلك دائمًا بنبرتي، بصوتي العالي.
صوتُ العائلة الكبيرة التي نشأتُ في كنفِها في ذلك الحيّ الصغير والمهمّش الذي يشبه صخرةً ضخمة، بُنِيَت المنازل في منحدراتها الصخرية. من تلك السفوح، شاهدنا مياه المتوسّط الزرقاء المتلألئة، والطريق الرئيسيّ المؤدي إلى وسط المدينة. معظم أقربائنا عاشوا هناك، ما جعل الحيّ ذا صبغة عائلية، يتعايش فيه أناس يعرف بعضهم بعضًا جيدًا، ويدخل فيه الجيران بيوت بعضهم بعضًا من دون مواعيد، يتحادثون عبر النوافذ، ويجتمعون عند الأبواب وعتبات البيوت لتناول بذور عبّاد الشمس والثرثرة.
من نوافذ البيوت، كانت تُطلَب الكزبرة والنعناع، وكانت النساء يلقين السّلام من فوق الجبل نحوَ الطريق وهنّ يطعمن الدجاج ويكنسن روث البهائم. وحين يأتي المساء، يجتمعن في فِناء إحداهنّ ويثرثرن حتى الليل. يحدُث ذلك كلّه بأصوات عالية. المناداة وإلقاء السّلام والثرثرة. حتى بعد أن انتشرت الهواتف على نطاق واسع، كنتُ أرى هؤلاء يلصقون هذه الأجهزة العجيبة إلى آذانهم ويتحدّثون بأصوات عالية، كأنهم يشعرون أن عليهم رفع أصواتهم ليسمعهم محدّثوهم الذين يبعدون عنهم بمئات أو آلاف الكيلومترات.
لم أنتبه إلى مسألة الأصوات العالية في عائلتنا إلا بعد أن خرجتُ من الحسيمة العام 2011 لألتحق بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط. هناك فهمتُ أنّ ثمّة فروقًا جوهرية بيني أنا التي وُلِدت في الريف، ومَن وُلِدوا في مدن المركز أو “الداخل” كما نسمّيه في الريف. مع الوقت والنضج، صرتُ أعود إلى ماضيَّ والحياة التي تركتُها ورائي بفضول، وأصبح همّي أن أفهم أسباب تلك الفروق وأفكِّكَها. ومع أنّها كثيرة ومتشعّبة ويدخل فيها التاريخي والاجتماعي والسياسي والثقافي والجغرافي، ويصعب تلخيصها في مقال واحد، لكنني سأحاول قدر المستطاع الإحاطة بها بإيجاز حتى يفهم القارئ كيف أنّ أشياء صغيرة قد لا ننتبه إليها في حياتنا اليومية تحدّد شخصياتنا وما سنكون عليه، بل وتعطينا فكرةً عن تاريخنا الشخصيّ والعائليّ، وتاريخ مدُننا.
أولًا، يمكن اعتبار أنني أنتمي إلى أول جيلٍ في عائلتي وُلِد وعاش في المجال الحضري. بالرغم من أنّ المكان الذي وُلِدتُ ونشأتُ فيه لم يكن حضريًا بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، إذ كان قريبًا جدًا من مدينة الحسيمة، لكنّ سكانه احتفظوا دائمًا بسلوكيات المجال القروي كما أشرتُ إلى ذلك سابقًا. والداي، اللذان وُلدا في نهاية الستينيات، عاشا جزءًا كبيرًا من طفولتهما في المجال القروي، بمعناه الحقيقيّ، أي في منازل من طين وحجارة، بلا كهرباء ولا مياه صالحة للشرب، يمشيان مسافاتٍ طويلة قبل أن يصلا إلى المدرسة أو الجامع ليتعلما، ويعيش آباؤهما على الفلاحة. انتقل والداي مع عائلتيهما إلى مدينة الحسيمة في بداية الثمانينيات، بسبب ظروف الجفاف والفقر والتطلّع إلى اكتشاف الفرص التي تفتحها المدينة أمامهم.
حتى حدود استقلال المغرب العام 1956، كان أغلب الريفيين متمركزين في القرى، وكان الإسبان يعيشون في المدينة. المدينة التي بنَوها بأنفسهم وأطلقوا عليها اسم “بيّا سانخورخو”، أو “بيّا” بكلّ بساطة، كما يسمّيها الريفيون لحدّ الآن. ومع مغادرة الإسبان، بدأ الريفيون يتوافدون شيئًا فشيئًا على المدينة، باحثين عن فرص شغلٍ فيها، أو عن القرب الذي تتيحه لهم مِن المدارس ومن المستشفيات والخدمات العمومية، وهي كلّها أماكن كانوا ما يزالون يقطعون مسافاتٍ طويلة مشيًا على الأقدام أو على دوابهم أو حتى في حافلاتٍ مكلِفة في سبيل الوصول إليها.
في القرى، لم يعِش الريفيون في تجمّعات سكنية كثيفة أو “دواوير” بالمعنى الحقيقي للكلمة. إذ كانت العادة تقضي أن تُبنى البيوت بشكلٍ متفرّق، وتفصِل بينها مسافاتٌ كبيرة، وتكون، فوق ذلك، محاطةً دائمًا بسياجاتٍ من أشجار التين الشوكيّ. الهدف من ذلك كان حماية النساء اللواتي يعملن غالبًا خارج المنزل، من أعين الغرباء، وحفظ خصوصية أصحاب البيت.
