في أحدث روايات حامد عبد الصمد، مصنع السحاب، يتحول مصنع لقطع غيار السيارات إلى مركز للقتل الرحيم، تسير الأمور وفقًا لترتيب دقيق، حتى يتغير كل شيء في النهاية.
ركبت هاناكو ذات الستة عشر عامًا في المقعد الخلفي للسيارة التابعة لدار الأيتام في السابعة صباحًا، وبدأت رحلتها برفقة السائق إلى الدير التابع للكنيسة في أحضان الجبل. خُيّل لها أن الطريق لا نهاية لها وهما يمرَّان على بيوت متناثرة، ثم غابات، ثم مزارع وبعدها بيوت من جديد. حاولت التفكير في حيوات الذين يعيشون داخل تلك البيوت وفي علاقاتهم وجلساتهم المسائية، لكنها لم تستطع أن تتخيل أيًّا من تلك الأمور، فهي لم تعرفها في حياتها.
غفت قليلًا ثم استيقظت مذعورة على تمايل السيارة التي بدأت بالصعود في طريق متعرج وضيقٍ تصطف على جانبيه أشجار سرو طويلة متناسقة.
بعد رحلة دامت عدة ساعات، وصلت هاناكو إلى الدير، ترجَّلت من المقعد الخلفي متأبطةً صندوقًا من الكرتون المقوى يحتوي على فستانَين متواضعَين وخُفٍّ ومشط. كان هذا كل ما امتلكته طوال الحياة التي عاشتها في دار الأيتام. جاءت بقلب يملؤه الخشوع عازمة على أن تصبح راهبة تمضي حياتها في خدمة الربّ والتأمل والصوم والعبادة. كانت تحب أن تعتقد أن مجيئها إلى الدير كان قرارها هي. لكن واقع الأمر أن القدر، الذي جعلها تعيش منذ ولادتها على هامش الحياة، لم يترك لها خيارات أخرى. فقد كان على كل من تبلغ السادسة عشرة من عمرها أن تترك الدار كي تفسح مجالًا ليتيمات جدد. وهاناكو، المقطوعة من شجرة والتي لم يزرها أحدٌ يومًا ولا وصلت باسمها رسالةٌ واحدة، لم تجد سوى بيت الله كي تلجأ إليه. أخذتها الراهبة الثمانينية كاتشيكو ودلّتها على غرفتها التي ستتشاركها مع راهبة أخرى مريضة، فكان على هاناكو أن تبدأ تقديم خدماتها منذ يوم وصولها.
عند الصباح أخذتها كاتشيكو في جولة لتعرِّفها على المكان. كانت هاناكو مأخوذة بجمال البناء الأبيض للكنيسة المنتصبة على حافة جبل يطل على وادٍ سحيق، تلتف حولها جبال مكسوة بلون أخضر متدرّج ساحر. طلبت منها كاتشيكو أن تتبعها. عبرا الجسر الممتد فوق إحدى البحيرات الصغيرة التي تتغذى على مياه الثلج المتراكم على قمة الجبل وتوقفتا عند منتصفه. كانت الراهبة كاتشيكو تتحدث عن تاريخ الدير ومؤسسيه حين شعرت هاناكو بأنها تنفصل عن جسدها السمين وتحلق فوق المكان كفراشة غير مرئية. شعرت بلحظة غبطة عابرة لم تختبرها من قبل. لم يكن لشعور الغبطة ذاك علاقة بما تقوله الراهبة، كان شعورًا يشبه العودة إلى مسقط الرأس أو عثور طفل تائه على عائلته. تأملت انعكاس الصورة المموّجة للسياج البرتقالي للجسر فوق سطح البحيرة الذي تتساقط فوقه أوراق الخريف، وابتسمت. اختتمت الراهبة الجولة بقولها:
«ستتعلمين الواجبات التي تقع على الراهبات وسيكون دورك في الدير متناسبًا مع قدراتك وسرعة تعلمك».
فرحت هاناكو بالراهبة اللطيفة، التي ذكرتها بـ«هوشي»، إنما عبارة «دورك متناسبًا مع قدراتك وسرعة تعلمك» تركت عندها شعورًا قلّل من فرحتها.