عاشت النساء إذن متحرّراتٍ من أعين الآخرين الغرباء، يشمّرن عن سواعدهنّ ويرفعن فساتينهنّ ويتحرّكن في الفِناء المفتوح بحرّية، يطعمن الدجاج والبهائم ويطحنّ الحبوب ويطهين الخبز في التنّور… من دون أن يشعرن أن هناك أحدًا يراقبهنّ أو يستمع إليهنّ. يكون الرجال في ذلك الوقت قد انسحبوا إلى أشغالهم خارج البيت، لحرث الأرض، أو الحصاد، أو للتسوّق، أو حتى للجلوس في المقاهي. وتبقى النساء وحيداتٍ مع نميمتهنّ وحكاياتهنّ، يعملن وهنّ يدندن الشِّعر والأغاني، ويتسلّين بالحكايات، رافعاتٍ أصواتهنّ عاليًا من دون أن يخشين آذان الفضوليين.
لم يكُن هناك جيران يمكن إزعاجهم، ولا آذانٌ غريبة تطّلِع على الأسرار وتفشيها. لم يكُن هناك سوى الجبال العالية، والصبّار، وسماء الله الواسعة الحُرّة.
ثمّ عبر تاريخ منطقة الريف، لم يكُن الرجال موجودين دائمًا، إذ اضطرّوا دائمًا للهجرة وترك عائلاتهم ليبحثوا عن لقمة العيش في مدنٍ أو بلدان أخرى. غيابٌ قسريّ راجع إلى ظروف متعددة مرتبطة بالاستعمار أحيانًا، وبالجفاف والمجاعة أحيانًا أخرى، وبالفقر وغياب فرص الشغل في بعض الأحايين. هناك من اتجه إلى الجزائر، ومَن عبر البحرَ إلى أوروبا، ومَن سافر إلى مدن مغربية أخرى توفّر أسبابًا أفضل للعيش. ولذلك قضى كثيرٌ من النساء الريفيات فتراتٍ طويلة من حياتهنّ لوحدهنّ أو مع أطفالهنّ. وربّما كان ذلك أيضًا عاملًا جعلهنّ يشعرن بالراحة في التعبير عن أنفسهنّ في ما يتعلّق بمواضيع كثيرة، قد تكون حميمية في بعض الأحيان، من دون الحاجة إلى خفض أصواتهنّ، لأنهنّ لا يخشين اقتحام الرجال لخصوصيتهنّ.
هناك مسألةٌ أخرى ينبغي الإشارة إليها، للأمانة التاريخية، وهي أن معظم الإسبان الذين كانوا مقيمين بمدينة الحسيمة أو وُلِدوا فيها، وخاصة في الأحياء الشعبية مثل “باريو أُبريرو”، كانت لديهم عاداتٌ تشبه عادات كثير من الريفيين في الحسيمة خلال طفولتي، إذ كانت النساء الإسبانيات يحدّثن بعضهنّ البعض من خلال النوافذ بأصوات عالية، وكانت العائلات تجتمع أمام المنازل للجلوس والاستمتاع بالهواء الطلق والثرثرة، وهي عاداتٌ دأبت عليها عائلتي القريبة والبعيدة وجيراننا خلال طفولتي كلِّها. يفتح هذا الواقع التاريخي تفسيرًا آخر لمسألة “الأصوات العالية”، الذي قد يكون جغرافيًا، كون هؤلاء جميعًا ينتمون إلى المنطقة المتوسطية، بالإضافة إلى تأثير الاستعمار الإسباني، وعيش الريفيين جنبًا إلى جنب مع الإسبان على مدى عقود طويلة.
في هذا السياق، هناك تصوّر شائع يقول إنّ شعوب المنطقة المتوسطية بشكلٍ عام تتحدّث بأصوات عالية. أي أنّ شخصًا من إيطاليا أو اليونان أو لبنان قد يميل إلى التحدث بصوتٍ عالٍ أكثر من شخصٍ في ألمانيا أو السويد… ومع ذلك، ليست هناك على حدّ علمي دراساتٌ توصّلت إلى “حقيقة” أنّ “المتوسطيين” يتحدثون بصوتٍ عالٍ. هذا إذا وضعنا في الاعتبار أنّ هناك شيئًا اسمه “إنسان متوسّطي” أو “شعوب متوسطية”. وهي فكرةٌ نسفَها الكاتب التركيّ أورهان باموك في مقالته “دليل أن تكون متوسّطيًا”، واعتبرها “مجرّد لعبة أدبية بريئة لكتّاب شمال أوروبا”.
يميّز علماء اللسانيات الاجتماعية والأنتروبولوجيون بين “علوّ الصوت” و”أشياء أخرى قد يُنظَر إليها على أنّها “صوتٌ عالٍ”، مثل التبادل السريع للأدوار في الحديث، وتنغيم الكلام، وكثرة الإيماءات، والانخراط العاطفي في الحديث”، كما يقترح ذلك الباحث في قسم السلوكيات والتطور والثقافة في جامعة كاليفورنيا غريغوري أ. بريان.
ما هو مؤكّد، أننا كشعبٍ ريفيّ نتحدّثُ بسرعة، وننغِّم كلامنا، ونعبِّر عن أنفسنا بشكلٍ كبير، قد يبدو أحيانًا مبالغًا فيه، ونستعمل تعابير الوجه والإيماءات الجسدية بكثرة أثناء الكلام. وفي عائلتنا، أثناء التجمّعات العائلية، نميل إلى التحدّث جميعًا دفعةً واحدة، ولا يمنعنا الحديث من الاستماع في الوقت نفسِه، بل قد نبدو أحيانًا غاضبين ونحن نتحدّث عن شيءٍ يهمّنا كثيرًا، بل قد يخلط المستمع الخارجيّ عن ثقافتنا بين كوننا غاضبين أو متحمّسين فحسب. مسألةٌ ما زلتُ “أعاني” منها شخصيًا لحدّ الآن.
عندما انتقلتُ إلى إسطنبول العام 2018، فككتُ كثيرًا من “العُقَد” المتعلّقة بشخصيتي وهويتي. ففي هذه المدينة الكوزموبوليتانية التي تضمّ أكثر من خمسة عشر مليون شخص من مختلف الثقافات واللغات والخلفيات، استطعتُ أن أرى نفسي بوضوح، أن أتعرّف إلى ملامحي الحقيقية، وأن أكتشف مكامن جمالِها. كأنّ المسافة إلى بلدي ومسقط رأسي أتاحت لي القدرة على رؤية الأشياء في صورتها الكاملة، واللقاء مع الآخر المختلف كان بمثابة مرآةٍ أرَتني عيوبي وميزاتي. اكتشفت أن الأشخاص الأجانب في مدن مثل إسطنبول يميلون إلى الحديث عن أنفسهم بشكلٍ كبير، وليس ذلك بدافع أنانيّ، وإنما للتعريف بأنفسهم وهويتهم وثقافتهم وسط ذلك المزيج المخيف والمذهل من البشر.
من هذا المنطلق، كنتُ أشرح لزملائي في العمل الذين ينتمون إلى جنسيات أخرى انتمائي الأمازيغي والأفريقي، وأحدّثهم عن الثقافة المغربية، وعن أطباقنا، وموسيقانا، وعن مدينة الحسيمة التي كانت مجهولةً للغالبية العظمى منهم. كنتُ فخورةً بانتمائي لتلك المدينة الجميلة والمهمّشة على نحوٍ أدهشني، مزهوةً بلغتنا المختلفة، بشواطئنا السّاحرة التي لا يعرفها أحد، بشوارعنا الفارغة والنظيفة والآمنة… كنتُ، بكل بساطة، أشعر بشيء كالاعتزاز لأنني مختلفةٌ عن الآخرين.
اختفى ذلك الخجل الذين كان يراودُني كلّما قال لي أحدهم أن أخفض صوتي. وأتمنّى في كثير من الأوقات لو أنني أستطيع استرجاع تلك النبرةِ الأمازيغية التي تميّزني. أصبحتُ، بدلًا من ذلك أضحك وأقول مازحة وأنا أهزّ كتِفَيّ: “دعيهم يسمعون، ينبغي أن يسمع الجميع ذلك، ويعرفوا، ثمّ إنني لا أهتمّ”.
أصبحتُ قادرةً على رؤية الجوانب الإيجابية والجميلة في صوتي. عندما أدخل إلى مكان ما، يعلَم الجميع أنني هناك. وتُميَّز ضحكتي العالية التي تشبه ضحكة أمّي وخالتي من بعيد. لديّ صوتٌ إذاعيّ قويّ وجميل، ويحبّ الناس الاستماع إلَيّ وأنا أتحدّث اللغة العربية الفصحى بلكنتي في الحوارات والمداخلات.
أحبّ كوني صاخبة، ووعيي بكوني صاخبةً لأنني إنسانةٌ شغوفةٌ بما تفعَل وتقول. أحبّ أنني أتحدّثُ عن الأشياء بحبّ، وبحساسيةٍ عالية، وأنني أنسى العالم من حولي وأنا أفعل ذلك. أحبّ أنني لا أتحدّث إلا عن الأشياء التي تشغفُني حبّا. أنني نظرتُ دائمًا إلى هويتي وثقافتي وحياتي مثلما تنظر أمٌّ إلى طفلِها، بحنان وتعاطف ومحبّة، وأنني حافظتُ على مدينتي وعلى الريف المنسيّ بصوتي العالي.
أدركتُ، مع مرور السنوات، أنني أردتُ دائمًا الاحتفاظ بداخلي بأولئك النساء “الصاخبات” اللواتي شكّلن شخصيتي واللواتي تعلّمتُ منهنّ الشجاعة والتعبير ونسج الحكايات. ربّما كنتُ بهذه الطريقة أقول للآخرين إنني موجودة، وسأظلّ، بالرغم من كلّ محاولاتهم لإسكاتي. ألَيست صدفةً رائعةً أنني صاخبةٌ أيضًا في كتاباتي؟ أنني أكتب لأزعج، أنني أحاول منحَ صوتٍ لمَن أسكتهم الظلم وصروف الزمن والحياة، وأنني لا أكتب إلا عن الفقراء والمظلومين والمهمّشين والمنسيين والذين لا يعرفهم أحد؟ أليست الكتابة نفسُها صراخًا صامتًا، لكنْ، عاليًا جدًا في الوقتِ نفسِه، لأنّه يصلُ إلى أبعد الأماكن في العالم ويلامس القلوب في كلّ مكان؟
الصوتُ العالي بالنسبة لي فلسفةُ حياة، وأسلوب عيش، وذاكرة. ذاكرةٌ قوية ضدّ الزمن وضد النسيان وضد الاضطهاد والقهر الذي يحاول إسكاتنا.