لاحقًا، وبعد أن ظهرت على هاناكو عوارض الضعف في التركيز والتعلّم واستعداد للخدمة، ظهر مع رعاية زميلتها في الغرفة، قرّرت الراهبة كاتشيكو أن تقوم هاناكو بالخدمة كسبيل لرضى الرب أكثر من التفرغ للعبادة.
«كلٌّ منا يعبد بحسب القدرات التي وهبَه الرب إياها»، قالت كاتشيكو.
لم تعترض هاناكو التي غالبًا ما كانت تصارع كي لا تغفو في أثناء عظة يوم الأحد، وتشعر بالدوار والصداع حين تصوم، وتفقد التركيز بينما الراهبة الأم تلقي دروسها. بل على عكس ذلك، اكتشفت أن مزاجها يكون جيدًا وهي تخدم زميلتها أو تكنس وتمسح الغبار وتقوم بترتيب المؤونة في الخزانات. لكنها شعرت بالحزن أنها ستترك زميلتها التي تحتاج إلى خدماتها، وتترك الراهبة كاتشيكو في الدير وتنتقل للعيش في دار الرعية حيث تطبخ وتقدم خدماتها للقسيس.
لم تعد تذكر متى أصبح القسيس يوشيدا بؤرة لحياتها. ربما كان ذلك بعد وفاة الراهبة كاتشيكو. يومها اقترب القسيس منها وراح يرّبت على كتفيها وهي تبكي بحرقة. كانت هاناكو تنظر إلى يوشيدا بإجلال وتشعر بالرهبة حين يدخل المطبخ بثوبه الأسود الطويل الذي يظهره بكامل وقاره وهيبته. وفي المرات التي كان يتناول فيها طعامه في المطبخ، ثم يطيل الجلوس بعد الانتهاء من تناول الطعام ويسألها عن تفاصيل حياتها في دار الأيتام، كانت تشعر بفرحٍ خفيٍّ يشبه الاعتزاز بالنفس.
ومع مرور الوقت، وتكرار جلساته معها في المطبخ، صارت تشعر بالألفة، وبأنّ هناك من يهتم بأمرها. نسيت أنها كانت غريبةً أو وحيدة، ولم يعد وزنها الزائد شيئًا مهمًّا. أحبت قربه، كان يقول لها أشياءَ تجعلها تشعر أنها بخير. «كلنا يتامى يا ابنتي. كل البشر يتامى إلا مَن عادوا إلى درب الله»، قال لها مرة، وبجملته الواحدة تلك ساواها بنفسه وبالآخرين. جملة واحدة جعلت الأسئلة التي لاحقتها طوال حياتها تختفي: لماذا تركني أبواي؟ لماذا لم يتبنّاني أحد؟ كيف لشخص رفضته أمه أن يحبه أي شخص على وجه هذه الأرض؟ ولكن يوشيدا أنقذها بجملته. أنقذها لأنها تصدّقه وليس لسرٍّ في الجملة نفسها. أصبحت تنتظر قدومه إلى المطبخ وتشعر بالخيبة حين يتناول عشاءه مع ضيوف بيت الرعية أو خارج الدير.
وحين يطول غيابه عن مطبخها، كانت تبقى واقفة خلف الشبّاك تنظر إلى الجسر الذي يعبر سطح البحيرة الساكن فترى فيه وجه يوشيدا الباسم والهدوء الذي يملأ عينيه. وعندما تراه يعبر الجسر تشعر بغبطة لا تفهمها.
لم يخطر لهاناكو خلال السنة الأولى في الدير أن مشاعرها تجاه يوشيدا قد تخطت الإعجاب الذي تراه في عيون الراهبات وتسمعه في همساتهن حين يتحدثن عن تديّنه ووقاره. ولا فهمت شعورها بالنصر حين أتت إحدى الراهبات الشابات وحاولت أن تحقق معها بشأن جلسات يوشيدا الطويلة معها في المطبخ «احذري يا هاناكو. الجميع يحترم الأب يوشيدا ويراه فوق الخطأ، ولكن صغر سنك وقلة خبرتك ثغرتان قد تتسلل منهما أفكار الخطيئة»، قالت لها الراهبة ذات الوجه الأبيض الجميل بنبرة فيها بعض الود، لكنها لا تخلو من التهديد قبل أن تغادر المطبخ. وبدل أن تشعر بالخوف أو الإهانة، توجهت هاناكو إلى موقد الغاز وقررت أن تصنع لنفسها فنجانًا من شاي الياسمين، بينما الغبطة التي داهمتها فوق الجسر تخفق في صدرها للمرة الثانية. في عامها الثاني في الدير اختفت كلمة «ابنتي» من جمل يوشيدا وكان قد استبدل بها أولًا «الأخت هاناكو» قبل أن تختفي الألقاب وتصبح هاناكو بلا إضافات. لكن هاناكو التي لم تهبها الحياة فرصةً لتقول لأحد «أبي»، تمسكت بكلمة «الأب» بكل ما اختبرته من يُتم. وبقي يوشيدا في أحاديثهما «الأب يوشيدا». لم تخبره عن الراهبة التي أتت إليها محذرة بشأن جلساتهما معا، فهي ليست غبية إلى حد أن تخسر رفقته، ولا خفي عليها أيضًا أن الراهبات، اللواتي نذرن أنفسهن لحب الله وأقسمن على الابتعاد عن الشهوات والرذائل، ما زلن نساء. ربما استطعن إخفاء المشاعر التي تطال البشر: الرغبة، الحسد، الحقد والغيرة، ولكن لا يمكنهن التخلص منها. لقد سمحن لأنفسهن أن يحببن يوشيدا في العلن بصفته الرجل الذي يمثل سلطة الله، لكن من الصعب على أي منهن إدراك أن جزءًا من ذلك الحب، مرتبطٌ بحقيقة أنها أنثى وأن يوشيدا ذكر.
لم تصدّق هاناكو عينيها عندما لاحظت أن يوشيدا صار يقترب منها جسديًّا، ولم تُبدِ أي ردة فعل حين مدَّ يده للوصول إلى إحدى الأواني فوق الرف ومسَّ جسده جسدها وهي تغسل الفاكهة فوق الحوض. لكن عندما لصق جسده بجسدها في المرة الثانية، بعد عدة أيام، تجمدت في مكانها وكأنها فأر وقع تحت مخلب قط. لم تجرؤ، حتى بينها وبين نفسها، أن تطرح السؤال. تردَّد ذلك السؤال داخل رأسها، لكنها أنَّبت نفسها وهزأت من ظنونها.
كانت في الثامنة عشرة من عمرها ويوشيدا في الخامسة والأربعين حين شعرت بأنه يتقصّد الالتصاق بها من الخلف. وهو، في هذه المرّة، لم يلتصق بها فحسب، بل فرك جسده على جسدها بحركة شديدة الخفة جعلتها تتسمر في أرضها وتشعر بارتفاع في حرارتها. عندما خرج من المطبخ تضاربت المشاعر والأفكار في رأسها، لكن الرفض لم يكن أقواها. إنه يوشيدا! الرجل الذي يفتنها برجولته ورزانته ومعرفته وورَعه… هل يحاول التقرب منها؟ هل هذا معقول؟ هي التي لم يكترث لأمرها أحدٌ ولا نظر إليها رجلٌ برغبةٍ يومًا. كيف تعترض أو ترفض لمسة يوشيدا، الرجل، الوسيم، ذي الطلعة البهيّة التي تتحدث عنها راهبات الدير؟
ذكَّرها هذا الالتحام، الذي صار يتكرّر، بأنها أنثى. وقفت ذات ليلة أمام المرآة، بعد أن خرجت من الحمام للتو وغطت جسدها بمنشفة تلتف حول صدرها وتصل إلى ركبتيها. ظهرت على وجهها ابتسامة وهي تتأمل الأجزاء المكشوفة من جسدها. حوَّلت عينيها عن كتفيها وذراعيها المكتنزتين لتتأمل ساقيها، فوجدتهما ثخينتين قصيرتين. ربما كانت تلك هي اللحظة التي شعرت فيها بشيء من الامتنان تجاه يوشيدا الذي على الرغم من قِصرها وبدانتها، وجد فيها ما يحرك رغبته.