كريمة أحداد

كريمة أحداد كريمة أحداد، روائية وكاتبة مغربية مقيمة بإسطنبول. صدرت لها ثلاث روايات «بنات الصبار» و«حلم تركي» و«المرأة الأخرى»، ومجموعة قصصية «جرح أسفل البطن». حصلت على جوائز عِدّة منها جائزة اتحاد كُتّاب المغرب للأدباء الشباب العام 2016، وجائزة محمد زفزاف للرواية باللغة العربية عن روايتها «بنات الصبار» العام 2020. تركّز كتاباتُها على استكشاف المناطق المظلمة والحميمية في حياة النساء، بأسلوب بسيط وساخر وشاعريّ، وتخوض عبر قصصهنّ في تعقيدات الحياة الأسرية وقضايا الاغتراب والحبّ والجسد. تُرجِمت نصوصها إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والسلوفينية.

Join Our Community

TMR exists thanks to its readers and supporters. By sharing our stories and celebrating cultural pluralism, we aim to counter racism, xenophobia, and exclusion with knowledge, empathy, and artistic expression.

Learn more

مواضيع مشابهة

Essays

من الهامش إلى العالم الشاسع

10 AUGUST 2026 • By كريمة أحداد
من الهامش إلى العالم الشاسع

اكتب تعليقًا

لن ننشر الإيميل الخاص بك، الرجاء ملء إضافة جميع المعلومات المطلوبة

16 − thirteen =

Scroll to Top
Views: 1